رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الثاني عشر 12 بقلم لبني دراز
بعضُ الأقدار لا تأتي صارخةً منذ البداية، بل تطرق الأبواب همسًا، وتترك في القلوب رجفةً لا يفهمها أحد....
فهناك من ينتظر عودة غائبٍ أضاعه الزمن، وهناك من يبكي حاضرًا خُطف منه قبل أن يكتمل الفرح، وهناك من يكتشف متأخرًا أن أقسى المعارك ليست تلك التي نخوضها مع الناس، بل التي نخوضها مع أنفسنا.
وبين وجع الفقد وأمل اللقاء، يمضي الإنسان متشبثًا بخيطٍ رفيع من الرجاء، مؤمنًا أن الله لا يزرع الشوق في القلوب عبثًا، ولا يؤخر الفرج إلا لحكمةٍ يعلمها وحده.
برد الرحيل بقلمي
_______لبنى دراز
طنطا_ بيت غريب الفرماوي
أوضة الحاج غريب
الحاج غريب أول ما سمع كلام إبراهيم وحسين عن تقى، حس قلبه خبط خبطة قوية رجّت جسمه كله وبص قدامه بشرود طويل كأنه بيحاول يلم ملامح الغايب اللي عمره ما غاب عن قلبه، قام من مكانه ببطء وهو بيتسند ع عصايته خرج من المندرة رايح ناحية أوضته بخطوات تقيلة، سميرة بصت له بقلق ومشت وراه هي كمان بعصايتها والاتنين جواهم أمل صغير بيكبر وإحساس ان ابنهم هيرجع قريب وفـ نفس الوقت نفسهم يشوفوا البنت اللي سمعوا عنها.
دخل غريب أوضته وقرب من السرير بخطوات بطيئة قعد عليه بتعب وحط العصاية قدامه وسند عليها بإيديه الاتنين وحط راسه عليها باصص للأرض ودموعه نزلت فـ صمت رغم محاولته انه يخبيها.
سميرة قربت منه ببطء وقعدت جنبه وبصت له بعيون مليانة حنين ووجع وبنبرة مهزوزة من كتر الاشتياق:
معقول يا حاج اللي قالوه ابراهيم وحسين ده؟
غريب فضل ساكت ثواني وطلع تنهيدة طويلة موجوعة وصوته خرج واطي ومُرهق:
مش عارف يا حاجّة بس قلبي بيقولي ان الغايب راجع قريب وقريب أوي كمان.
سميرة رفعت له عينيها بسرعة وملامح وشها كلها دهشة ممزوجة بأمل وبصوت مهزوز:
طول السنين اللي فاتت يا حاج كنت بتقول امتى الغايب يرجع، دي اول مرة تقول ان الغايب راجع قريب.
غريب رفع راسه ببطء وبص لها وعينه فيها لمعة حنين عمرها ما انطفت وهز راسه بأمل:
قلبي قال لي يا ام ابراهيم انه راجع خلاص، وكلام الولاد النهاردة هو البشارة.
سميرة قامت من جنبه ببطء ولفّت للناحية التانية من السرير وهي ماسكة طرف الجلابية بإيد مرتعشة، وبنبرة كلها شوق:
يا ترى شكلها ايه البنت دي يا حاج؟ قلبي مشتاق يشوفها من كتر ما اتكلموا عنها النهاردة.
غريب اتعدل فـ قعدته شوية عشان يمدد جسمه ع السرير، لكن عينه فضلت متعلقة بـ سميرة، وبصوت دافي رغم الوجع:
وانا كمان يا حاجّة مشتاق أشوفها أوى، رغم ان حسين أكد انها بنت صاحب البيت اللي هو فيه، بس قلبي بيقول في حاجة غلط، لكن مش عارف إيه هي.
خلّص كلامه ولف ع جنبه اليمين، وربع إيديه فوق صدره، لكن النوم ما عرفش طريق لـ عينيه فضل طول الليل فاتح عينه فـ الضلمة وعقله وقلبه تايهين بين ملامح تقى وكلام ابنه وابن أخوه، وكل شوية يتنهد كأن روحه بتجري ورا أمل خايف يصدقه.
سميرة فضلت هي كمان صاحية تبص له بين كل دقيقة والتانية، ودموعها نازلة فـ صمت وهي بتدعي ربنا يرجّع الغايب قبل ما العمر ينتهي، ولما أذن الفجر قامت صلت، وبعدها غلبها النوم شوية، بعد كام ساعة صحيت مفزوعة واتعدلت بسرعة وهي بتبص لـ غريب عشان تصحيه يصلي الضحى، مدت إيدها تهزه بخفة:
يا حاج.. يا غريب.. قوم.
لكن مافيش رد، قربت منه أكتر، وملامحها بدأت ترتجف، وهزته بإيديها الضعيفة أكتر من مرة:
رد عليا يا حاج.. انت ما بتردش ليه؟ أصحى يا غريب.
وبرضو مافيش أي حركة، وفجأة شهقتها خرجت مرعوبة وصرخت بصوت هز البيت كله: غررررررييييب، ابرااااااهييييم، الحقوووونيييييي.
دقايق قليلة وكل اللي فـ البيت نزلوا يجروا ع صوت صريخها بخطوات متلخبطة ووشوش شاحبة من الخضة والخوف مالي قلوبهم قبل حتى ما يعرفوا ايه اللي حصل، فـ لحظة البيت كله اتقلب قدام الأوضة.
__________________________
بيت كريم
رجع كريم من إسكندرية كأنه شخص تاني خالص، صحيح الوجع لسة جواه والقهر ساكن قلبه لكن وجود تقى جنبه فـ أصعب يوم مر عليه خفف عنه كتير وكأنها شالت معاه حمل تقيل كان شايله لوحده، لأول مرة من فترة طويلة يحس إنه قادر يتنفس وإن قلبه بيدق براحة شوية، أول ما وصل البيت وفتح باب الشقة لمح بهيرة نايمة ع الكنبة وشافها قاعدة تانية رجليها تحتها وساندة دراعها ع ضهر الكنبة وحاطة راسها عليه وآثار التعب والسهر واضحة ع وشها، وقف مكانه لحظة يبص لها وقلبه وجعه لما لقاها نايمة بالشكل ده وهي مستنياه، قرب منها بخطوات هادية عشان ما يصحيهاش فجأة وقعد جنبها وهو بيبص لـ ملامحها الشقيانة، وهمس بصوت واطي كله حنية وقلق:
ايه اللي منيّمك هنا يا حبيبتي؟ ما دخلتيش ليه تنامي فـ أوضتك؟
بهيرة فتحت عينيها بالعافية، وأول ما شافته قدامها اطمنت وكأن هم كبير انزاح من ع قلبها اتعدلت شوية فـ قعدتها وبصت له بعيون مرهقة من الدموع:
قلقت عليك يا ضنايا، وما جاليش نوم وفضلت واقفة فـ البلكونة استناك لحد ما رجلي وجعتني ودخلت أريحها شوية بس يظهر كدا عيني غفلت وانا قاعدة.
كريم ابتسم ابتسامة هادية رغم الوجع اللي مخبيه جواه، ومد إيده مسك كفها بحب وانحنى باس إيدها باحترام وبنبرة اعتذار:
سامحيني يا أمي قلقتك وتعبتك معايا، بس غصب عني كنت محتاج اقعد مع نفسي شوية.
بهيرة رفعت إيده اللي كان ماسك بيها إيديها، ضغطت عليها بحنان وباستها، ودموع خفيفة لمعت فـ عينيها وهي بتبص له:
مسامحاك يا نور عيني وقلبي دايما راضي عنك وبيدعيلك، ربنا يديك خير ع قد التعب اللي تعبته معانا ويراضيك يا ضنايا ويجبر كسر قلبك ويديك فرح وسعادة ع قد الوجع اللي اتوجعته فـ حياتك.
كريم غمض عينيه لحظة طويلة واتنهد تنهيدة مليانة راحة، وبعدها فتح عينيه وبص لها بنظرة كلها رضا وحب:
ياااااه يا أمي، يكفيني بس رضاكي عني، أهي الدعوة دي عندي بالدنيا وما فيها، ربنا يبارك لي فيكي وفـ اخواتي وما يحرمني منكم ابدا يارب.
بهيرة لمحت الراحة اللي ظهرت ع وشه لأول مرة من وقت طويل، فابتسمت ابتسامة مكر وهي بترفع حاجبها بمشاغبة:
طب وتقى؟ ما لهاش نصيب يعني من دعوتك الحلوة دي؟
كريم شرد لحظة أول ما سمع اسمها وافتكر اللحظات اللي قضوها سوا ع البحر، كلامها معاه ووقفتها جنبه والطريقة اللي هونت بيها عليه وجعه، ابتسامة صغيرة طلعت غصب عنه، ونبرة صوته خرجت أهدى وأدفى:
أكيد ليها يا أمي نصيب بس خليه مستخبي دلوقتي، لحد ما اطمن ع كارما وكارم الأول يا حبيبتي، وبعدين ابقى افكر فـ نفسي.
هزت بهيرة راسها بهدوء وهي بتراقب ملامحه اللي فضحته أكتر من كلامه:
ما تخبيش اللي جواك يا ابني، وان كان ع اخواتك ما تقلقش عليهم، اللي خلقهم أكيد مش هينساهم، المهم انها ما تقسّيش قلبك من ناحيتهم.
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة وهو بيهز راسه:
ما تقلقيش يا حبيبتي ده هيكون شرطي الوحيد لأي واحدة هتدخل حياتي سواء كانت تقى او غيرها، لازم تبقى عارفة وفاهمة انكم بالنسبالي خط أحمر ومش مسموح لها تعديه.
بهيرة اتنهدت بهدوء، ومدت إيدها تطبطب ع دراعه وهي بتتكلم بحكمة أم شافت كتير فـ حياتها:
لا يا حبيبي، بلاش تعمل خطوط بين مراتك واخواتك فـ يوم من الايام عشان ما تبقاش بتتعامل معاهم بخوف، قربها منهم وخلي حبهم لبعض نابع من حبهم ليك، فاهمني يا كريم؟
كريم بص لها بتركيز واستوعب كلامها كويس، وبعدها مال وباس إيدها مرة تانية وهو بيرد بهدوء:
فاهم يا أمي.
بعدها انحنى وباس راسها بحب، فرفعت إيدها وطبطبت ع خده بحنان قبل ما يسيبها ويتحرك ناحية أوضته، دخل الأوضة وقف شوية فـ نصها وبعدين رمى نفسه ع السرير من شدة الإرهاق، فرد جسمه وحط دراعه تحت راسه وهو باصص للسقف، ورغم كل اللي مر بيه خلال اليوم مافيش قدام عينيه غير صورة تقى وهي واقفة فـ القسم قصاد نوح لحد ما راح فـ النوم، أما بهيرة فضلت قاعدة مكانها برة الأوضة تبص ناحية الباب اللي دخل منه ابنها ابتسامة صغيرة ظهرت ع وشها وهي شايفة الراحة رجعت لملامحه ولو شوية صغيرة، رفعت إيديها بالدعاء وقلبها كله رجاء أن ربنا يكتب له راحة البال اللي يستحقها، وتكون تقى هي النصيب الحلو اللي يعوضه عن كل وجع شافه فـ حياته.
_______________________
بيت تقى
رجعت تقى من اسكندرية وجواها إحساس غريب ناحية كريم، وصلت معاه عند البيت وطلعت السلم جري دخلت شقتها بهدوء ومشيت لحد الأوضة اللي بتنام فيها حنان لقيتها نايمة وشافت شنطتها متحضرة عشان هترجع القاهرة، قربت منها باستها فـ خدها وطلعت راحت اوضتها غيرت هدومها وقعدت ع سريرها شردت فـ اللي حصل بينها وبينه وفجأة افتكرت عبدالرحمن مسكت الفون واتصلت بيه وبنبرة هادية:
عبده؟ انت نايم ولا هتنام؟
ع الناحية التانية عبدالرحمن فتح المكالمة ورد بصوت نعسان:
اممممم، ايه الجملة؟
تقى اتنرفزت عليه وبنبرة عصبية:
ما ترد عدل يا زفت انت، صاحي ولا مخمود؟
عبدالرحمن بنبرة غيظ:
لسة كنت رايح اتخمد، عايزة ايه يا أخرة صبري فـ الساعة دي؟
تقى اتنهدت تنهيدة خفيفة:
عايزة اخويا يا عبده، عايزة احكيلك اللي جوايا.
عبدالرحمن اتعدل فـ قعدته ع السرير وبنبرة حنونة:
مالك يا حبيبتي فيكي ايه؟
تقى:
إحساس جوايا ناحية كريم مخوفني يا عبده.
عبدالرحمن بعدم فهم:
مش فاهم، احساس ايه اللي مخوفك ده؟ في حاجة حصلت فـ القسم؟
وبعدين انتبه انها رجعت متأخرة من برة:
صحيح ايه اللي أخرك كل ده هناك؟
تقى قامت من مكانها تتمشى فـ الأوضة وبنبرة صادقة:
لا انا ما اتأخرتش فـ القسم، خلصت الموضوع من بدري بس لما طلعت حسيت اني عايزة اتمشي لوحدي شوية، ركبت تاكسي ولاقيتني بقوله وديني اسكندرية.
عبدالرحمن اتعصب عليها بغيظ:
نعم ياختي؟! ازاى يعني تتزفتي وتركبي تاكسي تروحي بيه اسكندرية، ولما انتي عايزة تتنيلي تتمشي ع البحر ما اتصلتيش بيا ليه؟
تقى اتنهدت بنفاذ صبر:
يعني انا بقولك في حاجة جوايا ناحية كريم مخوفاني وانت بتتعصب عليا؟
عبدالرحمن:
ايه اللي مخوفك بس قوليلي؟
تقى:
خايفة يا عبده، خايفة ادخل تجربة جديدة واسيب نفسي ويكسرني لما يعرف اني لقيطة، مش هستحمل يا عبده جرح تاني صدقني.
عبدالرحمن:
ع قد ما انا مبسوط انك اتعافيتي من سليم، ع قد ما انا مش معاكي فـ تفكيرك ده، الفترة اللي قعدتها هنا قدرت اعرف كريم كويس رغم اني ما اتكلمتش معاه خالص، بس شايفه بيعمل ايه مع اخواته واللي عرفته عنه بيقول انه مش ممكن يكسر حد، ولو عايزة نصيحة اخوكي؟ سيبي نفسك وما تخافيش.
وبنبرة مرحة عشان يفرفشها زى عوايده:
أهو ع الاقل يا ستي نعمل بدل، اتجوز انا اخته اللي مجننة أهلي بعفويتها دي، وانتي تتجوزيه ولو زعلك، ولا يهمني اتفلقي وهاحب فـ كارمتي عاتشي خالص.
تقى ردت عليه بغيظ مصطنع:
بقى كدا يا زفت؟ تبيعني عشان كارمتك، مااااشي يا عبده، غور نام بقى ومن غير تصبح ع خير يا دزمة.
قفلت المكالمة ورجعت قعدت تاني ع السرير وكل تفكيرها فـ كريم، خايفة تسيب نفسها لـ إحساسها، احسن يجرحها لو عرف حقيقتها او تكون في واحدة تانية فـ حياته وبرضو قلبها ينجرح مرة تانية
______________________
القاهرة _ بيت منصور الراوي
شقة زيدان _ اوضة فدوى
فدوى بعد ما زيدان سابها مرمية ع الأرض كانت بتتنفس بالعافية وجسمها كله بيرتعش من شدة الضرب، فوزية جريت عليها بسرعة وهي ملهوفة وحاولت تسندها عشان تقوم، لكن أول ما إيدها لمست دراع فدوى ما استحملتهاش وشهقت بوجع وسحبت نفسها منها وهي بتأن بصوت مخنوق وزحفت ببطء ع الأرض وهي حاسة إن كل حتة فـ جسمها بتصرخ من الألم وإيدها كانت بتمسك فـ طرف السجادة لحد ما وصلت لأقرب حيطة سندت عليها وقامت بالعافية ورجليها بتتهز تحتها، وشها متبهدل من الضرب والكدمات والدم الناشف حوالين شفايفها، مشت ناحية أوضتها بخطوات تقيلة وهي بتضغط بإيدها ع جنبها من الوجع، ولما دخلت قفلت الباب وراها بسرعة، وفضلت ساندة ضهرها ع الباب شوية وهي مغمضة عينيها وبتاخد نفسها بالعافية وبعدها اتحركت ببطء لحد السرير قعدت عليه بتعب، ضمت رجليها ع صدرها حضنتهم بإيديها ونامت ع جنبها وهي واخدة وضع الجنين كأنها بتحاول تستخبى جوة نفسها ودموعها كانت بتنزل فـ صمت ونظراتها تايهة قدامها بوجع وانكسار
اتكلمت مع نفسها بصوت مبحوح متقطع:
بقى كدا يا بابا؟ اول مرة تضربني كدا، كل الضرب ده عشان شربت سجاير؟
جواها صوتها التاني طلع قاسي وموجوع:
بتتكلمي بوجع وحزينة أوي ع أساس انه مش قاسي ودايما يزعق فيكي ويجبرك ع كل حاجة؟ وممنوع حتى تعترضي؟
فدوى عضت شفايفها الورمة من القهر، ودموعها زادت:
بس عمره ما مد ايده عليا، كان بيكتفي بس بالزعيق وخلاص لكن المرة دي ضربني وكان هيموتني.
نفسها ردت بسخرية:
أحسن، تستاهلي كل اللي جرالك منه، مش ده اللي انتي وافقتي انك تتخطبي لواحد زي سليم وقبلتي الإهانة ع نفسك عشان تحققيله هدفه؟ وفلوس عمك منصور ما تطلعش برة؟ أهو مع أول غلطة مسكها عليكي، طحنك.
فدوى هزت راسها بالنفي وإيدها ارتعشت وهي بتمسح دموعها:
ما انا كنت لازم اسمع كلامه واعمل كل اللي بيطلبه مني من غير اعتراض.
الصوت اللي جواها خرج أهدى لكنه أشد حدة:
انتي اصلا كان عاجبك الموضوع وجاى ع هواكي، خصوصا انك بتغيري من تقى وما صدقتي ان سليم سابها عشان تاخديه منها.
فدوى غمضت عينيها بقهر وهي بتشد الغطا حوالين جسمها المرتعش وفضلت ع نفس وضعها وقت طويل، تايهة بين وجع جسمها ودوامة أفكارها وكل شوية تبص حوالين نفسها وهي بتفكر فـ اي حد يحتويها أو تروح تشتكيله، وفجأة ظهرت قدام عينيها صورة أخوها لكنها ضحكت ضحكة باهتة موجوعة وهي بتهز راسها بسخرية من نفسها:
انتي هبلة ولا شكلك كدا؟ تفتكري يعني بعد ما لغيتي وجوده خالص وما بلغتيهوش بخطوبتك، هيقف جنبك؟ اسكتي وانسي، اللي بعتيه وقت فرحك مش هيشتريكي وقت حزنك يا فدوى.
سكتت لحظة وبعدها نفسها همست لها:
كلمي سليم، هو الوحيد اللي هيقف لـ أبوكي، ما اهو انتي خطيبته برضو وهتبقي مراته وكرامتك من كرامته.
فدوى ضحكت بوجع، وضحكتها خرجت مخنوقة بالدموع:
كرامة مين يا ام كرامة؟! ده ما هيصدق يمسكها عليا عشان يكسرني أكتر ويذلني بيها، انتي ناسية عمل ايه يوم الخطوبة؟
نفسها رجعت تسألها بهدوء:
طب تفتكري مين اللي ممكن يقف لـ ابوكي ويحاسبه ع اللي عمله فيكي؟
فدوى سرحت بعينيها للحظة وملامحها ارتخت بحنين موجوع: الوحيد اللي كان ممكن يقف له هو عمي منصور الله يرحمه، أبويا كان بيعمل له حساب وبيسمع كلامه، غير كدا مافيش وما بيكبرش لحد، نامي، نامي، ليكي رب يخلصك من كل اللي انتي فيه.
وبعد وقت طويل من البكا والتفكير غلبها التعب أخيرا ونامت وجسمها مكور ع نفسه كأنها طفلة مكسورة بتحاول تحمي نفسها من الدنيا كلها.
________________________
بيت غريب الفرماوي
أوضة زمردة
زمردة طلعت أوضتها بعد ما مشي عمها حسين وصفية وعمر، وقفت لحظة تقفل الباب وراها بهدوء، وبعدها اتنهدت وهي ماشية ناحية السرير بخطوات بطيئة وهي لسة سامعة كلامهم عن تقى بيرن فـ ودنها، وكل كلمة اتقالت عنها كانت بتغرز جواها غيرة مش قادرة تنكرها قعدت ع السرير وإيديها بتلعب فـ طرف الغطا بشرود، افتكرت ضحك عمر وهو بيحكي عنها، وحمزة وهو بيتكلم عليها بإعجاب والأكتر من ده كله موقفها مع كريم، فجأة اترسمت صورته قدام عينيها بنفس هدوءه ونظرته الدافية ابتسمت ابتسامة حب صافية من غير ما تحس ودموعها نزلت فـ نفس اللحظة لما افتكرت اللي حصله من أبوه ومع الفكرة دي قلبها اتقبض أكتر همست لنفسها بخوف وغيرة واضحة: معقول كريم يحبها؟ لالالالا، مش ممكن، لأ، هو أكيد بس اتكلم معاها عشان هي المحامية اللي طلعته من القسم.
سكتت شوية وهي بتفكر، وبعدين عضت شفايفها بقلق:
طيب ما هو دكتور وأكيد بيشوف كل يوم بنات وستات فـ العيادة، اشمعنى دي اللي غيرت منها؟.
فضلت باصة قدامها شوية وبعدها غمضت عينيها بتعب واستسلمت للنوم وهي لسة مبتسمة رغم خوفها
وفجأة، قامت مفزوعة ع صوت حد بينادي عليها فتحت عينيها بسرعة وقلبها بيدق بعنف خرجت من الأوضة تجري ونزلت السلم بسرعة لحد ما خرجت لـ الجنينة وشافت كريم داخل من البوابة الكبيرة وابتسامته الهادية مرسومة ع وشه وعينه متعلقة بيها هي وبس وقفت مكانها، أنفاسها اتلخبطت وعيونها فضلت ثابتة عليه وهو بيقرب منها بخطوات هادية.
كريم وقف قدامها، بص فـ عينيها مباشرة وهمس بنبرة حنونة: وحشتيني يا زمردتي.
زمردة ابتسمت بخجل، ورموشها نزلت لحظة قبل ما ترفع عينيها له تاني، وهمست بحب:
وانت كمان يا قلب زمردتك، وحشتني اوي.
كريم اتنهد براحة، وابتسامته وسعت:
بحبك يا أجمل زمردة وأحلى ياقوتة فـ حياتي.
زمردة حست قلبها بيرفرف من الفرحة، وبصت له بعيون بتلمع:
بجد يا كريم؟
كريم قرب منها خطوة صغيرة وهو مبتسم:
بجد يا نن عين كريم.
زمردة ضحكت بخجل وهي حاسة الدنيا كلها بترقص من السعادة:
وانا كمان يا كريم بحبك اوي اوي.
كريم مد إيده يمسك إيديها وصوته خرج دافي:
خلاص يا قلبي من النهاردة مش هنبعد عن بعض تاني أبدا.
زمردة بصت له بلهفة:
ازاي يا حبيبي؟
كريم:
هعمل اللي كان لازم يتعمل من زمان.
زمردة ابتسمت أكتر وهي حاسة قلبها هيقف من الفرحة:
هتعمل ايه يا مجنون؟
كريم بص لها بحب:
هدخل اكلم جدو وعمي ابراهيم وحمزة واقولهم اني بحب زمردتي وعايزها مكتوبة ع اسمي الليلة قبل بكرة.
زمردة فتحت عينيها بصدمة وفرحة، ولسه هترد.. صحيت فجأة من النوم مخضوضة ع صوت دوشة كبيرة جاي من تحت بصت حواليها بعدم استيعاب واكتشفت إنها كانت نايمة فـ أوضتها، حطت إيدها ع قلبها وهي بتحاول تستوعب إن كل اللي عاشته من شوية كان مجرد حلم، قامت بسرعة دخلت الحمام غسلت وشها وغيرت هدومها ونزلت السلم جري وهي لسة متأثرة بالحلم وكلام كريم اللي بيرن فـ ودانها، وأول ما وصلت تحت شافته فعلا داخل من باب البيت الداخلي بخطوات سريعة وملامحه كلها قلق، أول ما لمحها قرب منها بسرعة وبنبرة متساءلة:
أزيك يا زمردة؟ الحاج غريب ماله؟
زمردة فضلت واقفة قدامه للحظة، عينيها متعلقة بيه بذهول، وبعدها بدأت تبص حواليها بتوتر وتشاور بإيديها بين أوضة جدها وباب الجنينة وهي مش فاهمة حاجة:
جدو؟ ماله جدو؟ انا مش فاهمة حاجة؟!
فـ نفس اللحظة خرج حمزة من أوضة جده بسرعة أول ما شاف كريم:
اتأخرت ليه يا كريم؟
كريم اتحرك فورا ناحية الأوضة وهو بيرد بسرعة وعينه مليانة قلق: متأخرتش يا ابني، مسافة ما كلمتني ركبت التاكس وجيت.
دخل الأوضة وهو بيكمل كلامه وعينه ع غريب:
صوتك خضني، سحبت شنطتي ونزلت جري بهدوم البيت مالحقتش أغير هدومي حتى.
حمزة بص له بامتنان وقلق:
تسلم يا صاحبي.
كريم قرب من الحاج غريب بسرعة، وابتدى يكشف عليه بتركيز، وإيده بتتحرك بهدوء وهو بيتابع أنفاسه ونبضه وبنبرة عملية:
حد قاله حاجة زعلته؟
إبراهيم رد بخوف واضح:
ابدا يا ابني ما حدش قاله حاجة، بس تلاقيه تعب من التوتر بتاع امبارح.
كريم اتنهد بخفة وهو بيجهز الحقنة: يا عمي انا مش قولتلكم قبل كدا بلاش تعرضوه لأى انفعال؟! يا جماعة قلبه تعبان ومش بيستحمل أى انفعالات وكدا ما ينفعش، خلّوا بالكوا شوية.
سميرة كانت قاعدة جنب غريب ماسكة إيده بإيديها الاتنين ودموعها مغرقة وشها، بصت لـ كريم برجاء:
يا حبيبي جدك كان كويس وما حدش زعله، هو بس افتكر حمدي وهناء قبل ما ينام وبكى من كتر اشتياقه ليهم مش أكتر.
زمردة كانت واقفة ع باب الأوضة ساكتة وعينيها متعلقة بكريم وهو بيتحرك بقلق وخوف ع جدها، قلبها دق بنفس الإحساس اللي حسته معاه فـ الحلم، لكن المرة دي كان واقع خلا حبها له يكبر أكتر من أي وقت فات.
_____________________
بيت تقى
تقى قاعدة فـ الصالة وهي ضامة رجلها تحتها فوق الكنبة، حاطة اللاب بتاعها ع رجليها بتلقب فيه بهدوء وملامحها هادية رغم التعب اللي باين فـ عينيها، كانت بترد ع الاستشارات القانونية واحدة ورا التانية بصبر وتركيز وكل شوية ترجع خصلات شعرها اللي بتنزل ع وشها ورا ودنها وهي بتتنهد من ضغط الشغل وبعد فترة طويلة خلصت الردود ورجّعت ضهرها لورا بتعب، فتحت الفيس تقلب فيه من غير تركيز لكن فجأة عينيها وقعت ع مقال منشور عنوانه "مقتل عريس أمام أعين زوجته بعد زفافه بسبعة أيام."
ملامحها اتغيرت فـ لحظة وعيونها جرت بسرعة ع السطور وهي حاسة بوجع فـ قلبها كأن الخبر كتم أنفاسها غصب عنها، وهي لسة بتقرا التفاصيل رن موبايلها برقم غريب
بصت لـ الشاشة باستغراب وردت وهي بتحاول تحافظ ع هدوء صوتها وبابتسامة بسيطة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مين معايا؟
ع الناحية التانية خرج صوت حافظ مليان وجع:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ازيك يا تقى يا بنتي عاملة ايه؟ انا عمك حافظ سواق التاكس اللي قابلتك فـ......
تقى اتعدلت فـ قعدتها بسرعة، وملامحها اتبدلت لـ لهفة حقيقية وهي بتقاطعه:
عم حافظ، ازيك يا راجل يا طيب؟ عامل ايه وبناتك وطنط عاملين ايه؟
حافظ سكت لحظة وكأن الكلام تقيل ع قلبه، وبعدها رد بصوت موجوع:
نحمد الله يا بنتي ع كل اللي يجيبه ربنا.
تقى حست من نبرة صوته ان في مصيبة، عقدت حواجبها وبنبرة قلق: خير يا عم حافظ؟ مال صوتك؟ في حاجة حصلت عندك لا قدر الله؟
حافظ خرجت منه تنهيدة طويلة موجوعة:
بنتي سلمى عروسة بقالها 20 يوم، قتلوا لها جوزها قدام عينيها بعد اسبوع من جوازها واتقبض ع المجرمين ع طول، بس المحامي بتاعهم راجل معدوم الضمير عايز يطرمخ عليهم ويجيب لهم حكم مخفف.
تقى شهقت بخضة وعينيها وسعت بذهول، وفـ حركة سريعة فتحت الاسبيكر وهي بتبص ع المقال اللي قدامها من جديد، وقلبها بدأ يدق بعنف لما شافت اسم العروسة:
انت جوز بنتك اسمه مصطفى؟
حافظ رد بصوت مخنوق من القهر: ايوا يا بنتي، شاب ونعم الأخلاق والأدب والاحترام، كنت واخده ابني وسند لـ بناتي من بعدي، منهم لله اللي حرقوا قلوبنا عليه، ومنه لله المحامي بتاعهم عايز يخليها خناقة عادية وضرب مش عارف ايه كدا.
تقى اتعدل صوتها تلقائيًا لـ نبرة عملية هادية وهي بتحاول تسيطر ع صدمتها:
قصدك مشاجرة وضرب افضى للموت؟
حافظ:
ايوا يا تقى يا بنتي هي دي.
تقى ضيقت عينيها شوية ونبرتها بقت جدية أكتر:
هي الحكاية مش كدا يا عم حافظ؟
حافظ مسح دموعه بإيده ورد بوجع:
لا يا بنتي، دول طلعوا خدوه من قلب شقته.
تقى قامت من مكانها وابتدت تتحرك فـ الشقة وهي ماسكة الفون وملامحها كلها غضب:
طيب يا عم حافظ اسمعني كويس،
خلّي سلمى وأهل مصطفى يعملوا لي توكيل فـ أقرب وقت وييجوا لي.
وقالت له عنوان مكتبها فـ طنطا وأسمها بالكامل عشان التوكيل، وبعد ما عرفت منه كل الحكاية بإختصار وكمان الواقعة حصلت فين بالظبط عشان تقدر تتواصل مع القسم التابع لـ المنطقة، قفلت المكالمة وفضلت واقفة ثواني تبص فـ الفراغ قبل ما تمسك فونها تاني وتتصل بالظابط اللي تعرفه جوة القسم وصوتها رجع هادي ومهني وهي بتحاول تجمع أكبر قدر من التفاصيل عن القضية، لكن جواها كان مولع بالغضب من فكرة إن شاب لسة فـ بداية حياته وبالأخلاق دي، يضيع بسهولة كدا ع إيد ناس بالإجرام ده.
__________________________
القاهرة _ بيت منصور الراوي
شقة زيدان
فدوى فضلت حابسة نفسها فـ أوضتها كام يوم ما بتخرجش منها غير للضرورة ولا بتتكلم مع حد، كانت كل ما تبص لـ الكدمات اللي مالية جسمها ترجع تعيش اللي حصل من أول وجديد وتحس بنفس الوجع والقهر اللي حستهم تحت إيد أبوها، وتفضل قاعدة ع سريرها ساعات طويلة ضامة رجليها ع صدرها وسرحانة لحد ما لمعت فـ دماغها فكرة خلتها تقوم فجأة من مكانها مسحت دموعها بسرعة وخرجت من أوضتها بخطوات مترددة ولفّت بعينيها فـ الشقة كلها ما لقتش حد فاتحركت ناحية الباب بهدوء وخرجت منه طلعت السلم درجة درجة وهي بتضغط بإيدها ع الدربزين وجواها سؤال واحد بس يا ترى عمتها رجعت من السفر ولا لسه؟ وقفت قدام الشقة وأخدت نفس وخرجته ببطء، رنت الجرس واستنت ثواني وسمعت صوت حنان من جوة وأول ما الباب اتفتح وعينيها وقعت ع وش عمتها انهارت تماما وما فكرتش ثانية من غير تردد رمت نفسها فـ حضنها وهي بتشهق من كتر العياط، كأنها كانت مستنية الحضن ده من سنين.
حنان اتخضت أول ما شافتها، عينيها وسعت بصدمة وهي بتبص لوشها الشاحب وآثار الضرب الواضحة عليه، ومسكت وشها بين كفوفها بقلق:
مالك يا فدوى؟ فيكي ايه يا حبيبتي؟ اسم الله عليكي، مين اللي عمل فيكي كدا؟
فدوى دفنت وشها أكتر فـ حضنها وهي بتعيط:
بابا ضربني يا عمتو وكان عايز يموتني.
حنان بعدتها عنها شوية عشان تبص فـ وشها كويس، وحواجبها انعقدت بدهشة:
يا لهوي، ليه؟ عملتي له ايه؟
فدوى نزلت عينيها للأرض بخجل، وفضلت تفرك صوابعها فـ بعض بتوتر قبل ما ترد بصوت واطي: شافني وانا بشرب سجاير.
حنان خبطت بإيدها ع صدرها وشهقت بقوة:
يا مصيبتي؟! سجاير يا فدوى؟ بتشربي سجاير؟ شوفتي مين يا بنتي شربها فـ العيلة كلها؟! لا ابوكي ولا اخوكي ولا اعمامك حد منهم شربها خالص، تشربيها انتي؟
فدوى عضت ع شفايفها وهي بتحاول تمنع دموعها:
اللي حصل يا عمتو بقى.
حنان مسكت دراعها وشدتها ناحية الصالة وهي متغاظة وخايفة عليها فـ نفس الوقت:
شربتيها ازاى وليه اصلا تشربيها؟ هانت عليكي صحتك يا فدوى؟ تضيعيها فـ البلا الازرق ده؟ ليه يا بنتي تأذي نفسك بالشكل ده؟!
فدوى هزت راسها بندم وعينيها مليانة دموع:
والله يا عمتو ما فكرت فـ كدا، انا بس شوفت صحباتي بيشربوها وحبيت أجرب ولاقيت نفسي غصب عني كملت فيها.
حنان رفعت إيدها بإشارة اعتراض، وصوتها بقى أشد:
وانتي أى حد يعمل حاجة تعملي زيه؟ يعني لو صحباتك دول شربوا مخدرات ولا خمرة، تشربي زيهم؟
فدوى هزت راسها بسرعة:
أكيد لأ طبعا، بس انا شربت السجاير عشان عارفة انها مش حرام ومش مؤذية زى المخدرات.
ملامح حنان اتشدت أكتر، وبصت لها بجدية:
مين قالك انها مش حراااام؟ الفلوس اللي بترميها فـ الزفت الدخان ده اللي بتطيريه فـ الهوا وتأذي بيه نفسك وغيرك، هتتحاسبي عليها، صحتك اللي بتدمريها بالقرف ده هتتحاسبي عليها.
الكلام نزل ع قلب فدوى تقيل، رفعت عينيها لـ عمتها بوجع حقيقي: كدا يا عمتو؟ وانا اللي كنت طالعة اشتكيلك من بابا، تقوليلي الكلام ده!
ولفت وشها ناحية الباب وهي بتحاول تخفي دموعها:
ما هو انا لو تقى كنتي قلبتي الدنيا عشانها، لكن فدوى تولع ولا تغور فـ داهية مش مهم، بعد اذنك يا عمتو حقك عليا اني طلعتلك.
حنان لحقتها بسرعة قبل ما تتحرك من مكانها ومسكتها من دراعها دخلتها تاني وقفلت الباب، بعدها حطت إيديها ع كتفها وبصت لها بحنية:
يا حبيبتي انتي وتقى بناتي وغلاوتكم من غلاوة شريف، وبحبك زيها وأكتر كمان وان كنت قسيت عليكي شوية فـ ده من خوفي عليكي يا بنتي، ولو ع ابوكي انا هنزل اكلمه.
فدوى اتنفضت مكانها بخوف واضح، ومسكت إيد عمتها بسرعة:
لا والنبي يا عمتي ما تكلميه، لو عرف اني اشتكيتلك هيكمل عليا ويقتلني.
حنان قلبها وجعها عليها فضمتها لحضنها بحنية لكن أول ما عدّت إيدها ع ضهرها، حسّت بـ فدوى بتتنفض من الوجع، بعدت عنها شوية بصدمة وبصوت دافي:
خلاص يا حبيبتي مش هكلمه، بس اوعديني يا فدوى تبطلي تدخين، عشان نفسك يا بنتي مش عشان أي حد، فاهماني؟
فدوى هزت راسها بالموافقة وهي بتمسح دموعها، وفجأة وقعت عينيها ع ركن الصلاة الموجود فـ الشقة، وقفت تبص له شوية وكأنها بتشوفه لأول مرة، قربت منه بخطوتين وعينيها سرحانة فيه: تعرفي يا عمتو؟ رغم ان الركن ده من زمان بس حاسة انى اول مرة أشوفه.
ولفّت وشها ناحية حنان، وعينيها مليانة صدق وانكسار:
ممكن تاخدي بإيدي لـ ربنا يا عمتو؟ وتساعديني أواظب ع الصلاة؟.
حنان سكتت لحظة وهي بتبص لها باستغراب ولمحت فـ عينيها ندم حقيقي ما شافتوش قبل كدا، فابتسمت ابتسامة هادية مليانة حب وطبطبت ع خدها بحنان:
أكيد يا حبيبتي، يااااااه يا فدوى، ده انا ياما ريقي نشف معاكي يا بنتي، لكن هقول ايه.. انك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء.
فضلت فدوى قاعدة مع حنان وقت طويل، تتكلم وتسمع وتفضفض لأول مرة من قلبها ولما نزلت من الشقة، كانت خطواتها أهدى ونظرتها مختلفة وكأن الحمل التقيل اللي كان ع صدرها انزاح خلاص.
________________________
طنطا_ بيت تقى
فـ المكتب.
بعد يومين عمل عم حافظ وسلمى وأهل مصطفى التوكيل اللي طلبته منهم تقى وقرروا يسافروا لها فوصلوا طنطا بعد العصر والتعب كان باين ع وشوشهم من السفر ومن الوجع اللي شايلينه جواهم وأول ما وصلوا عند البيت صادف خروج عمر من الباب، فوقف لما شافهم واقفين قدام البيوت يبصوا حواليهم وهم تايهين مش عارفين يدخلوا أنهي بيت، قرب منهم بهدوء وبص لـ حافظ بنبرة تساؤل:
عايزين مين يا حاج؟
حافظ رفع له عينيه وكان الإرهاق والحزن باينين فـ ملامحه ورد بنبرة مكسورة:
عايزين مكتب الاستاذة تقى المحامية يا ابني.
عمر هز راسه وهو بيشاور بإيده ناحية البيت:
أهو يا حاج، ده بيتها والمكتب فـ اول دور.
خلص كلامه وسابهم ومشى، أما حافظ اتنهد تنهيدة طويلة ودخل هو والباقيين البيت وأول ما قربوا من باب المكتب لقوا تقى قاعدة مستنياهم، قرب منها حافظ بدموع أب موجوع:
السلام عليكم ورحمة الله.
تقى قامت من مكانها بسرعة اول ما دخلوا وبمجرد ما شافت سلمى ووشها الشاحب وعينيها اللي باين عليها السهر والعياط، ملامحها اتبدلت لـ الحزن فـ نفس اللحظة وقربت منهم بهدوء مدت إيدها تسلم ع الستات وهي بترد السلام بابتسامة هادية فيها مواساة:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حمدلله ع السلامة يا عم حافظ، اتفضلوا استريحوا.
دخلوا كلهم المكتب وكل واحد فيهم كان شايل جبل فوق قلبه، قعدوا قدامها وهي بتبص لهم بحزن وابتسمت ابتسامة حزينة وبنبرة دافية:
قبل ما نتكلم فـ اى تفاصيل، ارتاحوا الأول من السفر وناكل.......
قاطعها حافظ بسرعة وهز راسه بالنفي وعينه لمعت بالدموع:
لا يا بنتي معلش سامحينا، عشان نقدر نرجع مصر بدري قبل الليل.
اتنهدت تقى تنهيدة خفيفة وهزت راسها بتفهم:
تمام يا عم حافظ تحت امرك.
وبصت لـ سلمى بحزن وهي ملاحظة ارتعاشة إيديها وهي ماسكة طرف عبايتها:
ممكن تحكيلي اللي حصل بالتفصيل.
سلمى دموعها نزلت من غير ما تحس مسحتها بسرعة وابتدت تحكي بصوت متقطع:
قبل فرحنا بشهرين كنت أنا ومصطفى خارجين نشتري الفستان والبدلة وبعد ما خلصنا وإحنا راجعين سمعنا صوت بنت بتصوّت فـ توكتوك والسواق ماشي ومش عارف يتحكم فيه بسبب صواتها لدرجة انه كان هيخبطني، قام مصطفى وقف يزعق فـ الواد اللي سايق التوكتوك وفضل يشتم فيه.
تقى كانت مركزة معاها بكل حواسها وهي ماسكة القلم بين صوابعها وبتسجل بعض الملاحظات وبنبرة مهنية:
التوكتوك خبطك؟
سلمى هزت راسها بالنفي:
لأ، ما خبطنيش، هو كان هيخبطني.
تقى ضيقت عينيها شوية وسألتها:
طيب مصطفى زعق وشتم فـ السواق ليه؟ ما تعرفيش؟
سلمى ردت وهي بتمسح دموعها اللي مش بتقف:
مصطفى زعق بقصد وعمل حجة انه كان هيخبطني عشان السواق يقف يتخانق معاه ويسيب البنت اللي كانت بتصّوت ويديها فرصة تهرب.
تقى رفعت راسها من ع الورق وبصت لها باهتمام أكبر:
وبعدين؟
سلمى بلعت ريقها بصعوبة:
اللي مصطفى عمل حسابه لاقاه، سواق التوكتوك فعلا وقف ونزل يتخانق معانا والبنت قدرت تهرب.
تقى بتركيز وما زالت ماسكة القلم وبتسجل كل حرف:
وطبعا السواق ناره زادت لما البنت هربت منه؟
سلمى:
فعلا وبقى يضرب فـ مصطفى بِغل، والناس حجّزت بينهم بالعافية وخلصت الخناقة ع كدا وكل واحد راح لحاله.
تقى حركت راسها حركة خفيفة:
وبعدين حصل ايه بعد كدا؟
سلمى سرحت للحظات وكأنها رجعت تعيش تاني الأيام دي من جديد:
نسينا الموضوع وكملنا حياتنا عادي بنرتب للفرح كأن ما فيش حاجة حصلت، بس اللي كان لافت نظري وقتها نظرات عين مصطفى.
تقى باستغراب:
مالها؟!
سلمى عضت ع شفايفها وهي بتحاول تمنع شهقاتها:
من بعد المشكلة دي كان دايما يبص لي كأنه بيودعني، نظرته حزينة ومليانة دموع ولما كنت اسأله ليه بتبكي يا مصطفى يقول لي من فرحتي، أخيرا حبيبتي هتبقى فـ بيتي، ما كنتش أعرف ان دموعه دي دموع فراق مش دموع فرح.
عند الجملة دي، نزلت دمعة من عين تقى غصب عنها فغمضت عينيها ثانية تحاول تتمالك نفسها:
كملي يا سلمى.
سلمى أخدت نفس وخرجته بوجع وكملت بصعوبة:
يوم الفرح اللي هو المفروض أسعد يوم فـ عمرنا وأخيرا هنبقى الليلة سوا تحت سقف واحد بعد سنين طويلة واحنا بنحب بعض، مصطفى كان حاجز قاعة كبيرة وفيها اوضتين عشان نجهز فيهم وكمان مكان السيشن، جه خدني من عند بابا الصبح انا واخواتي واخته وقال لي واحنا ماشيين، هندخل القاعة دي اتنين ونخرج منها واحد، استغربت أوي من كلمته وقولتله ازاى؟ ضحك وقال احنا مش كل واحد فينا فـ بيت؟ رديت قولتله ايوة، قال لي نبقى أتنين، وهنخرج ع بيتنا فبقينا واحد.
وهي بتحكي كانت دموعها بتنزل أكتر وأكتر، وصوتها بيضعف مع كل كلمة:
عدى اليوم وهو مجنن اصحابه واخواته ومجنن البنت بتاعة الميك اب، ما كانش عايز يسيبني وكل ما يطلعوه من الأوضة يرجع لي تاني، فضل ع كدا لحد ما نزلنا نتصور وبقى بيعمل حركات كتير اوي ويختار مناظر غريبة والمصور يقول له خلاص يا مصطفى انت ما سيبتش مكان او وضع غير لما اتصورت فيه، يبص لـ الراجل ويقول دي الحاجة الوحيدة اللي هتفضل مني لـ عيالي عايزهم يفتكروني بيها.
صوتها اتخنق وحطت إيديها ع وشها وانفجرت فـ العياط، وسكتت ما قدرتش تكمل.
حافظ كان قاعد جنبها، فمد إيده وطبطب ع كتفها بحنان أب موجوع، وبعدها رفع عينيه لـ تقى وكمل مكانها، ودموعه نازلة:
عدى اسبوع بالظبط ع الفرح ورُحنا عشان نبارك لهم واحنا قاعدين عندهم جرس الباب رن، وقام مصطفى فتح شاف واحد غريب بيقول له في جماعة اصحابك مستنيينك تحت ومُحرجين يطلعوا وعايزينك تنزل لهم.
صوته كان بيتهز مع كل كلمة:
مصطفى ما كدبش خبر قال لـ الراجل طب انزل وانا جاى وراك، بعدها دخل سلم علينا كلنا واحد واحد وباس سلمى فـ جبينها وقالها بحبك بس سامحيني ونزل، كلنا استغربنا اللي حصل، واحد نازل يقابل اصحابه دقايق وطالع يعمل اللي عمله ده ليه، بنتي قلبها اتقبض وجريت ع البلكونة وشافت ابشع منظر ممكن تشوفه فـ حياتها، بمجرد ما خرج مصطفى من باب البيت كان في سبعة واقفين له ومرة واحدة غرزوا المطاوي فـ قلبه وقع سايح فـ دمه.
انكسر صوت حافظ وهو بيكمل:
سلمى صرخت ونزلت جري ولما نزلنا وراها شوفناها قاعدة فـ الشارع وحاطة راسه فـ حضنها وبتصرخ وتقوله ما تسبنيش يا مصطفى.
المكتب كله سكت لحظة وصوت عياط أم مصطفى كان مالي المكان،
قامت فجأة وقربت من تقى وهي منهارة ومسكت إيدها بتوطي عليها عايزة تبوسها:
أبوس ايدك يا بنتي عايزة حق ابني، برّدي ناري وهاتيلي حقه خليه ينام مرتاح فـ تربته.
تقى اتخضت وسحبت إيدها بسرعة، وقلبها وجعها أكتر ع الأم المكسورة وبنبرة حزينة:
ما تقلقيش يا أمي انا مش هسكت لغاية ما اجيبلك حق ابنك.
أبو مصطفى مسح دموعه بطرف صوابعه واتكلم بصوت مخنوق:
مصطفى كان ابني الكبير وأول فرحتي، كسروني بيه وقطموا ضهري، والمحامي بتاعهم منه لله كان فـ النيابة جايب صور الخناقة بس وقال ان اللي قتلوه ما كانوش قاصدين وانه ضرب أدى للموت.
اتنهدت تقى وهي بتسيب القلم وبترجع بضهرها لورا:
يعني المحامي بيلعب ع الخناقة القديمة؟! عشان يجيب لهم حكم مخفف؟
حافظ:
اه يا بنتي، ده اللي إحنا فهمناه.
تقى عدلت قعدتها ومسكت القلم مرة تانية ونبرة صوتها بقت واثقة أكتر:
ما تقلقش يا عم حافظ، مش هيقدر يعمل كدا لأنها نية مُبيّتة فيها سبق إصرار وترصد، وده هنقدر نثبته بكل سهولة من فرق التاريخ بين الخناقة وبين يوم الجريمة نفسه، وكمان لو قدرنا نوصل للبنت اللي كانت هتتخطف ونقنعها انها تشهد باللي حصل ده هيساعدنا أكتر، ان شاء الله خير، اطمنوا.
حافظ اتنهد تنهيدة وجع تقيلة وبص لها بعيون مدمعة ونبرة مترددة:
طيب يا تقى يا بنتي ولا مؤاخذة يعني اتعابك كام؟
تقى حركت راسها حركة خفيفة وبصت له بنظرة صادقة وبنبرة دافية:
كدا برضو يا عم حافظ؟! عايزني اخد اتعاب من اختي؟ ده كفاية انك فتحت لي بيتك وانت ما تعرفنيش فـ الوقت اللي انطردت فيه من بيت أبويا بعد موته بساعات ما تتعدش ع صوابع الايد الواحدة، مش عايزة حاجة يا راجل يا طيب، وفـ أي وقت حضرتك او أي حد من طرفك له مَظلمة او قضية يجي وهو مطمن وقلبي مفتوح لكم قبل مكتبي.
حافظ:
بس يا بنتي....
تقى قاطعت كلامه بنبرة حاسمة:
ما بسش يا عم حافظ ولا جنيه واحد، واوعدك حق مصطفى هيجي ومن اول جلسة ان شاء الله.
كلام تقى كان بالنسبة لهم شعاع أمل دخل قلوبهم وريحهم شوية من يوم ما مات مصطفى، فهزوا راسهم بصمت وهم متأملين فـ الله ثم تقى أن حق مصطفى يرجع، عدى أكتر من ساعتين فضلت فيهم تقى قاعدة معاهم تسمعهم وتهديهم لحد ما هديوا من العياط شوية وقدروا يقفوا ع رجلهم مرة تانية، ولما خرجوا من المكتب مع تقى، كانت آثار الدموع لسة باينة ع وشوشهم
وفـ نفس اللحظة كان عمر وحمزة داخلين البيت سوا فوقفوا تلقائي أول ما شافوهم خارجين بالشكل ده، راقبهم حمزة بصمت وعينه اتحركت بين الوشوش المكسورة وبين ملامح تقى المرهقة، استنى لحد ما مشيوا وفضل واقف مكانه ثواني وهو باصص عليهم وكأن حسه الصحفي بيهمس له إن الناس دي شايلين حكاية أكبر بكتير من اللي باين ع وشوشهم وقرر جواه يدور وراهم ويعرف حكايتهم إيه ويكتب عنها.
تقى والمجهول بقلمي
______لبنى دراز
&:ما تفرحيش أوي كداااااا لسة الجولة ما خلصتش، مش هسيبك تتهني أبدا وقااااابلي بقى اللي جااااااى.
يتبـــــــــع
الثالث عشر من هنا