رواية وقعت في قبضة الوحش الفصل العشرين 20 بقلم رولا هاني
الفصل العشرون من رواية:وقعت في قبضة الوحش.
بقلم/رولا هاني.
-إنتَ مين يالا!؟
قالها "صخر" و هو يرمق "سالم" الذي كان أمامه مكبل الأيدي إيضًا و هو يتأوه من فرط الألم الذي إجتاح جسده، و بعد عدة ثوان رد عليه بفظاظته المعهودة:
-خليك في نفسك يا عم إنتَ.
إبتسم "صخر" بسخرية، ثم تمتم بتهكمٍ و هو يلوي شفتيه بحسرة حقيقية:
-بقي بعد ما كان الكل بيعملي حساب يجي واد زي دة و يتكلم معايا أنا بالطريقة دي!
ثم تابع بهمهمة و هو يزفر بضيقٍ:
-أكيد مش هيسيبوني، أكيد لا، مش هيقدروا يمشوا شغلهم من غيري.
بينما "سالم" كان يحاول حل وثاق يديه و لكنه بالطبع لم يستطع، تنهد بحنقٍ و هو يتذكر ذلك الحارس الذي خدره ليسجنه بذلك المكان العجيب، و فجأة شهق بخوفٍ عندما وجد الباب ينفتح ليدخل ذلك الشخص و علي وجهه علامات لا تبشر بالخير قائلًا:
-يا مرحب بالحبايب.
____________________________________________
-خليكي هنا هنزل أشتري ماية و أرجع تاني.
قالها "نادر" بنبرته المرتبكة و هو يخرج من السيارة، فزفرت "هايدي" بإمتعاضٍ و هي تصيح بعدم إهتمام:
-و أنا مالي.
كادت أن تعود لشرودها حول ما حدث اليوم و لكن قاطعها صوت رنين هاتفه الذي كان بالسيارة فحاولت أن تتجاهله و لكن صوت رنينه المزعج منعها، لذا و بترددٍ قبضت علي الهاتف لتنظر لهوية المتصل، و فجأة جحظت عيناها بصدمة شديدة لا توصف، إزدردت ريقها بعدم فهم!...والدتها!....و ما علاقة والدتها به!؟...تنهدت بتوجسٍ و كادت أن ترد بوجلٍ و لكنها تركت الهاتف مجددًا عندما رأته يتقدم ناحية السيارة و بيده زجاجة مياة بلاستيكية شفافة، و حاولت بكل الطرق أن تبدو طبيعية بعدما شحب وجهها بصورة ملحوظة!
فتح باب السيارة ليجلس بداخلها و قبل أن يدير محركها وجدها تهمس بنبرة متحشرجة:
-تليفونك عمال بيرن من ساعة ما نزلت من العربية.
إنطلق بالسيارة و إلتقط الهاتف لينظر لهوية المتصل، فتحرك بتوترٍ و هو يتوقف بالسيارة هاتفًا ب:
-أ.....ا.....دي مكالمة مهمة هخرج بس أرد و أجي، خليكي إنتِ هنا.
اومأت له و وجهها شاحب بصورة واضحة، ظلت تراقبه و هو يبتعد عن السيارة بذهولٍ، ما الذي يحدث!؟... هي لا تفهم أي شئ!؟...أصابتها الحيرة فلم تستطع مقاومتها، لذا خرجت من السيارة هي الأخري لتتجه ناحيته بخفة حتي لا يشعر بها!
____________________________________________
-هو دة بيت مين!؟
قالتها بفضولٍ طفولي، ليجيبها هو بضيقٍ بعدما لاحظ نظراتها المشمئزة للمكان بتأففٍ:
-دة البيت اللي إتربيت فيه.
رفعت "نورسين" حاجبيها بدهشة لتصيح بعدها بتلقائية، و هي تتنهد بتمهلٍ:
-أكيد أهلك كانوا ناس طيبين جدًا، نفسي أعرف إية خلاك تبقي تاجر مخدرات و تأذي في الناس بالطريقة دي!
إزدرد ريقه بصعوبة واضحة و علي ثغره ترتسم تلك الإبتسامة الجانبية الساخرة، بينما هي تتجه ناحية تلك الصورة المعلقة علي الحائط لترمقها بفضولٍ أكبر هامسة بتساؤل، و هي ترمق ذلك الرجل العابس بملامحه الحادة الصارمة بخوفٍ طفيفٍ:
-مين دة يا "زياد"!؟
طال الصمت لعدة دقائق فكادت أن تستدير له و لكنه قبض علي ذراعها بعنفٍ ليجذبها نحوه صارخًا بقسوة، و جسده يهتز من فرط الإهتياج:
-إنتِ ملكيش دعوة بأي حاجة هنا، إنتِ فاهمة؟
تلاحقت أنفاسها بغضبٍ، لتصيح بعدها بقوة لم تتخلي عنها بالرغم من كل شئ حدث:
-طول ما أنا معاك لازم أفهم كل حاجة.
ثم تابعت بعصبية، و هي لا تنتبه لما تقوله بلا وعي:
-و بعدين إنتَ لازم تتعود علي كدة عشان هفضل معاك.
وجدته يرفع حاجبه الأيسر بمكرٍ ليهمس بعدها بعبثٍ، و هو يطوق خصرها، ليقربها منه برفقٍ:
-تفضلي معايا!....مش كنتي رافضة الموضوع دة قبل كدة!؟
توترت تعابير وجهها ليشحب، فلاحظ هو إرتباكها الواضح و هي تحاول الإبتعاد عنه قائلة بتعلثمٍ:
-أ.....أقصد....ي...يعني التحدي اللي بينا مش إنتَ إتحديتني إنك هتخليني عايزة أبقي معاك.
إرتسم علي ثغره إبتسامة جانبية خبيثة، ليهمس بعدها بنبرته الشيطانية الماكرة:
-معني كدة إني أنا اللي كسبت؟
إزدردت ريقها و حاولت الهروب من سؤاله بكل الطرق، لذا صاحت بدون بدون تفكير و هي تبتعد عنه بعدما نفضت ذراعها من بين قبضته الغليظة بخفة:
-هو إنتَ مش هتطلق "روضة"!؟
عبست ملامحه ليصيح بعدها بنبرته القاتمة المعهودة بعدما إقترب منها، لتلفح أنفاسه الحارة وجهها:
-فكرتيني باللي عملتيه إنهاردة.
تلاحقت أنفاسها مجددًا و كادت أن تركض هاربة من بين براثنه تجاه إحدي الغرف، و لكنه باغتها بكفه الذي قبض علي معصمها بقوة كادت أن تحطمه، ثم دفعها ناحية الأريكة لتتمدد عليها قسرًا وسط صرخاتها العنيفة، فكمم هو فمها حتي لا يستمع أحد بتلك المنطقة الشعبية لصوت صراخها فبالطبع لن يتواني أحد عن إنقاذ تلك الفتاة التي تصرخ بهستيرية، بالإضافة إلي فضولهم الذي لن يتركهم إلا عندما يزكنوا سبب تلك الصرخات....إرتمي بجسده علي الأريكة ليمنع حركاتها العشوائية تلك بذراعه الأخر، ليهمس بعدها بروية و هو يمعن النظر بملامحها المنكمشة بغضبٍ أصبح يحب رؤيته بتلك الفترة الأخيرة:
-قوليلي بقي يا قطتي، إية اللي عملتيه دة إنهاردة.
حاولت التحرك مجددًا و لكنها لم تستطع، لذا صاحت بنفاذ صبر بعدما أزال كفه عن فمها:
-يعني بعد كل اللي عملته فيا من ضرب و شتيمة و إهانة مش عايزني أنتقم منك، إنتَ مجنون ولا إية!؟
قبض علي فكها بقوة ليهمس بعدها بإنفعالٍ و هو يهز رأسها بيدها:
-لسانك دة أعمل فيه إية!؟....إنتِ مبتتعلميش؟
و لم يعطها فرصة للرد بل تابع بغيظٍ و هو ينهض من علي الأريكة مبتعدًا عنها:
-مغلطتش لما قولت عنك غبية و تصرفاتك غبية.
عضت علي شفتيها تحاول السيطرة علي كلماتها اللاذعة و بالفعل إستطاعت، و لكن هناك شئ ما بداخلها يحثها علي سؤاله مجددًا، شئ ما يحترق بسبب الغيرة، شئ ما يحترق غضبًا، شئ ما لا يسمح لها بالراحة و لو لدقيقة واحدة، لذا هتفت بنبرة حاولت جعلها هادئة و هي تضع إحدي خصلاتها خلف أذنها:
-إنتَ هتطلق "روضة"؟
تقلصت ملامحه بتعجبٍ حقيقي ليتسائل بغموضٍ و هو يعقد ساعديه أمام صدره:
-لية مهتمة بالموضوع دة!؟
هزت رأسها رافضة لتهمس كاذبة بنبرتها المختنقة، و هي تتجه ناحية إحدي الغرف:
-فضول مش أكتر.
تابعها و هي تتواري عن أنظاره لتغلق باب الغرفة المتهالك خلفها!....تنهد بضيقٍ سيطر عليه و هو يشعل سيجارته بحيرة، ما ذلك الشعور الذي يتملكه!؟...و الغريب هو عدم قدرته علي مقاومة ذلك الشعور!؟....نفث دخان سيجارته و هو يتجه ناحية الشرفة ليهمس بعدم فهم:
-أنا عمري ما ندمت لما أذيت أي حد، لية إنتِ بذات اللي ندمان علي اللي عملته فيها!؟
تلاحقت أنفاسه ليهز رأسه بهستيرية هامسًا بخفوتٍ و قد نسي كل شئ يلاحقه كظله:
-أنا إية بيحصلي!؟
____________________________________________
ظلت واقفة أمام تلك المرآة ما يقارب الساعة، ظلت علي تلك الحالة!....شاردة،تائهة، و ربما حائرة!....ربما كانت كلمات "هلال" صحيحة، ربما الخطر يقترب منها و هي لا تشعر، ربما هناك شئ ما علي وشك الحدوث، ربما الخوف يسيطر عليها ليجعلها بتلك الحالة الغير طبيعية، تهاوت عبراتها بعد عدة دقائق لتتذكر طفولتها التي تلاحقها كظلها، طفولتها التي باتت تكرهها ولا تطيق تذكرها!
(عودة للوقت السابق)
-نضفي يا بنت ال*** كويس.
قالها "أكرم" بصوتٍ أجشٍ و هو ينفث دخان سيجارته الرديئة، بينما "زياد" يتابعها و هي تنظف البيت للمرة العاشرة باليوم بشفقة و حزن، لذا تنهد بترددٍ قبل أن يهمس خائفًا بنبرته الطفولية البريئة:
-كفاية عليها كدة يا بابا، طب حتي أساعدها دي بتعيط من التعب!
زمجر "أكرم" بإهتياجٍ و هو يدفع "زياد" بعيدًا عنه ليترنح بصورة ملحوظة كاد أن يقع علي أثرها:
-ملكش دعوة يا ***، مش كفاية فاشل في الشغل و مش عارف تتعلملك حاجة.
هز الصغير رأسه نافيًا ليصيح بعدها بإصرارٍ طفولي غير مكترث لأي شئ:
-بس أنا مش عايز أشتغل كدة، أنا عايز أبقي دكتور و أعالج الناس عشان متموتش بسبب المرض زي ماما.
و هنا تدخلت زوجة والده "علياء" لتسحبه ناحيتها صائحة بأسفٍ و هي تحاول مجابهة غضب "أكرم" الجحيمي:
-معلش يا أخويا دة عيل و بيقول أي كلام، متزعلش نفسك إنتَ بس.
لوي "أكرم" شفتيه ثم ضرب ظهر الصغيرة "روضة" التي كانت جاثية علي ركبتيها تنظف الأرض بقدمه لترتمي هي علي الأرضية الباردة صارخة بألمٍ، و هنا وجد "أكرم" فرصته ليخرج غضبه بها، لذا إلتقط الحزام الجلدي من جانبه صائحًا ب:
-و كمان بتعلي صوتك يا ****.
لف طرف الحزام علي كفه، ثم ظل يتهاوي به علي ظهر الصغيرة التي تصرخ ألمًا و هلعًا، بينما "زياد" يتشبث بثياب زوجة والده و هو يرتجف بفزعٍ خائفًا من بطش أبيه!
(عودة للوقت الحالي)
ظلت تنتحب هكذا و هي تكرر تلك الكلمات بحرقة باكية بقهرٍ:
-أنا بكرهكوا كلكوا.
____________________________________________
-آآآآآه هندمك يا ***.
صرخ بها "صخر" و هو علي وشك البكاء من شدة الألم الذي يشعر به بسبب تلك اللكمات و الضرب المبرح الذي تعرض له، و لم يجد رد بل إزدادت الضربات عنفًا علي يد رجال "زياد النويري"، بينما "سالم" يرتجف من فرط الرعب الذي يشعر به، و فجأة توقف الضرب العنيف ذلك عندما أشار "إيهاب" لهم بكفه حتي يتوقفوا، ثم صاح بنبرة جامدة حادة تبث الإرتعاب للقلوب:
-إنطق يا "صخر"، إنطق عشان منزعلكش تاني.
بصق "صخر" الدماء من فمه، ثم صاح بنبرة قاتمة توضح مدي غضبه، و توضح أيضًا نيران الغل المشتعلة بقلبه:
-قولتلك قبل كدة "زياد" خلاص مبقاش مهم بالنسبالهم، خلاص هما عايزين يخلصوا منه بأي شكل.
جحظت عينان "إيهاب" بصورة مخيفة، ثم جثي علي ركبتيه ليصفع "صخر" بتلك الصورة المهينة صارخًا ب:
-إنتَ هتستهبل يا روح ***، إنتَ عارف كويس اللي عايز أعرفه.
تلاحقت أنفاس "صخر" ليهتف بعدها بنبرته الضعيفة:
-مقدرش أقولك مين اللي أكبر مني، أنا كدة هأذي نفسي.
قهقه "إيهاب" بتلك النبرة العالية المستفزة، ثم قال بلؤمٍ و هو يتابع تعابير وجه "صخر" المذعورة بنظراتٍ ساخرة:
-طب ما إنتَ كدة كدة ميت يا "صخر".
نهض "إيهاب" ليأمر الرجال بنبرته الصارمة و هو يتجه للخارج:
-سيبوه كدة كفاية عليه، شوفوا التاني.
إتسعت حدقتي "سالم" بهلعٍ و هو يري الرجال تقترب منه، لذا همس بنبرة متحشرجة قبل أن يصلوا إليه:
-إهدوا بس يا رجالة يمكن ميقصدنيش أنا.
و لكن لم يستمعوا لأي كلمات قالها ولا لتوسله بل إنهالوا عليه بالضرب المبرح العنيف وسط صراخه المفزع!
____________________________________________
إستدار للخلف بعدما أنهي مكالمته مع "هادية"، لينتفض بصدمة وقتها عندما رأي "هايدي" أمامه، لذا هتف هو بتوترٍ و هو يتابع عبراتها التي إنهمرت بلا توقف بإرتباكٍ:
-"هايدي" أنا هفهمك يا "هايدي" بس إهدي.
ظل يقترب منها و كاد أن يضع كفه علي كتفها و لكنها إنتفضت بعصبية لتصرخ بعدها بإهتياجٍ و جسدها يهتز من فرط الإنفعال:
-تفهمني إية!؟
ثم تابعت بقهرٍ و هي تبكي بحسرة:
-أنا كنت فكراك بتحبني بجد و كنت فرحانة إني لقيت حد يحبني!
إزدردت ريقها بصعوبة و هي ترمق عبراته التي تسقط بسخرية لتكمل بعدها بعدم تصديق:
-حتي إنتَ كنت كدبة!....ي...يعني مكنتش إبن صاحبة ماما زي ما بتقول.
هز رأسه نافيًا ليهمس بألمٍ و هو يقبض علي كفها الصغير برقة حتي يستعطفها:
-مش كله كان كدب، أنا فعلًا إبن صاحبة والدتك "روح"، إحنا من كام سنة حصلنا مشاكل خليتنا نخسر كل فلوسنا و إضطرينا نسيب البلد و نمشي من هنا بسبب كدة.
ثم تابع بأسفٍ و هو يهز رأسه بهستيرية، هو لم يكن يريد فعل ذلك الشئ المشين، لم يكن يريد خداعها، هو فقط كان يريد مساعدة والدته المسكينة:
-صدقيني أنا عملت كل دة عشان والدتي، والدتي مريضة و بتموت، والدتك طلبت مني أدخل حياتك بالطريقة دي عشان إنتِ لوحدك و محتاجة حد معاكي و المقابل هو علاج والدتي!
تنهد بحرقة ثم أكمل برجاء:
-أنا ممكن أعملك أي حاجة بس تسامحيني.
إلتمعت عيناها بوميضٍ مرعبٍ لا يناسبها ولا يناسب شخصيتها البريئة، ثم هتفت بجدية شديدة أصابته بالدهشة:
-يبقي تسمع كل حاجة هقولهالك و تنفذها بدون نقاش.
............................
بقلم/رولا هاني.
-إنتَ مين يالا!؟
قالها "صخر" و هو يرمق "سالم" الذي كان أمامه مكبل الأيدي إيضًا و هو يتأوه من فرط الألم الذي إجتاح جسده، و بعد عدة ثوان رد عليه بفظاظته المعهودة:
-خليك في نفسك يا عم إنتَ.
إبتسم "صخر" بسخرية، ثم تمتم بتهكمٍ و هو يلوي شفتيه بحسرة حقيقية:
-بقي بعد ما كان الكل بيعملي حساب يجي واد زي دة و يتكلم معايا أنا بالطريقة دي!
ثم تابع بهمهمة و هو يزفر بضيقٍ:
-أكيد مش هيسيبوني، أكيد لا، مش هيقدروا يمشوا شغلهم من غيري.
بينما "سالم" كان يحاول حل وثاق يديه و لكنه بالطبع لم يستطع، تنهد بحنقٍ و هو يتذكر ذلك الحارس الذي خدره ليسجنه بذلك المكان العجيب، و فجأة شهق بخوفٍ عندما وجد الباب ينفتح ليدخل ذلك الشخص و علي وجهه علامات لا تبشر بالخير قائلًا:
-يا مرحب بالحبايب.
____________________________________________
-خليكي هنا هنزل أشتري ماية و أرجع تاني.
قالها "نادر" بنبرته المرتبكة و هو يخرج من السيارة، فزفرت "هايدي" بإمتعاضٍ و هي تصيح بعدم إهتمام:
-و أنا مالي.
كادت أن تعود لشرودها حول ما حدث اليوم و لكن قاطعها صوت رنين هاتفه الذي كان بالسيارة فحاولت أن تتجاهله و لكن صوت رنينه المزعج منعها، لذا و بترددٍ قبضت علي الهاتف لتنظر لهوية المتصل، و فجأة جحظت عيناها بصدمة شديدة لا توصف، إزدردت ريقها بعدم فهم!...والدتها!....و ما علاقة والدتها به!؟...تنهدت بتوجسٍ و كادت أن ترد بوجلٍ و لكنها تركت الهاتف مجددًا عندما رأته يتقدم ناحية السيارة و بيده زجاجة مياة بلاستيكية شفافة، و حاولت بكل الطرق أن تبدو طبيعية بعدما شحب وجهها بصورة ملحوظة!
فتح باب السيارة ليجلس بداخلها و قبل أن يدير محركها وجدها تهمس بنبرة متحشرجة:
-تليفونك عمال بيرن من ساعة ما نزلت من العربية.
إنطلق بالسيارة و إلتقط الهاتف لينظر لهوية المتصل، فتحرك بتوترٍ و هو يتوقف بالسيارة هاتفًا ب:
-أ.....ا.....دي مكالمة مهمة هخرج بس أرد و أجي، خليكي إنتِ هنا.
اومأت له و وجهها شاحب بصورة واضحة، ظلت تراقبه و هو يبتعد عن السيارة بذهولٍ، ما الذي يحدث!؟... هي لا تفهم أي شئ!؟...أصابتها الحيرة فلم تستطع مقاومتها، لذا خرجت من السيارة هي الأخري لتتجه ناحيته بخفة حتي لا يشعر بها!
____________________________________________
-هو دة بيت مين!؟
قالتها بفضولٍ طفولي، ليجيبها هو بضيقٍ بعدما لاحظ نظراتها المشمئزة للمكان بتأففٍ:
-دة البيت اللي إتربيت فيه.
رفعت "نورسين" حاجبيها بدهشة لتصيح بعدها بتلقائية، و هي تتنهد بتمهلٍ:
-أكيد أهلك كانوا ناس طيبين جدًا، نفسي أعرف إية خلاك تبقي تاجر مخدرات و تأذي في الناس بالطريقة دي!
إزدرد ريقه بصعوبة واضحة و علي ثغره ترتسم تلك الإبتسامة الجانبية الساخرة، بينما هي تتجه ناحية تلك الصورة المعلقة علي الحائط لترمقها بفضولٍ أكبر هامسة بتساؤل، و هي ترمق ذلك الرجل العابس بملامحه الحادة الصارمة بخوفٍ طفيفٍ:
-مين دة يا "زياد"!؟
طال الصمت لعدة دقائق فكادت أن تستدير له و لكنه قبض علي ذراعها بعنفٍ ليجذبها نحوه صارخًا بقسوة، و جسده يهتز من فرط الإهتياج:
-إنتِ ملكيش دعوة بأي حاجة هنا، إنتِ فاهمة؟
تلاحقت أنفاسها بغضبٍ، لتصيح بعدها بقوة لم تتخلي عنها بالرغم من كل شئ حدث:
-طول ما أنا معاك لازم أفهم كل حاجة.
ثم تابعت بعصبية، و هي لا تنتبه لما تقوله بلا وعي:
-و بعدين إنتَ لازم تتعود علي كدة عشان هفضل معاك.
وجدته يرفع حاجبه الأيسر بمكرٍ ليهمس بعدها بعبثٍ، و هو يطوق خصرها، ليقربها منه برفقٍ:
-تفضلي معايا!....مش كنتي رافضة الموضوع دة قبل كدة!؟
توترت تعابير وجهها ليشحب، فلاحظ هو إرتباكها الواضح و هي تحاول الإبتعاد عنه قائلة بتعلثمٍ:
-أ.....أقصد....ي...يعني التحدي اللي بينا مش إنتَ إتحديتني إنك هتخليني عايزة أبقي معاك.
إرتسم علي ثغره إبتسامة جانبية خبيثة، ليهمس بعدها بنبرته الشيطانية الماكرة:
-معني كدة إني أنا اللي كسبت؟
إزدردت ريقها و حاولت الهروب من سؤاله بكل الطرق، لذا صاحت بدون بدون تفكير و هي تبتعد عنه بعدما نفضت ذراعها من بين قبضته الغليظة بخفة:
-هو إنتَ مش هتطلق "روضة"!؟
عبست ملامحه ليصيح بعدها بنبرته القاتمة المعهودة بعدما إقترب منها، لتلفح أنفاسه الحارة وجهها:
-فكرتيني باللي عملتيه إنهاردة.
تلاحقت أنفاسها مجددًا و كادت أن تركض هاربة من بين براثنه تجاه إحدي الغرف، و لكنه باغتها بكفه الذي قبض علي معصمها بقوة كادت أن تحطمه، ثم دفعها ناحية الأريكة لتتمدد عليها قسرًا وسط صرخاتها العنيفة، فكمم هو فمها حتي لا يستمع أحد بتلك المنطقة الشعبية لصوت صراخها فبالطبع لن يتواني أحد عن إنقاذ تلك الفتاة التي تصرخ بهستيرية، بالإضافة إلي فضولهم الذي لن يتركهم إلا عندما يزكنوا سبب تلك الصرخات....إرتمي بجسده علي الأريكة ليمنع حركاتها العشوائية تلك بذراعه الأخر، ليهمس بعدها بروية و هو يمعن النظر بملامحها المنكمشة بغضبٍ أصبح يحب رؤيته بتلك الفترة الأخيرة:
-قوليلي بقي يا قطتي، إية اللي عملتيه دة إنهاردة.
حاولت التحرك مجددًا و لكنها لم تستطع، لذا صاحت بنفاذ صبر بعدما أزال كفه عن فمها:
-يعني بعد كل اللي عملته فيا من ضرب و شتيمة و إهانة مش عايزني أنتقم منك، إنتَ مجنون ولا إية!؟
قبض علي فكها بقوة ليهمس بعدها بإنفعالٍ و هو يهز رأسها بيدها:
-لسانك دة أعمل فيه إية!؟....إنتِ مبتتعلميش؟
و لم يعطها فرصة للرد بل تابع بغيظٍ و هو ينهض من علي الأريكة مبتعدًا عنها:
-مغلطتش لما قولت عنك غبية و تصرفاتك غبية.
عضت علي شفتيها تحاول السيطرة علي كلماتها اللاذعة و بالفعل إستطاعت، و لكن هناك شئ ما بداخلها يحثها علي سؤاله مجددًا، شئ ما يحترق بسبب الغيرة، شئ ما يحترق غضبًا، شئ ما لا يسمح لها بالراحة و لو لدقيقة واحدة، لذا هتفت بنبرة حاولت جعلها هادئة و هي تضع إحدي خصلاتها خلف أذنها:
-إنتَ هتطلق "روضة"؟
تقلصت ملامحه بتعجبٍ حقيقي ليتسائل بغموضٍ و هو يعقد ساعديه أمام صدره:
-لية مهتمة بالموضوع دة!؟
هزت رأسها رافضة لتهمس كاذبة بنبرتها المختنقة، و هي تتجه ناحية إحدي الغرف:
-فضول مش أكتر.
تابعها و هي تتواري عن أنظاره لتغلق باب الغرفة المتهالك خلفها!....تنهد بضيقٍ سيطر عليه و هو يشعل سيجارته بحيرة، ما ذلك الشعور الذي يتملكه!؟...و الغريب هو عدم قدرته علي مقاومة ذلك الشعور!؟....نفث دخان سيجارته و هو يتجه ناحية الشرفة ليهمس بعدم فهم:
-أنا عمري ما ندمت لما أذيت أي حد، لية إنتِ بذات اللي ندمان علي اللي عملته فيها!؟
تلاحقت أنفاسه ليهز رأسه بهستيرية هامسًا بخفوتٍ و قد نسي كل شئ يلاحقه كظله:
-أنا إية بيحصلي!؟
____________________________________________
ظلت واقفة أمام تلك المرآة ما يقارب الساعة، ظلت علي تلك الحالة!....شاردة،تائهة، و ربما حائرة!....ربما كانت كلمات "هلال" صحيحة، ربما الخطر يقترب منها و هي لا تشعر، ربما هناك شئ ما علي وشك الحدوث، ربما الخوف يسيطر عليها ليجعلها بتلك الحالة الغير طبيعية، تهاوت عبراتها بعد عدة دقائق لتتذكر طفولتها التي تلاحقها كظلها، طفولتها التي باتت تكرهها ولا تطيق تذكرها!
(عودة للوقت السابق)
-نضفي يا بنت ال*** كويس.
قالها "أكرم" بصوتٍ أجشٍ و هو ينفث دخان سيجارته الرديئة، بينما "زياد" يتابعها و هي تنظف البيت للمرة العاشرة باليوم بشفقة و حزن، لذا تنهد بترددٍ قبل أن يهمس خائفًا بنبرته الطفولية البريئة:
-كفاية عليها كدة يا بابا، طب حتي أساعدها دي بتعيط من التعب!
زمجر "أكرم" بإهتياجٍ و هو يدفع "زياد" بعيدًا عنه ليترنح بصورة ملحوظة كاد أن يقع علي أثرها:
-ملكش دعوة يا ***، مش كفاية فاشل في الشغل و مش عارف تتعلملك حاجة.
هز الصغير رأسه نافيًا ليصيح بعدها بإصرارٍ طفولي غير مكترث لأي شئ:
-بس أنا مش عايز أشتغل كدة، أنا عايز أبقي دكتور و أعالج الناس عشان متموتش بسبب المرض زي ماما.
و هنا تدخلت زوجة والده "علياء" لتسحبه ناحيتها صائحة بأسفٍ و هي تحاول مجابهة غضب "أكرم" الجحيمي:
-معلش يا أخويا دة عيل و بيقول أي كلام، متزعلش نفسك إنتَ بس.
لوي "أكرم" شفتيه ثم ضرب ظهر الصغيرة "روضة" التي كانت جاثية علي ركبتيها تنظف الأرض بقدمه لترتمي هي علي الأرضية الباردة صارخة بألمٍ، و هنا وجد "أكرم" فرصته ليخرج غضبه بها، لذا إلتقط الحزام الجلدي من جانبه صائحًا ب:
-و كمان بتعلي صوتك يا ****.
لف طرف الحزام علي كفه، ثم ظل يتهاوي به علي ظهر الصغيرة التي تصرخ ألمًا و هلعًا، بينما "زياد" يتشبث بثياب زوجة والده و هو يرتجف بفزعٍ خائفًا من بطش أبيه!
(عودة للوقت الحالي)
ظلت تنتحب هكذا و هي تكرر تلك الكلمات بحرقة باكية بقهرٍ:
-أنا بكرهكوا كلكوا.
____________________________________________
-آآآآآه هندمك يا ***.
صرخ بها "صخر" و هو علي وشك البكاء من شدة الألم الذي يشعر به بسبب تلك اللكمات و الضرب المبرح الذي تعرض له، و لم يجد رد بل إزدادت الضربات عنفًا علي يد رجال "زياد النويري"، بينما "سالم" يرتجف من فرط الرعب الذي يشعر به، و فجأة توقف الضرب العنيف ذلك عندما أشار "إيهاب" لهم بكفه حتي يتوقفوا، ثم صاح بنبرة جامدة حادة تبث الإرتعاب للقلوب:
-إنطق يا "صخر"، إنطق عشان منزعلكش تاني.
بصق "صخر" الدماء من فمه، ثم صاح بنبرة قاتمة توضح مدي غضبه، و توضح أيضًا نيران الغل المشتعلة بقلبه:
-قولتلك قبل كدة "زياد" خلاص مبقاش مهم بالنسبالهم، خلاص هما عايزين يخلصوا منه بأي شكل.
جحظت عينان "إيهاب" بصورة مخيفة، ثم جثي علي ركبتيه ليصفع "صخر" بتلك الصورة المهينة صارخًا ب:
-إنتَ هتستهبل يا روح ***، إنتَ عارف كويس اللي عايز أعرفه.
تلاحقت أنفاس "صخر" ليهتف بعدها بنبرته الضعيفة:
-مقدرش أقولك مين اللي أكبر مني، أنا كدة هأذي نفسي.
قهقه "إيهاب" بتلك النبرة العالية المستفزة، ثم قال بلؤمٍ و هو يتابع تعابير وجه "صخر" المذعورة بنظراتٍ ساخرة:
-طب ما إنتَ كدة كدة ميت يا "صخر".
نهض "إيهاب" ليأمر الرجال بنبرته الصارمة و هو يتجه للخارج:
-سيبوه كدة كفاية عليه، شوفوا التاني.
إتسعت حدقتي "سالم" بهلعٍ و هو يري الرجال تقترب منه، لذا همس بنبرة متحشرجة قبل أن يصلوا إليه:
-إهدوا بس يا رجالة يمكن ميقصدنيش أنا.
و لكن لم يستمعوا لأي كلمات قالها ولا لتوسله بل إنهالوا عليه بالضرب المبرح العنيف وسط صراخه المفزع!
____________________________________________
إستدار للخلف بعدما أنهي مكالمته مع "هادية"، لينتفض بصدمة وقتها عندما رأي "هايدي" أمامه، لذا هتف هو بتوترٍ و هو يتابع عبراتها التي إنهمرت بلا توقف بإرتباكٍ:
-"هايدي" أنا هفهمك يا "هايدي" بس إهدي.
ظل يقترب منها و كاد أن يضع كفه علي كتفها و لكنها إنتفضت بعصبية لتصرخ بعدها بإهتياجٍ و جسدها يهتز من فرط الإنفعال:
-تفهمني إية!؟
ثم تابعت بقهرٍ و هي تبكي بحسرة:
-أنا كنت فكراك بتحبني بجد و كنت فرحانة إني لقيت حد يحبني!
إزدردت ريقها بصعوبة و هي ترمق عبراته التي تسقط بسخرية لتكمل بعدها بعدم تصديق:
-حتي إنتَ كنت كدبة!....ي...يعني مكنتش إبن صاحبة ماما زي ما بتقول.
هز رأسه نافيًا ليهمس بألمٍ و هو يقبض علي كفها الصغير برقة حتي يستعطفها:
-مش كله كان كدب، أنا فعلًا إبن صاحبة والدتك "روح"، إحنا من كام سنة حصلنا مشاكل خليتنا نخسر كل فلوسنا و إضطرينا نسيب البلد و نمشي من هنا بسبب كدة.
ثم تابع بأسفٍ و هو يهز رأسه بهستيرية، هو لم يكن يريد فعل ذلك الشئ المشين، لم يكن يريد خداعها، هو فقط كان يريد مساعدة والدته المسكينة:
-صدقيني أنا عملت كل دة عشان والدتي، والدتي مريضة و بتموت، والدتك طلبت مني أدخل حياتك بالطريقة دي عشان إنتِ لوحدك و محتاجة حد معاكي و المقابل هو علاج والدتي!
تنهد بحرقة ثم أكمل برجاء:
-أنا ممكن أعملك أي حاجة بس تسامحيني.
إلتمعت عيناها بوميضٍ مرعبٍ لا يناسبها ولا يناسب شخصيتها البريئة، ثم هتفت بجدية شديدة أصابته بالدهشة:
-يبقي تسمع كل حاجة هقولهالك و تنفذها بدون نقاش.
............................