رواية احفاد الثعلب الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم شريهان سماحة
الحلقة الخامسة والعشرين
الأمر الذي جعل الحنق يطفو علي ملامح وجهه سريعاً لتُمحي نظرات الدهاء من عينيه والابتسامة الباردة من علي شفتيه ..
جعلته يتحرك دون أدراك من ثباته ، يعدو خلفها بخطواته الواسعة إلي أن وصل إليها قابضاً علي معصم يدها بقوة وتملك .. مجبرها قصراً دون النظر إليها علي الخضوع له ومتابعته لداخل القصر ..
في ظل نظرات " جاك " المنصدمة ووجه العجوز المشدوه !!
------------------------
- أترك يدي لا يحق لك أن تقبض عليها وتلمسها هكذا كل حين !!
صدح صوت " هنا " بتلك الجملة في وسط بهو القصر حين تسمرت بقدمها علي الأرض الصلبة اسفلها ، ترفض السير كمجبره خلفه بهذا الشكل المهين ..
فاستدار لها بوجه كاد يفتك بها فتكاً من أمامه قائلاً بهجوم حاد وهو مازال يقبض علي معصمها بقوة :
- كيف لكِ أن تعصي أمري أمام رجالي !!
هتفت باستنكار ساخر وهي تلوح باليد الأخرى في الهواء :
- وما هو ذلك الأمر سمو الأمير ؟!
أجابها علي الفور بتهجم واضح متغاضي عن سخريتها من أجل غرضه الأهم لحضور جاك :
- لماذا لم تصافحي صديقي في الخارج .. فقد كنت أظن أنكِ ستسعدين بلقاءه كثيرا !
حدثت " هنا " نفسها باندهاش بصوت خافت :
- صديقك من !! اليس سائقك !!
ثم استرسلت حديثها بنبرة عالية وهي تنظر لمقلتيه الغاضبة بلا مبالاة :
- حتي وأن كان صديقك فلماذا سأسعد بلقاءه .. مالي وشأنه ، فهو غريبًا عني ولا يجوز لي محادثته بعد أن عرفت بأنه ليس سائقك ، بل ويُحرم عليا ديني مصافحته او مصافحة أحدٍ غيره من الرجال طالما لا يحل لي كأبي وأخي وزوجي ..
ردها القوي خاب ظنهُ .. و رجرج جميع أفكاره ومعتقداته القديمة فأدي إلي أختلال عقله مما أفقده الرشد .. فهو كل ما طلبه منها فقط مصافحة لا أكثر ، ليكون ردها هذا وبتلك القوة والثبات ، كأنها علي حق متين بجذور أمتن من هوى النفس الأمارة بالسوء !!
ولكن مع شعوره هذا سيظل مُصرٍ بأن ما بداخله ويعتقده أقوى ما بداخلها بكثير .. نعم أقوى وستشاهد !!
انقلبت ملامحه في الحال للتهكم الساخر .. قائلا بضيق خلق وهو يلوح بيده علي ملابسها لإثارة حنقها :
- دينك !! دينك !! دينك !! أي دين هذا الذي يحرم أرتباطي بك .. وأجبارك علي لبس مثل هذا الشئ .. ومن ثم عدم مصافحة الرجال !!
رده الوقح نجح بالفعل في أخراج شجاعتها الداخلية لأرض الواقع ، لم تخرج من عمقها من قبل إلا عندما يمس أحد دينها الحنيف .. فإجابته بقوة من بين أسنانها :
- أنه دينك ومن قبلك دين والدك وأجداده .. أنه دينك الذي يجعل للمرأة كرامة وعزة نفس .. وللرجل نخوة وشهامة حين يرفض لزوجته بأن تلمس غيره ، حتي وان كان عن طريق شئ يراه هين كمصافحة اليد !!
بمعالم وجه مشدوها هتف في ذهول جلي :
- ماذا تتفوهين ؟!!
أنطلق من داخلها تنهيده عميقة تمحي ضيقها لتعبر عن حزنها وهي تجيبه بهدوء :
- نعم ، فأنت مسلم أبن مسلم ، ولست يهودي يؤمن بكتاب مُحرف !!
ردد باستنكار تام :
- مُحرف !! لماذا إلا تؤمنين بموسي نبياً !!
أجابته بالإيجاب علي الفور :
- كلا اؤمن به ! .. و اؤمن بجميع الرسل من قبله ومن بعده أيضا ومن فوقهم الله رب السموات والارض .. ولكن أنت ومن تتبعهم هم الذين يختصرون علي نبياً واحدًا دون غيره .. إليس هذا تحريف لما هو من عند رب الرسل والبشر أجمع .. وغير هذا أفعالك البغيضة فأنت تحلل لنفسك معاشرة نساء ، ليس من حقك أن تقترب لهم ، وتشرب الخمر وكل ما لا يرضاه أي إنسانية أو دين عظيم ..
ضغط علي أسنانه بحنق لتخرج منه الكلمات بفظاظة واضحة :
- سأجيب عليكِ كما أجبت من قبل وسأردد لكِ دائما بأني سأفعل كل ما يحلوا لي ولا دخل لكِ بما أفعله ..
ليسترسل حديثه بنبرة دهاء خفيه :
- أو أنكِ بفعلك هذا تغارين من تلك النساء وتحقدين عليهن لأنهن نالوا شرف قربي ؟!
ليجيب علي سؤاله دون أنتظار أجابتها بضيق جلي وهو ينفض يدها بقوة من قبضة يده :
- كنت أعلم .. كنت أعلم بأنه سيفضح أمرك أمامي يوما ما ، وتخرج نوياكي الخفية لتكوني كباقي النساء من حولي !!
رددها ليعطي لها ظهره مغادرا من أمامها بخطوات ثقيله في تحركاتها .. لم يعلم لما بداخله يشعر للمرة الاولي بذلك الحزن ، فقد يرجع هذا لأنه كذب يقينه هذه المرة عن مفهومة للنساء .. وقد كان يأمل بينه وبين قلبه بأنها ليست كغيرها من بنات جنسها اللعين !!
يجوز !!!
حين أخترق أذنها كلماته الجارحة أغمضت عينيها باستسلام .. فالأن علمت يأسه بأنه لن يتغير وأن الماضي الخاص بوالدته يسيطر عليه بشده .. كما هو واضح أمامها من عينيه النافرة لأي ذكرى امرأة !
طأطأت رأسها بحزن داخلي لعدم صمودها أمامه بقسوته تلك .. فتجرعت حنجرتها ببطء ثم هتفت باستياء شديد قبل أبتعاده :
- أخرجني من ذلك العقد "علي" إلي الابد .. فيبدوا لي بأنك ستظل هكذا ولم ولن تتغير كما كان جدي يعتقد ويأمل ! ..
تحجرت خطواته في مكانها ليتبعها سريان قشعريرة عنيفة في جسده حين سمع بأذنه طريقة لفظ أسمهُ كما كان يلفظه أباه من قبل ! .. أخفى ببراعه أثارها علي وجهه حين استوعب باقي جملتها الصادمة ..
استدار بجسده سريعا متجهاً إلي مكانها بضيق جلي قابضاً علي ذراعيها بتهجم .. هاتفًا بتحذير صارم وهو يشير بسبابته تجاه راسها :
- أنطقيها ثانياً .. وسأبيد حينها ذاكرتك من على وجه الكرة الأرضية وليس من عقلك فقط !..
لم يعلم لما نطقها بكل هذا العنف بل ولما تملكه الضيق من الاساس .. كل ما يشعر به بعد غضبه بأنه سوف يقضي عليها قبل أن تخطوا خطوة واحده من ذلك القصر ..
ولم يعلم حقا ًلماذا !!!
--------------------
في الخارج كان وجه جاك شاحبًا شاردًا وعينيه لم تسقط من علي الباب الداخلي للقصر ..
يهتف كل حين وأخر بقلق دون أدراك هيئته الخارجية ببعض الكلمات التي تعبر عن غيرته المشتعلة لسحب "علي " لها بهذا الشكل أو بمعني أوضح ماذا يفعلان كل هذا الوقت بالداخل ..
لم يشعر بذاته المشتعلة حين وجهت اقدامه لذلك العجوز بجلسته الهادئة المستفزة مردداً بضيق خفي :
- ألم تدخل للأطمئنان عليها فقد يعصفها " الَي " دون أن يشعر في نوبة غضبه تلك ..
نظر له العجوز ولحالته المضطربة بعدم إستيعاب وهو يجاهد لإيجاد تفسير مقنع وواضح لحالته الهائجة رغم أخفائها من جانبه بعض الشئ ..
تمعن جيداً بنظرات عينين قوية لرجل عجوز أدرك الكثير والكثير في تلك الحياة ..
إلي أن قطعت انفاسه لثواني وشحب وجهه بإضطراب حين وضح أمام مقلتيه المسنة كل شئ يريد معرفته .. فهتف بحديث ذاتي منذهل ..
يا ألهي هل ما أشاهده حب !!
هل جاك وقع فريسة في حبها !!
ولكن أين وكيف !!
تلك الصدمة أخرست لسانه ، وجمدت وجهه كتمثال الجليد .. وهو يشاهد جاك من أمامه يتحرك بذهاب وأياب بحاله أقرب إلي الجنون دون أن يدرك بحالته المغيبة هيئته و ما يفعله ..
فحقاً العشق أعمى !!
ولكن ما يطمئن قلبه كثيرًا … بأن تلك الفتاة تلتزم بحدودها جيدًا ولن تسمح بالتجاوزات !!
--------------------
في المساء لم يعلم لما ذهب علي غير عادته بتاتًا لذلك النادي الليلي دون المستوي ، وجلب تلك المرأة الأكثر أغراءٍ به بملابسها الفاضحة تلك والتي تحتل مقعد السيارة من جانبه ..
والأكثر حيرة له الأن لما لا يتتطلع لها بنفس راغبة منتقمة كما كان ينظر لنساء العالم أجمع بلا استثناء من قبل !!
لماذا ؟! .. لماذا ؟!
ذلك الاستفسار المحير حدث به ذاته الكثير والكثير وهو يحتل المقعد الأمامي ويقود سيارته الحديثة بنفسه .. حتي أنه لم يشعر من شدة حيرته بأنه ضرب عجلة القيادة باليد الحرة بعنف شديد يكفي لانتفاض جسد تلك العاهرة بخوف من جانبه ..
لتزيد حيرته للقصوى عندما رفض في هذه الليلة بالذات عدم الشراب .. قد يكون هناك شىء خفي في نفسه يجبره برغبة قوية أن يشاهد بتركيز رد فعلها عند رؤيتها لتلك المرأة التي تفوق بمراحل كثيرة أنوثتها الخفية بل ويكاد يجزم بحزم بأنها لم تكن موجودة من الأساس لديها لتكون بينهم وجه مقارنة !!
-------------------------
أنهت صلاتها في جوف الليل ، ثم استكانت في جلستها علي سجادة الصلاة ترفع يداها لرب السماء في تضرع جهري يحوطه الخشوع الجليل لعظمة الخالق من فوق سبع سموات ..
" اللهم يا رحمن يا رحيم اهده ثم اهده ثم اهده ، اللهم اجعله هاديا مهديا ، اللهم اشرح صدره للحق ، اللهم وفقه لما تحب وترضي ، اللهم خذ بناصيته إلى البر والتقوى ، اللهم رده إليك ردا جميلا .. وكن بعوني ولا تجعل اليأس يتملكني وقوني بك يوم لا يوجد سندٍ إلا أنت .. يوم لا يوجد سندٍ إلا أنت "
ظلت تردد جملتها الأخيرة إلي أن أنهت دعائها بالصلاة علي أشرف المرسلين ، ثم أنتصبت من جلستها بهدوء وبيدها سجادة الصلاة تطويها بإتقان ، لتتركها علي أحد المقاعد بجانبها عندما أقتحم سكون القصر صوت أنذار سيارته التي تعود في ذلك الوقت كحال كل يوم ..
أرتدت غطاء وجهها واتجهت للنافذة تراقب ما يحدث بسكون شديد وهو يترجل من سيارته بصحبة إمرأة أقل ما يقال عنها فتاة ليل ..
لم تدرك في حالة غليان جسدها كرد فعل لجرمه الذي يغضب الله به كل ليله .. بأنه رفع مقلتاه الخضراء سنتيمترات بإتجاه نافذة غرفتها .. ليهبطها علي الفور بنشوة متلذذه إجتاحته عندما لمح تطلعها لهما بحالة مغيبة نافرة ..
حالتها النافرة أزادت بغضب حينما كانت تظن منذ قليل بأنه يراجع ذاته من حديثها الصباحي .. ليثبت لها العكس الأن .. بل وينفي ما تظنه بنفي يقسوا عليها بشدة ..
تلك الحالة جعلت غضبها المكمون بداخلها منذ أتت إلي هنا نتيجة أفعاله وألفاظه القاسية والجارحة يخرج ليري النور أخيرا في حالة عصيان حادة وشديدة ..
انتفضت من مكانها لتعلن بشجاعة هذا العصيان في وجهه منذ الأن وصاعد ، فهي لن تسمح طول مدة بقائها هنا بتلك المهزلة الأخلاقية بعد الأن ، و التي ستُحملها حتما بذنوبا تعادل صمتها الأبكم !! ..
لم تدرك عند أقترابها لباب الغرفة ومن خلفهُ يصلها خطواتهم الواضحة وهمهماتهم المشمئزة ، بأن صوتها غير مساره وصدح بقوة من خلف الباب بعلاجٍ أقوي من حالة عصيانها بل ومن جميع الوصفات الطبية في العالم أجمع اللا وهو أيات القرأن الكريم ..
متيقنه بقوله الكريم " لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ "
صدح صوتها بتلاوة عجز من يسمعها عن وصف جمالها العذب المتناغم .. وهي تردد دون أدراك بلغتها العربية ببداية سورة النور ..
" الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) "
حين وصلت لتلك الاية الأخيرة أتاها صوت أنغلاق باب غرفته بشدة .. فعلي ما يبدوا بأن قلبه القاسي المتحجر لم يتأثر بما رددته .. ليصاب قلبها بحزن دفين وعقلها بحالة هذيان تامة .. جعلتها ترفع يديها الأثنان تطرق بهما بعنف علي ظهر باب غرفتها وهي تردد دون توقف بحالة بكاء هستيري " فإن الله غفور رحيم "…
ظلت ترددها بأنهيار تام حتي سقطت هاوية تجثو مكانها علي أرض الغرفة بتحطم ذاتي عنيف .. جعلها تتيقن بأنه بات لا فائدة منهُ نهائيًا بعد الأن !!
الأمر الذي جعل الحنق يطفو علي ملامح وجهه سريعاً لتُمحي نظرات الدهاء من عينيه والابتسامة الباردة من علي شفتيه ..
جعلته يتحرك دون أدراك من ثباته ، يعدو خلفها بخطواته الواسعة إلي أن وصل إليها قابضاً علي معصم يدها بقوة وتملك .. مجبرها قصراً دون النظر إليها علي الخضوع له ومتابعته لداخل القصر ..
في ظل نظرات " جاك " المنصدمة ووجه العجوز المشدوه !!
------------------------
- أترك يدي لا يحق لك أن تقبض عليها وتلمسها هكذا كل حين !!
صدح صوت " هنا " بتلك الجملة في وسط بهو القصر حين تسمرت بقدمها علي الأرض الصلبة اسفلها ، ترفض السير كمجبره خلفه بهذا الشكل المهين ..
فاستدار لها بوجه كاد يفتك بها فتكاً من أمامه قائلاً بهجوم حاد وهو مازال يقبض علي معصمها بقوة :
- كيف لكِ أن تعصي أمري أمام رجالي !!
هتفت باستنكار ساخر وهي تلوح باليد الأخرى في الهواء :
- وما هو ذلك الأمر سمو الأمير ؟!
أجابها علي الفور بتهجم واضح متغاضي عن سخريتها من أجل غرضه الأهم لحضور جاك :
- لماذا لم تصافحي صديقي في الخارج .. فقد كنت أظن أنكِ ستسعدين بلقاءه كثيرا !
حدثت " هنا " نفسها باندهاش بصوت خافت :
- صديقك من !! اليس سائقك !!
ثم استرسلت حديثها بنبرة عالية وهي تنظر لمقلتيه الغاضبة بلا مبالاة :
- حتي وأن كان صديقك فلماذا سأسعد بلقاءه .. مالي وشأنه ، فهو غريبًا عني ولا يجوز لي محادثته بعد أن عرفت بأنه ليس سائقك ، بل ويُحرم عليا ديني مصافحته او مصافحة أحدٍ غيره من الرجال طالما لا يحل لي كأبي وأخي وزوجي ..
ردها القوي خاب ظنهُ .. و رجرج جميع أفكاره ومعتقداته القديمة فأدي إلي أختلال عقله مما أفقده الرشد .. فهو كل ما طلبه منها فقط مصافحة لا أكثر ، ليكون ردها هذا وبتلك القوة والثبات ، كأنها علي حق متين بجذور أمتن من هوى النفس الأمارة بالسوء !!
ولكن مع شعوره هذا سيظل مُصرٍ بأن ما بداخله ويعتقده أقوى ما بداخلها بكثير .. نعم أقوى وستشاهد !!
انقلبت ملامحه في الحال للتهكم الساخر .. قائلا بضيق خلق وهو يلوح بيده علي ملابسها لإثارة حنقها :
- دينك !! دينك !! دينك !! أي دين هذا الذي يحرم أرتباطي بك .. وأجبارك علي لبس مثل هذا الشئ .. ومن ثم عدم مصافحة الرجال !!
رده الوقح نجح بالفعل في أخراج شجاعتها الداخلية لأرض الواقع ، لم تخرج من عمقها من قبل إلا عندما يمس أحد دينها الحنيف .. فإجابته بقوة من بين أسنانها :
- أنه دينك ومن قبلك دين والدك وأجداده .. أنه دينك الذي يجعل للمرأة كرامة وعزة نفس .. وللرجل نخوة وشهامة حين يرفض لزوجته بأن تلمس غيره ، حتي وان كان عن طريق شئ يراه هين كمصافحة اليد !!
بمعالم وجه مشدوها هتف في ذهول جلي :
- ماذا تتفوهين ؟!!
أنطلق من داخلها تنهيده عميقة تمحي ضيقها لتعبر عن حزنها وهي تجيبه بهدوء :
- نعم ، فأنت مسلم أبن مسلم ، ولست يهودي يؤمن بكتاب مُحرف !!
ردد باستنكار تام :
- مُحرف !! لماذا إلا تؤمنين بموسي نبياً !!
أجابته بالإيجاب علي الفور :
- كلا اؤمن به ! .. و اؤمن بجميع الرسل من قبله ومن بعده أيضا ومن فوقهم الله رب السموات والارض .. ولكن أنت ومن تتبعهم هم الذين يختصرون علي نبياً واحدًا دون غيره .. إليس هذا تحريف لما هو من عند رب الرسل والبشر أجمع .. وغير هذا أفعالك البغيضة فأنت تحلل لنفسك معاشرة نساء ، ليس من حقك أن تقترب لهم ، وتشرب الخمر وكل ما لا يرضاه أي إنسانية أو دين عظيم ..
ضغط علي أسنانه بحنق لتخرج منه الكلمات بفظاظة واضحة :
- سأجيب عليكِ كما أجبت من قبل وسأردد لكِ دائما بأني سأفعل كل ما يحلوا لي ولا دخل لكِ بما أفعله ..
ليسترسل حديثه بنبرة دهاء خفيه :
- أو أنكِ بفعلك هذا تغارين من تلك النساء وتحقدين عليهن لأنهن نالوا شرف قربي ؟!
ليجيب علي سؤاله دون أنتظار أجابتها بضيق جلي وهو ينفض يدها بقوة من قبضة يده :
- كنت أعلم .. كنت أعلم بأنه سيفضح أمرك أمامي يوما ما ، وتخرج نوياكي الخفية لتكوني كباقي النساء من حولي !!
رددها ليعطي لها ظهره مغادرا من أمامها بخطوات ثقيله في تحركاتها .. لم يعلم لما بداخله يشعر للمرة الاولي بذلك الحزن ، فقد يرجع هذا لأنه كذب يقينه هذه المرة عن مفهومة للنساء .. وقد كان يأمل بينه وبين قلبه بأنها ليست كغيرها من بنات جنسها اللعين !!
يجوز !!!
حين أخترق أذنها كلماته الجارحة أغمضت عينيها باستسلام .. فالأن علمت يأسه بأنه لن يتغير وأن الماضي الخاص بوالدته يسيطر عليه بشده .. كما هو واضح أمامها من عينيه النافرة لأي ذكرى امرأة !
طأطأت رأسها بحزن داخلي لعدم صمودها أمامه بقسوته تلك .. فتجرعت حنجرتها ببطء ثم هتفت باستياء شديد قبل أبتعاده :
- أخرجني من ذلك العقد "علي" إلي الابد .. فيبدوا لي بأنك ستظل هكذا ولم ولن تتغير كما كان جدي يعتقد ويأمل ! ..
تحجرت خطواته في مكانها ليتبعها سريان قشعريرة عنيفة في جسده حين سمع بأذنه طريقة لفظ أسمهُ كما كان يلفظه أباه من قبل ! .. أخفى ببراعه أثارها علي وجهه حين استوعب باقي جملتها الصادمة ..
استدار بجسده سريعا متجهاً إلي مكانها بضيق جلي قابضاً علي ذراعيها بتهجم .. هاتفًا بتحذير صارم وهو يشير بسبابته تجاه راسها :
- أنطقيها ثانياً .. وسأبيد حينها ذاكرتك من على وجه الكرة الأرضية وليس من عقلك فقط !..
لم يعلم لما نطقها بكل هذا العنف بل ولما تملكه الضيق من الاساس .. كل ما يشعر به بعد غضبه بأنه سوف يقضي عليها قبل أن تخطوا خطوة واحده من ذلك القصر ..
ولم يعلم حقا ًلماذا !!!
--------------------
في الخارج كان وجه جاك شاحبًا شاردًا وعينيه لم تسقط من علي الباب الداخلي للقصر ..
يهتف كل حين وأخر بقلق دون أدراك هيئته الخارجية ببعض الكلمات التي تعبر عن غيرته المشتعلة لسحب "علي " لها بهذا الشكل أو بمعني أوضح ماذا يفعلان كل هذا الوقت بالداخل ..
لم يشعر بذاته المشتعلة حين وجهت اقدامه لذلك العجوز بجلسته الهادئة المستفزة مردداً بضيق خفي :
- ألم تدخل للأطمئنان عليها فقد يعصفها " الَي " دون أن يشعر في نوبة غضبه تلك ..
نظر له العجوز ولحالته المضطربة بعدم إستيعاب وهو يجاهد لإيجاد تفسير مقنع وواضح لحالته الهائجة رغم أخفائها من جانبه بعض الشئ ..
تمعن جيداً بنظرات عينين قوية لرجل عجوز أدرك الكثير والكثير في تلك الحياة ..
إلي أن قطعت انفاسه لثواني وشحب وجهه بإضطراب حين وضح أمام مقلتيه المسنة كل شئ يريد معرفته .. فهتف بحديث ذاتي منذهل ..
يا ألهي هل ما أشاهده حب !!
هل جاك وقع فريسة في حبها !!
ولكن أين وكيف !!
تلك الصدمة أخرست لسانه ، وجمدت وجهه كتمثال الجليد .. وهو يشاهد جاك من أمامه يتحرك بذهاب وأياب بحاله أقرب إلي الجنون دون أن يدرك بحالته المغيبة هيئته و ما يفعله ..
فحقاً العشق أعمى !!
ولكن ما يطمئن قلبه كثيرًا … بأن تلك الفتاة تلتزم بحدودها جيدًا ولن تسمح بالتجاوزات !!
--------------------
في المساء لم يعلم لما ذهب علي غير عادته بتاتًا لذلك النادي الليلي دون المستوي ، وجلب تلك المرأة الأكثر أغراءٍ به بملابسها الفاضحة تلك والتي تحتل مقعد السيارة من جانبه ..
والأكثر حيرة له الأن لما لا يتتطلع لها بنفس راغبة منتقمة كما كان ينظر لنساء العالم أجمع بلا استثناء من قبل !!
لماذا ؟! .. لماذا ؟!
ذلك الاستفسار المحير حدث به ذاته الكثير والكثير وهو يحتل المقعد الأمامي ويقود سيارته الحديثة بنفسه .. حتي أنه لم يشعر من شدة حيرته بأنه ضرب عجلة القيادة باليد الحرة بعنف شديد يكفي لانتفاض جسد تلك العاهرة بخوف من جانبه ..
لتزيد حيرته للقصوى عندما رفض في هذه الليلة بالذات عدم الشراب .. قد يكون هناك شىء خفي في نفسه يجبره برغبة قوية أن يشاهد بتركيز رد فعلها عند رؤيتها لتلك المرأة التي تفوق بمراحل كثيرة أنوثتها الخفية بل ويكاد يجزم بحزم بأنها لم تكن موجودة من الأساس لديها لتكون بينهم وجه مقارنة !!
-------------------------
أنهت صلاتها في جوف الليل ، ثم استكانت في جلستها علي سجادة الصلاة ترفع يداها لرب السماء في تضرع جهري يحوطه الخشوع الجليل لعظمة الخالق من فوق سبع سموات ..
" اللهم يا رحمن يا رحيم اهده ثم اهده ثم اهده ، اللهم اجعله هاديا مهديا ، اللهم اشرح صدره للحق ، اللهم وفقه لما تحب وترضي ، اللهم خذ بناصيته إلى البر والتقوى ، اللهم رده إليك ردا جميلا .. وكن بعوني ولا تجعل اليأس يتملكني وقوني بك يوم لا يوجد سندٍ إلا أنت .. يوم لا يوجد سندٍ إلا أنت "
ظلت تردد جملتها الأخيرة إلي أن أنهت دعائها بالصلاة علي أشرف المرسلين ، ثم أنتصبت من جلستها بهدوء وبيدها سجادة الصلاة تطويها بإتقان ، لتتركها علي أحد المقاعد بجانبها عندما أقتحم سكون القصر صوت أنذار سيارته التي تعود في ذلك الوقت كحال كل يوم ..
أرتدت غطاء وجهها واتجهت للنافذة تراقب ما يحدث بسكون شديد وهو يترجل من سيارته بصحبة إمرأة أقل ما يقال عنها فتاة ليل ..
لم تدرك في حالة غليان جسدها كرد فعل لجرمه الذي يغضب الله به كل ليله .. بأنه رفع مقلتاه الخضراء سنتيمترات بإتجاه نافذة غرفتها .. ليهبطها علي الفور بنشوة متلذذه إجتاحته عندما لمح تطلعها لهما بحالة مغيبة نافرة ..
حالتها النافرة أزادت بغضب حينما كانت تظن منذ قليل بأنه يراجع ذاته من حديثها الصباحي .. ليثبت لها العكس الأن .. بل وينفي ما تظنه بنفي يقسوا عليها بشدة ..
تلك الحالة جعلت غضبها المكمون بداخلها منذ أتت إلي هنا نتيجة أفعاله وألفاظه القاسية والجارحة يخرج ليري النور أخيرا في حالة عصيان حادة وشديدة ..
انتفضت من مكانها لتعلن بشجاعة هذا العصيان في وجهه منذ الأن وصاعد ، فهي لن تسمح طول مدة بقائها هنا بتلك المهزلة الأخلاقية بعد الأن ، و التي ستُحملها حتما بذنوبا تعادل صمتها الأبكم !! ..
لم تدرك عند أقترابها لباب الغرفة ومن خلفهُ يصلها خطواتهم الواضحة وهمهماتهم المشمئزة ، بأن صوتها غير مساره وصدح بقوة من خلف الباب بعلاجٍ أقوي من حالة عصيانها بل ومن جميع الوصفات الطبية في العالم أجمع اللا وهو أيات القرأن الكريم ..
متيقنه بقوله الكريم " لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ "
صدح صوتها بتلاوة عجز من يسمعها عن وصف جمالها العذب المتناغم .. وهي تردد دون أدراك بلغتها العربية ببداية سورة النور ..
" الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) "
حين وصلت لتلك الاية الأخيرة أتاها صوت أنغلاق باب غرفته بشدة .. فعلي ما يبدوا بأن قلبه القاسي المتحجر لم يتأثر بما رددته .. ليصاب قلبها بحزن دفين وعقلها بحالة هذيان تامة .. جعلتها ترفع يديها الأثنان تطرق بهما بعنف علي ظهر باب غرفتها وهي تردد دون توقف بحالة بكاء هستيري " فإن الله غفور رحيم "…
ظلت ترددها بأنهيار تام حتي سقطت هاوية تجثو مكانها علي أرض الغرفة بتحطم ذاتي عنيف .. جعلها تتيقن بأنه بات لا فائدة منهُ نهائيًا بعد الأن !!