رواية عشق يزلزل الحصون الفصل الثاني عشر 12 بقلم بسنت محمد
سقطت الكلمات الصارمة للواء حامد عبر الهاتف كالقنبلة الموقوتة التي نسفت هدوء ليل مدينة "دهب" الساحر، لتعلن حالة الطوارئ القصوى وتنهي شهر العسل قبل أن يبدأ!
تصلب جسد المقدم أدهم الجارحي في مكانه كالصخرة الصماء، وتحولت ملامحه المسترخية في ثانية واحدة إلى قناع من الجدية العسكرية الشرسة. تلاقت عيناه السوداوان الحادتان بعيني حور العسلية التي انطفأت فيهما لمعة المرح الطفولي وحل مكانها رعب حقيقي. أدهم ضغط على الهاتف بقوة وقال بصوت رخامي جاف وقاطع:
"علم وينفذ يا فندم. التحرك هيبدأ حالاً، وخلال ساعات هكون في مكتبك بالمديرية بكامل القوة.. تمام يا فندم."
أغلق أدهم الخط، والتفت فوراً نحو حور التي كانت لا تزال ممسكة بعصا غزل البنات البينك، لكن يدها بدأت ترتجف. قرب منها بخطوات سريعة وحاوط وجهها بكفيه العريضتين، وهتف بنبرة دافئة قوية ليطمئنها:
"حور.. اسمعيني كويس يا إعصاري. مفيش وقت للخوف، الأوامر السيادية صدرت ولازم أرجع القاهرة حالاً. مأمورية الحدود الغربية مش هتنفع تستنى ثانية واحدة. اجهزي فوراً عشان نلم الشنط ونتحرك."
حور بلعت ريقها بصعوبة، ولسانها "المبرد" اختفى تماماً أمام هيبة الموقف، وقالت بنبرة مرتعشة تملؤها الدموع:
"أدهم.. والنعمة أنا قلبي مقبوض! مأمورية الحدود دي دايماً بتبقى خطيرة، بلاش تروح يا أدهم، كلم اللواء حامد وقوله.."
قاطعها أدهم بقبلة حانية على جبهتها، وقال بابتسامة وثقة تهز الجبال:
"أنا المقدم أدهم الجارحي يا حور.. الحصن اللي مبيجريش من المعركة. جنودنا على الحدود محتاجين القائد بتاعهم، وأنا وعدتك إني هكون أمانك، والراجل اللي يحمي بلده هو الوحيد اللي يستاهل يحميكي. !"
في نفس اللحظة.. في مدينة شرم الشيخ..
كان الرائد إياد سليم جالسًا بجانب سلمى في شرفة الفندق، يضحك ويهزر، حتى اهتز هاتفه فجأة برسالة مشفرة من العمليات الخاصة: (كود أحمر.. إلغاء الإجازات والالتحاق بالكتيبة فوراً).
انقطعت الضحكة من على وجه إياد، واختفت غمازتاه الساحرتان ليحل مكانهما نظرة الصقر المقاتل. سلمى نظرت إليه بوجل وقالت:
"إياد.. في إيه؟ وشك اتقلب ليه كدة؟! إيه اللي مكتوب في الرسالة؟"
وقف إياد وعدل قميصه، وقرب من سلمى ومسك إيدها برقة متناهية وقال بدم خفيف حاول يداري بيه قلقه عليها:
"الظاهر إن المديرية من غيري ضاعت والنعمة يا سلمى! أدهم كلمني.. قصدي الأوامر وصلت. في مأمورية طوارئ على الحدود ولازم أتحرك مع أدهم حالاً. لمي الشنط بسرعة عشان عربية الحراسة هتنقلنا على القاهرة."
سلمى بكت بحرقة واستندت على صدره العريض:
"يارب احميهم.. إحنا ملحقناش نفرح يا إياد!"
طبع إياد قبلة على رأسها وهمس:
"الفرحة الكبيرة لما نرجع منتصرين يا قمر.. يلا بينا."
بعد مرور 5 ساعات من القيادة الجنونية عبر الطرق الصحراوية.. 

وصلت السيارات إلى القاهرة. وضع أدهم حور في منزلها، وإياد وضع سلمى، وتوجه الصقران فوراً إلى مقر المديرية.
داخل مكتب اللواء حامد.. وتحديداً الساعة 4 فجراً.. 
كانت الأجواء مشحونة، الخرائط العسكرية ممدودة على الطاولة الضخمة، واللواء حامد يقف بملامحه الصارمة ويشير بإصبعه إلى نقطة محددة على الحدود الغربية:
"يا أدهم.. يا إياد.. المعلومات الاستخباراتية أكدت إن في شحنة سلاح وتقنيات متطورة جداً تابعة للتنظيم الإرهابي هتدخل من الممرات الجبلية الوعرة بكرة الصبح. حسام وشريف كانوا مجرد ذيول، لكن الرأس الكبيرة للتنظيم بيحاول يعمل عملية تفجيرية ضخمة لزعزعة الأمن. الكتيبة بتاعتكم هي رأس الحربة في المداهمة دي.. مفهوم؟"
أدهم وإياد ضربوا تعظيم سلام بقوة زلزلت المكتب:
"مفهوم يا فندم!"
أدهم نظر للخريطة وضيق عيونه السوداء وقال بحسم:
"يا فندم، الممرات الجبلية دي صخرية وصعبة، ومحتاجة إنزال جوي صامت في نقطة خلفية عشان نقفل عليهم مخرجات الهرب. إياد هيقود مجموعات الدعم الأرضي بالمدرعات، وأنا هقود فرقة الاقتحام الرأسية."
اللواء حامد هز رأسه بفخر:
"اعتمدت الخطة.. اتحركوا على بركة الله، ومترجعوش إلا والرأس الكبيرة في إيدكم!"
في صباح اليوم التالي.. في مستشفى قصر العيني.. 
كانت حور واقفة في ممر الطوارئ، لابسة بالطوها الأبيض، بس عيونها العسلية كانت دبلانة من قلة النوم والقلق. سلمى كانت واقفة جنبها وماسكة كشف المرضى وإيدها بترتعش. حور لفت ليها وقالت ببرطمة وضيق:
"والنعمة يا سلمى أنا حاسة إن المشرط هيلف في إيدي النهاردة! مخي كله مع أدهم في الجبل. الجدع ده أخد قلبي معاه ومبقاش فيا حيل للإعصار خالص!"
سناء الممرضة دخلت تجري وهي بتنهج:
"دكتورة حور! دكتورة حور! المدير قالب الدنيا برة وجايب لستة دكاترة جراحة مطلوبين فوراً في مستشفى ميداني عسكري متنقل على خط الحدود الغربية! في إصابات كتير واشتباكات بدأت حالا بين قواتنا والإرهابيين!"
طار قلب حور من مكانها، ورمت الملفات من إيدها وعيونها لمعت بقوة وذكاء، وقالت بحسم زلزل الطوارئ:
"اسمي أول اسم في اللستة يا سناء!! سلمى.. اجهزي فوراً، مأمورية أدهم وإياد في الجبل، ومأموريتنا إحنا تحت ضرب النار.. يلا بينا
على الجبهة.. في قلب الصحراء الغربية القاحلة..
تشتعل المعركة!
أصوات الانفجارات تدوي في كل مكان، والرصاص المتفجر يخترق الهواء كالألعاب النارية المرعبة.
المقدم أدهم الجارحي كان في خط المواجهة الأول، زيه العسكري الأسود متسخ بالتراب، وعيونه تشتعل بشرار الغضب والصرامة. كان ممسكاً بسلاحه الرشاش الثقيل ويطلق النار بدقة حاسمة، ويصدر تعليماته عبر اللاسلكي:
"إياد!! المدرعة رقم 4 تتقدم لتقفيل الممر الشرقي! الإرهابيين بيحاولوا يهربوا نحو المغارة الرئيسية، اضغط عليهم حالا!!"
جاءه صوت إياد وسط ضرب النار وهو ينفذ المناورة بذكاء ملوش مثيل:
"علم وينفذ يا رئيس! الغمازات اتقفلت والوش الخشب اشتغل والنعمة! هقفل عليهم الممر والكلاب دول مش هيشوفوا الشمس النهاردة!" 

وفجأة!!
ظهرت سيارة دفع رباعي ضخمة ومصفحة تابعة لقائد التنظيم الإرهابي، وبدأت تطلق قذائف "آر بي جي" نحو موقع أدهم! انطلقت قذيفة قريبة جداً من أدهم، وحدث انفجار هائل طير الأتربة والصخور في الهواء.
إياد صرخ عبر اللاسلكي برعب:
"أدهههههههم!!! رد عليا يا أدهم!!"
وسط الغبار والدخان، ظهر الحصن المنيع وهو يقف على قدميه بكبرياء وقوة، ورغم إن كتفه كان بينزف دم بسبب شظية من الانفجار، إلا إنه متهزش! مسك جهاز اللاسلكي وقال بصوت جهوري مرعب زلزل قلوب الأعداء:
"أنا صاحي يا إياد.. والضربة اللي متموتش بتقوي! القناص بتاعي يثبت قائد التنظيم، وأنا هقتحم العربية بنفسي!"
انطلق أدهم كالفهد الجريح وسط الرصاص، وبحركات قتالية خارقة ومحترفة، قدر يقتحم السيارة وسحب قائد التنظيم من رقبته وضرب راسه في زجاج العربية وخلاه يفقد الوعي في ثانية!
طهر أدهم الموقع تماماً، وتم القبض على باقي أفراد العصابة، لكن إصابة كتفه كانت بتبلغ أشدها والدم مغرق زيه العسكري.
إياد جري عليه وسنده بسرعة:
"أدهم! كتفك متبهدل خالص يا صاحبي، لازم نتنقل فوراً للمستشفى الميداني اللي على أول الخط، القوات أمنته والدكاترة وصلوا من القاهرة."
أدهم ضغط على أسنانه بتحمل وصبر ميري صلب:
"مش مهم الكتف يا إياد.. المهم المأمورية تمت بنجاح. يلا بينا."
داخل المستشفى الميداني العسكري.. عبارة عن خيمة ضخمة مجهزة بأحدث الأجهزة الطبية.. 

كانت حور بتتحرك زي الإعصار، بتخيط جروح العساكر المصابين بمهارة وسرعة رهيبة، وسلمى جنبها بتقدم لها الأدوات وبتساعد الجرحى بكل رقة وشجاعة.
وفجأة.. انفتح باب الخيمة ودخل إياد وهو ساند أدهم اللي كان وشه شاحب والدم مغرق كتفه!
حور لفت، وأول ما شافت منظر أدهم والدم، صرخت صرخة مكتومة:
"أدههههههم!!"
سابت كل حاجة في إيدها وجريت عليه، ودموعها نزلت رغماً عنها. أدهم رغم التعب والألم، أول ما شاف عيونها العسلية الشقية، ابتسم ابتسامة خفيفة وساحرة وقال بصوت منخفض:
"قولتلك الإعصار بتاعي دمه حامي.. متعيطيش يا حور، الحصن لسه واقف."
حور مسحت دموعها بسرعة وتحولت للدكتورة العبقرية الصارمة، وقالت بعناد وشقاوة وهي بتوجهه لسرير العمليات:
"اقعد هنا وفكك من البرستيج الميري ده حالا! أنت جايلي في ملعبي يا سيادة المقدم، والكتف ده أنا اللي هخيطه
إياد التفت ولقى سلمى واقفة بتبص له بعيون مليانة دموع وخوف، فقرب منها وظهرت غمازاته الساحرة رغم التعب وقال بدم خفيف:
"جرى إيه يا حورية البحر؟ والنعمة أنا سليم ومفياش ولا خدش! ركزي مع الوش القمر ده وبطلي عياط عشان النسكافيه بتاعي وحشني!"
حور جهزت المشرط والبنج الموضعي وبدأت تشتغل في كتف أدهم باحترافية وثبات يذهل العقول. أدهم كان بيبص في عيونها العسلية الواسعة ومثبت نظراته فيها عشان ينسى ألم المشرط، وحس إن لمسات إيدها الشجاعة هي الشفاء الحقيقي لقلبه وحصونه.
بعد ما حور خلصت وقفت النزيف تماماً وضمدت الجرح ببراعة، لوت بوزها بمرح وقالت له وهي بتمسح عرقها:
"حمد الله على السلامة يا جبل الصخر! المرة دي فلتت، بس والنعمة لو عملت فيها بطل تاني واتصبت، أنا اللي هعمل فيك المداهمة بنفسي!" 
أدهم مسك إيدها برقة وضغط عليها وقال بنبرة مليانة عشق وتملك زلزل كيانها:
"بحبك يا إعصاري الشقي.. وعشقت الحصن لأنه اتقفل عليكي أنتِ وبس." 

وفي عز اللحظة الرومانسية والبهجة بانتهاء المأمورية وسلامة الأبطال.. دخل عسكري فجأة وضغط تعظيم سلام وقال بلهفة:
"المقدم أدهم! الرائد إياد! في طرد غامض ومجهول وصل حالا
انقطعت الأنفاس في الخيمة، وتلاقت نظرات أدهم الحادة بنظرات إياد الصقورية.. يا ترى إيه اللي جوة الطرد الغامض ده؟