رواية جمر الثأر وعاصفة العشق الفصل الخامس عشر 15 والاخير بقلم هاجر سلامة
الاخير
مرت سبع سنوات كاملة على تلك الليلة العصيبة التي امتزجت فيها دموع الخوف بزغاريد الفرح. تبدلت الأحوال تماماً في الصعيد، وأصبحت قصة "بدر وزهرة" مضرباً للأمثال في الدواوين والمجالس؛ قصة أثبتت كيف يمكن للحب والكبرياء الأصيل أن يمحوا بحوراً من الدم والثأر. عوقب الحاج عتمان بالسجن المشدد ليلحق بابنته جليلة، وطويت صفحة الشر إلى الأبد.
أما سرايا الهواري، فقد أصبحت جنة خضراء تملؤها ضحكات الأطفال وصوت الفرح.
أنجبت زهرة ولي العهد "بدر الصغير" الذي ورث هيبة أبيه وعيون أمه الكحلية، وتبعه شقيق وشقيقة صغيرة، ليصبح القصر دافئاً وممتلئاً بالعز والأمان تحت رعاية الجدة الحاجة آمنة التي باتت ترى في زهرة ابنتها المقربة وروح الدار.
في مساء ليلة ربيعية دافئة، أقام بدر احتفالاً ضخماً بمناسبة نجاح نجله الأكبر في مدرسته، وكان القصر يعج بالضيوف، بينما تسللت زهرة إلى الجناح العلوي لتستريح قليلاً من أعباء الضيافة.
زهرة كانت واقفة قدام المرايا الكبيرة في أوضتها، بتعدل الشال الحرير السُوداني المطرز بـ الذهب فوق عبايتها البيضاء الفاخرة.
ملامحها زادت جمال ونضج، ودلالها الصعيدي بقى يِخطف القلب أكتر من الأول.
انفتح الباب ودخل بدر بهيبته الطاغية وجلابيته الصعيدية السودة وعمامته اللي تِطير العقل.
قرب منها بخطوات هادية، وعيونه بتلمع بـ عشق مجنون لساته بِيِكبر مع كل يوم بِيِعدي. لف دراعه حوالين خصرها من ورا، ودفن وشه في رقبتها وهو بِيِهمس بصوت رجولي دايب:
"لساتك واجفة قدام المرايا يا زهرة قلبي؟ المرايا أصلاً بتِغير من جمالك الواعر ده. الضيوف تحت عمالين يِسألوا عن ست الدار، وأنا جيت أسرقك منهم ومن الدنيا كلها."
زهرة لفت في حِضنه، وحطت إيديها الناعمة حوالين رقبته، وبصت في عيونه الكحيلية بابتسامة دافية وقالت بدلال:
"تسلملي يا سيد الرجالة.. أنا بس جيت أصلح شالي، وجلت أكيد واد الهواري مش هيسيبني واجفة لوحدي كتير."
بدر ابتسم، وبص لشفايفها الوردية اللي لساتها بـ تملكه وتطير عقله كأنه بيشوفها لأول مرة. مِقدرش يقاوم شوقه، وقرب منها وطبع قبلة دافية، عميقة وطويلة على شفايفها، قبلة حملت كل سنين الوفاء والأمان، وأكدت ليها إنها لساتها مالكة قلبه وعقله.
زهرة غمرت عيونها واستسلمت لـ حِضنه الدافي، ولما بعد عنها بالراحة وهو بِيِتنفِس بصعوبة من شدة العشق، باس جبينها وباس إيديها التنين وقال بنبرة مليانة شجن وفخر:
"ربنا يديمك ليا يا ست الحريم ونور السرايا. أنتي دخلتي داري وتمن دم، وطلعتي جوهرة صانت شرفي ورفعت مقامي وخليتيني أسعد راجل في البلدان كلها."
زهرة سندت راسها على صِدره وقالت بنبرة كله حب:
"وأنت صِنتني يا بدر ونصرتني جِدام الكل وفديتني بـ دمك وجسمك. حبك هو اللي أحيا زهرة من جديد يا واد الهواري."
انفتحت أبواب الشرفة الكبيرة، ودخل منها طفلهما الأكبر "بدر الصغير" وهو يركض ويمسك بثوب والدته ويضحك بصوت عالي: "يا بوي.. يا أمي.. جدتي آمنة وخالتي ثريا ومنصور عمالين يِندهوا عليكم تحت، الأكل جهز والناس مستنية كبير الهوارية!"
ضحك بدر من كل قلبه، وانحنى وحمل طفله الصغير على كتفه، ثم مد يده الأخرى ليمسك بيد زوجته وحبيبته زهرة. هبطوا الدرج الحجري الكبير معاً، وعيون الضيوف والخدم تلاحقهم بالدعوات والزغاريد التي ملأت أرجاء الصعيد استبشاراً بـ دوام العز والوفاق.
التقى الجميع في ساحة القصر الكبرى؛ الحاجة آمنة تجلس كالملكة، وثريا ومنصور يعيشان في سعادة غامرة وبجانبهما أطفالهما، والحاج عبد الرحيم الذي صفت نفسه وأصبح يزور ابنتيه بانتظام بعد أن عرف قيمة ومقام زهرة وبدر. وفي تلك اللحظة، وسط زغاريد الفرح ونسمات الليل، نظر بدر إلى زهرة وقال بقلبه قبل لسانه: "عِشقتكِ قاسية.. وملكِتيني ملكةً على عرش الجبروت."
الاخير
جمر الثأر وعاصفة العشق
هاجر سلامة