رواية نبضات الصخر الفصل الخامس عشر 15 بقلم هاجر سلامة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
مر شهران كاملان على ذلك اليوم العاصف الذي انكسرت فيه الروابط وتشتتت فيه القلوب. تبدلت فصول السنة، ومعها تبدلت أحوال نايا التي دخلت الآن في شهرها التاسع والأخير من الحمل.
اصبحت بطنها بارزة ومثقلة، تذكرها في كل لحظة بالمعجزة القابعة بين أحشائها. لم تعد غرف الجناح الملكي في قصر السيوفي كما كانت؛ فقد خيم عليها صمت مهيب، صمت يقطعه فقط أنين نايا الخافت جراء ثقل الحمل وآلام الرحم التي عادت لتطل برأسها مع اقتراب موعد الولادة الحاسم.
كانت نايا تقف خلف الستار الزجاجي لشرفتها، تتأمل خيوط الفجر الأولى.
لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المكسورة، بل استعادت كبرياءها وصارت ملامحها لوحة من القوة الصامتة التي تخفي خلفها بحراً من الشوق والوجع. لم تغفر لمعاذ، ولم تنسَ طعنته، لكن قلبها كان يرفض نزع صورته من مخيلتها. تنفست بعمق وقالت وهي تمسح على بطنها المنتفخة: "خلاص يا حبيبي.. هانت. كام يوم وتطلع للدنيا، وهتكون أنت كل دنيتي.. مش محتاجين حد معانا، إحنا أقوى لوحدنا."
وفي نفس اللحظة، وعلى بعد أمتار قليلة خارج أسوار القصر العالية، كان معاذ يقف مستنداً إلى سيارته البسيطة.
لم يغادر محيط القصر طوال الشهرين الماضيين؛ تحول إلى ما يشبه الحارس غير المرئي.
كان ينام في سيارته، ويراقب نافذتها بالثانية، ويحميها في السر من أي خطر قد يقترب. لم يبالِ ببرودة الطقس، ولا بنظرات حراس الأمن الأشداء التابعين لـ "سليم" والذين كانوا يراقبونه بحذر دون أن يقتربوا منه، تنفيذاً لأوامر "شاكر بيه" الذي رآه يذوب ندماً وعشقاً تحت الأسوار ولم يرد طرده بالقوة طالما لا يتعدى حدوده.كان معاذ يتحدث مع نفسه وعيناه معلقتان بضوء غرفتها الخافت: "أنا عارف إن جرحك كبير يا نايا.. وعارف إن كلامي كان زي السم في قلبك. أنا مش طالب منك تسامحيني دلوقتي.. أنا بس عايز أطمن إنك هتقومي بالسلامة، وإن ابني هيتولد ونفسي يكون في المكان اللي يجمعه بيا.. مش همشي من هنا يا ملكتي حتى لو قضيت باقي عمري في الشارع."
تحركت ملامحه لتظهر ملامح الإرهاق الشديد؛ فقد فقد الكثير من وزنه، واكتست ملامحه بجدية صارمة ونضج ولد من رحم المعاناة والندم الحقيقي.
في صباح اليوم التالي، قرر شاكر بيه اصطحاب نايا إلى الشركة لعدة ساعات؛ ليس للعمل، بل لتغيير الأجواء النفسية التي ساءت بسبب حبسها الاختياري داخل الجناح.
ركبت نايا السيارة بجانب والدها، وتحركت الحراسة المشددة حولهما.
ومن بعيد، دار محرك سيارة معاذ ليتتبعهم بحذر، يحرس موكب ملكته من خلف جدران المسافات المفروضة عليه.وصلوا إلى مقر الشركة الكبرى.
كانت نايا تسير بخطوات ثقيلة ومثقلة بفعل الشهر التاسع، ويد والدها تدعمها بحنان.
وأثناء مرورهما برواق المكاتب الرئيسي، ظهر فجأة "مازن" ابن ميرفت.
كان قد خرج بكفالة مؤقتة على ذمة القضية بفضل تلاعب محاميه، وكان يملأ قلبه غل أعمى ورغبة في الانتقام وتدمير عائلة السيوفي بعد سجن والدته وضياع الميراث بالكامل.
وقف مازن أمام نايا وشاكر بيه في الممر، وظهرت على وجهه ابتسامة شيطانية ومسمومة وتحدث بصوت عالٍ حاقد: "أهلاً يا هانم.. أهلاً يا شاكر بيه. منورين الشركة اللي طردتونا منها. فاكرين إنكم كسبتوا؟ فاكرة إن الواد اللي في بطنك ده هيعيش وياخد كل حاجة؟ أمي بتموت في السجن بسببكم، وأنا مش هسيبكم تتهنوا ثانية واحدة!"
صاح شاكر بيه بغضب عارم وجسمه يرتجف : "ابتعد من هنا يا مازن! اخرج فوراً قبل أن أطلب الأمن ليرميك في السجن مجدداً بجانب والدتك الخائنة!"
لم يستمع مازن للتحذير، بل اندفع بجنون وأعمته الرغبة في الانتقام نحو نايا، ورفع يده محاولاً دفعها بقوة لإسقاطها أرضاً والتسبب في إجهاضها وإنهاء الحمل الحاسم.
صرخت نايا برعب وأمسكت ببطنها، وتجمد شاكر بيه في مكانه بقلة حيلة لكبر سنه وعدم قدرته على صد الاندفاعة السريعة.
ولكن قبل أن تلمس يد مازن جسد نايا بأجزاء من الثانية، حدث ما لم يتوقعه أحد.
انشق الرواق عن جسد قوي اندفع كالفهد الكاسر؛ إنه معاذ الذي كان يراقبهم من بوابة الطابق ودخل فور شعوره بالخطر.
التقط معاذ يد مازن في الهواء بقوة حديدية كادت تقتلع عظام معصمه، وكال له لكمة مرعبة على وجهه طيرته في الهواء ليرتطم بالجدار الزجاجي ويسقط أرضاً يتفصد دماً وغائباً عن الوعي بالكامل.وقف معاذ بجسده الصلب كالجدار العازل أمام نايا، وعيناه تشعان بنيران حمراء وقاتلة، وصاح بصوت جهوري مرعب زلزل أركان الشركة : "أنا قولت قبل كدة.. اللي هيقرب من نايا أو يمس ابني بشعرة، هنهي حياته من على وش الأرض! خذوا الكلب ده وسلموه للشرطة حالا بتهمة الشروع في القتل والاعتداء!"
ركض رجال الأمن المعينين من "سليم" وقيدوا مازن الذي كان يئن ألما، وتم سحبه خارج الشركة تماماً.التفت معاذ بسرعة نحو نايا، وتلاقت عيونهما في لحظة تجمد فيها الزمن؛ رأى في عينيها الرعب والذهول، ورأت في عينيه لهفة العشق والخوف الحقيقي على حياتها وحياة طفلهم.
تخلى معاذ عن كل كبريائه، وانحنى أمامها وجلس على ركبتيه تحت أقدامها أمام جميع الموظفين ووالدها، وأمسك بطرف فستانها وتحدث بصوت متهدج بدموع الندم الصادق : "نايا.. أنا أسف. أنا مستعد أندفن هنا تحت رجليكي بس تكوني بخير أنتِ وابننا.. أنا مش عايز فلوس ولا شركة ولا ميراث، أنا عايزك أنتِ.. أنتِ روحي اللي من غيرها بموت كل ثانية."
نظرت إليه نايا، وشعرت بجدار قسوتها يتشقق أمام شهامته ورجولته التي أنقذتها للمرة الثانية، ودموع الندم التي غسلت كبرياءه بالكامل.
كادت أن تمد يدها لتلمس رأسه، ولكن فجأة.. انقبضت أسفل بطنها بقوة عنيفة لم تشهدها من قبل. شعرت بمياه دافئة تنزل بغزارة، وأطلقت صرخة ألم حادة دوت في المكان وأمسكت بكتف والدها وبطنه وهي تتنفس بصعوبة: "آه! معاذ.. بابا! الحقوني.. أنا بولد! الوجع بيموتني يا معاذ!"انخلع قلب معاذ وشاكر بيه من مكانهما؛ فالصدمة والتوتر من هجوم مازن عجلت بظهور آلام المخاض الحقيقي قبل أيام من موعدها.
تلاشت المسافات في ثانية واحدة؛ ولم ينتظر معاذ أمراً من أحد، بل انحنى وحمل نايا بين ذراعيه بقوة وثبات، وضمها إلى صدره وركض بها نحو المصعد وهو يصيح بوالدها: "يا شاكر بيه! اطلب المستشفى حالا وخليهم يجهزوا غرفة العمليات! نايا بتولد.. والمعركة الأخيرة بدأت دلوقتي!"احتضنت نايا عنق معاذ بقوة وسط آلامها، وشعرت بدفء صدره الذي اشتاقت إليه طوال شهرين، وأدركت أن رحلة التيه قد انتهت، وأن باب غرفة العمليات في الحلقة العشرين القادمة سيكون هو المشهد الحاسم لولادة المعجزة ونزول وريثهما الغالي إلى الدنيا