رواية نبضات الصخر الفصل الرابع عشر 14 بقلم هاجر سلامة
14
مرت ثلاثة أيام على اختفاء نايا، وكانت الأيام الثلاثة بمثابة دهر كامل من العذاب والندم الذي ينهش في جسد معاذ وروحه.
لم يذق الشاب طعم النوم أو الراحة؛ كانت عيناه الحمراوان الغائرتان تبوحان بحجم الكارثة التي تسبب فيها بجهله وتسرعه. قلب القاهرة الكبرى رأساً على عقب؛ بحث عنها في كل المستشفيات، وتفقد سجلات المطارات والموانئ خوفاً من أن تكون قد غادرت البلاد، وفتش في كل فندق ومكان يمكن أن يخطر على بال بشر، ولكن دون جدوى.
كانت نايا قد تبخرت كقطرة ماء في صحراء قاحلة، مأخذة معها نبض قلبه ووريثه المنتظر.
في صباح اليوم الرابع، اقتحم "شاكر بيه" جناح معاذ في القصر الفاخر بعد أن علم بالقصة الكاملة من سكرتيرة الشركة ومن التحقيقات في القسم مع سيرين ومازن.
كانت ملامح الأب تشع غضباً مرعباً يهز الجبال، ودموع القهر على ابنته الوحيدة تجمدت في عينيه لتتحول إلى رغبة عارمة في الانتقام من الرجل الذي ائتمنه على عرضه وصان بيته.
اندلع شاكر بيه في الصالة، وأمسك بمعاذ من ياقة قميصه وهزه بعنف وهو يصرخ بصوت هز أركان القصر: "أنت إيه اللي عملته ده يا معاذ؟! أنا ائتمنتك على بنتي وعلى شقى عمري.. صدقت واحدة رخيصة خاينة وجرحت بنتي وهي في الشهر السابع؟! نايا مريضة ورحمها ضعيف ومش حمل زعل.. لو حصل لها حاجة أو جرى لاحفيدي حاجة، وحياة رحمة أمها ما هسيبك عايش على وش الأرض!"
سقطت يدا معاذ باستسلام تام، ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه. انهمرت دموعه بغزارة وتحدث بصوت مبحوح ومكسور : "اضربني يا عمي.. اقـتلني لو ده يريحك، أنا أستاهل الإعـدام. أنا كنت غبي وأعمى.. جرح الماضي عماني ومفكرتش لدقيقة في حبها ليا. أنا بموت في كل ثانية مش لاقيها فيها.. أرجوك قولي لو عندك أي طريق يوصلني ليها."
دفع شاكر بيه معاذ باحتقار شديد وتحدث : "لن أخبرك بشيء حتى لو علمت! أنت لم تعد جديراً بها ولا بطفلها. من هذه اللحظة، أنت مطرود من الشركة ومن القصر، وابحث عنها في جحيم ندمك وحده!"
خرج شاكر بيه من القصر، وركب سيارته وعقله يعمل بسرعة فائقة.
كان يعلم بذكائه الأبوي وطبيعة ابنتها نايا أنها لن تذهب لأي مكان عام أو فندق، ولن تختبئ في مكان يسهل لمعاذ الوصول إليه.
تذكر فجأة مكاناً قديماً جداً؛ شاليه صغير معزول على أطراف محافظة الفيوم، كان ملكاً لوالدتها الراحلة، وكانت نايا تعشق الذهاب إليه في طفولتها مع أمها للاسترخاء بعيداً عن صخب العاصمة وضغوط الحياة.
قاد شاكر بيه سيارته بسرعة جنونية على الطريق الصحراوي متوجهاً نحو الفيوم، وقلبه يدعو ربه : "يا رب سلم.. يا رب احمي بنتي وحفيدي، أنا ماليش غيرها في الدنيا دي."
بعد مسيرة ساعتين، وصل الأب إلى الشاليه الصغير المحاط بأشجار النخيل والهدوء التام. ولمح سيارة نايا الفارهة مركونة تحت مظلة خشبية، ومغطاة بطبقة خفيفة من التراب.
انخلع قلب الأب فرحاً وخوفاً؛ ركض نحو الباب الخشبي ووجده موارباً. دخل ببطء وهو يهمس بصوت حنون : "نايا.. نايا يا قلب أبوكي، أنتِ هنا؟"
سار في الرواق الصغير المزين بالصور القديمة، ليجدها تجلس في صالة الشاليه على مقعد خشبي هزاز، واضعة يدها فوق بطنها البارزة الكبيرة، وعيناها مثبتتان على الأفق من وراء الزجاج.
كانت ملامحها شديدة الشحوب، والهالات السوداء تحيط بعينيها الخضراوين اللتين غاب عنهما بريق الحياة. بدت كعصفور جريح كسر الصياد جناحيه في غفلة من الزمن.
انحنى شاكر بيه وجلس على ركبتيه أمامها، وأمسك بيديها الباردتين.
التفتت إليه نايا ببطء، وفور أن رأت وجه أبيها الحنون، انصهر جدار صمودها المصطنع، وارتمت في أحضانه تبكي بحرقة وشهقات قطعت نياط قلبه، وقالت بصوت متهدج من كثرة البكاء: "بابا! معاذ كسرني يا بابا.. كسرني أوي وصدق إني وقحة وسارقة ومن غير قلب! أنا حبيته ووهبته روحي وشلت ابنه في رحمي المريض، وهو في أول قلم صدق الأفاعي وعيرني بمرضي وفلوسي.. أنا مش عايزة أشوفه تاني.. أنا بكرهه يا بابا!"
مسح شاكر بيه دموعها، وقبل رأسها بحنان جارف وتحدث بصوت حاسم: "اهدئي يا نور عيني.. اهدئي عشان البيبي اللي في بطنك ومتزعليش نفسك. الراجل اللي ما يثقش في مراته ويحميها من أول نسمة هوا ما يستاهلش دموعك دي. معاذ اتمسح من حياتنا؛ أنا طردته من الشغل ومن القصر، وسيرين ومازن في السجن دلوقتي والكل عرف الحقيقة.. أنتِ هنا في أمان معايا، ومش هخلي مخلوق في الدنيا يمس شعرة منكِ تاني.. يلا قومي معايا نرجع القصر وإحنا رافعين راسنا، وهو خليه يتحرق بنار ندمه."
عادت نايا مع والدها إلى القصر في المساء تحت حراسة مشددة أمر بها شاكر بيه. دخلت جناحها، ورفضت تماماً تغيير أي شيء فيه، بل طلبت من الخدم جمع كل ملابس معاذ وأغراضه وساعاته وإلقائها في حقائب سوداء كبيرة وإرسالها إلى عنوان والدته القديم، معلنة نهاية فصل معاذ في حياتها وإغلاق صفحة حبها له بقفل من حديد الصدمة والكرامة.
في ذات الوقت، كان معاذ يجلس في شقته القديمة البسيطة التي عاد إليها بعد طرده.
كان يجلس على الأرض، ممسكاً بدبلة نايا التي تركتها على مكتبها، وينظر إلى الفراغ بملامح ميتة. وصلت إليه الحقائب السوداء التي تحمل أغراضه، ومعها رسالة قصيرة بخط يد شاكر بيه: "أغراضك طردت خلفك.. ونايا عادت لقصرها وكرامتها، وإذا حاولت الاقتراب من أسوار القصر أو الشركة، سيكون مصيرك خلف القضبان.. انتهت اللعبة يا معاذ".
وقف معاذ بذهول وفرحة ممزوجة بالخوف؛ فرح لأن نايا بخير وعادت إلى القصر ولم يصبها مكروه، وتملكه رعب مميت لأنها قست قلبها عليه ورفضت وجوده. تحدث مع نفسه وعيناه تشعان بإصرار مميت: "الحمد لله إنك بخير يا نايا.. والحمد لله إن ابني بخير. أنا عارف إني غلطت غلطة العمر وعقابي شديد.. بس وحياة العشق اللي اتولد بيننا، ما هسيبك تضيعي مني. لو هقضي باقي عمري واقف تحت رجليكي عشان تسامحيني.. هعمل كدة، ومش هسيب ابني يتربى بعيد عن حضني."
وفي صباح اليوم التالي، توجه معاذ بكل جرأة نحو بوابة القصر الفاخر، مرتدياً بدلة سوداء ملامحه صارمة ونادمة، لكن الحراس الأشداء المعينين من قبل "سليم" أوقفوه بصدورهم الصلبة ومنعوه من الدخول، موجهين إليه تحذيراً أخير : "ابتعد من هنا يا معاذ بيه.. أوامر شاكر بيه صريحة، أنت شخص غير مرغوب فيه في هذا المكان."
وقف معاذ مكانه، ونظر إلى نافذة جناح نايا في الأعلى وصاح بصوت قوي يحمل كل مشاعر الندم والعشق: "نايا! أنا هنا ومش همشي! أنا عارف إني غلطت.. بس أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك أنتِ وابننا! اطلعي وكلميني يا نايا!"من خلف الستائر الشفيفة في الأعلى، كانت نايا تقف وتنظر إليه بعينين جامدتين كالصخر، ودمعة واحدة خانتها ونزلت على وجنتها، لكنها شددت على بطنها البارزة في شهرها السابع وتراجعت للخلف وأغلقت الستار تماماً، تاركة إياه في الشارع يواجه برود الرفض وبداية حرب طويلة لاستعادة قلب ملكته المكسور.
الخامس عشر من هنا