📁 آخر الروايات

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثاني 2 بقلم رباب حسين

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثاني 2 بقلم رباب حسين


شاهد بلا ذاكرة... الفصل الثاني
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم يعد يتذكر اسمه لكنه حين رفع عينيه، كان يكفي حضوره ليُعلن أن الهيبة لا تُنسى.
فارس السيوفي... الرجل الذي سقط جسده ولم تسقط ملامحه.
استيقظ بلا ذاكرة، لكنه ما زال يحمل في نظرة واحدة بقايا رجل كانت تخشاه الحياة.
بالرغم من الحزن الذي سكن قلبه بسبب حقيقة ماضيه، ونظراتهم التي كانت تعبر عن مدى أخطائه وصفاته المخجلة، كان يرى بين طيات تلك النظرات بعض من الخوف، وهذا يعنى أن شره لم يتوقف عند الأخطاء فقط، ولكن تأكد أن بطشه طال الجميع.
رحل عوني بعد أن أكد له عز أن حالته الجسدية والنفسية لا تسمح بالإستجواب أو حجزه بعيدًا عن المشفى، وفي ظل تلك النظرات التي كانت تحيط به، لم يرى سوى نظرة شفقة ممزوجة بالحزن واحدة داخل عين سعد، ثم وقعت عينيه على يارا التي تنظر إليه بتعجب، كيف تغير إلى هذا الحد؟ وكأنه ولد من جديد كشخص آخر.
فارس السيوفي يطالب بأن يحاسب على أفعاله!
نظر إلى عائلته التي تقف بجواره، يتحدثون بغضب وضيق مما فعله ذلك الضابط، أما نيرة فترمقه بنظرات حزينة، ثم اقتربت منه وقبضت على كف يده، قاطعت شروده فنظر إليها ثم عاد يتأمل ملامح يارا من جديد، ثم لاحظ علامات التعجب على وجهها أكثر عندما اقتربت منه نيرة، فنظر إليهم جميعًا وقال: كفاية كلام، لو سمحتو أخرجو كلكم من الأوضة، ماعدا الدكتورة وسعد.
نظرت له نيرة ثم قالت: أنا كمان أخرج يا فارس؟
فارس: أسف، بس معلش أنا محتاج أتكلم مع الدكتورة شوية.
ناهد: يا حبيبتي متخافيش، فارس بس متلغبط وعايز يفهم أكتر، متفهميش الموضوع غلط.
أومأت لها بحزن وقالت: حاضر يا عمتو، هخرج يا فارس.
تركت يده لتغادر ولكن قبض عليها بيده الأخرى، وحاول أن يطمئنها ولا تشعر بالغيرة التي طغت على ملامحها، ثم قال: إديني بس شوية وقت، أنا هفتكرك أكيد، بس استحمليني، ممكن؟
نظرت إلى عمق عينيه، وابتسمت له بهدوء وغادرت، ثم لحق بها باقي أفراد العائلة.
جلست يارا بجواره واقترب منه سعد وقال: أوامرك يا فارس باشا.
فارس: أنا مش عارف ليه مش مرتاح لأي حد حواليا، ماشي يا دكتورة إنتي قولتي إنه طبيعي، بس مش طبيعي أحس بالراحة معاكو إنتو بس.
سعد إنت بتقول إنك تعرفني من قبل الحادثة بأسبوعين، والدكتورة شافتني مرة واحدة، هو أنا لوحدي اللي حاسس إن فيه حاجة مش مفهومة.
يارا: كويس إنك ارتحت مع أستاذ سعد، خليه جنبك على طول.
سعد: ليا الشرف يا باشا، بس أنا عايز أقول حاجة غريبة شوية... الدكتورة يارا، حضرتك كلفتني قبل ما الحادثة إني أدور عليها، والصراحة استغربت لما دخلت الأوضة وشفتها قدامي.
نظر له فارس بتعجب ثم قال: طيب قولتلك دور عليها ليه؟
سعد: لا يا باشا حضرتك مقولتش.
نظر نحوها فرأها شاردة، فقال: ما تفهميني يا دكتورة.
يارا: لأ الحقيقة معرفش السبب، ديه حاجة عندك إنت مش أنا.
تنهد فارس ثم قال: طيب أنا عايز أطلب من حضرتك طلب، إنتي قولتي أخلي اللي قلبي مرتاحلهم جنبي وأبني جدار ثقة بيني وبينهم، سعد خلاص هيبقى معايا، فا بطلب من حضرتك تفضلي معايا إنتي كمان.
يارا: ما أنا معاك وأي وقت هتحب تتكلم هسمعك.
فارس: أنا عارف إن طلبي غريب، بس أنا عايزك معايا على طول، واضح إن عندك خلفية عن حياتي القديمة، أو يعني عارفة أنا كنت بعمل إيه زمان، وعشان كده أنا محتاجك جنبي.
يارا: ما هو عشان عارفة سُمعتك كويس صعب أفضل جنبك طول الوقت، أنا الدكتورة بتاعتك وهنتقابل كتير ونتكلم كتير، وأي وقت هتحتاجني هتلاقيني، ده الكارت بتاعي فيه كل أرقامي حتى الخاصة وعنوان العيادة وعنواني الشخصي كمان، لو حبيت تتكلم معايا في أي وقت هتلاقيني موجودة.
تنهد بحزن، تُرى ما هي حقيقته التي جعلت الجميع ينفر منه؟
لاحظت يارا حزنه فقالت: عمومًا إنت هتفضل في المستشفى وقت طويل لسه عشان العلاج الطبيعي، وأنا هفضل معاك هنا دايمًا لأن فيه حالات كتير في المستشفى بتابعها بنفسي، ولحد ما تخلص علاجك أنا متأكدة إنك هتكون أحسن.
وبعدين واضح إن الأنسة اللي كانت معاك من شوية مهتمة بيك وإنت كمان، ليه بتطلب مني أنا كده.
فارس: أنا مش مهتم بيها، بس هي بنت عمي زي ما بيقولو يعني وكمان خطيبتي، لما لاحظت إنها اتضايقت إني ببعدها عني قولت أراضيها بس.
ابتسمت يارا وقالت: لأ هو واضح فعلًا إن فيه تحول كبير في شخصيتك، غريب بجد، كأنك حد تاني.
فارس بتردد: هو أنا... كنت وحش أوي، صح؟
يارا: خلينا في فارس اللي موجود دلوقتي، ده الأهم حاليًا، مهما كان اللي عملته زمان كان غلط أو صح مش مهم، ربنا إدالك فرصة تصلح كل الغلط اللي كنت عايش فيه، وديه مش بتحصل كتير، وطالما عندك إستعداد تدفع تمن أخطاءك بالشكل ده، فكلنا جنبك وأنا أولهم.
يعد هذا الحديث هو أول ما بعث بقلبه الراحة، كان بمثابة قطرات الندى التي تلامس أوراق وردة زابلة، أعادت لها معنى الحياة والأمل من جديد، ابتسم لها وهو ينظر إليها بامتنان، ففقدت صرامتها للحظات، ونظرت داخل عينيه بهدوء، لأول مرة تلاحظ ملامحه عن قرب، بل لأول مرة تراه بعين مختلفة، فكانت تنفر منه كثيرًا بالسابق ولكن هذا النفور قد بدأ تلاشى الآن.
تحمحمت ثم طلبت منه أن يرتاح قليلًا، ثم خرجت من الغرفة وظل سعد بجواره.
اقترب منها جلال وقال: طمنينا يا دكتورة.
يارا: متقلقوش، كل اللي فيه دكتور فارس دلوقتي طبيعي، وطبعًا ديه أول جلسة ولسه قدامنا وقت طويل عشان يقدر يعيش بصورة طبيعية من غير الخوف والقلق اللي جواه ده، بس أهم حاجة إنتو، لازم تحاولو تبنو الثقة بينكم وبينه وكمان تساعدوه يمكن يفتكر، حتى لو هتحكو ليه كل حاجة عن حياته، بس يعرف هو مين وكان عايش إزاي.
ناهد: تمام يا دكتورة.
تركتهم وذهبت، ثم نظر لهم كمال وقال: يلا نروح بقى، الوقت إتأخر وأنا تعبت من الوقفة ديه.
جلال: وأنا كمان، وأصلًا معاد الزيارة خلص من بدري.
ثم رحلو جميعًا وتركو فارس مع سعد بالمشفى.
___________
في أحد الحارات الشعبية، بين الطرقات القديمة التي تعج بسكانها، وسط الأصوات المرتفعة، والأطفال اللذين يركضون بسعادة خلف تلك الطابة الصغيرة، ومنافذ البيع الصغيرة التي مر عليها من الزمن ما أخفى معالمها الجميلة، ولكن بقت تلك الروح الطيبة لسكانها باقية لم تتأثر بالوقت.
تمشي تلك الفتاة التي ترتدي جلباب مصري أصيل، تضع حجاب للسترة ويظهر منه خصلات شعرها الذهبي، تتمايل بدلال أمام كل من يراها وابتسامتها ترتسم على ملامحها وهي تنظر إلى ذلك الشاب اليافع الذي يقف أمام منفذ بيعه الصغير، تقترب منه وقلبها يتراقص من نبضاته التي لم يفشل بأن يجعلها تدق له هو فقط منذ نعومة أظافرها، ترى نظرات من حولها، من يتمنون منها إشارة واحدة ولكن هي لا ترى سواه.
أما هو فقلبه ملكًا لغيرها، وحين رأها تقترب غض بصره عنها حتى وقفت أمامه وقالت: مساءك نادي يا وليلك منور يا يونس.
تنهد يونس وقال: مساء الخير يا أنسة سماح.
سماح: يوووه، ما تقول سماح على طول يا خويا، هو إحنا نعرف بعض من يومين، ده إحنا عشرة عمر وحارة واحدة وبيت واحد طول عمرنا.
يونس: الإحترام واجب برده يا أنسة، طلباتك إيه؟
تنهدت سماح وقالت: مفيش فايدة، هتفضل طول عمرك مغمض عينك عني وباعدهم كده، هتحس بيا إمتى بس!
يونس: تاني؟! ما إنتي عارفة القلب وما يريد، وأنا راجل خاطب وبجهز نفسي للجواز، وبعدين إنتي جارتي وبنت حتتي ويعز عليا أقولك كلمة تزعلك، بس معلش يا أنسة سماح بلاش طريقة كلامك ديه معايا، وبعدين إنتي عارفة إن خطيبتي بتغير عليا ومش عايز مشاكل تاني في الحارة الله يخليكي.
سماح: أنا كمان بغير عليك ومش بطيق اسمعك بتتكلم عليها قدامي.
زفر يونس بضيق وقال: قولي طلباتك إيه عشان تاخديها وتطلعي بيتك.
كادت تتحدث ولكن قاطعها عندما رأى خطيبته تترجل من السيارة مع عائلتها، فأشار بيده أمامها وقال باندفاع: ثانية واحدة بس وراجع.
ركض من أمامها فالتفتت إليه ورأته يهرول نحوها بسعادة، ابتسامته التي تمنت يومًا ما أن ترتسم على وجهه حين يراها؛ لم تكن يومًا ملكها، ولكن تتفتح على وجهه كالزهرة فقط حين تظهر هي.
تحولت نظرات سماح إلى الضيق، أما هو فوقف أمامها بسعادة، وبدالته هي الابتسام، ثم قال: حمد الله على السلامة يا عمي، إن شالله تكون الأمور بخير.
لم ينظر إليه كمال بل تحدث بعدم إهتمام وقال: خير خير.
رمق ابنته بتعجب ثم ذهب من أمامهما، وظل جلال يتابع ما يحدث بينهما من بعيد بصمت، ولحقت ناهد بكمال.
همس يونس إلى نيرة وقال: كده طول النهار مش بتردي عليا.
نيرة: معلش حبيبي، المستشفى كانت زحمة ومعرفتش أرد.
يونس: طيب يارب يكون فارس بخير، هو عامل إيه دلوقتي.
نيرة: فاق الحمد لله.
يونس: طيب الحمد لله، يا ترى فيه مواعيد زيارة أقدر أروح أسلم عليه يعني ولا لأ.
ارتبكت نيرة وقالت: لأ... ما أنت عارف فارس يعني، مناخيره في السما ومش بيطيق حد، وأنا مش هستحمل يكلمك بطريقة وحشة، وبعدين هو مريض لسه وأكيد مش هقف أتخانق معاه، بلاش يا يونس.
يونس: طيب يا حبيبتي، أنا أصلًا كنت رايح عشان خاطرك يعني، لكن لو هو زي ما قولتي عنه كده يبقى البعد عنه أحسن فعلًا، ربنا يبعد عننا الكبر يارب.
ابتسمت نيرة وقالت: يارب، أنا هطلع بقى عشان تعبانة أوي من الوقفة ومحتاجة ارتاح.
يونس: اطلعي يا عيوني ارتاحي، لو قدرتي تكلميني هبقى مبسوط، لكن لو تعبانة وهتنامي ابعتيلي بس.
نظرت له بصمت، تعلم أنها تخدعه، ترى عشقه النقي يرتسم داخل مقلتيه والذي لا يقل عن حبها له، ولكن طمعها بالمال هي ووالدها جعلها ترتكب ذلك الفعل المهين له، ومنذ أن وافقت على طلب والدها وهي تشعر بالخوف أن يعلم يونس بالحقيقة، عدا شعورها بالخيانة له.
تأمل يونس عينيها التي تنظر إليه وقال: بتبصيلي كده ليه؟
تحمحمت نيرة وجمعت شتات مشاعرها التي تألم قلبها وقالت: مفيش، وحشتني بس فا قلت أشبع من ملامحك قبل ما اطلع.
ابتسم يونس لها بحب وقال: هانت يا حبيبتي، بكرة أكمل حق الشقة ويجمعنا بيت واحد، كل ده عشان أنفذ طلبات عمي كمال اللي أصر على إنك تقعدي في شقة لوحدك بعيد عن أمي وأختي، بس مش مهم فداكي مال الدنيا كلها.
ابتسمت بخجل فوقع نظرها على سماح التي تقف عند منفذ البيع الخاص به، تحولت نظراتها إلى الضيق وقالت: برده سماح يا يونس.
يونس: يا حبيبتي أعملها إيه! بتيجي تشتري طلبات من عندي، وأنا بحاول دايمًا أخلي الكلام بينا على الأد بس هي مش عايزة تفهم.
زفرت نيرة وقالت: خلاص يا يونس عشان مش عايزة أتخانق معاك بسببها تاني.
كادت تذهب فقبض على يدها وقال: لأ متمشيش وإنتي زعلانة، وبعدين ولا سماح ولا مية غيرها يقدرو يخطفو قلبي منك، مفيش حد غيرك وبس يقدر يحرك قلبي ومشاعري يا نوارة عمري.
هدأت ملامحها ثم ابتمست بخجل وقالت: ماشي، تنزل المرة ديه، هطلع أنا بقى.
تحركت من أمامه وهي يتابعها بنظرات عشق، ثم لحق بها جلال وحين وصل عند الدرج قال: لو يونس عرف هتبقى مصيبة.
التفتت إليه وقالت بضيق: مش ديه خطتكو، وخالك مسابش فرصة ليا اعترض حتى، وأنا اللي عايشة في رعب من ساعتها.
جلال: تعالي بس نتكلم عندنا فوق.
صعدا إلى منزلها، حيث يقطن جلال وناهد بوحدة سكنية أمام وحدتها هي وكمال، وحين دخلا وجدا ناهد تجلس مع كمال على الطاولة بعد أن أعدت لهما مشروبًا.
قذفت نيرة حقيبتها بصيق فقال كمال: يادي القرف، طبعًا هتقوليلي سي يونس بتاعك تاني.
نيرة بضيق: يا بابا حس باللي أنا فيه شوية، أنا مبقتش عارفة أبص في وشه ومرعوبة يعرف اللي أنا بعمله.
جلال: ده كان عايز يروح يزور فارس في المستشفى.
ناهد بصدمة: يلهوي، لا مينفعش ده كده كل حاجة تبوظ.
نيرة: اتصرفت يا خالتي متقلقيش، بس وبعدين، إفرضي فارس قلب الموضوع جد؟ إنتي شفتي كان بيبصلي إزاي ولما حس إني اتضايقت لما مثلت عليه إني غيرانة طيب خاطري وراضاني!
ناهد: اه خدت بالي، أنا مكنتش أعرف إنه هيتغير كده، أنا قلت هينسى اه زي ما الدكتور قال، لكن يبقى حد تاني بالشكل ده مش قادرة أفهم.
كمال: وأنا مش شايف في كل اللي حصل ده غير إنه في مصلحتنا، بعد ما كنا بنسف تراب وهو عايش في العز ده كله ومش راضي حتى يدينا مليم سلف، وطالع زي أبوه بالظبط، بقى دلوقتي زي العجينة في إيدينا نشكله زي ما إحنا عايزين.
نيرة: حلو، أنا بقى، مصيري إيه؟!
زفر كمال وقال: إنتي كل مشكلتك لو قلب الحوار جد بس؟ ياريت يا ختي، ياريت يبصلك ولا يقع فيكي ويبقى جواز بحق وحقيقي.
نيرة بحدة: إنت عايز تجنني يا بابا.
وقف كمال وقال: يا بت خلي عندك مخ، لو إتجوزتي فارس هتعيشي في العز ده لوحدك.
نيرة: لأ... إحنا إتفقنا نوصل للشركة والفلوس ونرميه بعيد عننا وخلاص، لكن أتجوزه ده إيه، أنا بحب يونس ومش هتجوز غيره، ولو وافقت على خطتك ديه عشان بس الفلوس والضيقة اللي إحنا فيها، لكن أكتر من كده انسو.
جلس كمال وقال: طول عمرك وش فقر، خلي يونس ينفعك، وبعدين إحنا كلنا معتمدين عليكي، فا سيبك من يونس وركزي في الخطة عشان لما نوصل للفلوس تبقي تتجوزيه، اشبعي بيه.
نيرة: اه هشبع بيه، كفاية إنه بينحت في الصخر عشاني وعشان ينفذ طلباتك اللي حطيتها قدامه تعجيز عشان تبوظ الجوازة، وبعدين إنت مش قولتلي لو نفذت الخطة ديه هنَتعامل يونس حلو، فين بقى؟
كمال: ما سلمت عليه وطلعت، عايزاني أعمل إيه يعني، وبعدين حطو نفسكو مكاني، لو قدامي لبنتي عريسين زي دول هختار مين؟
نيرة: تختار اللي أنا عايزاه، وبعدين يا بابا فارس هيفضل طول عمره فارس، حتى لو متلغبط دلوقتي ومش عارف نفسه بكرة يرجع لجبروته وقوته، ويرجع يدوس على الكل زي ما كان طول عمره بيعمل، لكن أنا عايزة راجل يصوني ويحبني.
ناهد: إنتي عايزة كل حاجة يا نيرة، فلوس فارس وحب يونس.
نيرة: وماله لما اطمع شوية، لكن نخلص بسرعة وتساعدوني عشان أنا مش هقعد في التوتر ده أكتر من كده.
جلال: أنا عن نفسي مش ساكت، والشركة كلها دلوقتي تحت إيدي، وإنتي هتنزلي تشتغلي فيها برده لحد ما فارس يرجع بالسلامة.
نيرة: ماشي، بس أهم حاجة إوعو يونس يحس بأي حاجة.
تركتهم ودخلت غرفتها، ثم نظر كمال إلى ناهد وقال: بت مش عارفة مصلحتها.
ناهد: معاها حق بصراحة، فارس ملوش أمان، عينيه لسه قوية ومش بيسكت، هو ممكن ناسي اه بس لما يرجع لشركته والعز اللي كان عايش فيه هيرجع لأصله.
كمال: يرجع ولا ميرجعش، إحنا ناخد الفلوس وخلاص، مش كفاية المعاملة اللي كان بيتعاملها معانا، ده لوحده كفاية يخليني أرميه في الشارع من ساعة الحادثة مش أعالجه في أحسن مستشفى.
جلال: اللي يسمعك يا خالي يقول دافع من جيبك تمن العلاج.
كمال: اه من جيبي، دلوقتي كل الفلوس ديه بقت من حقنا، هو بس الورق الرسمي وخلاص.
____________
وفي الوقت الذي يتمنى عائلته له أن ينهو حياته المهنية والعلمية، كان هناك من يهتم به من قلبه، شخص غريب عنه لا تربطه به صلة قرابة، لم يعرفه منذ مدة طويلة، ولكن قدر ما فعله معه.
كان يجلس بجواره بصمت، يراقبه بعين القلق، وبعد صمت طويل قال: قولي يا سعد، تعرف إيه عني بالظبط؟
سعد: مش كتير بصراحة.
فارس: طيب مليش أصحاب؟
سعد: مفتكرش، أنا دايمًا كنت بلاحظ إنك بتتعامل مع الناس بطريقة يعني مش طيبة أوي.
فارس: وكنت بتعامل معاك كده برده.
سعد: لأ، أنا غير، منساش اليوم اللي كنت واقف قدام الكباريه وحد سكران كان هيتخانق معاك ووقفت منعته عنك، وقتها قولتلي إنك عايزني أشتغل معاك، ونشلتني من الشغلانة ديه، ربنا يباركلك يا باشا.
فارس: كمان كباريه! طيب عرفت منين إني مقتلتش الراجل ده؟
سعد: عم عبده! ده الوحيد اللي كنت بتضحك في وشه، كان يمشي الخدم كل يوم ويفضل هو قاعد في الفيلا، ده غير إنه مكنش بينام غير لما ترجع ويطمن عليك، ولما كنت أقوله اللي يشوفك يقول عليك أبوه، يقولي ده ابني اللي مخلفتوش وعوض ربنا ليا عن الغالي اللي راح.
عقد فارس حاجبيه وقال: مين الغالي ده؟
سعد: اللي فهمته إن كان عنده ابن في سن حضرتك كده، بس مات، ومن وقتها وإنت بتعامله زيه بالظبط وهو كان بيحبك أوي، عشان كده متأكد إنك عمرك ما تقتله.
فارس: يعني اللي دخل حاول يسرق راح قتله!
سعد: بس مفيش حاجة اتسرقت من الفيلا، وأنا دماغي بتقولي إن اللي دخل حاول يقتلك إنت وعم عبده إتقتل غلط.
انتفض فارس بجلسته وقال: يعني أنا حد حاول يقتلني؟! أنا!
شرد بحزن، ولازال يكتشف حقيقته التي تكسر كل جميل بداخله، خطاياه تهشم قلبه كالزجاج الهش، ترى... ماذا فعلت لتنال تلك النهاية؟
يتبع...



تعليقات