رواية فستبقي المحبوب الفصل الحادي عشر 11 بقلم هاجر سلامة
الحادي عشر
في صباح اليوم التالي، دخل فارس ودلال الشركة والابتسامة على وجوههما بعد أن أخذت دلال حقها في الكلية.
لكن بمجرد دخولهما الطابق العلوي، وجدا الجد عاصم ورأفت (والد فارس) ومعهما مستشار القانونية بالشركة يقفون بوجوه شاحبة وصارمة للغاية.
فارس بعقد حاجبين واستغراب: "جرى إيه يا جدي؟ واقفين كده ليه والوجوه مقلوبة؟"
المستشار القانوني تقدم بخطوات مرتعشة وقدم ملفاً لفارس: "فارس بيه.. في كارثة! شحنة الاستيراد الضخمة اللي جاية من ألمـانيا، الحسابات بتاعتها اتلعب فيها بالكامل، وفي اختـلاس بقيمة 50 مليون جنيه اتحولوا لحساب سري برة مصر! والمصيبة الأكبر.. إن طلب التحويل عليه إمضاء وختم المساعدة الشخصية لحضرتك.. مدام دلال!"
فارس شعر وكأن صاعقة ضربت رأسه.
سحب الملف بعنف وبدأ يراجع الأوراق والتحويلات.
اتسعت عيناه وهو يرى توقيع دلال الواضح بالمليم على كل ورقة! في تلك اللحظة، ولأن الصدمة كانت فوق استيعاب أي بشر، ولأن الضغط المالي كان رهيباً، زاغت عينا فارس وتلفت نحو دلال.. ولمدة "ثانية واحدة" فقط، ظهرت في عينيه نظرة شك وتساؤل قاتـلة! نظرة كانت كفيلة بأن تـذبـح دلال من الوريد إلى الوريد.
دلال لمحت تلك الثانية من الشك في عيون الرجل الذي وهبته قلبها.
شعرت وكأن خنـجراً مسـموماً غُرس في صدرها.
تراجعت خطوتين للخلف وهي تهز رأسها بصدمة، والدموع تحجرت في عينيها العسلية.
فارس بغضب :دلال اي دا بتع مين الحساب دا
دلال بصوت مرتعش يملؤه الوجع والقهر: "أنت شكيت فيا يا فارس؟ لو ثانية واحدة.. أنت صدقت إن البت اللي أنت جبتها وحميتها ممكن تسرقك وتخـونك؟"
فارس فاق من صدمته وحاول يقرب منها: "دلال.. اسمعيني بس، الأوراق والإمضاء.."
دلال صرخت بدموع حارقة وقاطعت كلامه: "ولا أوراق ولا زفت! طالما عينك شكت فيا يبقا ملوش لزمة الكلام! أنا أه بنت غلبانة ومستحيل أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي، بس كرامتي فوق الدنيا كلها! طالما مفيش ثقة.. يبقا تطلقني يا فارس! طلقني وكل واحد يروح لحاله، وأنا مستعدة أرجع المكان اللي جيت منه ولا إني أعيش مع راجل مش واثق فيا!"
تركت دلال المكتب وركضت إلى الخارج وهي تبكي بهستيرية، واستقلت تاكسي وعادت إلى الفيلا لتجمع حقيبتها البسيطة وهي تموت وجعاً.
في المكتب، وقف فارس متسمراً مكانه كلمات دلال كانت كالسيـوف التي قطعت قلبه. نظر إلى الجد عاصم الذي صرخ فيه بغضب: "أنت غبي يا فارس؟! تشك في دلال؟ البنت دي أنضف من طوب الأرض ونقاء عيونها يقول إنها مستحيل تعمل كده! في ملعوب ملعون بيحصل في الشركة من وراكم!"
كلام الجد عاصم مسح الغشاوة تماماً عن عين الفارس تذكر براءة دلال، تذكر خوفها، تذكر دموعها وكسوفها في حضنه شعر بندم قاتل وأعمى لأن عقله تفوق على قلبه لثانية واحدة.
فارس بعزيمة وإصرار بركان غاضب: "أنا أسف يا جدي.. أنا كنت غبي! دلال مستحيل تعمل كده، ولو الورق ده عليه إمضاها، يبقا الإمضاء دي متزورة غصب عن عين اللي خلفوها! وحياة دموع دلال اللي نزلت بسببي، لأكون جايب الخاين ومقطّع فروة راسه النهاردة!"
استدعى فارس رئيس قسم الحسابات، ورئيس قسم تكنولوجيا المعلومات، وبدأ تحقيقاً عسكرياً صارماً مغلقاً. راجع الكاميرات، وراجع الـ IP الخاص بجهاز الكمبيوتر الذي أُرسل منه طلب التحويل. ومن خلال الضغط والتهديد بالسـجن والشرطة، انهار الموظف المرتشي "سعيد" ووقع على ركبه وهو يبكي.
سعيد برعب: "أنا أسف يا فارس بيه! أنا اللي زورت إمضاء مدام دلال وأخدت الختم من مكتبها في غيابها! والله جيهان هانم الشرقاوي هي اللي هددتني وادتني 5 ملايين جنيه عشان أعمل كده وألبس التهـمة لمدام دلال عشان تطردها برة حياتك!"
فارس أول ما سمع اسم "جيهان"، ضحك ضحكة مرعبة كأنه شيـطان مارد. برزت عروق وجهه وجبهته، وعرف إن الأفـاعي خلاص لازم تتـقطع راسها.
فارس بصوت منخفض ومخيف: "جيهان الشرقاوي.. بقا اللعب وصل لمعاكِ لحد هنا؟ وربنا لأدفعكِ تمن دموع دلال غالي أوي!"
تحرك فارس فوراً بسيارته كالإعصار نحو الفيلا ليركع تحت رجلي دلال ويطلب سماحها ويصالحها، وبعدها يتوجه لقصر الشرقاوي ليصفي الحساب الأخير مع جيهان!
كانت دلال تجلس على طرف السرير في الجناح، والدموع تجري كالأنهار على وجنتيها البيضاء. كانت تضع ملابسها القليلة في حقيبتها القماشية القديمة، وقلبها يـنزف وجعاً. لم تؤلمها إهانات جيهان، ولا تهـمة السرقة، لكن الذي ذبحـها هو ذلك الشك الخاطف الذي رأته في عيني فارس.
دلال بشهقات بكاء مريرة: "كنت فاكراك سندي يا فارس.. كنت فاكرة إنك بتثق فيا أكتر من نفسك.. بس خلاص، طالما شكيت فيا يبقا ماليش قعاد في بيتك."
وفجأة، انفتح باب الجناح بقوة ودخل فارس ووجهه شاحب والندم يأكل ملامحه أول ما شاف الحقيبة وملابسها، شعر وكأن روحه تُسحب منه.
اندفع نحوها وبحركة سريعة ركع على ركبتيه أمامها في الأرض، وأمسك بيديها الصغيرتين المرتعشتين وضغطهما نحو صدره.
فارس بنبرة صوت متهدجة تملؤها الدموع والندم لأول مرة في حياته: "أنا أسف يا دلال.. أنا غبي وحمار وجزمتك فوق راسي! وحياة دموعك الغالية دي، أنا مشكيتش فيكي أنتي.. أنا انصدمت من الورق وتزوير الإمضاء. دلال.. أنا عرفت الحقيقة، وعرفت الكلب اللي عمل كدة بالاتفاق مع جيهان! أنا بثق فيكي أكتر من عيني، ومستحيل أعيش ثانية واحدة في الدنيا دي من غيرك.. سامحيني يا دلال الفارس."
دلال نظرت إلى عينيه السوداوين، ورأت فيهما كمية من العشق والنقاء والندم الصادق الذي لا يمكن تزييفه. لم تحتمل رؤية هذا الفارس القوي راكعاً يطلب سماحها، فبكت بقوة وارتمت في أحضانه، وضمت عنقه بكل قوتها.
دلال وهي تبكي في صدره: "أنا بحبك يا فارس.. وكنت هـموت لما افتكرتك صدقت إني ممكن أخونك!"
فارس شدد من ضمتها كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه، وباس رأسها بعمق وهتف بسعادة زلزلت كيانه: "وأنا بعشقك يا قلب وروحي.. والنهاردة يوم حساب الأفـاعي. يلا امسحي دموعك دي، والبس أجمل فستان عندك، عشان هتيجي معايا قصر الشرقاوي والشركة.. وهخلي جيهان تبوس جزمتك قدام العيلة كلها!"
ارتدت دلال فستاناً أسود راقياً برز بياض بشرتها الناصعة وجمال شعرها البني الفاتح، ونزلت مع فارس كالملكة. ركبا السيارة الفارهة وتوجها كالعاصفة المدمرة نحو قصر "مكرم الشرقاوي".
في صالون قصر الشرقاوي، كانت جيهان تجلس مع والدتها فايزة وصالح وهما يشربون العصائر ويضحكون ،انفتح الباب بعنف مرعب ودخل فارس وهيبته تزلزل جدران القصر، وممسك بيده دلال التي تقف بشموخ وثقة خلفه، وخلفهما رجال الأمن يجرون الموظف المرتشي "سعيد" من قفاه وهو يبكي ويرتعش.
انتفضت جيهان بصدمة ورعب، وجف الدم في عروق فايزة وصالح.
الجد مكرم بلهفة: "فارس! دلال! في إيه يا ابني؟!"
فارس رمى الموظف المرتشي تحت رجلي الجد مكرم وصاح بصوت كالرعد هز القصر: "اسمع بنفسك يا مكرم بيه! اسمع حفيدتك المصونة (جيهان) عملت إيه! دفعت 5 ملايين جنيه للكلب ده عشان يزور إمضاء وختم مراتي دلال، ويخـــتلس 50 مليون من الشركة عشان يلبسها التهــمة ويطردها!"
الموظف صرخ برعب: "والله العظيم جيهان هانم هي اللي هددتني وادتني الفلوس يا مكرم بيه! والتحويلات كلها من حسابها الشخصي!"
الثاني عشر من هنا