📁 آخر الروايات

رواية احفاد الثعلب الفصل الرابع عشر 14 بقلم شريهان سماحة

رواية احفاد الثعلب الفصل الرابع عشر 14 بقلم شريهان سماحة


الحلقة الرابعة عشر

- أحضرها !!!

كلمة اخترقت أذن شاكر بقسوة ، ليسمع بعدها صوت انغلاق المكالمة !
جمود كلي أصاب جميع أطراف جسده حين تأكد أنه صوت ذلك القاسي .. مما جعله يصاب بغصه مريرة في صدره .. فلم يتوقع أن تصل قسوته لتلك الدرجة .. بل كان يتوقع أن يحفظ ماء وجهها ويصون كبريئها ويأتي علي الاقل لاصطحابها من بيتها كعروس حتي لو دون مراسم ..

ولكن لما يسمي قاسي أذا لم تحتل القسوة أفعاله !

الأن صار يخشي علي تلك الفتاة حقاً !
ويعتب علي وصية صديقه المتوفاة !

ولكن ما باليد حيله ويجب تنفيذها كما تنبغي حتي ترقد روح صاحبها بسلام !

----------------

- ده لا يمكن يحصل ابدا !!

هتفت بها رقية في هجوم واضح وهي تنتفض من جلستها بصحبة ابنتها " هنا " وشاكر بعد ماتفوه به الأخير من شئ مهين لأي فتاة عربية بأصولها الشرقية ، ولا تتمني أن تسمعه أي أم تريد الأفضل دائمًا لأبنائها ..

لتنهض " هنا " مسرعة من جلستها مرددة بأرتباك بعد أن تداركت صدمتها ، وأخفت حزنها من رد فعل الاجنبي :
- ليه بس ياماما وفيها أية ما في بنات كتير بتسافر لأزوجها !!

نظرت لها رقية بنظرة معاتبة وهي تردد باستنكار شديد :
- دا لما يبقي شافها واختارها ومقتنع بيها يا ست هنا .. مش زي ظروفك وبعدين ازاي هيرتحلي بال عليكِ وأنتِ عنده وهو مكلفش نفسه يجي ياخد مراته في اول مرة من بيت أهلها ، ونتعرف عليه وأعرف بنتي هتتغرب مع مين ..

تطأطىء شاكر برأسه في خزي بينما تحدثت هنا بعد أن نظفت حنجرتها بألم تخطته بابتسامة هادئة مصطنعة :
- يا ماما مايمكن مشغول زي اي رجل اعمال مابيتشغل ومعندوش وقت يحضر ..

جلست والدتها مرة أخري علي مقعدها وهي تصيح بنفور ظاهري :
- انا مليش دعوة بكل ده .. انا قلت لايمكن ده يحصل يعني لا يمكن يحصل .. أنا أم وعاوزه أطمن علي بنتي وأظن ده حقي !

جلست هنا باستياء شديد علي المقعد المقابل لها بعد أن تطلعت لشاكر في صمت بنظرة يأسه لظهور عضلة في تنفيذ ما رغب به الجد .. ليفهمها شاكر بنظرة صامته مماثلة ، مما جعله يتنحنح من انصاته متحشرجاً :
- احمم .. ست رقية أنتِ عرفة مصلحة هنا تهمني قد أية في المقام الأول والأخير ..

أجابته رقية بأحترام جليل فطالما كانت تعامله كمثل والدها ووالد زوجها :
- أكيد يا أستاذ شاكر ، انت زي جدها الله يرحمه بالظبط …

شكرها شاكر بإمتنان ثم هتف قائلا بحكمة رجل مسن لحل ذلك الخلاف :
- حكاية أنها تروحله او هو يجلها ده كله تحصيل حاصل .. لأنها في الأول والأخر مراته ، ولما يطلب انها تروحله فمن واجب الزوجة أنها تطيع زوجها إلا في معصية ربها وإلا هتتحمل ذنب كبير ، وبعدين ماشاء الله انتِ مش محتاجة حد يكلمك في الموضوع ده لأنك ملمه بأمور دينك وعرفه الحلال والحرام …

أنحنت عيناي رقية بأستسلام أمام أوامر دينها ونواهيه .. ولكن مازال قلبها يحمل مايعوق نبضه كأي أم !!

مما جعل شاكر يصمت لثواني تُعد هاتفاً بأصرار حازم :
- وكمان من حقك أنك كأم تطمني علي بنتك وعشان كده أنا إللي بقولها دلوقتي قدامك .. يوم ما تحب الخلاص وتلاقي نفسها عجزت عن الحياة هناك ، اتصال واحد منها ليا وانا إللي هاجي أخرجها لو من مملكة الأسد ذات نفسها وأجبهالك لغاية هنا .. ودي كانت الرسالة الشفوية والوصية الخاصة ليا من أخويا وجدك الله يرحمه سمعاني ياهنا أنتِ ولدتك …

تطلعا له بنظرات مشتته منها الشوق والحنين لذلك الجد الذي لم ينساها في وصياه حتي بعد ذهابها لذلك المجهول ..

نظرات امتنان صامتة تعبر عن اطمئنانها نوعاً ما .. ويبقي الاطمئنان الكامل لدي الرحمن الرحيم وما عليها إلا التضرع بالدعاء لهُ في كل حين …

-----------------

بعد يومان تأكد شاكر من حجز تذكرتها وقام بالاتصال علي " علي " حتي يتم اعلامه بموعد وصولها واستقبالها هناك في مطار لوس أنجلوس علي الأقل من جانبه .. وخاصة بعد رفضها القاطع لمرافقتهُ لها في تلك الرحلة موضحة رفضها بأنه أرهق أثناء سفرهُ ذهاباً وأياباً هذا الأسبوع أكثر مما ينبغي ، مما يعرضه للأجهاد الشديد هو في غني عنه في أعوام عمره الكثيرة …

مرت الأيام وجاء موعد الأقلاع الفعلي للطائرتها المغادرة للولايات المتحدة الأمريكية .. ليتحالف الجميع لوادعها قبل موعد الأقلاع بمدة كافية ، والدتها ، أشقائها بأطفالهن ، شاكر المحامي ..

في الموعد المحدد لها حلقت الطائرة في سماء القاهرة بعد أن انهمرت دموع من علي متنها ودموع مودعيها في الأسفل دون حسبان يصاحبهما الحزن والألم .. وبأنفس تتمني اللقاء علي خير حال مهما طال الزمن ..

-------------------

بعد عناء رحلة مطولة استغرقت سبع ساعات وثلث الساعة هبطت بالفعل علي أراضي ثاني أكبر مدينة بعد نيويورك في الأراضي الأمريكية من حيث المساحة وعدد السكان …

خطت بأرجلها المغطاة بملحفتها لصالة الأستقبال تجر حقيبة أمتعتها متوسطة الحجم خلفها ، فلم تكترث بجلب الكثير منها لجهلها بطول المدة التي ستقضيها علي تلك الارض ..
وذلك بعد أن مرت بأعجوبة من تحديق عيون شرطة المطار وموظفيه وجميع المسافرين المارة من جانبها ، وأقل ما يوصف وجوههم هو الريبة الشديدة والشك في هواية شخصها ..

كأنه بات للأرهاب زي موحد في مخيلتهم !
وأصبحت هي ترتديه أمامهم الأن بكل بساطة !!

هل وصل الحد أن ينظر للأسلام المتسامح بشريعته السمحة كالقرين للأرهاب الغاشم بجرائمه التي لا دين لها !!!

حيرة شديدة تملكتها بألم قاتل لما أصبح عليه نظرة الغرب تجاة دينها الحبيب والمسلمين ومن ثم اللحية والنقاب خاصةٍ ...

حيرة أشعرتها بالبغض علي هؤلاء الأشخاص الذين ينتمون كذباً للأسلام ويشوهون صورتهُ بأفعالهم الاجرامية .. ليشعرها هذا بأنها مقصرة وكل مسلم في حق دينها لأنهما لم يكونوا خير سفراء له أمام غرباء هذا الدين العظيم !!

حيرة جعلت قلبها ينزف وجعاً .. يقضي عليها كمسلمة تعتز بدينها ورسوله الكريم …

فاقت من شرودها العابث علي لافته احتلت رؤية عينيها يكتب عليها اسمها الثلاثي بالأنجليزية " هنا عاصم البنا "
جمود سيطر علي جسدها لثواني وهي تطلع لحاملها بملامحه الشقراء ذات الطابع الاوربي بمقلتيه الزرقاء الحائرة علي الوافدين من رحلة القاهرة…

انخفضت عيناها بحياء حين أتي علي مخيلتها بأنه حتماً ابن عمها وزوجها ، فهي لم تراه من قبل ولا حتي كان لديها الفضول لرؤية تلك الصور القليلة له بحيازة جدها ...

اقتربت منه بأستحياء وبخطوات ثقيلة إلي أن ثبتت علي مسافة قريبة منه ، فلاحظت جمود معالم وجهه ليتبعها اتساع مقلتيه بصدمة جليه علي ملامحه فعلي ما يبدوا أنه لديه نفس الرهبة والريبة تجاة المسلمين والأسلام أيضًا ..

يا الهي علي مايبدوا أنني سأعاني هنا كثيراً !!

ابتسامة ساخرة ضعيفة رسمت علي شفتيها وهي تحدث ذاتها بجملتها الخفية تلك ..

في حين تغيرت ملامحه هو لعدم الاستيعاب .. وقد بدأت تخرج منه أشارات حركية من كف يداه تنحصر بين اللافتة وبينها هي .. ظنن منه أنها ستجهل لغة حديثه أذا تحدث بها …

سرعة بديهتها أوحت لها بما يدور في ذهنه مما جعلها تتحدث مسرعه بالأنجليزية :
- نعم .. أنا هنا عاصم البنا !

زادت دهشته للقصوي الشديدة فعلي ما يبدوا أن تلك الأرهابية العربية المسلمة بجلبابها الرجعية تتحدث وعلي علم بلغة موطنه !!!

مما جعله ينظف حنجرته سريعا وهو يتحدث بأرتباك أثناء مد كف يداه باتجاهها لتحيتها :
- معاك جاك لويس أرسلني السيد " الَي البنا " لاستقبالك ...

تلك الجملة كفيلة بشل تفكيرها لثواني !
وتجمد ملامح وجهها يتبعه شحوباً ..ومقلتيها حزن دفين ..وازدادت ضربات قلبها وجعاً لفعله…

حتي أستقبالها هُُنا لم يأتي إليه وأرسل رجلا غريبٌ عنها !

أجفلت عيناها بألم عنهُ فلا يحق لها مطالعته بعد الأن لكونه اجنبياً عنها ، متجاهلة كف يداه والذي سحبها ببطء حين أدرك أنها لن تصافحهُ …

أشار لحقيبتها مردداً بحذر شديد :
- هل تسمحي لي ؟!

فهمت مغزي جملته فتركتها دون تردد ، ليبدأ بسحبها خلفه وهو يشاور لها علي باب الخروج ومن ثم علي مكان اصطفاف سيارته…

لتتبعه صامته تتحاشي النظر أليه حتي قاما بفتح الباب الخلفي للسيارة ، فأطاعته راكبه بهدوء والحزن يملأ قلبها غير مصدقه بأنه أرسل سائقه ليستقبل زوجته في أولي زيارتها !!

بعد السير بالسيارة ما يقارب النصف ساعة في وسط مدينة لوس أنجلوس قد رحلت الشمس بغروبها لتعلن عن حلول الليل .. شاهدت عن قرب من نافذتها جسر جولدن غيت أطول جسر معلق في العالم بأضوائه الخلابة التي أبهرتها ولكن عقول أصاحبها أذهلتها أكثر لمجرد رؤيتهم لامرأة مسلمه منقبة !

ما هي إلا ثواني وأنحرفت السيارة قليلا بأتجاة قصور فاخرة بمبانيها العتيقة إلي أن وقفت أمام أحداها بجدرانها العالية وبوابتها الألكترونية .. والتي مجرد أن نطق جاك أسمه بنبرة صوته وهو ما زال في مقعده بالسيارة فُتحت بابيها علي أوسع نطاق لتسمح بعبور السيارة ومن ثم انغلاقها خلفها مباشرة !

تعجبت كثيراً من تكنولوجيا الغرب الحديثة والتي أدت إلي الاستغناء عن رجال الأمن والحراسة ..

وما هو إلا لمح البصر حتي مرت السيارة بحديقة خضراء تقر العين وتبهج الصدر بتصميمها المبهر والحديث ، متوسطه أياها حوض استحمام دائري التصميم بشكل لا يقل روعة عن الحديقة المحاطة به ..

فاقت من خيالها المسحور بذلك الجمال علي توقف السيارة ليتبعها المحرك وهبوط ذلك السائق وفتح الباب المجاور لجلستها بهدوء شديد .. مما احثها علي الهبوط فعلي مايبدوا أنه قد وصلت لوجهتها بالفعل …

انقلب أحوال الجو فجاة وهبطت الأمطار ووصلت البرودة لتحت الصفر بعد أن كان يغلب المدينة جو ربيعي مزدهر !

وهذا أول شئ ألمت به عن أحوال المدينة التي سوف تعيش بها .. ففي ثواني ينقلب الحال رأساً علي عقب وتسوء الأحوال الجوية .. مما جعل جاك يحفزها للدخول علي الفور داخل القصر حتي لاتتأثر بمياة الأمطار .. فأطاعته مسرعة دون ان تدقق جيداً في تفاصيله الخارجية العتيقة والنادرة …

دلفت من باب رئيسي كبير لداخله ، والذي لا يقل في تصميمه الهادئ بتكنولوجيا المعاصرة عن جمال الحديقة في الخارج ...

في وسط تطلعاتها الدقيقة ظهر من العدم رجل مسن قد يكون في السبعون من العمر بزي أسود مهندم ، فعلي ما يبدوا من صورته الخارجية أنه مدير أعمال هذا القصر …

استقبالهم بابتسامة بشوشة تسربت ببطئ عند اقترابه منهم .. ليظهر تليها الاندهاش من هيئتها علي معالم وجهه ولكن تداركه سريعاً بذكاء يحسد عليه أثناء محادثته لجاك من خلفها بلباقه :
- مرحبا مستر جاك .. هل هذه ضيفة سيد " الَي "

أومأ جاك برأسه سريعا بالإيجاب وهو يعطيه حقيبتها .. ليلتقطها وهو يرحب بها بسلاسة عملية :
- مرحبا سيدتي هيا معي أدلك علي مكان اقامتك …

في أثناء ذلك شعرت بانصراف جاك من خلفها مغادراً للخارج .. رهبة شديدة تملكتها وهي لم تشاهد إلا رجال غرباء يستقبلونها ..

ومن اتت بشأنه ولأجله وصلة القرابة بينهم وطيدة لم يشغل ذهنه لاستقبالها !!

فاقت من شرودها المحزن علي كف يد ذلك العجوز تشاور علي باب غرفة في منتصف الممر في الدور الثاني لذلك القصر قائلا بلين :
- سيدتي هذه غرفتكِ وبأوامر من سيد " الَي " لا يسمح لكِ بالتجول خارجها !!!



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات