رواية احفاد الثعلب الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم شريهان سماحة
الحلقة الثالثة والعشرين
" علي جلال البنا " أو " كريس شالعوم "
لديه شهادتين ميلاد الأولى من السفارة المصرية بديانة مسلم ، والأخرى من السفارة اليهودية بديانة يهودية .. والغريب في الأمر أن الأخيرة هي من مضى بها سنواتهُ الطفولية وموصى بسراينها دائما من مسئول هام داخل الأراضي الامريكية لم أعلم هويته لزيادة الغموض حوله !
لديه من العمر 32 عاماً .. أب جلال البنا عالم مشهور قتل منذ واحد وعشرين عامًا في عملية مجهول مصدرها .. أم مارية شالعوم يهودية الديانة أمريكية الجنسية .. توفيت في ظروف غامضة ومن المفترض بأن كريس كان برفقتها وبهذا انتهت شهادة ميلاد كريس بوفاته ..
ظهر شهادة ميلاد " علي " بعد أن غادر ولاية واشنطن علي الفور .. منذ خمسة عشر عاماً الي أن استقر بعد عناء في ولاية كاليفورنيا بمقاطعة سان فرانسيسكو ، ألتحق فيها بتعليم مفتوح لاحدى الجامعات وتفوق بها في مجال الإلكترونيات ومن ثم الاستمرار في سنوات الدراسات العليا .. تمكن في تلك السنوات التالية من بناء أكبر صرح مهول للتجارة الإلكترونية تحت ماركتها العالمية " با " واستطاع التفوق في ذلك المجال علي الكثير من ستوطته ..
كانت تلك الكلمات التي طرحت علي أُذن / براد فيليب رئيس مجلس الشيوخ الأمريكي من ذلك التقرير الذي قاما بأعداده أحد رجاله الموثوق بهم ..
انتفض من علي مقعده المريح ببدنه الضخم متوجها لنافذة مكتبه معطي اياه ظهره دون ابدأ الرأي على ما قاله ..
شرد بذهنه لسنوات مضت من العمر تكفي لاسترجاع أسراره العتية ، فما كان إلا هو ذلك المسئول ! الذي ساعد والدته علي أخراج تلك الشهادة الثانية باسم أجنبي ينسب لوالدته وبديانة يهودية .. وبنفوذه حين ذاك استطاع سراينها كوثيقة مصدقا بها في الأراضي الأمريكية ..
حيث كان يشغل منصب عضو هام وذو سلطة فعاله داخل المجلس ..
تخبطته الحيرة والاندهاش للقصوى بعد التأكد بأنه ما كان يظنه .. ولكن إذا كان هذا كريس فمن ذلك الذي دفن بصحبة والدته في ذلك اليوم …
كاد عقله يجن من كثرة التفكير ليقطع وصلة ذهنه صوت الرجل من خلفه متحشرجاً بلطف :
- هل سنأخذ الأمر بالقضاء عليه سيدي ؟!
ذلك الصوت ومضمون رسالته أخرجه بالفعل من شروده ليلتف مستديرا لوجهته قائلا بحزم خارجا من عيناه القويتان :
- كلا .. فهو الأن ليس بالشخص الهين ويجب مراقبته لوقتٍ كافي ومن ثم التخطيط علي أكمل وجه للقضاء عليه جيداً دون أن نترك أي خيط خلفنا !
-------------------------
فاق العجوز بوهن بعد مدة طال بها رقوده المخدر ..
فاق بعد أن استوعب حاضره وما حدث له .. فعلي ما يبدوا أنه دخل مرحلة الا عودة في مرضه .. تجرع ما في حنجرته ببطئ علي أثر تذكر أن الموت يطرق أبوابه بعنفوانية .. سلام داخلي مطمئن يحثه على التحمل لعل الرب يؤجره علي ذلك خيرا .. ولكن الأهم الأن الاطمئنان علي ولده الذي ليس من صلبه .. ومحاولة التقرب بينه وبين زوجته !
زوجته تلك الفتاة الصالحة .. التي لمس بها الطيبة والقلب النقي متعجبا من أحاديث الغرب وأهل عشيرته علي أمثالهم فيبدوا أنهم خدعوا بأيدي خفية تريد استمرار العدوانية للأبد لذلك الدين …
تلك الفتاة بصلاحها هي الوحيدة القادرة علي تحسن تلك الصورة في ذهنه بل وقد تجعله يتنحي عن طريق الإنتقام الأعمى الذي قد يؤدي به إلي طريق الهلاك ..
فهو يأمل حقاً في تلك الفتاة خيرًا !!
وعند استلامها زمام الأمور ستكون رسالته قد أنتهت وقارب علي الرحيل !
هما من فراشه يستعيد حيويته بنشاط مزعوم يقضي شكليا علي المرض .. يأمل بإنتهاء مشوارها .. ليبدأ معها كحال كل الأيام الماضية بشكل غير مباشر سرد طباع " علي " وصفاته الغير محموده حتي تكون علي علم بكل شئ وأيضا علي النقيد داخله الجميل الذي يعكس خارجه بتضاد قوي ومتين ..
اندهش من وجود سيارة " جاك " أمام باب القصر الداخلي فعلى ما يبدوا بأنها انتهت من مشوارها بالفعل ولكن لما لا يغادر جاك في الحال !
تسرب القلق لداخله فأسرع ينظر للأعلى مستغرباً .. إلي أن وضع قدمه علي أول الدرج لتتبعه الأخرى ببطي وهو يراقب الطابق الثاني باضطراب يعتلى جسده .. إلي أن وصل لنهايته يشاهد ممره بترقب دقيق .. فتفاجأ بصوت مشادة كلامية عالية تخرج من أحدى الغرف بين صوتين يعلم صاحبهما جيدا أحدهما يصدح بقوة والأخر باكي مضطرب .. ليتبعه خروج " علي " من غرفة ابنة عمه وزوجته عاري الصدر إلا من قلادته الفضية بمعالم وجهه مشتتة ما بين الكره والاندهاش !
متجه لغرفته مقفلا بابها خلف ظهره بقوة عنيفة لم يلاحظها عليه نهائيًا من قبل إلا نادراً..
عادت مقلتاه مرة ثانية لباب الغرفة التي بها يسمع أنينها الخافت بلغة القهر وقلة الحيلة ..
أغمض عيناه ببطئ من شعوره بالحزن علي ما يشاهده .. أملا خيرا بأن يكون ولده لم يدنس براءتها بعد بلعنة الماضي المخزي الذي يطبع في ذاكرته بتملك حتي تلك اللحظة ..
فهي ورقته الرابحة لتغير تلك الذكري القاسية بداخله .. فهي المثال الجيد للمرأة التي يحتاجها " علي " بل قد يكون في أمس الحاجة ليرتمي باكياً في أحضانها ليكي يخرج ما يعتلي صدره المكتظ بما لا يتحمله بشرٍ عادي ..
فتح عيناه مطلقا تنهيدة عميقة عقب أنهاء امنيته الوحيدة التي يرجوا تحقيقها في أخر أيامه ، متيقناً بأنه حان وقت تنفيذها بالفعل ، وأولى خطواتها معرفتها بالحقيقة !! ..
-----------------------
أطاح بجسده علي الفراش بعنف يرمق سقف غرفته بتشتت ذهني رهيب ..
فهو لم يعاهد امرأة من قبل تتعفف في ذلك الأمر بل كلهن راغبات بشدة بل وقد تصل رغبتهم للخيانة الزوجية أن لازم الأمر كما شاهد بعيناه الطفولية في الصغر !!!
والأمر الأكثر تشتت أنه طرف في تلك العلاقة .. هو الوسيم برجولته المعهودة والجاذبة لكل النساء تحت قدمه .. اللاتي يرغبن بنظره واحده لهم حتي ولو كانت صامته ..
أما هي هل كانت تجثو أمامه باكية راجية بأن يتركها ؟! .. لا وتحتمي بربها وذكري والده لديه !!
يا ألهي !!
كيف لامرأة أن تقاوم رغبتها كأنثي .. وهو كرجل !!
هل هو بين معادلة فريدة من نوعها أم بين متصنعه كاذبة راغبه في الخفاء وتقاوم لنيل شيئ تريد تحقيقه !!
أنتفض من نومته يجلس علي حافة الفراش يجثو بمرفقيه علي فخذيه يعتليه الأصرار المؤكد وهو ينظر بقوة لنقطة ما أمامه .. بأنها من المؤكد الشيئ الأخير والدليل علي ذلك عاطفة جاك بأتجاهها والظاهرة بوضوح مبين بمقلتيه العاشقة عند ذكر سيرتها !!
ولكن هي كانت متمنعه رافضة له بأصرار مع العلم بأن بيننا رابط .. أيعقل أن الرفض لأجل دينها ومحرماته أم من أجل رغبتها في جاك ..
ظلت الحيرة تلاطم أفكاره بماضيها السئ وحاضرها العجيب .. ظلت تخبط بعقله بين براءة طفل شاهد ما يجعله يقسو طوال أعوام عمره ..
وحاضر شاب بالغاً شاهد بعقله الرزين ما يعكس طفولته المبكرة المؤلمة…
إلي أن أهداه فكره بعد ساعات طويلة ظلت تسيطر عليه بضرورة أحضار جاك أمامها في أحدي الأيام وسيصدق حسه وستفضحها عيناها وشغفها به كما يفضحه عيناه العاشقة أمامه !
نعم ذات يوم سيبين لها بأنها كباقي النساء اللاتي مروا أمامه طيلة سنوات عمره .. وحينها سيكذب عفتها المزعومة تلك أمامهما جميعاً والأيام بينهما !!
---------------------------
ظل كلاهما يلازم غرفته في سابقة فريدة من نوعها ل " علي " خاصة .. وظل العجوز بقلقه المتزايد عليهما يأكله حتي نخر عقله العليل ..
إلي أن فاجئه " علي " بعد يومان بخروجه ذات صباح لعمله .. هكذا دائما ما عاهدَ منه في عز ضعفه وحزنه لا يظهره بل ويبني حصون منيعة ليقوي جبهته وتعود قوته كما سابق عهدها !!
ولكن تلك المسكينة التي ترفض الطعام والشراب فهي ليست بقوته ولا لديها نفس قسوته حتي تستمدها في محاربته …
لم يشعر إلا بأقدامه وهي تستكين بهدوء أمام باب غرفتها .. مد يداه يطرقه بعدة طرقات هادئة لم يستجيب ساكنها عليها في الحال ..
قرر فعلته بإصرار والقلق يأكله .. إلي أن أستجابت من خلف الباب بنبرة أرُهق صاحبها إلي حد الموت من كثرة بكائها..
- من ؟!
فهتف علي الفور مبتسم ببشاشة :
- مرحبا بنيتي .. كيف حالك ؟!
نظفت حنجرتها مردده بنبرة مطمئنة :
- بخير أيها العجوز ..
أندهش لعدم بوحها لما مر بينهما عند سماع صوته .. فأتسعت أبتسامته متيقنا بأن تلك الفتاة حقا تستحق الثناء والتقدير .. وأنها رحمة من الرب لذلك الطفل البريء بداخله ..
فطرح سؤاله علي الفور :
- ألن تخرجي من تلك الغرفة ؟!
أتاه الصمت لعدة ثواني ثم الرفض المؤكد من جانبها ..
فهتف دون تردد :
- هو ليس هنا .. لقد خرج في الصباح الباكر ولقد سئمت الجلوس وحدي .. كما أنني أحتاج لأن أتحدثك معك في امرٍ ضروري ..
تعجبت من حديثه بعد أن أطمئنت من مغادرة ذلك الأمريكي المريض .. فهتفت بأندهاش جلي :
- ما الأمر ؟!
- هل سأظل أسرد الامر في نفس مكاني فقد يزورني بعض الأغماءات ..
علي ذكر حالته المرضية أخفق قلبها ألمٍ ، فهتفت بعجالة :
- لا يجوز ذلك .. أمهلني بعض الدقائق وسأكون أن شاء ربي خلفك !!
ضحك باسما بدون صوت بسعادة داخلية لقدرته علي تعديل قرارها وخروجها من مخبأها أخيرا ..
بعد القليل من الوقت خطت بأقدامها المرتجفة خارج الغرفة خشيت رؤياه إلي أن أطمئنت لخلو الممر من حتي طنين الذباب .. فأستجمعت حالها وهبطت لمكان العجوز بالأسفل لتتفاجئ بجلوسه في بهو القصر فجلست بهدوء أمامه علي أحدي المقاعد ..مرددة بأضطراب :
- ما بك وجهك حزين ؟! هل زارتك الأغماءات مرة أخري ؟!
- رؤيتكم هكذا هي ما تحزن داخلي بشدة !!
طأطأت رأسها بأستحياء هاتفه بأرتباك :
- لا تقلق أيها العجوز .. كل شئٌ علي ما يرام ..
سعادة وراحة نفس تملكته لصونها أسرارهم .. فأسترسل حديثه بجديه هادئة :
- لن أطيب خاطرك ببعض الكلمات ، ولكن حان الأن لسرد لكِ بعض التفاصيل المهمة التي ستجعلك تفهمين الأمر جيدا ..
رفعت وجهها بأتجاهه بذهول وهي تستوعب مغزى تلك الكلمات المحيرة .. فتجرعت بإرتباك حنجرتها لما سيهبط علي أذنها من أمور صادمة .. فهكذا حدثتها ملامحه الجدية ..
" علي جلال البنا " أو " كريس شالعوم "
لديه شهادتين ميلاد الأولى من السفارة المصرية بديانة مسلم ، والأخرى من السفارة اليهودية بديانة يهودية .. والغريب في الأمر أن الأخيرة هي من مضى بها سنواتهُ الطفولية وموصى بسراينها دائما من مسئول هام داخل الأراضي الامريكية لم أعلم هويته لزيادة الغموض حوله !
لديه من العمر 32 عاماً .. أب جلال البنا عالم مشهور قتل منذ واحد وعشرين عامًا في عملية مجهول مصدرها .. أم مارية شالعوم يهودية الديانة أمريكية الجنسية .. توفيت في ظروف غامضة ومن المفترض بأن كريس كان برفقتها وبهذا انتهت شهادة ميلاد كريس بوفاته ..
ظهر شهادة ميلاد " علي " بعد أن غادر ولاية واشنطن علي الفور .. منذ خمسة عشر عاماً الي أن استقر بعد عناء في ولاية كاليفورنيا بمقاطعة سان فرانسيسكو ، ألتحق فيها بتعليم مفتوح لاحدى الجامعات وتفوق بها في مجال الإلكترونيات ومن ثم الاستمرار في سنوات الدراسات العليا .. تمكن في تلك السنوات التالية من بناء أكبر صرح مهول للتجارة الإلكترونية تحت ماركتها العالمية " با " واستطاع التفوق في ذلك المجال علي الكثير من ستوطته ..
كانت تلك الكلمات التي طرحت علي أُذن / براد فيليب رئيس مجلس الشيوخ الأمريكي من ذلك التقرير الذي قاما بأعداده أحد رجاله الموثوق بهم ..
انتفض من علي مقعده المريح ببدنه الضخم متوجها لنافذة مكتبه معطي اياه ظهره دون ابدأ الرأي على ما قاله ..
شرد بذهنه لسنوات مضت من العمر تكفي لاسترجاع أسراره العتية ، فما كان إلا هو ذلك المسئول ! الذي ساعد والدته علي أخراج تلك الشهادة الثانية باسم أجنبي ينسب لوالدته وبديانة يهودية .. وبنفوذه حين ذاك استطاع سراينها كوثيقة مصدقا بها في الأراضي الأمريكية ..
حيث كان يشغل منصب عضو هام وذو سلطة فعاله داخل المجلس ..
تخبطته الحيرة والاندهاش للقصوى بعد التأكد بأنه ما كان يظنه .. ولكن إذا كان هذا كريس فمن ذلك الذي دفن بصحبة والدته في ذلك اليوم …
كاد عقله يجن من كثرة التفكير ليقطع وصلة ذهنه صوت الرجل من خلفه متحشرجاً بلطف :
- هل سنأخذ الأمر بالقضاء عليه سيدي ؟!
ذلك الصوت ومضمون رسالته أخرجه بالفعل من شروده ليلتف مستديرا لوجهته قائلا بحزم خارجا من عيناه القويتان :
- كلا .. فهو الأن ليس بالشخص الهين ويجب مراقبته لوقتٍ كافي ومن ثم التخطيط علي أكمل وجه للقضاء عليه جيداً دون أن نترك أي خيط خلفنا !
-------------------------
فاق العجوز بوهن بعد مدة طال بها رقوده المخدر ..
فاق بعد أن استوعب حاضره وما حدث له .. فعلي ما يبدوا أنه دخل مرحلة الا عودة في مرضه .. تجرع ما في حنجرته ببطئ علي أثر تذكر أن الموت يطرق أبوابه بعنفوانية .. سلام داخلي مطمئن يحثه على التحمل لعل الرب يؤجره علي ذلك خيرا .. ولكن الأهم الأن الاطمئنان علي ولده الذي ليس من صلبه .. ومحاولة التقرب بينه وبين زوجته !
زوجته تلك الفتاة الصالحة .. التي لمس بها الطيبة والقلب النقي متعجبا من أحاديث الغرب وأهل عشيرته علي أمثالهم فيبدوا أنهم خدعوا بأيدي خفية تريد استمرار العدوانية للأبد لذلك الدين …
تلك الفتاة بصلاحها هي الوحيدة القادرة علي تحسن تلك الصورة في ذهنه بل وقد تجعله يتنحي عن طريق الإنتقام الأعمى الذي قد يؤدي به إلي طريق الهلاك ..
فهو يأمل حقاً في تلك الفتاة خيرًا !!
وعند استلامها زمام الأمور ستكون رسالته قد أنتهت وقارب علي الرحيل !
هما من فراشه يستعيد حيويته بنشاط مزعوم يقضي شكليا علي المرض .. يأمل بإنتهاء مشوارها .. ليبدأ معها كحال كل الأيام الماضية بشكل غير مباشر سرد طباع " علي " وصفاته الغير محموده حتي تكون علي علم بكل شئ وأيضا علي النقيد داخله الجميل الذي يعكس خارجه بتضاد قوي ومتين ..
اندهش من وجود سيارة " جاك " أمام باب القصر الداخلي فعلى ما يبدوا بأنها انتهت من مشوارها بالفعل ولكن لما لا يغادر جاك في الحال !
تسرب القلق لداخله فأسرع ينظر للأعلى مستغرباً .. إلي أن وضع قدمه علي أول الدرج لتتبعه الأخرى ببطي وهو يراقب الطابق الثاني باضطراب يعتلى جسده .. إلي أن وصل لنهايته يشاهد ممره بترقب دقيق .. فتفاجأ بصوت مشادة كلامية عالية تخرج من أحدى الغرف بين صوتين يعلم صاحبهما جيدا أحدهما يصدح بقوة والأخر باكي مضطرب .. ليتبعه خروج " علي " من غرفة ابنة عمه وزوجته عاري الصدر إلا من قلادته الفضية بمعالم وجهه مشتتة ما بين الكره والاندهاش !
متجه لغرفته مقفلا بابها خلف ظهره بقوة عنيفة لم يلاحظها عليه نهائيًا من قبل إلا نادراً..
عادت مقلتاه مرة ثانية لباب الغرفة التي بها يسمع أنينها الخافت بلغة القهر وقلة الحيلة ..
أغمض عيناه ببطئ من شعوره بالحزن علي ما يشاهده .. أملا خيرا بأن يكون ولده لم يدنس براءتها بعد بلعنة الماضي المخزي الذي يطبع في ذاكرته بتملك حتي تلك اللحظة ..
فهي ورقته الرابحة لتغير تلك الذكري القاسية بداخله .. فهي المثال الجيد للمرأة التي يحتاجها " علي " بل قد يكون في أمس الحاجة ليرتمي باكياً في أحضانها ليكي يخرج ما يعتلي صدره المكتظ بما لا يتحمله بشرٍ عادي ..
فتح عيناه مطلقا تنهيدة عميقة عقب أنهاء امنيته الوحيدة التي يرجوا تحقيقها في أخر أيامه ، متيقناً بأنه حان وقت تنفيذها بالفعل ، وأولى خطواتها معرفتها بالحقيقة !! ..
-----------------------
أطاح بجسده علي الفراش بعنف يرمق سقف غرفته بتشتت ذهني رهيب ..
فهو لم يعاهد امرأة من قبل تتعفف في ذلك الأمر بل كلهن راغبات بشدة بل وقد تصل رغبتهم للخيانة الزوجية أن لازم الأمر كما شاهد بعيناه الطفولية في الصغر !!!
والأمر الأكثر تشتت أنه طرف في تلك العلاقة .. هو الوسيم برجولته المعهودة والجاذبة لكل النساء تحت قدمه .. اللاتي يرغبن بنظره واحده لهم حتي ولو كانت صامته ..
أما هي هل كانت تجثو أمامه باكية راجية بأن يتركها ؟! .. لا وتحتمي بربها وذكري والده لديه !!
يا ألهي !!
كيف لامرأة أن تقاوم رغبتها كأنثي .. وهو كرجل !!
هل هو بين معادلة فريدة من نوعها أم بين متصنعه كاذبة راغبه في الخفاء وتقاوم لنيل شيئ تريد تحقيقه !!
أنتفض من نومته يجلس علي حافة الفراش يجثو بمرفقيه علي فخذيه يعتليه الأصرار المؤكد وهو ينظر بقوة لنقطة ما أمامه .. بأنها من المؤكد الشيئ الأخير والدليل علي ذلك عاطفة جاك بأتجاهها والظاهرة بوضوح مبين بمقلتيه العاشقة عند ذكر سيرتها !!
ولكن هي كانت متمنعه رافضة له بأصرار مع العلم بأن بيننا رابط .. أيعقل أن الرفض لأجل دينها ومحرماته أم من أجل رغبتها في جاك ..
ظلت الحيرة تلاطم أفكاره بماضيها السئ وحاضرها العجيب .. ظلت تخبط بعقله بين براءة طفل شاهد ما يجعله يقسو طوال أعوام عمره ..
وحاضر شاب بالغاً شاهد بعقله الرزين ما يعكس طفولته المبكرة المؤلمة…
إلي أن أهداه فكره بعد ساعات طويلة ظلت تسيطر عليه بضرورة أحضار جاك أمامها في أحدي الأيام وسيصدق حسه وستفضحها عيناها وشغفها به كما يفضحه عيناه العاشقة أمامه !
نعم ذات يوم سيبين لها بأنها كباقي النساء اللاتي مروا أمامه طيلة سنوات عمره .. وحينها سيكذب عفتها المزعومة تلك أمامهما جميعاً والأيام بينهما !!
---------------------------
ظل كلاهما يلازم غرفته في سابقة فريدة من نوعها ل " علي " خاصة .. وظل العجوز بقلقه المتزايد عليهما يأكله حتي نخر عقله العليل ..
إلي أن فاجئه " علي " بعد يومان بخروجه ذات صباح لعمله .. هكذا دائما ما عاهدَ منه في عز ضعفه وحزنه لا يظهره بل ويبني حصون منيعة ليقوي جبهته وتعود قوته كما سابق عهدها !!
ولكن تلك المسكينة التي ترفض الطعام والشراب فهي ليست بقوته ولا لديها نفس قسوته حتي تستمدها في محاربته …
لم يشعر إلا بأقدامه وهي تستكين بهدوء أمام باب غرفتها .. مد يداه يطرقه بعدة طرقات هادئة لم يستجيب ساكنها عليها في الحال ..
قرر فعلته بإصرار والقلق يأكله .. إلي أن أستجابت من خلف الباب بنبرة أرُهق صاحبها إلي حد الموت من كثرة بكائها..
- من ؟!
فهتف علي الفور مبتسم ببشاشة :
- مرحبا بنيتي .. كيف حالك ؟!
نظفت حنجرتها مردده بنبرة مطمئنة :
- بخير أيها العجوز ..
أندهش لعدم بوحها لما مر بينهما عند سماع صوته .. فأتسعت أبتسامته متيقنا بأن تلك الفتاة حقا تستحق الثناء والتقدير .. وأنها رحمة من الرب لذلك الطفل البريء بداخله ..
فطرح سؤاله علي الفور :
- ألن تخرجي من تلك الغرفة ؟!
أتاه الصمت لعدة ثواني ثم الرفض المؤكد من جانبها ..
فهتف دون تردد :
- هو ليس هنا .. لقد خرج في الصباح الباكر ولقد سئمت الجلوس وحدي .. كما أنني أحتاج لأن أتحدثك معك في امرٍ ضروري ..
تعجبت من حديثه بعد أن أطمئنت من مغادرة ذلك الأمريكي المريض .. فهتفت بأندهاش جلي :
- ما الأمر ؟!
- هل سأظل أسرد الامر في نفس مكاني فقد يزورني بعض الأغماءات ..
علي ذكر حالته المرضية أخفق قلبها ألمٍ ، فهتفت بعجالة :
- لا يجوز ذلك .. أمهلني بعض الدقائق وسأكون أن شاء ربي خلفك !!
ضحك باسما بدون صوت بسعادة داخلية لقدرته علي تعديل قرارها وخروجها من مخبأها أخيرا ..
بعد القليل من الوقت خطت بأقدامها المرتجفة خارج الغرفة خشيت رؤياه إلي أن أطمئنت لخلو الممر من حتي طنين الذباب .. فأستجمعت حالها وهبطت لمكان العجوز بالأسفل لتتفاجئ بجلوسه في بهو القصر فجلست بهدوء أمامه علي أحدي المقاعد ..مرددة بأضطراب :
- ما بك وجهك حزين ؟! هل زارتك الأغماءات مرة أخري ؟!
- رؤيتكم هكذا هي ما تحزن داخلي بشدة !!
طأطأت رأسها بأستحياء هاتفه بأرتباك :
- لا تقلق أيها العجوز .. كل شئٌ علي ما يرام ..
سعادة وراحة نفس تملكته لصونها أسرارهم .. فأسترسل حديثه بجديه هادئة :
- لن أطيب خاطرك ببعض الكلمات ، ولكن حان الأن لسرد لكِ بعض التفاصيل المهمة التي ستجعلك تفهمين الأمر جيدا ..
رفعت وجهها بأتجاهه بذهول وهي تستوعب مغزى تلك الكلمات المحيرة .. فتجرعت بإرتباك حنجرتها لما سيهبط علي أذنها من أمور صادمة .. فهكذا حدثتها ملامحه الجدية ..