رواية احفاد الثعلب الفصل السابع والعشرين 27 بقلم شريهان سماحة
الحلقة السابعة والعشرين
تطلعا كل منهما لمصدر الصوت .. هو بنظرات مضطربة حانيه يأكلها الأشتياق لطفله العزيز على قلبه ..
وهي بنظرات مرتعبه يأكلها الفزع الشديد .. محدثه ذاتها برهبة منذ متي وهو يسمعهما !
انتفضت من جلستها أمام فراش العجوز بخطوات متعثرة تعود أدراجها للخلف حين شاهدت تقدمه الشرس بإتجاهه وكأنه بات لا يشاهدها قائلاً بتهجم واضح :
- أخبرني لماذا ؟ هل هذا وعدك لي بالا تتركني ؟!
أدمعت عيناي العجوز التي تشبع بنظراتها من تقاسيم وجه القريبة منه وهو يردد بخفوت مؤلم :
- " الَي "
بدموعه تلك فقد سيطرته وبدأ باستياعب الكارثة ، سقط بانهيار تام يجثي علي ركبتيه أمام الفراش ، ليتبعها تساقط دموعه الفريدة في حدث نادر لم يحدث منذ موت والده .. هاتفاً بعتاب محب :
- وعدتني بالإ تبتعد .. وعدتني بمرافقتي مدي الحياة .. وعدتني بأن تكون لي الأب الذي غادرني مبكرا .. وعدتني بأن تكون لي عائلتي وكل شئ بحياتي ..
لماذا لم تخبرني من قبل حتي أستطيع علاجك بما يتوجب عليا فعله !!
ولكن أنا لن استسلم مثلك ليأسك أيها العجوز الماكر و سأنقلك لأكبر مشفيات العالم وستتعالج وستنجوا .. هيا .. هيا ..
قالها وهو ينتفض من جلسته قابضا علي يد العجوز يحثه بتفائله علي النهوض برفقته وباليد الأخرى يمحوا بها دموعه المنسابة علي وجهه بعنف ..
إلا أنه ذهل من تسرب يد العجوز من بين راحة يده .. مرددًا بابتسامة باهته يصاحبها وهن شديد بنبرة صوت ينازع بها من بين الحياة والموت :
- لا فائدة " الَي " .. !!
هز رأسه بحركات عنيفة ترفض بل ينفي جملته بتمني .. ليجثي ثانية أمامه بحالة هستيرية أقرب الي الجنون ظل يردد بترجي من بينها بدموعه الغزيرة :
- كلا .. كلا أرجوك .. لا أريد أن أشعر بذلك الفراق مرة أخرى .. يكفي ما مر بي حتي الأن .. أرجوك !!
عادت أدراجها إلي أن أنصدما ظهرها بحدود الحائط من خلفها وهي لا تصدق ما تشاهده بعينين مشتتة ..
هل القاسي المتحجر يبكي !!
هل هو بالفعل أم ذلك شخص أخر .. يتأثر ، يحن ، يتألم ، يعشق ، يتوسل ، يبكي !
هل هو بالفعل أم أنها تتوهم ، نعم فهي حتما تتوهم بحلم يصعب تحقيقه ، وإذا تحقق فهي في إذا في مشهد نادر من نوعه !
ولكن لما التعجب والدهشة الأن ، فدموعها هي أيضا تسقط بغزارة بل وقلبها ينتفض بقوة من هول المشهد أمامها ..
فالعجوز صاحب القلب الطيب ، وأنيسها في هذه البلاد يحتضر !!
والأجنبي في حالة أقرب للأنهيار الهستري بهيئة طفولية نادرة كالطفل أبن العاشرة حين يودع أبيه لمثواة الأخير !!
تطلعت للعجوز المستسلم للموت وهو يلمس براحة يده المرتعشة وجهه الباكي ليخليها من تلك الدموع ... وهو يهتف علي فترات متباعدة :
- كن ..ت أخشي علييييك عند م..معرفتك !!
أجابه بنبره باكية تهكمية :
- ولكنني علمت ، وياليتني ما علمت !
انخفضت ضربات قلبه بشدة .. ورغم هذا جاهد لأخراج كلماته الأخيرة وهو يتطلع لها بعينين تتوسل في صمت لتنفيذ رغبته :
- ك..ن قوي " الَي "… وأرئف بحالهااا !!!!!
أنتهي بمشاقة بالغة من تلك الجملة لينتفض بعدها جسده بشده من ثباته الواهن علي الفراش .. أنتفاضة جعلت " علي " يهلع خوفا لتبرز مقلتيه الجاحظة وهو يحدقه بتطورات مرضه اللعين .. وما هي الا لحظات .. لحظات !
كان في مخيلته ينوي فيها عمل الكثير لإنقاذه ، ولكنها لم تعطيه الفرصة لتنفيذها ، حين استكان جسده بلا حركه للابد مع تسرب خيط دمائي من فمه في الحال !!
------------------
ظلت تتطلع لضوء القمر المتخفي بين الغيوم الحاملة للمطر والتي تهطل بما تحمله ، ليستكين بزخاته الغزيرة علي زجاج النافذة بجوارها في جلستها الهادئة امامها .. تحتضن ساقيها بذراعيها المنعقدة ، متكئا بذقنها بين ركبتيها .. تشاهد بتمعن قدرة الخالق في خلقه .. شارده بما مر عليهما منذ موت العجوز !
هل العجوز توفي حقاً !
سؤالا مازال يتردد علي ذهنها المغيب كثيرًا رغم رؤيتها للحظات فراقه الأخير .. وأنهيار " علي " على أثرها .. فلولا تعايشها لتلك اللحظات لكانت كذبت جميع من أخبرها بذلك الشئ .. انسابت دمعاتها بتتابع علي أثر ذلك المشهد وهي تتذكر موت الجد !
ذلك الجد الذي رغب في أسعاد الجميع رغم ما يجتاح صدره من ألم ..
رفعت أناملها تمحي بها دموعها المتساقطة مردد ذاتيا برضا .." الحمد لله علي كل حال " ..
فقط تتمني عودة " علي " سليما معافي متجاوزا محنته علي خير .. لا تريد شئٌ أخر ..
علي أثر تلك الأمنية تذكرت كيف كانت حالته عقب موت العجوز .. أنهيار تام أمام جسده الراقد وهو يكذب الواقع بشدة .. فحينها علمت بأنه يعني له الكثير والكثير ، بل يمتلك قلبه لا جزء منه .. كانت تود لو تقترب لتزيح عنه حزنه وألمه .. ولكنها خشيت قسوته ..
وبالفعل تحقق ما كانت تخشاه حين تفاجأت بأنقلاب حالته مائة وثمانون درجة بعد مرور وقت ليس بالهين في حين ظلت هي في ثباتها من خلفه .. حيث أنتفض من جلسته بشخصية " علي " القديمة .. يمحي دموعه بتهجم ليستبدلها بعينين قويتان .. وجسد منتصب .. ومعالم وجه قاسية رغم طبيعتها الوسيمة ..
غادر الغرفة بتجاهل تام كأنها باتت هواء يتطاير دون هيئة أو ملامح محددة .. تجرعت حنجرتها بريبة من حالة النقيض به .. فاستغلت مغادرته وأقتربت ببطء لتودع ذلك العجوز الذي عاهدت منه الحنان والطيبة .. أقتربت ودموعها تحفذت للهطول مرة اخري .. أقتربت لتأكد علي رجائه الأخير لها قبل رحيله ..
هبطت تجثوا أمام جثمانه مردد بإصرار وهي تتمعن في تفاصيل وجهه الشاحبة بقهر :
- حسناً ايها العجوز .. لن اتخلي عنه كما رغبت ورغب من قبلك جدي !!
أقترب أصوات خطوات قاسية بأتجاة الغرفة ، علمت صاحبها جيدا فاسرعت تبتعد لسابق عهدها قبل مغادرته…
لتتفاجئ بدخوله بصحبة جاك ورجال الأسعافات الذين اسرعوا في تنفيذ كل ما يتطلبه واجبهم المهني .. في حين تصاعدت نظرات ذلك الأشقر للقصوى .. نظرات تملكية بانها بات حقه هو !!
اندهشت من تفسيرها لنظراته بذهول ، فأرتعب قلبها رغم حالة الحزن الذي يعيشها الأن ، فقررت الأبتعاد من أمامهم والصعود لغرفتها تتوارى خلف جدرانها المحكمة من تلك النظرات الرصاصية التي باتت تخافها بشدة ..
وما هي إلا دقائق وشاهدت مغادرتهم جميعاً بجثمان العجوز متوجهين به لإقامة الطقوس الخاصة بديانته ومن ثم الصلاة عليه في أحدي الكنائس لتشيع في النهاية جثمانه لمثواة الأخير …
أغمضت عيناها بألم لتطلق لتنهيدة عميقة الحرية في الخروج حين تذكرت عدم قدومه لذلك القصر من حينها .. فعلي ما يبدوا أنه أنعزل في مكان مجهول هويته لأنه يمر بأسوء أيام حياته ..
تذكرت ليالي رعبها وهي وحيدة في ذلك المبني الضخم .. في منطقته الساكنة .. لتفر فراً من تلك الحاله بالتوجه لرب البشر بصلاة طويلة المدى .. لتخرج منها بسكينة قلب تحتاجها في هذا الوقت العصيب !!
تذكرت أيضًا جاك حين أتي بمرتان في ذلك الأسبوع ، وقف فيهما في حديقة القصر بنظرات متفحصة مطولة لمبني القصر في باطنها الحيرة والتشتت والأشتياق في ظل صمتها الدائم وخوفها المتصاعد من حالته الغامضة .. ولكنه لأجل الحق كان يغادر صامتاً بعد عدة دقائق كما اتي ..
رجعت من شرودها لأرض الواقع علي صوت أنذار يصدح لإحدى السيارات وهي تقتحم محيط القصر ، فأسرعت بفك عقدة يديها والهبوط بساقيها متجه بكل جسدها لزجاج النافذة تبعد بخار أنفاسها عنه حتي تتمعن من وسط تدفق الأمطار في تلك السيارة بنظرات تأمل .. وبقلب يخفق .. تتمني بجميع حواسها بأن يكون غائبها قد عاد ..
وبالفعل بعد ترجل صاحبها أكتشفت بأنه هو .. ولكن ملامحه ليست واضحة ولكن يبدوا من هيئة جسده بأنه كان يعاني بالفعل !!
صعد للطابق الثاني بخطوات ثابتة إلي أن سمعت صوت أنغلاق باب غرفته بعنف ..
حمدت الله كثيراً علي عودته ، والسعادة تتسرب لداخلها بعد أن باتت تفارقها للإبد ..
فاسرعت تتناول أحدى اللقيمات لبدأ سحور أول يوم من شهر رمضان المبارك بعد أن فارقها الرغبة في الطعام طوال هذا الاسبوع ..
-------------------
في الصباح الباكر شعرت به وبمغادرته الاولي والثانية .. فأسرعت بالأعتدال تستدعي نشاطها بعزيمة قوية ورغبة في إسعاده لتعويضه عن هذا الأسبوع المنصرم .. وذلك بتجهيز طعام اليوم بأشهى الأطباق التي يحبها كما علمها العجوز ..
فحتما كان حزين وأهمل طعامه طوال هذه المدة كما حدث معها بالفعل ..
فاسرعت تجهز حالها بعد أن اغتسلت وقرأت وردها بأرتداء ملحفتها السوداء فوق منامتها الحريرية وغطاء وجهها .. نعم لا أحد بالمنزل الأن .. ولكنها تخشي قدومه في أي لحظة كيوم وفاة العجوز .. فهو حتي الأن ليس بزوجها !!
هبطت تشرع في بدأ كل ما يفعله العجوز من عمل بعد أن تركت القصر علي حالته منذ مغادرة جثمانه ..
حيث كان لا رغبة لها بعمل شئ .. في حين كان الحزن يسيطر عليها بشدة ..
قُرب أذان العصر أنتهت من جميع الاعمال .. لم يتبقي لها الا طهي الطعام الذي أعدته منذ الصباح .. ولكن لن تتم طهوه إلا قبل قدومه بفترة قصيرة حتي يتمتع بسخونته المطلوبة ..
تعلم أن معاد عودته بعد أذان المغرب بساعة كاملة حسب توقيت سان فرانسيسكو .. ولكن لا يهم ستفطر علي أحدي التمرات التي بحوزتها وستنتظر قدومه وتتصنع بانها تأكل بصحبته من أسفل نقابها حتي يشعر بنفس أهتمام العجوز من قبل وبالتالي تتحسن حالته النفسية ..
إلا أنها في عز إجهادها تذكرت شئ مهم ظل العجوز يعيده عليها الاف المرات .. " تجهيز ملابسه قبل عودته "
لتبتسم شاردة علي جملته التهجمية عقب نسيانها :
- أخبرك بهذا لكي تتذكري .. لا أن تنسي !
وكأنه كان يعدها لتتولي مسئولياته من بعده !!
فاقت من شرودها علي حالتها المرتبكة ، فكيف تدخل غرفته وتعد له ملابسه وخاصة الداخلية !!
يا خالقي ألطف بي !!
قالتها وهي تفزع من جلستها بتوتر جلي ، ليستقر بها الحال علي عدم الذهاب لفعل ذلك الشئ بتاتاً..
مضت نصف ساعة ما بين الرفض والقبول إلي أن خضعت أخير بطيب قلبها وقبلت أن تهيئه سريعا دون التعمق بأي شئ يخصه ..
وضعت قدمها داخل الغرفة بقشعريرة قوية تسري في جسدها .. ليتبعها صوت صك أسنانها .. فتلك المرة الأول التي توضع بهذا الشكل في كارثة حقيقية كما تراها ..
رأت غرفها يسودها السواد الكاحل بداية من المفروشات الي لون السجاد والحائط .. كل شئ بها دون اسثناء .. ارتجف أوصالها مرة ثانية .. فاسرعت بخطوات اشبه للركض بإتجاة غرفة ملابسه لتحضيرها بعجالة ومن ثم مغادرة تلك الغرفة المخيفة ..
أُذن أذان المغرب فتناولت تمرة من أحدي التمرات التي لا يخلو منها حقيبتها نهائيا ثم تجرعت خلفه الماء .. توجهت لإعداد طاولة الطعام علي موعد حضوره المحدد كما كان العجوز يعمل من قبل ..
وقفت تتطلع لهيئة الطاولة المبهرة باصنافها المفضلة لديه .. تأمل أن يلين قلبه المتحجر وتفتح معه أهمية الصوم للمسلمين .. نعم لابد من إسلامه اولا .. ولكن سترمي علي مسامعه بعض المحفزات قبل أن تتطرق لتلك النقطة بغايتها الأهم والأعظم ..
فقط تأمل أن يتخلى عن تحجره وتتوكل علي الله في أن يلين قلبه !
شعرت بأنفاس أسد جائع متحفذًا لتلقي فريسته تقتحم أذنها .. دب الرعب أوصالها وهي تلتفت ببطء لصاحبها والتي لم تعلم حتي تلك اللحظة كيف لم تلاحظ قدومه ..
فابتلعت ما في حنجرتها بإرتباك أشد حين شاهدت عن قرب وجهه بذقن ناميه و عيناه الخضراء تحولت لجمرتي لهب يتأجج نارها بعنفوانية .. انتفضت للخلف بفزع جلي .. مردده بتلعثم دون أدراك للجرم الذي أقترفته :
- ه ..هذا .. ال ال عجوز .. أااوصاااني .. أاانا صائمة .. رررمضان …
بترت جملتها حين هجم عليها كما توقعت من هيئته الشرسه قائلا من بين أسنانه حين أشار بكف يداه للطاولة بنفور :
- ما هذا !!
صمتت مرتجفة لم تستطع الأجابة إلا بكلمة واحده فقط :
- ص .. صائمه .. وأنت ..
وكيف تخرج الكلمات بحضوره الطاغي هذا .. فحتما ستسقط ذات مرة مغشي عليها أمام قسوته تلك ..
بركان ناري بداخله ظنن منه بأنها تفعل ذلك لأخذ مكان العجوز وبالتالي يتطلب عليه نسيانه فأغتاظ بشدة من مكرها ..
فأتجها دون تفكير لطاولة الطعام يسحب مفرشها بعنف ليسقط جميع ما عليها في تهشم عنيف صدح صوته في المكان أجمع .. مع نبرة صوته بقسوتها المعهودة :
- لن تأخذي مكانه أيتها الماكره مهما فعلتي ، واستعدي لمغادرة هذا القصر منذ الغد بلا رجعه !!
تطلعا كل منهما لمصدر الصوت .. هو بنظرات مضطربة حانيه يأكلها الأشتياق لطفله العزيز على قلبه ..
وهي بنظرات مرتعبه يأكلها الفزع الشديد .. محدثه ذاتها برهبة منذ متي وهو يسمعهما !
انتفضت من جلستها أمام فراش العجوز بخطوات متعثرة تعود أدراجها للخلف حين شاهدت تقدمه الشرس بإتجاهه وكأنه بات لا يشاهدها قائلاً بتهجم واضح :
- أخبرني لماذا ؟ هل هذا وعدك لي بالا تتركني ؟!
أدمعت عيناي العجوز التي تشبع بنظراتها من تقاسيم وجه القريبة منه وهو يردد بخفوت مؤلم :
- " الَي "
بدموعه تلك فقد سيطرته وبدأ باستياعب الكارثة ، سقط بانهيار تام يجثي علي ركبتيه أمام الفراش ، ليتبعها تساقط دموعه الفريدة في حدث نادر لم يحدث منذ موت والده .. هاتفاً بعتاب محب :
- وعدتني بالإ تبتعد .. وعدتني بمرافقتي مدي الحياة .. وعدتني بأن تكون لي الأب الذي غادرني مبكرا .. وعدتني بأن تكون لي عائلتي وكل شئ بحياتي ..
لماذا لم تخبرني من قبل حتي أستطيع علاجك بما يتوجب عليا فعله !!
ولكن أنا لن استسلم مثلك ليأسك أيها العجوز الماكر و سأنقلك لأكبر مشفيات العالم وستتعالج وستنجوا .. هيا .. هيا ..
قالها وهو ينتفض من جلسته قابضا علي يد العجوز يحثه بتفائله علي النهوض برفقته وباليد الأخرى يمحوا بها دموعه المنسابة علي وجهه بعنف ..
إلا أنه ذهل من تسرب يد العجوز من بين راحة يده .. مرددًا بابتسامة باهته يصاحبها وهن شديد بنبرة صوت ينازع بها من بين الحياة والموت :
- لا فائدة " الَي " .. !!
هز رأسه بحركات عنيفة ترفض بل ينفي جملته بتمني .. ليجثي ثانية أمامه بحالة هستيرية أقرب الي الجنون ظل يردد بترجي من بينها بدموعه الغزيرة :
- كلا .. كلا أرجوك .. لا أريد أن أشعر بذلك الفراق مرة أخرى .. يكفي ما مر بي حتي الأن .. أرجوك !!
عادت أدراجها إلي أن أنصدما ظهرها بحدود الحائط من خلفها وهي لا تصدق ما تشاهده بعينين مشتتة ..
هل القاسي المتحجر يبكي !!
هل هو بالفعل أم ذلك شخص أخر .. يتأثر ، يحن ، يتألم ، يعشق ، يتوسل ، يبكي !
هل هو بالفعل أم أنها تتوهم ، نعم فهي حتما تتوهم بحلم يصعب تحقيقه ، وإذا تحقق فهي في إذا في مشهد نادر من نوعه !
ولكن لما التعجب والدهشة الأن ، فدموعها هي أيضا تسقط بغزارة بل وقلبها ينتفض بقوة من هول المشهد أمامها ..
فالعجوز صاحب القلب الطيب ، وأنيسها في هذه البلاد يحتضر !!
والأجنبي في حالة أقرب للأنهيار الهستري بهيئة طفولية نادرة كالطفل أبن العاشرة حين يودع أبيه لمثواة الأخير !!
تطلعت للعجوز المستسلم للموت وهو يلمس براحة يده المرتعشة وجهه الباكي ليخليها من تلك الدموع ... وهو يهتف علي فترات متباعدة :
- كن ..ت أخشي علييييك عند م..معرفتك !!
أجابه بنبره باكية تهكمية :
- ولكنني علمت ، وياليتني ما علمت !
انخفضت ضربات قلبه بشدة .. ورغم هذا جاهد لأخراج كلماته الأخيرة وهو يتطلع لها بعينين تتوسل في صمت لتنفيذ رغبته :
- ك..ن قوي " الَي "… وأرئف بحالهااا !!!!!
أنتهي بمشاقة بالغة من تلك الجملة لينتفض بعدها جسده بشده من ثباته الواهن علي الفراش .. أنتفاضة جعلت " علي " يهلع خوفا لتبرز مقلتيه الجاحظة وهو يحدقه بتطورات مرضه اللعين .. وما هي الا لحظات .. لحظات !
كان في مخيلته ينوي فيها عمل الكثير لإنقاذه ، ولكنها لم تعطيه الفرصة لتنفيذها ، حين استكان جسده بلا حركه للابد مع تسرب خيط دمائي من فمه في الحال !!
------------------
ظلت تتطلع لضوء القمر المتخفي بين الغيوم الحاملة للمطر والتي تهطل بما تحمله ، ليستكين بزخاته الغزيرة علي زجاج النافذة بجوارها في جلستها الهادئة امامها .. تحتضن ساقيها بذراعيها المنعقدة ، متكئا بذقنها بين ركبتيها .. تشاهد بتمعن قدرة الخالق في خلقه .. شارده بما مر عليهما منذ موت العجوز !
هل العجوز توفي حقاً !
سؤالا مازال يتردد علي ذهنها المغيب كثيرًا رغم رؤيتها للحظات فراقه الأخير .. وأنهيار " علي " على أثرها .. فلولا تعايشها لتلك اللحظات لكانت كذبت جميع من أخبرها بذلك الشئ .. انسابت دمعاتها بتتابع علي أثر ذلك المشهد وهي تتذكر موت الجد !
ذلك الجد الذي رغب في أسعاد الجميع رغم ما يجتاح صدره من ألم ..
رفعت أناملها تمحي بها دموعها المتساقطة مردد ذاتيا برضا .." الحمد لله علي كل حال " ..
فقط تتمني عودة " علي " سليما معافي متجاوزا محنته علي خير .. لا تريد شئٌ أخر ..
علي أثر تلك الأمنية تذكرت كيف كانت حالته عقب موت العجوز .. أنهيار تام أمام جسده الراقد وهو يكذب الواقع بشدة .. فحينها علمت بأنه يعني له الكثير والكثير ، بل يمتلك قلبه لا جزء منه .. كانت تود لو تقترب لتزيح عنه حزنه وألمه .. ولكنها خشيت قسوته ..
وبالفعل تحقق ما كانت تخشاه حين تفاجأت بأنقلاب حالته مائة وثمانون درجة بعد مرور وقت ليس بالهين في حين ظلت هي في ثباتها من خلفه .. حيث أنتفض من جلسته بشخصية " علي " القديمة .. يمحي دموعه بتهجم ليستبدلها بعينين قويتان .. وجسد منتصب .. ومعالم وجه قاسية رغم طبيعتها الوسيمة ..
غادر الغرفة بتجاهل تام كأنها باتت هواء يتطاير دون هيئة أو ملامح محددة .. تجرعت حنجرتها بريبة من حالة النقيض به .. فاستغلت مغادرته وأقتربت ببطء لتودع ذلك العجوز الذي عاهدت منه الحنان والطيبة .. أقتربت ودموعها تحفذت للهطول مرة اخري .. أقتربت لتأكد علي رجائه الأخير لها قبل رحيله ..
هبطت تجثوا أمام جثمانه مردد بإصرار وهي تتمعن في تفاصيل وجهه الشاحبة بقهر :
- حسناً ايها العجوز .. لن اتخلي عنه كما رغبت ورغب من قبلك جدي !!
أقترب أصوات خطوات قاسية بأتجاة الغرفة ، علمت صاحبها جيدا فاسرعت تبتعد لسابق عهدها قبل مغادرته…
لتتفاجئ بدخوله بصحبة جاك ورجال الأسعافات الذين اسرعوا في تنفيذ كل ما يتطلبه واجبهم المهني .. في حين تصاعدت نظرات ذلك الأشقر للقصوى .. نظرات تملكية بانها بات حقه هو !!
اندهشت من تفسيرها لنظراته بذهول ، فأرتعب قلبها رغم حالة الحزن الذي يعيشها الأن ، فقررت الأبتعاد من أمامهم والصعود لغرفتها تتوارى خلف جدرانها المحكمة من تلك النظرات الرصاصية التي باتت تخافها بشدة ..
وما هي إلا دقائق وشاهدت مغادرتهم جميعاً بجثمان العجوز متوجهين به لإقامة الطقوس الخاصة بديانته ومن ثم الصلاة عليه في أحدي الكنائس لتشيع في النهاية جثمانه لمثواة الأخير …
أغمضت عيناها بألم لتطلق لتنهيدة عميقة الحرية في الخروج حين تذكرت عدم قدومه لذلك القصر من حينها .. فعلي ما يبدوا أنه أنعزل في مكان مجهول هويته لأنه يمر بأسوء أيام حياته ..
تذكرت ليالي رعبها وهي وحيدة في ذلك المبني الضخم .. في منطقته الساكنة .. لتفر فراً من تلك الحاله بالتوجه لرب البشر بصلاة طويلة المدى .. لتخرج منها بسكينة قلب تحتاجها في هذا الوقت العصيب !!
تذكرت أيضًا جاك حين أتي بمرتان في ذلك الأسبوع ، وقف فيهما في حديقة القصر بنظرات متفحصة مطولة لمبني القصر في باطنها الحيرة والتشتت والأشتياق في ظل صمتها الدائم وخوفها المتصاعد من حالته الغامضة .. ولكنه لأجل الحق كان يغادر صامتاً بعد عدة دقائق كما اتي ..
رجعت من شرودها لأرض الواقع علي صوت أنذار يصدح لإحدى السيارات وهي تقتحم محيط القصر ، فأسرعت بفك عقدة يديها والهبوط بساقيها متجه بكل جسدها لزجاج النافذة تبعد بخار أنفاسها عنه حتي تتمعن من وسط تدفق الأمطار في تلك السيارة بنظرات تأمل .. وبقلب يخفق .. تتمني بجميع حواسها بأن يكون غائبها قد عاد ..
وبالفعل بعد ترجل صاحبها أكتشفت بأنه هو .. ولكن ملامحه ليست واضحة ولكن يبدوا من هيئة جسده بأنه كان يعاني بالفعل !!
صعد للطابق الثاني بخطوات ثابتة إلي أن سمعت صوت أنغلاق باب غرفته بعنف ..
حمدت الله كثيراً علي عودته ، والسعادة تتسرب لداخلها بعد أن باتت تفارقها للإبد ..
فاسرعت تتناول أحدى اللقيمات لبدأ سحور أول يوم من شهر رمضان المبارك بعد أن فارقها الرغبة في الطعام طوال هذا الاسبوع ..
-------------------
في الصباح الباكر شعرت به وبمغادرته الاولي والثانية .. فأسرعت بالأعتدال تستدعي نشاطها بعزيمة قوية ورغبة في إسعاده لتعويضه عن هذا الأسبوع المنصرم .. وذلك بتجهيز طعام اليوم بأشهى الأطباق التي يحبها كما علمها العجوز ..
فحتما كان حزين وأهمل طعامه طوال هذه المدة كما حدث معها بالفعل ..
فاسرعت تجهز حالها بعد أن اغتسلت وقرأت وردها بأرتداء ملحفتها السوداء فوق منامتها الحريرية وغطاء وجهها .. نعم لا أحد بالمنزل الأن .. ولكنها تخشي قدومه في أي لحظة كيوم وفاة العجوز .. فهو حتي الأن ليس بزوجها !!
هبطت تشرع في بدأ كل ما يفعله العجوز من عمل بعد أن تركت القصر علي حالته منذ مغادرة جثمانه ..
حيث كان لا رغبة لها بعمل شئ .. في حين كان الحزن يسيطر عليها بشدة ..
قُرب أذان العصر أنتهت من جميع الاعمال .. لم يتبقي لها الا طهي الطعام الذي أعدته منذ الصباح .. ولكن لن تتم طهوه إلا قبل قدومه بفترة قصيرة حتي يتمتع بسخونته المطلوبة ..
تعلم أن معاد عودته بعد أذان المغرب بساعة كاملة حسب توقيت سان فرانسيسكو .. ولكن لا يهم ستفطر علي أحدي التمرات التي بحوزتها وستنتظر قدومه وتتصنع بانها تأكل بصحبته من أسفل نقابها حتي يشعر بنفس أهتمام العجوز من قبل وبالتالي تتحسن حالته النفسية ..
إلا أنها في عز إجهادها تذكرت شئ مهم ظل العجوز يعيده عليها الاف المرات .. " تجهيز ملابسه قبل عودته "
لتبتسم شاردة علي جملته التهجمية عقب نسيانها :
- أخبرك بهذا لكي تتذكري .. لا أن تنسي !
وكأنه كان يعدها لتتولي مسئولياته من بعده !!
فاقت من شرودها علي حالتها المرتبكة ، فكيف تدخل غرفته وتعد له ملابسه وخاصة الداخلية !!
يا خالقي ألطف بي !!
قالتها وهي تفزع من جلستها بتوتر جلي ، ليستقر بها الحال علي عدم الذهاب لفعل ذلك الشئ بتاتاً..
مضت نصف ساعة ما بين الرفض والقبول إلي أن خضعت أخير بطيب قلبها وقبلت أن تهيئه سريعا دون التعمق بأي شئ يخصه ..
وضعت قدمها داخل الغرفة بقشعريرة قوية تسري في جسدها .. ليتبعها صوت صك أسنانها .. فتلك المرة الأول التي توضع بهذا الشكل في كارثة حقيقية كما تراها ..
رأت غرفها يسودها السواد الكاحل بداية من المفروشات الي لون السجاد والحائط .. كل شئ بها دون اسثناء .. ارتجف أوصالها مرة ثانية .. فاسرعت بخطوات اشبه للركض بإتجاة غرفة ملابسه لتحضيرها بعجالة ومن ثم مغادرة تلك الغرفة المخيفة ..
أُذن أذان المغرب فتناولت تمرة من أحدي التمرات التي لا يخلو منها حقيبتها نهائيا ثم تجرعت خلفه الماء .. توجهت لإعداد طاولة الطعام علي موعد حضوره المحدد كما كان العجوز يعمل من قبل ..
وقفت تتطلع لهيئة الطاولة المبهرة باصنافها المفضلة لديه .. تأمل أن يلين قلبه المتحجر وتفتح معه أهمية الصوم للمسلمين .. نعم لابد من إسلامه اولا .. ولكن سترمي علي مسامعه بعض المحفزات قبل أن تتطرق لتلك النقطة بغايتها الأهم والأعظم ..
فقط تأمل أن يتخلى عن تحجره وتتوكل علي الله في أن يلين قلبه !
شعرت بأنفاس أسد جائع متحفذًا لتلقي فريسته تقتحم أذنها .. دب الرعب أوصالها وهي تلتفت ببطء لصاحبها والتي لم تعلم حتي تلك اللحظة كيف لم تلاحظ قدومه ..
فابتلعت ما في حنجرتها بإرتباك أشد حين شاهدت عن قرب وجهه بذقن ناميه و عيناه الخضراء تحولت لجمرتي لهب يتأجج نارها بعنفوانية .. انتفضت للخلف بفزع جلي .. مردده بتلعثم دون أدراك للجرم الذي أقترفته :
- ه ..هذا .. ال ال عجوز .. أااوصاااني .. أاانا صائمة .. رررمضان …
بترت جملتها حين هجم عليها كما توقعت من هيئته الشرسه قائلا من بين أسنانه حين أشار بكف يداه للطاولة بنفور :
- ما هذا !!
صمتت مرتجفة لم تستطع الأجابة إلا بكلمة واحده فقط :
- ص .. صائمه .. وأنت ..
وكيف تخرج الكلمات بحضوره الطاغي هذا .. فحتما ستسقط ذات مرة مغشي عليها أمام قسوته تلك ..
بركان ناري بداخله ظنن منه بأنها تفعل ذلك لأخذ مكان العجوز وبالتالي يتطلب عليه نسيانه فأغتاظ بشدة من مكرها ..
فأتجها دون تفكير لطاولة الطعام يسحب مفرشها بعنف ليسقط جميع ما عليها في تهشم عنيف صدح صوته في المكان أجمع .. مع نبرة صوته بقسوتها المعهودة :
- لن تأخذي مكانه أيتها الماكره مهما فعلتي ، واستعدي لمغادرة هذا القصر منذ الغد بلا رجعه !!