رواية نبضات الصخر الفصل الحادي عشر 11 بقلم هاجر سلامة
الحادي العشر
مرت عدة أشهر كأنها حلم جميل طهر قصر الشاكر من كل سموم الماضي.
بعد طرد ميرفت وسجنها بتهمة الشروع في القـتل والتزوير، عاد الهدوء الحقيقي ليتنفسه الجميع.
واصلت نايا رحلة حملها التي دخلت الآن في شهرها الخامس، وبدأت بطنها تبرز بشكل طفيف ومحبب زادها جمالاً ورقة فوق جمالها الكلاسيكي.
لم تكن نايا تسير خطوة واحدة دون أن تجد يد معاذ تحيط بخصرها لحمايتها، وصار القصر شاهداً على قصة عشق ولدت من رحم المعاناة والصدق.
في ليلة شتوية دافئة، كانت أمطار القاهرة تهبط برقة وتضرب زجاج الشرفة الكبيرة لجناحهما الفاخر.
كانت نايا تجلس على مقعد مخملي مريح، ترتدي فستاناً صوفياً واسعاً بلون البيج الدافئ، وتضع يدها فوق بطنها البارزة وهي تبتسم لقطرات المطر.
اقترب معاذ من خلفها ببطء، وحمل في يده غطاءً صوفياً ناعماً وضعه فوق كتفيها، ثم انحنى وقبل عنقها برقة : "الجميل سرحان في إيه وسايبني كل ده؟ المطر برة حلو بس عيونك أنتِ أحلى بكتير يا نايا."
التفتت إليه نايا وعيناها تشعان حباً وعشقاً، وأمسكت بيده وجعلته يجلس بجانبها مباشرة وتحدثت بدلال رقيق: "مش سرحانة يا حبيبي.. أنا كنت بفكر في المعجزة اللي إحنا عايشين فيها. تفتكر يا معاذ، من خمس شهور بس كنت أنا وأنت بنكره بعض وبنتخانق في المكاتب، والنهاردة أنا بستنى دقة قلبك عشان أعيش؟ أنا خايفة أكون في حلم وأصحى منه."
جلس معاذ ونقلها لتصبح في أحضانه تماماً، وأحاط بطنها بيديه الدافئتين وتحدث بالفصحى الشاعرية الرزينة التي تذيب قلبها في كل مرة: "لستِ في حلم يا ملكتي.. أنتِ في حقيقة صغناها معاً بالصبر والصدق. حبنا لم يكن صدفة، بل كان قدراً جميلاً أرسله الله ليحيي قلبكِ ويحمي أنوثتكِ.. والآن، هذا النبض الصغير الذي يتحرك بين أحشائكِ هو الدليل القاطع على أنكِ وطني الذي لن أرحل عنه أبداً."
انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة وعميقة، دافئة كدفء الليلة الشتوية، شعرت نايا معها بأن كل ذرة وجع أو خوف من مرضها القديم قد تلاشت تماماً بفضل حنانه واحتوائه.
في صباح اليوم التالي، استيقظ الزوجان بنشاط وفرحة مختلفة؛ فالطبيب الخاص بنايا قد حدد لهما موعداً حاسماً لمعرفة جنس الجنين والاطمئنان على سلامة جدار رحم نايا وتجاوبه مع الحمل المتقدم.
دخل معاذ ونايا إلى عيادة الطبيب يد بيد كالعادة.
استقبلهما الطبيب بابتسامة واسعة، وطلب من نايا الاستلقاء على السرير الطبي المخصص للفحص بالأشعة التلفزيونية ثلاثية الأبعاد (السونار).
وقف معاذ بجانبها، يمسك يدها بقوة ويضغط عليها بحنان، وعيناه معلقتان بالشاشة الكبيرة.
وضع الطبيب الجهاز على بطن نايا، وبدأت تظهر ملامح الجنين الصغيرة وتفاصيل حركته. تحدث الطبيب بالطبية المبهجة: "ما شاء الله.. تبارك الله! الحركة ممتازة، ومعدل نمو الجنين طبيعي جداً ومتناسق مع عمر الحمل في الشهر الخامس."
ثم التفت إلى معاذ بابتسامة وقال: "ومفاجأة اليوم يا معاذ بيه.. الجنين ولد! مبروك، ستحمل بين يديك وريث عائلة شاكر."
انهمرت دموع الفرح من عيني نايا فوراً، والتفتت إلى معاذ الذي اتسعت عيناه بفرحة غامرة وقام بتقبيل جبين نايا ويدها وتحدث بصوت متهدج : "ولد يا نايا! ولد شبهك وهيطلع بجمال عيونك.. الحمد لله يا رب، الحمد لله."
تابع معاذ باهتمام شديد : "طمنا يا دكتور.. أهم حاجة وضع الرحم والتليف القديم إيه أخباره دلوقتي مع كبر حجم الجنين؟"
اعتدل الطبيب في جلسته ونظر إليهما بنظرة إعجاب : "هنا تكمن المعجزة الحقيقية يا معاذ بيه. الحمل كان بمثابة حماية طبيعية وجدار عازل؛ الهرمونات التي يفرزها الجسم للحفاظ على الجنين ساعدت في تثبيط نمو التليف وتمدد جدار الرحم بشكل مرن وآمن تماماً. الرحم الآن في حالة ممتازة ومستقرة، ولا يوجد أي خطر على حياة نايا أو البيبي.. فقط استمروا على نفس الراحة والاهتمام حتى نصل للشهر التاسع بسلام."
خرجت نايا من العيادة وهي تشعر أنها تطير فوق السحاب؛ لم يعد هناك شبح الاستئصال المرعب يطاردها، وطفلها ينمو بسلام داخل أحشائها، ورجلها يحميها بقلبه وروحه.
في العصر، قرر معاذ مفاجأة نايا؛ فأخذها في جولة تسوق خاصة جداً لأول مرة في أحد أكبر المولات التجارية الفخمة المتخصصة في مستلزمات الأطفال بوسط القاهرة الكبرى.
دخل الزوجان المتجر، وكانت نايا تتأمل الملابس الصغيرة والأسرة الخشبية بعيون تلمع كالأطفال وبفرحة لا توصف : "معاذ! شوف البدلة الصغننة دي! وشوف الشوز ده شكله يجنن.. أنا مش مصدقة إننا بنشتري حاجات لجرونا الصغير."
ابتسم معاذ وشاركها الفرحة، وبدأ يختار معها أجمل القطع باللون الأزرق والأبيض التي تليق بوريثهما المنتظر. امتدت يده بالفصحى لتلتقط سريراً خشبياً أبيضاً مطرزاً بالحرير الملكي، والتفت إليها قائلاً ب: "ده السرير اللي ابني هينام فيه في الجناح بتاعنا يا نايا.. وهفرش غرفته كلها بالورود والياسمين عشان تليق بيكي وبيه.. اطلبي أي حاجة تانية تعجبك وماتفكريش في أي حاجة غير بسطتك."أثناء تجولهما، اقترب منهما "شاكر بيه" الذي لحق بهما بعد أن اتصل به معاذ ليشاركهما الفرحة. احتضن شاكر بيه ابنته بحنان شديد وعيناه تدمعان وقال بفخر: "مبروك يا نايا يا قلب أبوكي.. ولد! الحفيد الأول اللي هيشيل اسمي وشقى عمري وعمر أمك الراحلة.. معاذ يا ابني، أنا خصصت قطعة أرض كبيرة باسم ابنكم من دلوقتي، وهتكون أول هدية من جده ليه."
صافحه معاذ باحترام ورجولة : "الله يبارك فيك يا عمي وتعيش وتجيب له.. أهم حاجة عندي سلامة نايا وسلامة ابني، والحمد لله الدكتور طمنا والرحم رجع أقوى بفضل ربنا."
عادت العائلة إلى القصر محملة بأكياس الهدايا الفخمة والتجهيزات الأولى التي ملأت جناح العروسين ببهجة مفرطة. وفي المساء، وقف معاذ ونايا معاً في وسط غرفتهما، يرتبان الملابس الصغيرة في الخزانة بضحكات ومشاعر دافئة تملأ المكان برومانسية حالمة.
أمسكت نايا ببدلة صغيرة ووضعتها على صدر معاذ وقالت بابتسامة رقيقة : "تفتكر هيطلع شبه مين يا معاذ؟ أنا عايزاه يطلع زيك.. راجل قوي، وذكي، وعنده شهامة ورجولة تحميني وتحميه."
احتضنها معاذ من الخلف، ووضع ذقنه على كتفها ونظرا معاً إلى المرآة وتحدث : "سيأخذ مني قوتي ورجولتي لحمايتكِ يا نايا.. وسيأخذ منكِ سحركِ وجمالكِ وكبرياءكِ المحبب.. سيكون ثمرة حب صادق نبت وسط الأشواك وأصبح شجرة تظلل حياتنا للأبد.. أحبكِ يا أم وريثي الجميلة."
التفتت نايا في حضنه، ودفنت رأسها في عنقه وهي تشعر بأعلى درجات الأمان والسلام الحقيقي.
الثاني عشر من هنا