رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثاني عشر 12 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة... الفصل الثاني عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أصبحت الخطايا عبء لا يحتمل، يكاد يختنق تحت أطلال تلك الذنوب التي تصفعه بلعنات الزمن، وبقى السؤال يطعن في قلبه؛ هل هناك أمل بأن أغير كل شيء مضى؟
لم أكن أريد أن ألوث تلك البريئة بلمستي المخذلة، أن أعكر صفو براءتها وأدنس عفتها بلمسات يدي.
اه مني... اه منك أيها الفارس، فأنت لم تكن سوى خطيئة مدنسة.
لاحظت روني نظرات فارس التي تحولت إلى اليأس، يبدو أن ما توقعته حقيقي... فارس وقع بحب طبيبته، لم يصدق عدنان حديثها هذا بالأمس، ففارس ليس لديه قلب يعترف بما يسمى حب، ولكن الآن تأكدت بعد أن تعمدت أن تخبره بالحقيقة.
قاطع شروده دخول نيرة، فقالت بابتسامة: صباح الخير يا روحي. عامل إيه النهاردة.
لم يتحدث، لم يلتفت إليها، هو بعالم آخر الآن.
نظرت نيرة إلى روني وهي تعقد حاجبيها، فأومأت لها بأن تنتظر.
كانت تحمل بعض الأوراق التي تحتاج إلى التوقيع، وعندما رأت حالة فارس فكرت بأن تستغل شروده، فوضعت التوكيل بين الأوراق، ثم تحمحمت قليلًا وقالت: حبيبي شكلك تعبان، لو حابب نسيبك شوية.
أومأ لها بالإيجاب وهو يزفر بضيق، فوضعت الملف أمامه وقالت: بس إمضي على الورق ده عشان لازم يرجع الشركة النهاردة وعايزة ألحق ارجع.
فتح كف يده أمامها لتعطيه القلم، فوضعت القلم وهي تواري ابتسامتها من أمامه، ثم فتحت الملف وبدأ بتوقيع الأوراق وعقله لا يفكر سوى بيارا، ونيرة تتابع وقلبها يقفز داخل صدرها بسعادة، قد انتهت المهمة وسوف تنهي هذه الخطبة وتتزوج من يونس، وتنتهي مشاكلهم المادية للأبد.
بقي ورقة واحدة فاصلة عن التوكيل، وقبل أن يوقعها فارس دخلت يارا وقالت: فارس نسيت أسألك، هو إنت سلمت العينة لدكتور منير إمبارح؟
نظر لها فارس وحين رأها تنظر إليه أشاح بوجهه من أمامها بخجل.
"عذرًا بريئتي... لست أنا من يستحق حتى النظر إلى وجهك، ولا أعرف كيف تتحملين رؤيتي وتداوي ألمي، وأنا من تسببت بجرحكِ يومًا ما.
الآن بت أعرف لماذا ترفضين القرب مني أكثر."
أغمض عينيه وكأنه يحاول أن يمنع تلك الكلمات حتى لا يتفوه بها أمامها، وحين لاحظت هيئته اندفعت نحوه بقلق وخطت نيرة التي تقف بجواره إلى الخلف وأخذت يارا مكانها، وقالت: مالك يا فارس، فيه ألم في دماغك أو حاجة؟
نظرت لها نيرة بغضب، أما هو فلم يجيب وظل كما هو يطبق جفنيه بقوة، فوضعت كفها على جبهته وحين شعر بلمستها التفت إليها لتقع عينيه على نظرتها الممتلئة بالقلق، تتفقد ملامحه باهتمام وكأنها تفحصه بعينيها، كاد يتحدث ولكن نظر إلى روني وقال: اطلعي إنتي ونيرة برا دلوقتي.
أومأت له روني أما نيرة فزاد غضبها وسحبت ملف الأوراق من أمامه بضيق وغادرت الغرفة، ثم لحقت بها روني.
عاد فارس النظر إلى يارا وقال بألم: أنا مستاهلش يا يارا، مستاهلش حتى أبص في وشك، إبعدي عني عشان ملوثكيش.
أمسك ذراعها وأبعد يدها عنه، فقالت يارا: متقولش على نفسك كده، قولي حصل إيه؟ أنا سبتك بس ربع ساعة، إنت كنت كويس من شوية، عرفت حاجة جديدة طيب؟
فارس: حاجة مكنش لازم تحصل.
قبض على يدها وقال بألم: إنتي إزاي قادرة تبصي في وشي؟ إنتي استحالة تكوني سامحتيني على اللي عملته... أنا مكنتش أعرف إني حقير كده.
نظرت له يارا بتعجب وقالت: إنت إفتكرت؟!
فارس: لأ، روني اللي قالتلي. تخيلي إن السكرتيرة عارفة إني بالقذارة ديه! هي الناس كانت طيقاني عادي كده!
يارا: النفس اللوامة حلوة، بس لو سبت نفسك للشعور ده مش هتعرف تخرج ولا تقف على رجلك، باب التوبة مفتوح وخطواتها معروفة، لكن اللي بتعمله ده مش صح.
فارس بحدة: إنتي بتعالجيني! بجد قادرة تعملي كده؟ أنا أذيتك.
يارا: وأنا سامحت فارس اللي قدامي ده، اللي بقى خايف يغلط وبيحسب كل خطوة وكل كلمة قبل ما يقولها، اللي بقى عنده مبادئ متمسك بيها وعايز ينفذها حتى لو على حساب نفسه،
فارس بحزن: واللي هيبعد عنك عشان ميأذكيش أكتر من كده.
يارا: عايز تبعد أكتر من كده يا فارس، مش كفاية إنك خلاص هتتجوز، هتبعد أكتر من كده إيه؟
فارس: أنا عايز أبعد عشان أكيد كل لما بتشوفيني بتفتكري اللي عملته معاكي.
يارا: لأ مش فكراه، يمكن لما شفتك أول مرة لكن بعد ما أتكلمنا حسيت إنك واحد تاني أول مرة أتعرف عليه، نفس الهيئة لكن من جواك حد نضيف، بدليل إني.... إن مشاعري أتغيرت... يعني مبقتش أكرهك.
نظر فارس إلى ملامحها الخجولة وقال: بس خايفة تبقي جنبي، صح؟
يارا: صدقني مش ده السبب خالص، أنا عندي أسباب تانية، وأولهم نيرة لأن عمرها ما هترضى إني أبقى معاك طول الوقت.
فارس: قولتلك إنتي وافقي وأنا لو أطول أغير العالم كله عشان تبقي جنبي هعمل كده.
صمتت وتركت عينيها تتحدث عنها، تخبره كم تود أن تظل بجواره، كم ترغب بأن يكون لها هي فقط، وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة تعبر عن مشاعرها نحوه قالت لنفسها: متقعيش يا يارا.... متقعيش.
ابتعدت عنه قليلًا ونظرت بعيدًا عن عينيه، لاحظ ترددها وخوفها، وتأكد أنها تخفي مشاعرها نحوه، ثم قالت بخجل: لازم أروح لدكتور منير.
غادرت الغرفة ووجدت نيرة ترمقها بنظرات غاضبة، تكاد تلعنها بنظراتها، فأخفضت عينيها وتحركت سريعًا، وقع نظر نيرة على فارس الذي يجلس أمامها داخل الغرفة، فنظرت له بضيق وغادرت المشفى وهي تتوعد بداخلها أن تبعد يارا عنه مهما بأي طريقة كانت، كل هذا تحت نظرات روني التي تراقب بصمت.
لاحظ سعد ما يحدث فدخل الغرفة وأغلق الباب، نظر إلى فارس الذي تقدم بالعمر في عدة ساعات، فقال بقلق: حصل حاجة يا باشا ولا إيه؟
فارس: أنا مبقتش عارف أعمل إيه، أصلح القديم ولا أفكر في الجديد، أنا تايه وتعبان أوي، حاسس إني شيل جبل على كتفي، جبل هيقطم ضهري من تقله.
ربت سعد على كتفه وقال: بقولك إيه، ما تيجي نصلي سوا.
نظر له فارس بدهشة وقال: أصلي!
سعد: اه، قوم أتوضى ونصلي سوا، ربنا هو اللي قادر يشيل الوجع اللي في القلوب عشان هو أكتر واحد قادر يحس بوجعك، ما تيجي نرجعله يمكن قلوبنا ترتاح.
شرد فارس قليلًا ثم قال: طيب تعالى ساعدني أروح أتوضى.
بعد وقت كانا يصليان معًا، وقف سعد إمامًا وصلى فارس وهو جالس بالفراش.
دخلت روني الغرفة ونظرت لهما بصدمة، فارس السيوفي يصلي!
خرجت من الغرفة وأغلق الباب وهي تنظر أمامها بعين مشدوهة، ثم ابتعدت قليلًا واتصلت بعدنان وقالت بهمس: أيوه يا باشا، الوضع غريب جدًا، فارس بقى حد تاني خالص، زي ما قولتلك اتبدل، مش ده فارس اللي أعرفه، الأول كانت بصته بترعب، كان بيبص لأي ست على إنها سلعة وبيقيم ينفع يشتريها ولا لأ، لكن فارس ده بيحب، طلع كلامي صح هو بيحب يارا، بس مش ديه المشكلة، فارس بيتوب عن كل حاجة، يعني من الآخر انسى إن فارس يرجع يعمل مخدرات، أملك الوحيد في البضاعة اللي كان عملها قبل كده، ولو بعتها لخبير ممكن يعرف سر التركيبة.
عدنان بغضب: صعب، لازم المعادلة عشان بكميات معينة، وبعدين بقى في العك ده، الناس برا مش ساكتة وأنا دفعت فلوس كتير أوي تمن البضاعة وبدفع تمنها تاني دلوقتي عشان أسكت الناس ديه، لازم تدورو على مكانها وسر التركيبة.
روني: هانت، فارس كلها كام يوم ويخرج، وساعتها أنا هبقى جنبه في كل مكان وأقدر أفتش براحتي.
___________
أنهى صلاته، وأغمض عينيه يستشعر تلك القوة الروحانية التي تخللت صدره، عودة الروح إلى الجسد لينبض بالحياة مرة أخرى، نظر له سعد وقال: شكلك ارتحت يا باشا.
فارس: جدًا، ياريتك قولتلي صلي من زمان.
سعد: مالك بقى؟
فارس: قلبي مش مرتاح.
سعد: ليه عايز تتجوز نيرة وإنت مش بتحبها؟
فارس: حاسس إني مش بعرف أحب، حتى اللي حسيته تجاه يارا مكنش حب زي ما الناس بتحب، أنا بس مش مرتاح من غيرها.
سعد: طيب ما ده الحب، إنك متقدرش تستغنى عن حد، إعذرني بس شايف إن جوازك من نيرة مش صح.
فارس: بس المفروض إن إحنا كنا بنحب بعض، مش قادر اتخلى عنها بعد ما استنتني كل ده.
سعد: ومش صح تتجوز شفقة.
نظر له فارس بعد أن استوعب تلك الكلمة، نعم هو سيتزوجها فقط لأنه يشفق عليها.
____________
مر أسبوع، نيفين تتجنب التحدث مع مؤمن، وبعد أن كانت تنتظر رؤيته والتحدث معه كل ليلة حتى ولو ببضع كلمات بسيطة أصبحت تغلق غرفتها على نفسها، فقط تضع الطعام على الطاولة في موعد عودته ولا تخرج من غرفتها.
ومؤمن لا ينكر بداخله أنه اشتاق إليها، وبدأ اللوم من ذلك القلب على ما فعله وقاله لها.
أما يارا، فكانت تتعلق بفارس أكثر ومازالت تمنع قلبها عنه، تضع ألف حد بينهما، وهو لايزال متخبط بين ضمير استيقظ بعد أعوام وقلب ينبض بالعشق لأول مرة، وبين القلب والضمير؛ عين العاشق التي تفضح أمره أمامها وتعترف بأنه يغرق بحبها كل يوم أكثر من ذي قبل.
نيرة تحاول جاهدة أن تحاوط يونس بعشقها، حتى أنه لاحظ تغير معاملتها له التي تغيرت إلى الأحسن، كانت السعادة ترتسم داخل قلبه، لم يكن يعلم أنها تفعل ذلك لتريح ضميرها الذي يؤلمها من خيانتها له.
وكمال الذي علم بأن فرصة نيرة في الإيقاع بفارس وجعله يوقع التوكيل قد فشلت بسبب يارا زادت من حقده عليها، وما زاد غضبه هو بحث نيرة وناهد داخل الفيلا ليعثرا على مكان المعمل ولكن فشلا.
روني لاتزال تتفاجأ بتصرفات فارس وخاصة بعد أن علمت بشأن تبرعه لمنال.
وجاء اليوم المنتظر ليخرج فارس من المشفى، كان يتحسن تدريجيًا ولكن لم يظهر ذلك، حتى دخلت يارا الغرفة في موعد جلستها معادتها، فتفاجأت بفارس الذي يقف أمامها بشموخ، يرتدي حلة أنيقة أظهرت جسده الذي عاد إلى سابق عهده، وحين شعر بها تدخل الغرفة التفت إليها لينظر إليها بابتسامته الساحرة التي جعلت نبض قلبها يعلو حتى اخترق أذنها، ثم تحولت نظراتها إلى السعادة وقالت: خفيت خلاص!
واختفت ابتسامتها تدريجيًا ونظرت بشرود وقالت: هتمشي.
اقترب منها فارس ليظهر فارق الطول بينهما رفعت عينيها ونظرت إليه وقال: مش معنى إني همشي إني مش هشوفك تاني، إنتي قولتيلي لو عوزت مني أي حاجة تعالى في أي وقت وأي مكان، فا متقلقيش هتلاقيني بجيلك في كل حتة لحد ما تحني وتوافقي على عرضي.
وأول مشوار هروح لحبيبتي وكنت مستنيكي عشان نروح سوا.
قلبت عينيها بملل وقالت بضيق: وهي مجاتش تستقبلك وإنت خارج من المستشفى ليه؟
ابتسم فارس وقال: أنا قصدي على مامتك... حبيبتي، عايز أروح أخليها تشوفني بقى كده مش وأنا قاعد على كرسي بعجل، مش يمكن متقدرش تقاوم وتوافق تحبني.
نظر لها بحب فلاحظت يارا نظراته وعلمت أنه يلمح إليها هي فقالت: وهي لو حبتك مش هتحبك عشان شكلك، هتحبك عشان قلبك اللي بقى أصفى من اللبن.
فارس: ما هي عمالة ترفضني أهو، هي هتشوفني هتقع، مش أنا شكلي يوقع أي واحدة؟
يارا: البنات التافهة بس.
فارس: وأنا حظي مش مستني بنت منهم لكن مستني واحدة تانية، بتقسى عليا وبتبعد، مع إن بإشارة منها هغير كل حاجة.
يارا: لما تطمن.
قاطع حديثهما دخول نيرة الغرفة وقالت بسعادة: أخيرًا يا حبيبي هتخرج.
دفعت يارا بكتفها من أمامه وأمسكت بذراع فارس ونظرت إليها بتحدي.
تنهد فارس بضيق من تصرفاتها مؤخرًا، ثم قال: يا سعد.
دخل سعد الغرفة وقال: خلاص يا باشا كله تمام، يلا نرجع البيت.
أومأ له فارس ثم تحرك ونيرة لاتزال تمسك بذراعه، وجد جلال وكمال يقتربان منه وينظران إليه بسعادة مزيفة، ثم تقدم ونيرة بجواره، وذهبو خلفه جميعًا أما يارا فتحركت خلفهم.
وصلو إلى باب المشفى، ليتفاجأ فارس باقتراب الصحفيين منه، وبدأت الأسئلة والاستفسار عن الحادث، وعن وضعه الحالي، ووقف فارس وقال: الصراحة أن لسه مش عارف تفاصيل الحادث، بس أكيد الشرطة هتعرف وأنا واثق فيهم.
فقال صحفي: أول مرة نشوف جنب حضرتك أنسة ومقربة منك كده.
فارس: ديه خطيبتي.
زادت الأضواء من حولهما يلتقطون صورًا لهما معًا وسط كم هائل من الأسئلة عن موعد الزواج القادم، أما نيرة فتجمدت مكانها، تنظر إليه بصدمة ورأت كم الكاميرات التي توجهت نحوهما، وهذا ما دق إنذار بداية النهاية بداخلها، فمن المؤكد أن يونس سيعلم وتنفضح كذبتها أمامه، وتأكدت.... أن يونس قد يرحل ويتركها.
ظلت متجمدة محلها وتوقف الزمن عندها حتى لاحظ فارس نظرتها وبدأ يتحدث معها وهي لا تسمع شيء.
ابتسم جلال ونظر إلى كمال وقال: نقدر نقول... باي باي يونس.
نظر له كمال بسعادة بعد أن تفاجأ أن جلال هو من خطط لكل شيء.
على عكس تلك النظرة التي ارتسمت على وجه يارا حين أعلن الخطوبة أمام الجميع.
أما بالجهة الأخرى؛ هناك من اسودت عيناه عندما سمع ما تفوه به فارس الذي يعلن طبيعة علاقته مع خطيبته وحبيبة طفولته، وعلى مسافة ليست ببعيدة تقف سماح وتراقب ما حدث بسعادة، وعلمت أن هذه فرصتها.
يتبع...