رواية سكن مشترك الفصل الرابع عشر 14 بقلم نورهان علام
|14|
"فارس، إنت معايا؟"
ينفع أرد!
أقولها إني مش معها ولا مع أي حاجة، أنا طاير في السما عادي جدًا بعد اللي قالته، فكرة إني في نظرها مش زي أي راجل تاني مش طمنتني، دي دوبتني فيها أكتر.
إيه يا غالية اللي بتعملي فيا ده؟
من أول لحظة شوفتك يا بنتي، مكنتيش عادية، حبيتها إمتى؟
معتقدتش من أول مرة شوفتها، مش من فترة الخطوبة حتى، يمكن من أول يوم جواز؟
لما قصت شعرها؟
لما أكلتني، لما دفعت عني، لما حسيت إن حياتي ويومي وبيتي مبقوش فيهم روح من غيرها، وقبلها كانت أيام بتعدي، لكن بعدها بمسك في اللحظة الخلوة عشان تكمل لآخر العمر..
"ينفع أمتنع عن الرد؟"
سكتت لثواني، بعدين ضحكت وهي بتقول:
"يا ريت... اعتبر نفسك مسمعتش حاجة... ممكن أكون عكيت، بس قصدي إني أصلح سوء التفاهم."
اتنهدت وأنا ببتسم، وماشي في الشارع بكلمها بصوت واطي، وكأن مثلًا لو حد ألماني جنبي هيفهم أنا بقول لها إيه بالعربي، بس صوتي كان هادي وواطي، كأني بقولها سر حربي.
"أنا بمتنع عن الرد...
عشان الرد لازم تكوني قصادي وأنا بقوله، يعني بنأجله يا غالية، مش بنلغيه."
"طب ما نلغيه، أنا مش عاوزة أسمع رد، أنا قولت اللي عندي خلاص."
"مش من حقي أقول أنا كمان اللي عندي؟
وكمان أنا عاوز أصلح سوء التفاهم...
إن مكنش قصدي إن حبيبة تبقى زيك...
مش عارف دماغك سوحتك إزاي أصلًا تفكري كده، إنتِ لسه صغيرة يا غالية."
"خلاص فهمت قصدك... سلام."
"لا، سلام... إنتِ هتفضلي معايا عبال ما أرجع أجيب الهدوم من المغسلة، عشان خرجت متعصب ونسيتها."
"هي المغسلة دي عاملة إزاي يعني؟"
"هو مكان زي محل كده، كله غسالات، بتدفعي فلوس مقابل إن هدومك تتغسل، طبعًا بدفع دم قلبي عشان هدومي تتحط لوحدها، عشان بقرف تتغسل مع هدوم تانية..."
"طب ليه مقولتش كده عشان أفصل هدومك عن هدومي وأنا بغسل؟"
ضحكت بقوة، البنت دي يا إما هبلة، يا إما عاوزة تجلطني.
"غالية، إنتِ عبيطة؟
هقرف منك ليه يا ماما.. إنتِ مراتي، الفكرة إن هدومي هنا هتتحط مع ما لا يقل عن أربع أشخاص، ويتغسلوا بنفس الميه، وحاجة قرف يعني، حساسية وبكتيريا للصبح، فهماني؟"
"عندك حق...
بس لما تكون فاضي ابقى اغسلهم إنت، يعني توفير وضمان برضو، وأصلًا إزاي بتحط هدوم كلهم مرة واحدة!
في هدوم هتبهت على بعض، وأصلًا في تيشيرتات هتبوظ لو دخلت الغسالة..."
"الدلع اللي الواحد محروم منه...
إنتِ هنا في غربة، يعني أي أكل.. أي غسيل، لو تعبانة مفيش حد يعملك أكل، تطلبي الدوا وتاخديه وتكملي شغل، الرفاهيات دي مش موجودة للأسف."
سكتت شوية وهي بتعمل صوت الاعتراض بشفايفها، فضحكت وأنا متخيل شكلها وهي قافلة حواجبها ومش عاجبها اللي بقوله.
"طب قلل شغل، واهتم بنفسك شوية...
وبعدين يا فارس، إنت هدومك غالية، حرام تبوظ... وبعدين بتكويها فين؟
إنت مبتعرفش تكوي."
واو!
حاجة تافهة، بس بسطتني، مبسوط إنها عرفت إني مبعرفش أكوي.
"صاحبة المغسلة بتكويهم ليا، لو الهدوم كتير بقف لها لغاية ما تكوي هدوم الشغل تاني يوم، ولما برجع من الشغل بروح آخد باقي الهدوم."
"أمم.. كويس إنك بتلاقي حد يكويلك، بس كوي الستات مش حلو أوي يعني، دور على مكوجي راجل، إيده تقيلة على الهدوم."
ها؟
هي صوتها عامل كده ليه؟
في جز على السنان سيكا، ممكن أصدق أي حاجة إلا إنها غيرانة!
"بصراحة هي بتظبط الهدوم...
بس مش أكتر منك يعني... أقولك على سر؟"
غبي، كنت هودي نفسي في داهية!
عشان لمدة لحقت نفسي بموضوع السر ده، وهي ما شاء الله استجابت بحماس، بس حاولت تخبيه وهي بتقول:
"قول."
"أول جوانا قولت إني اتجوزت آخر العنقود في بيت أهلها، وهنسوح أنا وهي في شغل البيت والأكل، بصراحة من أول يوم بهرتيني بأكلك، وشغل البيت بالنسبة لك، سواء كان صعب أو سهل، عارفة تعمليه إزاي، حاجات كتير مكنتش شايل همها، بس كنت عارف إننا هنواجه مشاكل، لكن محصلش، شطورة وحلوة وغالية... كنز من الآخر... بتغلبيني شوية، بس فداكي."
"نعم!
كنت فاكرني عوجة ولا إيه؟
مش لازم عشان أصغر واحدة في إخواتي أبقى خايبة، وبعدين بغلبك في إيه إن شاء الله؟
هو أنا بشوفك أصلًا؟"
إيه ده؟
أنا كنت بحاول أهديها، عصبتها أكتر، بس ضحكت لها وأنا بقول:
"بتغلبيني يا غالية...
شاطرة في كل حاجة. أكتر حاجة شاطرة فيها هي الجري، بتجري كويس كده..."
كان قصدي بتهرب، وهي أسرع من البلوتوث، ما شاء الله عليها، ربنا يهديها يعني، لقطت أنا بتكلم على إيه، فقالت بسرعة وهي بتقفل:
"زمانك وصلت المغسلة.. سلام."
================================
"فارس، الصورة مش باينة... النت عندك ضعيف."
"لا، ضعيف إيه؟
متفتحيش كاميرتك... أنا هفتح عندي."
قولتها وأنا بحاول أظبط شبكة النت، وفعلاً الصورة وضحت لها.
"فارس، أنا مش فاهمة حاجة، اللغة دي ألماني ولا إيه؟"
كنت مبسوط!
قربت شوية من لوحة الإعلانات وأنا بشاور على اسمي أنا وطه!
المشروع العقاري اللي اشتغلنا عليه بقى عالمي، كله بسبب الفكرة الدعائية اللي اشتغلت عليها أنا وطه.
"بصي هنا مكتوب إيه..."
شهقت لما شاورت لها على اسمي وهي بتقول بفرحة وصدمة:
"فارس!
ده بجد اسمك... مكتوب اسمك على يافطة إعلانات!
هم بيزغرطوا إزاي بجد... أنا مبسوطة بيك أوي."
فرحتي فرحتين، الفرحة الأكبر كلمتها، مبسوطة بيا، كنت طاير، ورفعت الكاميرا على اللوحة الأكبر وأنا بقولها:
"دي برضو لسه متعلقة، هيشغلوا الإضاءة بتاعتها... في ظرف ساعات اسم جوزك هيبقى عالمي في عالم التسويق."
"إنت تستاهل أكتر من كده، مش مصدقة أنا مبسوطة إزاي....
إنت إزاي شاطر أوي كده يا فارس....
استنى، أنا لازم أنزل أوريه لكيمي."
"راحة فين؟
استني، البسي حاجة وانزلي."
"يا قاتل اللحظات السعيدة."
"مش هتبقى لحظات سعيدة خالص لو كنتِ نزلتي بشعرك."
قولتها بضحك، وكنت سامع صوتها وهي بتتأفف، وبتفتح الدولاب بعنف، مر شهر ونص، وللأسف كنت المفروض أبقى إجازة اليومين دول، بس حصل لغبطة في الشغل اللي بيتسلم، وإجازتي اتأجلت أسبوع.
كان في فرح في شقة أهلي تحت، روحت بسرعة، وخليت غالية تفتح الكاميرا عشان أشوفهم، الكل كان فرحان، وهي عيونها بتلمع، مش مصدق اللحظة اللي وصلت لها، فرحانة عشاني، بنرغي أنا وهي بالساعات في الفون، نتخانق ونرد على بعض، وتتقمص، وأرجع أصالحها، وحشتني لدرجة مش عارف همسك نفسي إزاي إني مطبقهاش جوايا لما أشوفها، هم عشر ثواني دي!
================================
"فارس..."
"معاكِ... هشرب بس.. قولي."
"أنا عاوزة أروح الحضانة يوم... الأطفال وحشوني، وخصوصًا فارس وحشني أكتر."
تفيت الميه على اللاب وأنا بكح بعدم استيعاب، وبجري بسرعة على اللاب أشقلبه عشان الميه متنزلش في فتحة الكيبورد، الفون وقع من على طرف المكتب، ووراه زجاجة الميه المفتوحة، وطيت ألحق الفون قبل ما يشرب ميه هو كمان!
واللاب في إيدي التانية... أخدت نفسي، وبحاول أتنفس، والله مش عارف، أخدت الفون من الأرض وأنا بقول:
"إيه يا غالية..."
"إنت وقعت يا فارس ولا إيه؟
إيه الدبكة اللي حصلت عندك دي؟"
وقعت؟
"آه يا غالية، وقعت يا ماما... وقعت على وشي، ومحدش سمى عليا."
"ألف سلامة عليك... خد بالك وإنت ماشي بقى."
ألف سلامة على قلبي يا أختي، حسبي الله... حد يعمل في قلب حد كده؟
التاني ده مكنش لاقي اسم غير فارس يسمي ابنه بيه، قلوب الناس مش لعبة يعني.
"كنتي عاوزة تروحي الحضانة؟"
"أيوة... عاوزة أروح أقعد ساعتين تلاتة مع الأطفال كده، النهارده أصلًا الـ fun day بتاعهم، هيتبسطوا أوي."
"طب ما تتأخريش عشان تلحقي تعمليلي أم علي."
"أم علي؟
أعملهالك إزاي...
أحيه، فارس، إنت جاي؟"
"بكرة بليل."
هي قفلت في وشي؟
لا بجد!
هي كل مرة هتقفل في وشي كده؟
اتصلت بيها، فردت.
"إنتِ بتقفلي في وشي؟"
"فيها إيه؟"
قالتها بمنتهى البساطة، فضحكت بذهول وأنا بقول لها:
"إنتِ بتهزري؟
يا بنتي نفسي أسمع كلمة: سلام يا فارس، مع السلامة، خد بالك من نفسك، أنا بقولك بتقفلي في وشي، وإنتِ تقوليلي: وفيها إيه؟
ينهار ضحك، هو الموضوع بينا بقى عادي لدرجة إنك تقفلي في وشي كده؟"
"ما... يا فارس... ما إنت مش بتدقق في الحاجات دي، بتسيبني براحتي."
"قررت مسبكيش براحتك تاني يا ستي."
"ده يعني إيه بقى إن شاء الله؟"
"يعني مش هتقفلي غير لما تقوليلي كلمة حلوة... كلمة حلوة دي بعيده، قولي كلمة طبيعية زي البشر، سلام مثلًا، مع السلامة، ليفل الوحش: خد بالك من نفسك، اعمليلي أكشن، أحس في فرق بين مكالمتك إنتِ وطه صاحبي."
"عاوز نتكلم زي البشر الطبيعيين؟
بطل ترخم عليا عشان مضطرش أقفل."
"قصدك مضطرش أجري."
"أهو بص...
بترخم عليا، لو مرخمتش مش هقفل في وشك."
"لا، مش هتقفلي في وشي حتى لو رخمت، عيب يا بنتي، أنا جوزك..
تقفلي في وشي إزاي يعني؟"
"أنا بقفل في وشك عادي...
لو مش عاجبك خلاص..."
"لا يا باشا، عاجبني، وعلى قلبي زي العسل، بس شوية شفقة، رحمة، رأفة... حنية كده، أنا زي جوزك برضو..."
"طب سلام... حلو كده؟"
"إنتِ أحلى.."
ملحقتش أقول سلام، وكانت قفلت في وشي برضو!
================================
وصلت تحت البيت، متفق معاها بالعافية تقفل بوقها ومتقولش لحد إني جاي، طلعت الشنطة بهدوء، لغاية ما وصلت لباب شقتنا وخبطت.
"روحي افتحي إنتِ يا حبيبة."
كان صوت غالية، ماشي، مش عاوزة تفتحيلي الباب، فتحت حبيبة، ومرة واحدة صوتت وهي بتنط تحضني.
"فارس جه يا ماما... فارس أهو."
"وحشتيني يا كتكوتة..."
"وإنت وحشتني جدًاا... ادخل، غالية هنا..."
سحبتني من إيدي، وشالت الشنطة، ودخلت، وأمي جريت تحضني.
"إخص عليك يا فارس، كده متقولش إنك جاي."
"استني استني... إنتِ كنتِ تعرفي إنه جاي صح؟"
قالتها حبيبة وهي بتقرب من غالية بشك، فسيبت أمي وأنا بقف قدام غالية، لأحسن حبيبة تعضها، محدش يعرف جنان البت دي قدي.
"والله لأجيبك من شعرك."
"اتكلمي مع أخوكي يا ماما، تزعقيلي أنا ليه؟"
كنت بحاول أفصل بينهم، عشان حبيبة متجيش جنبها، وأمي بتضحك، زقيت حبيبة وأنا بقول:
"امشي يا بت بقى، مش عارف أسلم على مراتي."
مسكت معصم إيديها، وهي برقت لي وهي بتهز راسها بـ"لا".
هل أنا مهتم؟
مش مهتم بقدر ما أنا مشتاق، سحبتها لحضني وهي مكلبشة.
"حلالك أنا والله... وبعدين وحشتيني أوي يا غالية."
رجعت خطوة بعيد عني، لكني قربت، وانحنيت، وبوست خدها، والله بوسة رقيقة وبريئة.
"يا كلب!"
آه، إيديها تقيلة أوي، ضربتني بالقلم، فضحكت وأنا بسيبها، وهي استخبت ورايا من إحراجها، بقى المنظر كالآتي: مكنش باين إني ببوس خدها، على قد ما الوضع بان إني بقول لها حاجة في ودنها، والنتيجة كانت إنها تضربني بالقلم.
ضحكت وأنا برخم عليها وبقول:
"لا مؤاخذة يا أمي..."
"لا يا حبيبي... اطلعوا ريحوا شوية لغاية ما الأكل يجهز."
"لا.. أنا جاية أساعدك يا كيمي."
قالتها وهي بتخرج من ورا ضهري، وجريت على المطبخ، ضحكوا عليها وأنا سبتهم وطلعت آخد دش. البيت فلة وكل حاجة في مكانها، دخلت الأوضة اللي بنام فيها أخرج هدوم، بس ملقتش حاجة في الدولاب تخصني.
خرجت فوني، اتصلت بيها مرة واتنين، مش بترد، أنا عارف إنها شايفة الفون ومش عاوزة ترد، عشان كدة اتصلت على أمي.
"معلش يا أمي اديني غالية أسألها على مكان حاجة."
ثواني وكان صوت غالية وهي بتقول بصوت واطي:
"عاوز إيه؟"
"مش لاقي هدومي... إنتِ بعتيها ولا إيه؟"
"هتلاقيها في الدولاب عندي أنا، شلتها عشان حبيبة لما كانت بتبات معايا."
"ممكن أدخل يعني الأوضة؟
ولا الأفضل تطلعي تجبيها إنتِ؟"
"لا مش هطلعلك... خد اللي إنت عاوزه."
كنت مستغرب، محدش هيصدقني، بس أنا مدخلتش أوضة نومي دي ولا مرة من ساعة ما اتجوزت، ده أنا نسيت شكلها بجد، ده عالمها الخاص جدًا، اللي عمري ما شوفته ولا لمسته. دخلت الأوضة وأنا مبتسم، التسريحة عليها فرشة شعرها، والـskincare بتاعها كمان، هدومها متعلقة، كل تفاصيلها هنا.
فتحت الدولاب وأنا ببص على العالم التاني، كانت مرتبة هدومي بنظام، وجواكتّي متعلقة جنب فساتينها على الشماعات، مكنتش عاوز أتأخر عليهم تحت، فطلعت هدوم بسرعة، وهي مطبقاها بطريقة غريبة خلتني وقعت هدومي تاني في الأرض!
وأخدت الدش بتاعي ونزلت لهم، كنت قاعد وكل شوية حد يجيبلي حاجة أكلها أو أشربها لغاية ما الغدا يخلص، وهي مش معبراني أصلًا، ونظراتها كلها حدة وغضب، بس براحتها، أنا بفكر في حاجة لو تمت ممكن تولّع فيا أصلًا.
"يا بنتي اتهدي بقى، اقعدي جنب جوزك..."
"ما هو قاعد أهو...
أنا بساعدك عشان حبيبة مش فاضية."
"مستغنية عن مساعدتك أنا... اخرجي يلا."
كان حوارهم جوا المطبخ، وفعلاً خرجت وهي لوية وشها، وقعدت بعيد عني، وهي مربعة إيديها بتحدي ومش طيقاني. قمت وروحت قعدت جنبها، فبعدت أكتر وهي بتقول:
"الصالة واسعة... قوم من جنبي."
"أنا عن نفسي مرتاح هنا...
إنتِ مش مرتاحة ولا إيه؟"
"بجح."
قالتها وقامت من جنبي وقعدت في حتة تانية، فروحت جنبها. زفرت بغضب وهي بتقول:
"ابعد عني يا فارس عشان أنا ماسكة نفسي عليك بالعافية، أحمد ربنا إننا عند أهلك...
نطلع بس فوق."
"لينا بيت يلمنا يعني؟
أوكي."
"ولا بيت ولا غيط، أنا هتصل بأبويا يجي ياخدني."
"وماله، ولما يقولك هتغضبي ليه يا بنتي... قوليله أصل جوزي اتهبل في عقله وباسني."
"إنت بجح ومتربتش وعارف إنك غلطان وبتقاوح كمان!"
"ما فارس المتربي المحترم اللي بيحترم حدوده طلع مبياكلش عيش..."
"طب اتكل على الله عشان مش طيقاك."
"في إيه يا غالية..."
"مافيش... إنت إنسان لا محترم ولا بتحترم حدودك، وأنا بتكلم معاك ليه أصلا ؟"
قامت من مكانها وخدت بعضها وطلعت، ثواني وامي خرجت من المطبخ على صوت الباب.
"فين غالية؟"
"اتقمصت وطلعت..."
"لحقت زعلتها يا وكسة؟"
"والله ما لحقت أعمل حاجة..."
"طب اطلع صالحها... مفيش طبخ ليك من غير ما تنزل بيها وهي بتضحك."
اتوترت وأنا بقول لها:
"ما لو طلعت لوحدي ممكن تزعلني... والله تبيتني على السلم."
"طب اقعد على السلم من دلوقتي."
"إنتِ أمي ولا أمها بجد؟"
"قوم يلا صالح مراتك بلا غم، الأسبوع اللي هتقعده تقعده متخاصمين...
يلا من هنا، أنا عاوزة حتة عيل ولا عيلين بدل ما إنت قاعد مالكش لازمة كده."
"إيه مالكش لازمة دي... عيب على الفكرة."
قولتها وأنا بهزر معها، فسحبتني من كتفي وزقتني ناحية الباب وقفلته في وشي. أعمل إيه بجد؟
لو طلعت ممكن تطردني...
طلعت وخبطت على الباب، مردتش. حطيت المفتاح في الباب، معرفتش! الناصحة حطته من جوه. خبطت كذا مرة ونفس النتيجة. بصيت للباب لثواني.
باب قديم، خشب ودرفتين كمان؟
أعتقد كتف واحد هيفتحه...
وفعلاً اتفتح من كتف واحد. فكروني بقى نغيره، أصل عمره الافتراضي خلص. خرجت من الأوضة على كسرة الباب وهي بتزعق:
"إنت مجنون؟
بتكسر الباب!"
"ناصحة إنتِ يعني لما تحطي المفتاح من جوه، معرفتش أدخل؟"
"مش ناصحة، بس تفهم يعني إني مش عاوزة أدخلك ولا أكلمك ولا أشوفك."
"خلاص يا ستي حقك عليا."
"انزل لأمك يا فارس، أنا مش عاوزة حتى أتكلم معاك."
"إيه يا غالية كل ده عشان بوسة!
يا بنتي والله مراتي مراتي... مدركة الكلمة."
"إنت عيشت في الدور عشان بقيت بتتكلم معاك كويس، إنت مينفعش معاك غير المعاملة القديمة."
"حقك عليا والله... مش هكررها تاني."
سابتني ودخلت الأوضة وقفلت عليها. يا رب دي تتصالح إزاي دي...
===============================
نزلت لأمي، فتحت الباب بزهق وحيرة، مش عارف أعمل إيه، أول ما شافتني نازل وجارر خيبتي ورايا.
"فين مراتك؟"
"مش راضية ترضى... والله ما عملت حاجة تستاهل أصلًا، وكسرت باب الشقة كمان."
"كسرت إيه!"
"مكنتش راضية تفتحلي طيب، وأنا هموت وأنا جعان... أكليني طيب وهطلع أجرب معاها تاني."
"مفيش أكل غير لما تصالح مراتك."
"طب ساعديني طيب."
"أعملك إيه؟"
فكرة شريرة، لو عرفت إنها فكرتي مش بعيد تسيب لي البيت، بس هحاول أصدق إن سري في بير مع أمي.
"تعالي باتي معانا النهاردة... بس كأنك إنتِ اللي اقترحتي الفكرة... صدقيني الحوار ده هيتفادى إننا نتخانق بليل وهطلع الصبح هكون صالحها."
رفعت حواجبها بتفكير، مش عارفه تقرر. أمي مش من النوع اللي بيفرض نفسه ولا بتحب تبات برا بيتها، ودايمًا بتحترم خصوصية اللي حواليها.
"متأكد يعني؟"
"جدا... تعالي دلوقتي نطلع نتغدى فوق، وأنا أعرض عليكي تسهروا معانا، وبعدين إنتِ تقولي لأبويا إنك مش قادرة تنزلي وهتباتي عندي."
"يا حبيبي عيب، إنت جاي من السفر، وكدة كدة آخر الليل هتتصالح إنت ومراتك و..."
صدقوني مفيش "و" اللي هي محروجة تقولها دي، تنهدت وأنا بهزر معها.
"ولا و ولا مش و... كدة كدة هتقلب زي الساعة أول ما أشوف مخدة، أنا صاحبي القهوة والكافيين يا أمي."
"خلاص ماشي، تعالي خد الأكل من المطبخ، وبرضو مش هتاكل غير لما هي تهدى عليك."
================================
معرفش إيه حصل، لقيت كريمة في الشقة بره، خرجت من الأوضة بضيق وأنا شايفاه قاعد محترم البشمهندس، ولا كأنه عمل حاجة.
متعصبة منه بجد، إزاي يعمل حاجة زي كده؟
كأنه مش فارق معاه رد فعلي، وكمان عمال يضحك ويهزر!
وأنا مش عارفة أزعق، مش عارفة أقول كلمة، وكمان كسر الباب!
مفيش عقل. أنا حتى مش عارفة المفروض أعمل معاه إيه، بس أنا مش طيقاه ومش عاوزة أشوفه وعاوزة أقطع كلام معاه.
حطيت الأكل مع كريمة وحبيبة، وأحمد وعمر كمان طلع، والكل اتغدى، وقلت أعمل الشاي وأطلع أم علي اللي عاملاها.
يا رب بطنه توجعه... كنت قاعدة بعيد عنه ومش بكلمه خالص، والكل كان واخد باله إننا متخانقين.
"معلش يا غالية يا بنتي... اعمليلي كوباية شاي."
قالها باباه، فقومت وأنا مبتسمة وقلت:
"من عنيا يا عمو."
الراجل ده حنين بطريقة مش طبيعية، مش بيعامل عياله زي ما بيعاملني. قمت وأخدت صنية الشاي الفاضية ودخلت المطبخ. دقيقة ولقيته واقف على عتبة المطبخ، من غير ما ألف وشي قولت له:
"اطلع بره."
"أبويا قال لي أدخل أطباق الحلو لمراتك وأساعدها."
"سيب اللي في إيدك في أي داهية واطلع بره."
قرب من ناحيتي، فلفيت وشي له بتوتر وأنا بقول:
"إنت قريب كده ليه؟"
"مش قولتي ارميها في أي داهية؟
في داهية وراكي حلوة أوي، رايح أرميها فيها."
اتعصبت منه، وأخدت الصنية وحطيتها في الحوض براحة عشان مينفعش أرزعها على دماغه لان أهله بره. عملت كوباية الشاي، فخدها مني عشان يطلعها.
"أوبس... الكوباية وقعت!"
وقعت الكوباية على الصنية فالشاي اتدلق!
دت قاصد!
"أعمل كوباية غيرها، أنا خارجة."
خرجت فعلًا، وهو علق على الكاتيل وخرج ورايا.
"فين الشاي يا غالية؟"
"فارس دلقها يا عمو، وقال هيعمل غيرها هو."
لبسته مع أبوه، اللي بص له بيأس وقال:
"خلاص يا بنتي... كدة كدة إحنا نازلين، يلا يا كريمة عشان ابنك جاي من سفر، سيبيه يرتاح."
"انزل إنت، أنا بايته النهاردة مع فارس... وحشني وعاوزة أسهر معاه شوية."
نفسي اتقطع، ضربات قلبي زادت، توتر غير طبيعي ورعب! تبات فين؟!
لا... أكيد مش هبات.
"تباتي إيه يا كريمة...
قومي وسيبي العيال على راحتهم."
"قولت مش نازلة...
عاوز تنزل انت أنزل، أنا مش قاعدة على دماغ حد، أنا قاعدة في بيت ابني."
مكنتش مركزة، القعدة قلبت خناقة بين أمه وأبوه، وإخوته وهو بيحاول يهدّيهم.
معرفش أنا بعمل إيه، بس أنا استحالة أقفل باب عليا مع فارس... والله أروح بيت أبويا دلوقتي.
أخيرًا هديت، وعملت لها ليمون تشربه.
"ادخل يا حبيبي ارتاح...
حقك عليا يا بنتي دوشتكم آخر الليل."
"دوشتينا إيه يا أمي...
روقي كده، وبكرة أبويا هيجي يصالحك، من إمتى يعني وهو بيسيبك زعلانة؟"
"ولا يصالح ولا يخاصم...
أنا مش عاوزة أشوفه تاني...
الصبح يطلع علينا وأنا أروح بيت خالي في البلد..."
"صلّي على النبي في قلبك... بيت خالك إيه، ده بيتك يا حجة كريمة. وبعدين إنتِ تعرفي تبعدي عن أبويا قد إيه من ليلة؟
بكرة هتتصلحوا وهترموني أنا وإخواتي على الرف."
مكنتش برد، رغم إن كريمة وجهت ليا كلام، بس أنا في حالة ما تسمحش إني أركز في حاجة، مينفعش!
ده مش اتفقنا، والموضوع حصل غفلة غصب عننا إحنا الاتنين، لازم يتصرف... يروح ينام جنب أمه.
"طب ادخل نام يا فارس، إنت منمتش يا حبيبي من إمبارح. ادخل نام وأنا شوية وههدى وأنام أنا كمان...
يلا يا غالية خدي جوزك وادخلي أوضتك يا بنتي، كفاية تعب أعصاب لغاية كده."
بصيت لها ذهول...
هي الست دي بتقول إيه؟
لا ده أنا اتجنن عليكم!
فارس فعلًا قرب وسحبني من إيدي على الأوضة. أول ما وصلنا على عتبة الأوضة، إيدي كلبشت وجسمي اتثبت مكانه، فبرق وهو بيبصلي وبيشاور على أمه بعينه، وأنا متجمدة مكاني مش بتحرك.
فسحبني جامد، توازني اختلف وكنت هتكفي على وشي!
لكنه لحقني وحط باطن كفه على جبيني ودفعني لقدام فاتزنت، وقفل الباب...
تلقائي رجعت بظهري على الباب وأنا بقول:
"فارس لو سمحت اتصرف واطلع...
استحالة نِبات في أوضة واحدة."
رفع إيده لفوق إشارة إنه مش ناوي على أي حاجة، والهزار بتاع طول اليوم اختفى، ورجعت نبرة فارس العادية اللي أعرفها، وهو بيقول بحذر:
"اهدي... مش هقرب، ولا هعمل حاجة، ولا أستجرأ حتى... خدي نفسك يا ماما، أنا بعيد وهقف بعيد... حتى لو في أوضة واحدة، إنتِ اللي بترسمي المسافات.
بصي أنا أكيد هنام في الأرض، عاوزاني أفضل صاحي طول الليل؟
هصحي متقلقيش، شوفي إيه اللي مريحك وأنا هعمله."
"اطلع بره... افتح الباب واخرج."
قولتها وأنا بدمع، فقرب شوية وهو بيتكلم ونبرته فيها خوف... خوف عليا أنا.
"غالية...
والله ما أقدر أأذيكي في حاجة. غصب عني مقدرش أخرج وإنتِ عارفة... بس ثقي فيا...
أنا عمري لمستك ولا قربت منك من غير ما أستأذنك. عمرك حسيتي مني بأي نية وحشة أو شفتي مني غلط؟"
كلامه بيحاول يطمني، ونبرته فيها رجاء كمان، فقولت:
"الصبح... إنت..."
"كنتِ وحشاني، كانت حاجة عفوية خرجت مني، ووعدتك مش هتتكرر. المسافة اللي بينا إنتِ اللي هتحدديها...
بس مهما قلت، أنا مش هقرب غير بإذنك، وقربي عمره ما يضرك يا غالية."
فضلنا على وضعنا كتير... أنا واقفة ضهري في الباب وهو بعيد نسبيًا عني. بلعت ريقي وأنا بهز راسي وقلت:
"محدش فينا هينام... هنفضل صاحيين. مش هتتحرك من هنا."
شاورت له على حتة في آخر الأوضة وبعدين قولت:
"وأنا هفضل مكاني جنب الباب..."
"موافق... بس ممكن تقعدي على السرير؟ تتعبي من قاعدة الأرض."
هو بجد وافق؟
لا، هو لازم يطلع بره... غصب عني، مضطرة أوافق أنا كمان.
"لا، أنا كويسة مكاني..."
هز راسه، وبعدها سحب مخدة ورماها ليا وهو بيقول:
"حطيها ورا ضهرك عشان ميوجعكيش."
"فارس، إنت معايا؟"
ينفع أرد!
أقولها إني مش معها ولا مع أي حاجة، أنا طاير في السما عادي جدًا بعد اللي قالته، فكرة إني في نظرها مش زي أي راجل تاني مش طمنتني، دي دوبتني فيها أكتر.
إيه يا غالية اللي بتعملي فيا ده؟
من أول لحظة شوفتك يا بنتي، مكنتيش عادية، حبيتها إمتى؟
معتقدتش من أول مرة شوفتها، مش من فترة الخطوبة حتى، يمكن من أول يوم جواز؟
لما قصت شعرها؟
لما أكلتني، لما دفعت عني، لما حسيت إن حياتي ويومي وبيتي مبقوش فيهم روح من غيرها، وقبلها كانت أيام بتعدي، لكن بعدها بمسك في اللحظة الخلوة عشان تكمل لآخر العمر..
"ينفع أمتنع عن الرد؟"
سكتت لثواني، بعدين ضحكت وهي بتقول:
"يا ريت... اعتبر نفسك مسمعتش حاجة... ممكن أكون عكيت، بس قصدي إني أصلح سوء التفاهم."
اتنهدت وأنا ببتسم، وماشي في الشارع بكلمها بصوت واطي، وكأن مثلًا لو حد ألماني جنبي هيفهم أنا بقول لها إيه بالعربي، بس صوتي كان هادي وواطي، كأني بقولها سر حربي.
"أنا بمتنع عن الرد...
عشان الرد لازم تكوني قصادي وأنا بقوله، يعني بنأجله يا غالية، مش بنلغيه."
"طب ما نلغيه، أنا مش عاوزة أسمع رد، أنا قولت اللي عندي خلاص."
"مش من حقي أقول أنا كمان اللي عندي؟
وكمان أنا عاوز أصلح سوء التفاهم...
إن مكنش قصدي إن حبيبة تبقى زيك...
مش عارف دماغك سوحتك إزاي أصلًا تفكري كده، إنتِ لسه صغيرة يا غالية."
"خلاص فهمت قصدك... سلام."
"لا، سلام... إنتِ هتفضلي معايا عبال ما أرجع أجيب الهدوم من المغسلة، عشان خرجت متعصب ونسيتها."
"هي المغسلة دي عاملة إزاي يعني؟"
"هو مكان زي محل كده، كله غسالات، بتدفعي فلوس مقابل إن هدومك تتغسل، طبعًا بدفع دم قلبي عشان هدومي تتحط لوحدها، عشان بقرف تتغسل مع هدوم تانية..."
"طب ليه مقولتش كده عشان أفصل هدومك عن هدومي وأنا بغسل؟"
ضحكت بقوة، البنت دي يا إما هبلة، يا إما عاوزة تجلطني.
"غالية، إنتِ عبيطة؟
هقرف منك ليه يا ماما.. إنتِ مراتي، الفكرة إن هدومي هنا هتتحط مع ما لا يقل عن أربع أشخاص، ويتغسلوا بنفس الميه، وحاجة قرف يعني، حساسية وبكتيريا للصبح، فهماني؟"
"عندك حق...
بس لما تكون فاضي ابقى اغسلهم إنت، يعني توفير وضمان برضو، وأصلًا إزاي بتحط هدوم كلهم مرة واحدة!
في هدوم هتبهت على بعض، وأصلًا في تيشيرتات هتبوظ لو دخلت الغسالة..."
"الدلع اللي الواحد محروم منه...
إنتِ هنا في غربة، يعني أي أكل.. أي غسيل، لو تعبانة مفيش حد يعملك أكل، تطلبي الدوا وتاخديه وتكملي شغل، الرفاهيات دي مش موجودة للأسف."
سكتت شوية وهي بتعمل صوت الاعتراض بشفايفها، فضحكت وأنا متخيل شكلها وهي قافلة حواجبها ومش عاجبها اللي بقوله.
"طب قلل شغل، واهتم بنفسك شوية...
وبعدين يا فارس، إنت هدومك غالية، حرام تبوظ... وبعدين بتكويها فين؟
إنت مبتعرفش تكوي."
واو!
حاجة تافهة، بس بسطتني، مبسوط إنها عرفت إني مبعرفش أكوي.
"صاحبة المغسلة بتكويهم ليا، لو الهدوم كتير بقف لها لغاية ما تكوي هدوم الشغل تاني يوم، ولما برجع من الشغل بروح آخد باقي الهدوم."
"أمم.. كويس إنك بتلاقي حد يكويلك، بس كوي الستات مش حلو أوي يعني، دور على مكوجي راجل، إيده تقيلة على الهدوم."
ها؟
هي صوتها عامل كده ليه؟
في جز على السنان سيكا، ممكن أصدق أي حاجة إلا إنها غيرانة!
"بصراحة هي بتظبط الهدوم...
بس مش أكتر منك يعني... أقولك على سر؟"
غبي، كنت هودي نفسي في داهية!
عشان لمدة لحقت نفسي بموضوع السر ده، وهي ما شاء الله استجابت بحماس، بس حاولت تخبيه وهي بتقول:
"قول."
"أول جوانا قولت إني اتجوزت آخر العنقود في بيت أهلها، وهنسوح أنا وهي في شغل البيت والأكل، بصراحة من أول يوم بهرتيني بأكلك، وشغل البيت بالنسبة لك، سواء كان صعب أو سهل، عارفة تعمليه إزاي، حاجات كتير مكنتش شايل همها، بس كنت عارف إننا هنواجه مشاكل، لكن محصلش، شطورة وحلوة وغالية... كنز من الآخر... بتغلبيني شوية، بس فداكي."
"نعم!
كنت فاكرني عوجة ولا إيه؟
مش لازم عشان أصغر واحدة في إخواتي أبقى خايبة، وبعدين بغلبك في إيه إن شاء الله؟
هو أنا بشوفك أصلًا؟"
إيه ده؟
أنا كنت بحاول أهديها، عصبتها أكتر، بس ضحكت لها وأنا بقول:
"بتغلبيني يا غالية...
شاطرة في كل حاجة. أكتر حاجة شاطرة فيها هي الجري، بتجري كويس كده..."
كان قصدي بتهرب، وهي أسرع من البلوتوث، ما شاء الله عليها، ربنا يهديها يعني، لقطت أنا بتكلم على إيه، فقالت بسرعة وهي بتقفل:
"زمانك وصلت المغسلة.. سلام."
================================
"فارس، الصورة مش باينة... النت عندك ضعيف."
"لا، ضعيف إيه؟
متفتحيش كاميرتك... أنا هفتح عندي."
قولتها وأنا بحاول أظبط شبكة النت، وفعلاً الصورة وضحت لها.
"فارس، أنا مش فاهمة حاجة، اللغة دي ألماني ولا إيه؟"
كنت مبسوط!
قربت شوية من لوحة الإعلانات وأنا بشاور على اسمي أنا وطه!
المشروع العقاري اللي اشتغلنا عليه بقى عالمي، كله بسبب الفكرة الدعائية اللي اشتغلت عليها أنا وطه.
"بصي هنا مكتوب إيه..."
شهقت لما شاورت لها على اسمي وهي بتقول بفرحة وصدمة:
"فارس!
ده بجد اسمك... مكتوب اسمك على يافطة إعلانات!
هم بيزغرطوا إزاي بجد... أنا مبسوطة بيك أوي."
فرحتي فرحتين، الفرحة الأكبر كلمتها، مبسوطة بيا، كنت طاير، ورفعت الكاميرا على اللوحة الأكبر وأنا بقولها:
"دي برضو لسه متعلقة، هيشغلوا الإضاءة بتاعتها... في ظرف ساعات اسم جوزك هيبقى عالمي في عالم التسويق."
"إنت تستاهل أكتر من كده، مش مصدقة أنا مبسوطة إزاي....
إنت إزاي شاطر أوي كده يا فارس....
استنى، أنا لازم أنزل أوريه لكيمي."
"راحة فين؟
استني، البسي حاجة وانزلي."
"يا قاتل اللحظات السعيدة."
"مش هتبقى لحظات سعيدة خالص لو كنتِ نزلتي بشعرك."
قولتها بضحك، وكنت سامع صوتها وهي بتتأفف، وبتفتح الدولاب بعنف، مر شهر ونص، وللأسف كنت المفروض أبقى إجازة اليومين دول، بس حصل لغبطة في الشغل اللي بيتسلم، وإجازتي اتأجلت أسبوع.
كان في فرح في شقة أهلي تحت، روحت بسرعة، وخليت غالية تفتح الكاميرا عشان أشوفهم، الكل كان فرحان، وهي عيونها بتلمع، مش مصدق اللحظة اللي وصلت لها، فرحانة عشاني، بنرغي أنا وهي بالساعات في الفون، نتخانق ونرد على بعض، وتتقمص، وأرجع أصالحها، وحشتني لدرجة مش عارف همسك نفسي إزاي إني مطبقهاش جوايا لما أشوفها، هم عشر ثواني دي!
================================
"فارس..."
"معاكِ... هشرب بس.. قولي."
"أنا عاوزة أروح الحضانة يوم... الأطفال وحشوني، وخصوصًا فارس وحشني أكتر."
تفيت الميه على اللاب وأنا بكح بعدم استيعاب، وبجري بسرعة على اللاب أشقلبه عشان الميه متنزلش في فتحة الكيبورد، الفون وقع من على طرف المكتب، ووراه زجاجة الميه المفتوحة، وطيت ألحق الفون قبل ما يشرب ميه هو كمان!
واللاب في إيدي التانية... أخدت نفسي، وبحاول أتنفس، والله مش عارف، أخدت الفون من الأرض وأنا بقول:
"إيه يا غالية..."
"إنت وقعت يا فارس ولا إيه؟
إيه الدبكة اللي حصلت عندك دي؟"
وقعت؟
"آه يا غالية، وقعت يا ماما... وقعت على وشي، ومحدش سمى عليا."
"ألف سلامة عليك... خد بالك وإنت ماشي بقى."
ألف سلامة على قلبي يا أختي، حسبي الله... حد يعمل في قلب حد كده؟
التاني ده مكنش لاقي اسم غير فارس يسمي ابنه بيه، قلوب الناس مش لعبة يعني.
"كنتي عاوزة تروحي الحضانة؟"
"أيوة... عاوزة أروح أقعد ساعتين تلاتة مع الأطفال كده، النهارده أصلًا الـ fun day بتاعهم، هيتبسطوا أوي."
"طب ما تتأخريش عشان تلحقي تعمليلي أم علي."
"أم علي؟
أعملهالك إزاي...
أحيه، فارس، إنت جاي؟"
"بكرة بليل."
هي قفلت في وشي؟
لا بجد!
هي كل مرة هتقفل في وشي كده؟
اتصلت بيها، فردت.
"إنتِ بتقفلي في وشي؟"
"فيها إيه؟"
قالتها بمنتهى البساطة، فضحكت بذهول وأنا بقول لها:
"إنتِ بتهزري؟
يا بنتي نفسي أسمع كلمة: سلام يا فارس، مع السلامة، خد بالك من نفسك، أنا بقولك بتقفلي في وشي، وإنتِ تقوليلي: وفيها إيه؟
ينهار ضحك، هو الموضوع بينا بقى عادي لدرجة إنك تقفلي في وشي كده؟"
"ما... يا فارس... ما إنت مش بتدقق في الحاجات دي، بتسيبني براحتي."
"قررت مسبكيش براحتك تاني يا ستي."
"ده يعني إيه بقى إن شاء الله؟"
"يعني مش هتقفلي غير لما تقوليلي كلمة حلوة... كلمة حلوة دي بعيده، قولي كلمة طبيعية زي البشر، سلام مثلًا، مع السلامة، ليفل الوحش: خد بالك من نفسك، اعمليلي أكشن، أحس في فرق بين مكالمتك إنتِ وطه صاحبي."
"عاوز نتكلم زي البشر الطبيعيين؟
بطل ترخم عليا عشان مضطرش أقفل."
"قصدك مضطرش أجري."
"أهو بص...
بترخم عليا، لو مرخمتش مش هقفل في وشك."
"لا، مش هتقفلي في وشي حتى لو رخمت، عيب يا بنتي، أنا جوزك..
تقفلي في وشي إزاي يعني؟"
"أنا بقفل في وشك عادي...
لو مش عاجبك خلاص..."
"لا يا باشا، عاجبني، وعلى قلبي زي العسل، بس شوية شفقة، رحمة، رأفة... حنية كده، أنا زي جوزك برضو..."
"طب سلام... حلو كده؟"
"إنتِ أحلى.."
ملحقتش أقول سلام، وكانت قفلت في وشي برضو!
================================
وصلت تحت البيت، متفق معاها بالعافية تقفل بوقها ومتقولش لحد إني جاي، طلعت الشنطة بهدوء، لغاية ما وصلت لباب شقتنا وخبطت.
"روحي افتحي إنتِ يا حبيبة."
كان صوت غالية، ماشي، مش عاوزة تفتحيلي الباب، فتحت حبيبة، ومرة واحدة صوتت وهي بتنط تحضني.
"فارس جه يا ماما... فارس أهو."
"وحشتيني يا كتكوتة..."
"وإنت وحشتني جدًاا... ادخل، غالية هنا..."
سحبتني من إيدي، وشالت الشنطة، ودخلت، وأمي جريت تحضني.
"إخص عليك يا فارس، كده متقولش إنك جاي."
"استني استني... إنتِ كنتِ تعرفي إنه جاي صح؟"
قالتها حبيبة وهي بتقرب من غالية بشك، فسيبت أمي وأنا بقف قدام غالية، لأحسن حبيبة تعضها، محدش يعرف جنان البت دي قدي.
"والله لأجيبك من شعرك."
"اتكلمي مع أخوكي يا ماما، تزعقيلي أنا ليه؟"
كنت بحاول أفصل بينهم، عشان حبيبة متجيش جنبها، وأمي بتضحك، زقيت حبيبة وأنا بقول:
"امشي يا بت بقى، مش عارف أسلم على مراتي."
مسكت معصم إيديها، وهي برقت لي وهي بتهز راسها بـ"لا".
هل أنا مهتم؟
مش مهتم بقدر ما أنا مشتاق، سحبتها لحضني وهي مكلبشة.
"حلالك أنا والله... وبعدين وحشتيني أوي يا غالية."
رجعت خطوة بعيد عني، لكني قربت، وانحنيت، وبوست خدها، والله بوسة رقيقة وبريئة.
"يا كلب!"
آه، إيديها تقيلة أوي، ضربتني بالقلم، فضحكت وأنا بسيبها، وهي استخبت ورايا من إحراجها، بقى المنظر كالآتي: مكنش باين إني ببوس خدها، على قد ما الوضع بان إني بقول لها حاجة في ودنها، والنتيجة كانت إنها تضربني بالقلم.
ضحكت وأنا برخم عليها وبقول:
"لا مؤاخذة يا أمي..."
"لا يا حبيبي... اطلعوا ريحوا شوية لغاية ما الأكل يجهز."
"لا.. أنا جاية أساعدك يا كيمي."
قالتها وهي بتخرج من ورا ضهري، وجريت على المطبخ، ضحكوا عليها وأنا سبتهم وطلعت آخد دش. البيت فلة وكل حاجة في مكانها، دخلت الأوضة اللي بنام فيها أخرج هدوم، بس ملقتش حاجة في الدولاب تخصني.
خرجت فوني، اتصلت بيها مرة واتنين، مش بترد، أنا عارف إنها شايفة الفون ومش عاوزة ترد، عشان كدة اتصلت على أمي.
"معلش يا أمي اديني غالية أسألها على مكان حاجة."
ثواني وكان صوت غالية وهي بتقول بصوت واطي:
"عاوز إيه؟"
"مش لاقي هدومي... إنتِ بعتيها ولا إيه؟"
"هتلاقيها في الدولاب عندي أنا، شلتها عشان حبيبة لما كانت بتبات معايا."
"ممكن أدخل يعني الأوضة؟
ولا الأفضل تطلعي تجبيها إنتِ؟"
"لا مش هطلعلك... خد اللي إنت عاوزه."
كنت مستغرب، محدش هيصدقني، بس أنا مدخلتش أوضة نومي دي ولا مرة من ساعة ما اتجوزت، ده أنا نسيت شكلها بجد، ده عالمها الخاص جدًا، اللي عمري ما شوفته ولا لمسته. دخلت الأوضة وأنا مبتسم، التسريحة عليها فرشة شعرها، والـskincare بتاعها كمان، هدومها متعلقة، كل تفاصيلها هنا.
فتحت الدولاب وأنا ببص على العالم التاني، كانت مرتبة هدومي بنظام، وجواكتّي متعلقة جنب فساتينها على الشماعات، مكنتش عاوز أتأخر عليهم تحت، فطلعت هدوم بسرعة، وهي مطبقاها بطريقة غريبة خلتني وقعت هدومي تاني في الأرض!
وأخدت الدش بتاعي ونزلت لهم، كنت قاعد وكل شوية حد يجيبلي حاجة أكلها أو أشربها لغاية ما الغدا يخلص، وهي مش معبراني أصلًا، ونظراتها كلها حدة وغضب، بس براحتها، أنا بفكر في حاجة لو تمت ممكن تولّع فيا أصلًا.
"يا بنتي اتهدي بقى، اقعدي جنب جوزك..."
"ما هو قاعد أهو...
أنا بساعدك عشان حبيبة مش فاضية."
"مستغنية عن مساعدتك أنا... اخرجي يلا."
كان حوارهم جوا المطبخ، وفعلاً خرجت وهي لوية وشها، وقعدت بعيد عني، وهي مربعة إيديها بتحدي ومش طيقاني. قمت وروحت قعدت جنبها، فبعدت أكتر وهي بتقول:
"الصالة واسعة... قوم من جنبي."
"أنا عن نفسي مرتاح هنا...
إنتِ مش مرتاحة ولا إيه؟"
"بجح."
قالتها وقامت من جنبي وقعدت في حتة تانية، فروحت جنبها. زفرت بغضب وهي بتقول:
"ابعد عني يا فارس عشان أنا ماسكة نفسي عليك بالعافية، أحمد ربنا إننا عند أهلك...
نطلع بس فوق."
"لينا بيت يلمنا يعني؟
أوكي."
"ولا بيت ولا غيط، أنا هتصل بأبويا يجي ياخدني."
"وماله، ولما يقولك هتغضبي ليه يا بنتي... قوليله أصل جوزي اتهبل في عقله وباسني."
"إنت بجح ومتربتش وعارف إنك غلطان وبتقاوح كمان!"
"ما فارس المتربي المحترم اللي بيحترم حدوده طلع مبياكلش عيش..."
"طب اتكل على الله عشان مش طيقاك."
"في إيه يا غالية..."
"مافيش... إنت إنسان لا محترم ولا بتحترم حدودك، وأنا بتكلم معاك ليه أصلا ؟"
قامت من مكانها وخدت بعضها وطلعت، ثواني وامي خرجت من المطبخ على صوت الباب.
"فين غالية؟"
"اتقمصت وطلعت..."
"لحقت زعلتها يا وكسة؟"
"والله ما لحقت أعمل حاجة..."
"طب اطلع صالحها... مفيش طبخ ليك من غير ما تنزل بيها وهي بتضحك."
اتوترت وأنا بقول لها:
"ما لو طلعت لوحدي ممكن تزعلني... والله تبيتني على السلم."
"طب اقعد على السلم من دلوقتي."
"إنتِ أمي ولا أمها بجد؟"
"قوم يلا صالح مراتك بلا غم، الأسبوع اللي هتقعده تقعده متخاصمين...
يلا من هنا، أنا عاوزة حتة عيل ولا عيلين بدل ما إنت قاعد مالكش لازمة كده."
"إيه مالكش لازمة دي... عيب على الفكرة."
قولتها وأنا بهزر معها، فسحبتني من كتفي وزقتني ناحية الباب وقفلته في وشي. أعمل إيه بجد؟
لو طلعت ممكن تطردني...
طلعت وخبطت على الباب، مردتش. حطيت المفتاح في الباب، معرفتش! الناصحة حطته من جوه. خبطت كذا مرة ونفس النتيجة. بصيت للباب لثواني.
باب قديم، خشب ودرفتين كمان؟
أعتقد كتف واحد هيفتحه...
وفعلاً اتفتح من كتف واحد. فكروني بقى نغيره، أصل عمره الافتراضي خلص. خرجت من الأوضة على كسرة الباب وهي بتزعق:
"إنت مجنون؟
بتكسر الباب!"
"ناصحة إنتِ يعني لما تحطي المفتاح من جوه، معرفتش أدخل؟"
"مش ناصحة، بس تفهم يعني إني مش عاوزة أدخلك ولا أكلمك ولا أشوفك."
"خلاص يا ستي حقك عليا."
"انزل لأمك يا فارس، أنا مش عاوزة حتى أتكلم معاك."
"إيه يا غالية كل ده عشان بوسة!
يا بنتي والله مراتي مراتي... مدركة الكلمة."
"إنت عيشت في الدور عشان بقيت بتتكلم معاك كويس، إنت مينفعش معاك غير المعاملة القديمة."
"حقك عليا والله... مش هكررها تاني."
سابتني ودخلت الأوضة وقفلت عليها. يا رب دي تتصالح إزاي دي...
===============================
نزلت لأمي، فتحت الباب بزهق وحيرة، مش عارف أعمل إيه، أول ما شافتني نازل وجارر خيبتي ورايا.
"فين مراتك؟"
"مش راضية ترضى... والله ما عملت حاجة تستاهل أصلًا، وكسرت باب الشقة كمان."
"كسرت إيه!"
"مكنتش راضية تفتحلي طيب، وأنا هموت وأنا جعان... أكليني طيب وهطلع أجرب معاها تاني."
"مفيش أكل غير لما تصالح مراتك."
"طب ساعديني طيب."
"أعملك إيه؟"
فكرة شريرة، لو عرفت إنها فكرتي مش بعيد تسيب لي البيت، بس هحاول أصدق إن سري في بير مع أمي.
"تعالي باتي معانا النهاردة... بس كأنك إنتِ اللي اقترحتي الفكرة... صدقيني الحوار ده هيتفادى إننا نتخانق بليل وهطلع الصبح هكون صالحها."
رفعت حواجبها بتفكير، مش عارفه تقرر. أمي مش من النوع اللي بيفرض نفسه ولا بتحب تبات برا بيتها، ودايمًا بتحترم خصوصية اللي حواليها.
"متأكد يعني؟"
"جدا... تعالي دلوقتي نطلع نتغدى فوق، وأنا أعرض عليكي تسهروا معانا، وبعدين إنتِ تقولي لأبويا إنك مش قادرة تنزلي وهتباتي عندي."
"يا حبيبي عيب، إنت جاي من السفر، وكدة كدة آخر الليل هتتصالح إنت ومراتك و..."
صدقوني مفيش "و" اللي هي محروجة تقولها دي، تنهدت وأنا بهزر معها.
"ولا و ولا مش و... كدة كدة هتقلب زي الساعة أول ما أشوف مخدة، أنا صاحبي القهوة والكافيين يا أمي."
"خلاص ماشي، تعالي خد الأكل من المطبخ، وبرضو مش هتاكل غير لما هي تهدى عليك."
================================
معرفش إيه حصل، لقيت كريمة في الشقة بره، خرجت من الأوضة بضيق وأنا شايفاه قاعد محترم البشمهندس، ولا كأنه عمل حاجة.
متعصبة منه بجد، إزاي يعمل حاجة زي كده؟
كأنه مش فارق معاه رد فعلي، وكمان عمال يضحك ويهزر!
وأنا مش عارفة أزعق، مش عارفة أقول كلمة، وكمان كسر الباب!
مفيش عقل. أنا حتى مش عارفة المفروض أعمل معاه إيه، بس أنا مش طيقاه ومش عاوزة أشوفه وعاوزة أقطع كلام معاه.
حطيت الأكل مع كريمة وحبيبة، وأحمد وعمر كمان طلع، والكل اتغدى، وقلت أعمل الشاي وأطلع أم علي اللي عاملاها.
يا رب بطنه توجعه... كنت قاعدة بعيد عنه ومش بكلمه خالص، والكل كان واخد باله إننا متخانقين.
"معلش يا غالية يا بنتي... اعمليلي كوباية شاي."
قالها باباه، فقومت وأنا مبتسمة وقلت:
"من عنيا يا عمو."
الراجل ده حنين بطريقة مش طبيعية، مش بيعامل عياله زي ما بيعاملني. قمت وأخدت صنية الشاي الفاضية ودخلت المطبخ. دقيقة ولقيته واقف على عتبة المطبخ، من غير ما ألف وشي قولت له:
"اطلع بره."
"أبويا قال لي أدخل أطباق الحلو لمراتك وأساعدها."
"سيب اللي في إيدك في أي داهية واطلع بره."
قرب من ناحيتي، فلفيت وشي له بتوتر وأنا بقول:
"إنت قريب كده ليه؟"
"مش قولتي ارميها في أي داهية؟
في داهية وراكي حلوة أوي، رايح أرميها فيها."
اتعصبت منه، وأخدت الصنية وحطيتها في الحوض براحة عشان مينفعش أرزعها على دماغه لان أهله بره. عملت كوباية الشاي، فخدها مني عشان يطلعها.
"أوبس... الكوباية وقعت!"
وقعت الكوباية على الصنية فالشاي اتدلق!
دت قاصد!
"أعمل كوباية غيرها، أنا خارجة."
خرجت فعلًا، وهو علق على الكاتيل وخرج ورايا.
"فين الشاي يا غالية؟"
"فارس دلقها يا عمو، وقال هيعمل غيرها هو."
لبسته مع أبوه، اللي بص له بيأس وقال:
"خلاص يا بنتي... كدة كدة إحنا نازلين، يلا يا كريمة عشان ابنك جاي من سفر، سيبيه يرتاح."
"انزل إنت، أنا بايته النهاردة مع فارس... وحشني وعاوزة أسهر معاه شوية."
نفسي اتقطع، ضربات قلبي زادت، توتر غير طبيعي ورعب! تبات فين؟!
لا... أكيد مش هبات.
"تباتي إيه يا كريمة...
قومي وسيبي العيال على راحتهم."
"قولت مش نازلة...
عاوز تنزل انت أنزل، أنا مش قاعدة على دماغ حد، أنا قاعدة في بيت ابني."
مكنتش مركزة، القعدة قلبت خناقة بين أمه وأبوه، وإخوته وهو بيحاول يهدّيهم.
معرفش أنا بعمل إيه، بس أنا استحالة أقفل باب عليا مع فارس... والله أروح بيت أبويا دلوقتي.
أخيرًا هديت، وعملت لها ليمون تشربه.
"ادخل يا حبيبي ارتاح...
حقك عليا يا بنتي دوشتكم آخر الليل."
"دوشتينا إيه يا أمي...
روقي كده، وبكرة أبويا هيجي يصالحك، من إمتى يعني وهو بيسيبك زعلانة؟"
"ولا يصالح ولا يخاصم...
أنا مش عاوزة أشوفه تاني...
الصبح يطلع علينا وأنا أروح بيت خالي في البلد..."
"صلّي على النبي في قلبك... بيت خالك إيه، ده بيتك يا حجة كريمة. وبعدين إنتِ تعرفي تبعدي عن أبويا قد إيه من ليلة؟
بكرة هتتصلحوا وهترموني أنا وإخواتي على الرف."
مكنتش برد، رغم إن كريمة وجهت ليا كلام، بس أنا في حالة ما تسمحش إني أركز في حاجة، مينفعش!
ده مش اتفقنا، والموضوع حصل غفلة غصب عننا إحنا الاتنين، لازم يتصرف... يروح ينام جنب أمه.
"طب ادخل نام يا فارس، إنت منمتش يا حبيبي من إمبارح. ادخل نام وأنا شوية وههدى وأنام أنا كمان...
يلا يا غالية خدي جوزك وادخلي أوضتك يا بنتي، كفاية تعب أعصاب لغاية كده."
بصيت لها ذهول...
هي الست دي بتقول إيه؟
لا ده أنا اتجنن عليكم!
فارس فعلًا قرب وسحبني من إيدي على الأوضة. أول ما وصلنا على عتبة الأوضة، إيدي كلبشت وجسمي اتثبت مكانه، فبرق وهو بيبصلي وبيشاور على أمه بعينه، وأنا متجمدة مكاني مش بتحرك.
فسحبني جامد، توازني اختلف وكنت هتكفي على وشي!
لكنه لحقني وحط باطن كفه على جبيني ودفعني لقدام فاتزنت، وقفل الباب...
تلقائي رجعت بظهري على الباب وأنا بقول:
"فارس لو سمحت اتصرف واطلع...
استحالة نِبات في أوضة واحدة."
رفع إيده لفوق إشارة إنه مش ناوي على أي حاجة، والهزار بتاع طول اليوم اختفى، ورجعت نبرة فارس العادية اللي أعرفها، وهو بيقول بحذر:
"اهدي... مش هقرب، ولا هعمل حاجة، ولا أستجرأ حتى... خدي نفسك يا ماما، أنا بعيد وهقف بعيد... حتى لو في أوضة واحدة، إنتِ اللي بترسمي المسافات.
بصي أنا أكيد هنام في الأرض، عاوزاني أفضل صاحي طول الليل؟
هصحي متقلقيش، شوفي إيه اللي مريحك وأنا هعمله."
"اطلع بره... افتح الباب واخرج."
قولتها وأنا بدمع، فقرب شوية وهو بيتكلم ونبرته فيها خوف... خوف عليا أنا.
"غالية...
والله ما أقدر أأذيكي في حاجة. غصب عني مقدرش أخرج وإنتِ عارفة... بس ثقي فيا...
أنا عمري لمستك ولا قربت منك من غير ما أستأذنك. عمرك حسيتي مني بأي نية وحشة أو شفتي مني غلط؟"
كلامه بيحاول يطمني، ونبرته فيها رجاء كمان، فقولت:
"الصبح... إنت..."
"كنتِ وحشاني، كانت حاجة عفوية خرجت مني، ووعدتك مش هتتكرر. المسافة اللي بينا إنتِ اللي هتحدديها...
بس مهما قلت، أنا مش هقرب غير بإذنك، وقربي عمره ما يضرك يا غالية."
فضلنا على وضعنا كتير... أنا واقفة ضهري في الباب وهو بعيد نسبيًا عني. بلعت ريقي وأنا بهز راسي وقلت:
"محدش فينا هينام... هنفضل صاحيين. مش هتتحرك من هنا."
شاورت له على حتة في آخر الأوضة وبعدين قولت:
"وأنا هفضل مكاني جنب الباب..."
"موافق... بس ممكن تقعدي على السرير؟ تتعبي من قاعدة الأرض."
هو بجد وافق؟
لا، هو لازم يطلع بره... غصب عني، مضطرة أوافق أنا كمان.
"لا، أنا كويسة مكاني..."
هز راسه، وبعدها سحب مخدة ورماها ليا وهو بيقول:
"حطيها ورا ضهرك عشان ميوجعكيش."
الخامس عشر من هنا