📁 آخر الروايات

رواية نبضات الصخر الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر سلامة

رواية نبضات الصخر الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر سلامة


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
13
كانت الأمور في الشركة تبدو هادئة، لكن تحت الرماد كان هناك بركان يغلي. "مازن" ابن ميرفت، الذي تملكه الحقد بعد سجن والدته وطردها، قرر ألا يقف صامتاً.
كان يعلم أن نقطة ضعف معاذ الوحيدة هي ماضيه مع "سيرين"، وعلم بذكائه الشيطاني أن سيرين عادت إلى البلاد سراً بعد أن أنفقت جزءاً كبيراً من أموالها في الخارج.
تواصل مازن معها، وأقنعها بخطة خبيثة للانتقام من نايا واستعادة معاذ، مستغلاً عاطفته القديمة.
في صباح أحد الأيام، دخل معاذ مكتبه ليفاجأ بوجود سيرين تجلس على مقعد المقابل لمكتبه، وتبكي بحرقة مصطنعة، وترتدي ملابس بسيطة لتبدو ضحية. تجمد معاذ في مكانه، واشتعلت عيناه بالغضب: "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا سيرين؟ وبأي عين جاية تظهري في حياتي تاني بعد ما بعتيني بالرخيص وخنتيني عشان الفلوس؟"
ارتمت سيرين على ركبتيها أمامه، وأمسكت بيده وهي تبكي بنحيب مرير وتتحدث بصوت متهدج: "ظلمتني يا معاذ! والله العظيم أنا عمري ما خنتك ولا حبيت غيرك! نايا هانم مرأتك هي اللي عملت كل ده.. هي اللي هددتني بسجن عيلتي وتدمير حياتي لو ما سبتكش ورميت الدبلة في وشك وقبلت الفلوس عشان تبان قدامك إنها خاينة! أنا عملت كدة عشان أحميك أنت يا معاذ.. عشان خفت يسجنوك أو يؤذوك في شغلك.. نايا هددتني بالعقد والإقرار وقالت لي لو نطقتي بكلمة هسجنك.. أنا بحبك أوي وعشت برة بموت كل يوم من غيرك!"
سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس معاذ.
تلاشت الصحفي من عقله وحل محلها ذهول أعمى أعاد إليه ذكريات جرحه القديم.
نظر إلى دموع سيرين الصادقة في نظره، وتذكر قسوة نايا في بداية تعارفهما وكيف عرضت عليه الزواج ببرود.
تملك منه الغضب الأعمى، وأعماه الكبرياء والوجع عن التفكير في حب نايا الحديث وتغيرها.
ترك سيرين في المكتب، وتحرك بخطوات عاصفة وعينين يملأهما الشرر والدم الحار نحو جناح نايا في الشركة.
اقتحم معاذ مكتب نايا بقوة كادت تقتلع الباب من مفصلاته. كانت نايا تجلس ممسكة ببطنها البارزة في شهرها السابع وتراجع بعض الأوراق بابتسامة دافئة، لكن ابتسامتها تلاشت تماماً عندما رأت وجه معاذ المشوه بالغضب والغل الأعمى.
وقف أمام مكتبها، وضغط بقبضتيه على الخشب وصاح بصوت زلزل أركان الغرفة: "كنتِ فاكراني مغفل يا نايا هانم؟ كنتِ فاكرة إنك لما لبستي قناع الحب والحنان والضعف هنسى أنتِ مين وعلى حقيقتك إيه؟ طلعتي أوسخ من ميرفت بمليون مرة!
وقفت نايا بصدمة ورعب، وأمسكت ببطنها تشعر بوخز حاد وتحدثت بصوت يرتجف: "معاذ! أنت بتقول إيه؟ وفيه إيه مغيرك كدة وبتكلمني بالطريقة دي ليه؟"
ضحك بسخرية ووجع أعمى، وتحدث بكلام الجارحة التي نزلت على قلبها كالسكاكين: "سيرين عادت يا نايا هانم.. وعرفت الحقيقة كاملة! عرفت كيف هددتِها بالسجن وتدمير حياتها، وكيف أجبرتِها على تمثيل دور الخائنة لتكسري قلبي وتجبريني على الزواج منكِ لإنقاذ رحمكِ المريض! أنتِ امرأة أنانية، وقحة، وتملكين قلباً من حجر! تظاهرتِ بالحب لتسلبيني كبريائي، لكنكِ في الحقيقة مجرد سارقة سرقتِ مني الإنسانة الوحيدة التي أحبتني بصدق! أنا أكرهكِ يا نايا.. وأكره اليوم الذي وضعت فيه يدي في يدكِ!"
تراجعت نايا للخلف بصدمة شلت أطرافها. انهمرت دموعها بغزارة، وشعرت بطعنة قاتلة في صدرها من الرجل الذي وهبته روحها وحبها، الرجل الذي ظنت أنه درعها ووطنها.
لم تدافع عن نفسها؛ فصدمتها في عدم ثقته بها وتصديقه لخطيبته السابقة دون تفكير كانت أكبر من أي كلام.
ضغطت على بطنها بألم شديد، وسقطت على مقعدها بصمت ميت وهي تنظر إليه بعينين مكسورتين للأبد.
استدار معاذ وخرج وعاصفة الغضب تعمي عينيه، تاركاً إياها تنزف قهراً وألماً وسط مكتبها الفخم.
بعد خروجه بدقائق، دخل "مازن" مكتب معاذ وهو يبتسم بخبث، ومعه سيرين التي كانت تضحك بجشع.
لم يكونوا يعلمون أن معاذ كان قد دخل لغرفة الأرشيف المجاورة ليحضر ملفاً قديماً، فسمع صوتهما في الممر الضيق بالخارج يتحدثان قالت سيرين بضحكة خليعة: "شفت الواد معاذ صدق إزاي يا مازن؟ الغبي صدق إني سبته عشان أحميه! والبت نايا زمانها بتموت من القهر دلوقتي.. يلا بقى فين باقي الفلوس اللي اتفقت معايا عليها أنت وأمك ميرفت من السجن؟"
رد مازن بخبث: "الفلوس في حسابك يا سيرين.. برافو عليكي، كدة الجنين اللي في بطن نايا هينزل من الزعل والقهر، ومعاذ هيطلقها والميراث هيرجع ليا.. والشركة هتنظف منهم!"
تجمد الدم في عروق معاذ خلف الجدار.
انقشعت الغمامة عن عينيه في ثانية واحدة، وأدرك حجم الخديعة والمؤامرة الرخيصة التي وقع فيها.
أدرك لحظة القاتلة أنه طعن زوجته وحبيبته وأم طفله في مقتل، وأنه صدق أفاعي الماضي ودمر بيده بساط الأمان الذي بناه مع نايا.
خرج معاذ كالمجرم المحكوم عليه بالإعدام، والتفت إلى مازن وسيرين وعيناه تشعان بموت حقيقي.
لم يتحدث؛ بل كال لكمة قوية لمازن طرحته أرضاً يتدفق دماً من وجهه، وأمسك سيرين من شعرها ورماها نحو حرس الأمن قائلاً بصوت مرعب: "خدوا الأوساخ دول على القسم.. بلاغ رسمي بتهمة الابتزاز وإشعال الفتنة والاتفاق مع مسجونة!"
ركض معاذ بسرعة جنونية نحو مكتب نايا، وقلبه يكاد يتوقف من الرعب والندم الشديد. فتح الباب وهو يلهث : "نايا! نايا أنا أسف.. أنا غبي.. أنا.."لكنه تجمد في مكانه.
المكتب كان فارغاً تماماً. حقيبتها وهاتفها غير موجودين. ركض نحو السكرتيرة وصاح بجنون: "نايا فين يا ريهام؟!"
ردت السكرتيرة بخوف: "نايا هانم خرجت وهي بتعيط ووشها أصفر زي الأموات يا فندم.. وركبت عربيتها ومشت بسرعة جنونية ومرديتش تخلي السواق يسوق بيها!"شعر معاذ بروحه تسحب منه.
ركب سيارته وقاد بسرعة جنونية نحو القصر الفاخر. دخل القصر وصرخ: "نايا!" لكن الخادمات أخبروه أنها لم تأتِ إلى هنا أصلاً. اتصل بهاتفها ليجده مغلقاً. ركض نحو سيارته وتوجه فوراً إلى "بيت والدتها القديم في المعادي"؛ المكان الوحيد الذي تذهب إليه عندما تنفطر روحها.وصل إلى بيت المعادي بسرعة البرق.
فتح الباب بمفتاحه ودخل وهو يصرخ بدموع الندم والانكسار : "نايا! أرجوكي ردي عليا! أنا عرفت الحقيقة.. أنا أسف وحقك على راسي! اضربيني بس اطلعي عشان خاطري وخاطر ابننا!"
فتش معاذ في كل الغرف؛ الصالون المخملي، غرفة النوم، الحديقة.. لكن البيت كان هادئاً، بارداً، وخالياً تماماً من أي أثر لها.
سقط معاذ على ركبتيه في وسط الصالون، ودَفن وجهه بين كفيه وبكى بحرقة وندم لم يختبرهما رجل من قبل، وأدرك للحظة الحزينة أن الملكة قد اختفت، وأن طعنته الغادرة قد دفعت نايا للهروب بعيداً مع طفلها، تاركة إياه يواجه عذاب الفراق وظلام الندم وحده في وسط ليلة خريفية باردة.


الرابع عشر من هنا
تعليقات