رواية انت مكافأتي الفصل الحادي عشر 11 بقلم دفنا عمر
الفصل الحادي عشر!!
************
واقفًا يطالعه على مسافة ليست بعيدة.. متعجبًا لحاله
لا يحدث أحدًا بخلاف العاملين معه بالأرض.. لا يقبل الأختلاط لأبعد من ذلك.. ودائم الجلوس بتلك البقعة القريبة من بيته، كثيرًا ماحاول جذبه ليرافقه بأماكن كثيرة ويقربه من أصداقائه حتى تتسع دائرة معارفة ولا يظل حبيس عزلته تلك.. ولكن لا يبدي بهاء أي ترحيب بذلك، ومن الجيد أنه أستطاع هو التقرب إليه
بعد لقائهم الأول منذ بضعة أشهر، عندما مرضت " بقرة" عمته خديجة، وأستدعته گطبيب بيطري لعلاج "بقرتها " .. ومن ثم حدث تعارفه هو وبهاء !!
لم يخفى عليه حزنه الشديد لشاب بعمره!!
كما لم يخذل هو طلب العمة خديجة السري فيما بعد، بالتقرب له ومصاحبته لأنه وحيد ومستسلم لظروف نفسية قاسية حدثت معه.. تفهم ذلك وأشفق عليه وأحبه أيضًا..!!
لم يعد اهتمامه به تنفيذًا لرغبة العمة، بل نابع من قلبه وشعور صادق بمساعدته حتى يتأقلم مع أحزانه ويتخطاها رويدًا بمرور الأيام!!!
أكاد أسمع تذمر البعض المتسائل عن من أكون!!
لا تؤاخذوني، تكلمت كثيرًا دون أنتباه أني شخص جديد يُطل على سطوركم ولا تعرفونه بعد!!
أنا سيف طبيب بيطري .. عمري 26 عام
أعمل بمزرعة أمتلك بها النصف مع صديق أخر يعمل مهندس زراعي.. تعيش معي أمي بعد وفاة أبي العزيز منذ عام فقط" رحمك الله يا أبي" .. وأخي الكبير بدر الذي تزوج ومستقر حاليا بالقاهرة مع زوجته وطفليه، حيث يعمل هناك مدير للمحاسبة بإحدى الشركات المعروفة!
جميعنا بحالٍ ميسور وهذا من فضل الله علينا..!
والآن بعد أن تعارفنا أعزائي.. دعوني أذهب لذاك البائس، فلن أكون سيف إن لم أبعثر هدؤه، وأبدله بصخب زفاف صديقي .. نعم سأرغمه على حضور زفاف أحدهم!!!!
_ياسيف أبعد عني ، فرح أيه اللي عايزني أحضره معاك، أنا مش معزوم ،ولا اعرف حد فيه!
بهاء متفوهًا عبارته بنفاذ صبر ،بعد إلحاح صديقه سيف لمصاحبته حضور زفاف أحد أصدقائه ..
سيف : يعني هو كل اللي بيحضر فرح بيكون من أصحابه ومعارفه، فك شوية يابهاء، أنت ليه حابس نفسك ،بين شغلك بأرضك وقعدتك لوحدك ومش راضي اعرفك حتى على اصحابي..
بهاء : خليني في حالي يا سيف، أنا مرتاح كده مش عايز اختلاط بحد..!!
زفر بضيق : مش ممكن عزلتك اللي فارضها علي نفسك دي يا بهاء .. ده لو حكم بالسجن، كان زمان مدتك خلصت!
بهاء بابتسامة تحمل بطياتها المرارة : لا وانت الصادق .. دين ولازم أدفعه.. ذنب محتاج أكفر عنه!!
سيف : ده على أساس إن أنا أو غيري ملايكة ؟!!
لولا ارتكاب الذنوب.. ما كان في معنى للتوبة..
ومهما كانت الخطايا ، ربك بيغفرها..
بهاء وهو يتأمل انسحاب الشمس من الافق :
انت ماتعرفش ايه تاعبني..أنا حاسس بحبل ملفوف على رقبتي بيخنقني.. الوحيدة اللي تقدر تطلق صراحي وتحرر روحي ، خلاص مابقيتش موجودة ياسيف!
قال مشفقا عليه :
بس ربنا موجود وتحريرك في قبضته وبرحمته!
ثم واصل: تعرف يابهاء إن الألم ده نعمة!!!
أستدار له بهاء بكلتيه منصتا باهتمام، ، فاستطرد سيف حديثه:
معظم الأمراض الخبيثة والخطيرة، مابتعلنش عن نفسها بالألم، لحد ما تتملك وتستوطن خلاياك، وفجأة تلاقي نفسك على شفا الموت بدون أي استعداد لمواجهته..
لكن لما بتتألم، بتكتشف أنك تعبان ومحتاج علاج!
ومن الألم بيتولد الأمل إنك تسعى وتنقذ نفسك وروحك من الهلاك!
عشان كده يا بهاء أنت ربنا بيحبك لأنك مافضلتش غافل وعاصي.. ألمك وندمك معناه إن ربنا بيقولك في عطب صابك لازم تنتبه عشان تقدر تحدد فين وازاي علاج روحك المعذبة .. ومافيش حاجة تطيب أوجاع أرواحنا زي التوبة والأستغفار .. دي رسالة لازم تفهمها كويس.. أفتح قلبك للدنيا، وخليك على يقين إن ربنا كتبلك الخير!!
صمت سيف يطالع وجهه الذي انعكس تأثير كلماته عليه بشرود وتيه .. فانتشله من صمته الشارد بنبرة صوت مرحة هاتفًا:
ودلوقتي بقا استعد عشان نحضر الفرح سوا ونغير جو.. وإلا اقسم بالله هشيلك غصب عنك لحد هناك!!
************************
الجدة فجر : متتأخريش في الفرح يا سجدة!
سجدة وهي تضع أخر دبوس بحاجبها الأخضر المنسدل على عباءتها السمراء :
حاضر يا جدتي .. مش هتاخر ، لولا انها عزيزة عندي ماكنتش هروح أصلا ..!
الجدة بحنان : لا يانور عين جدتك .. روحي وغيري جو وانبسطي.. المهم متتأخريش في الليل لوحدك!
………… ..
وسط أنوار المصابيح الملونة بضوءها الساطع ، وأجواء مشبعة بالبهجة والفرح، واقفًا بهاء يطالع وجوه الجميع، فهذه أول مرة يحضر فيها مناسبة گ تلك منذ فترة طويلة ، وإحقاقا للحق ، أمتن داخله لصديقه سيف الذي أجبره على المجيء لهذا العُرس المبهج.. فحقا ما قالو ..إن لنفسك عليك حق ، وهو يحتاج تلك الاجواء بشدة لينسى همومه الثقيله الجاثمة على صدره، ولا يضر اقتناص غفوة من الزمن ليعيش لحظات تتلون بالسعادة حتى وإن كانت مؤقتة!
بدأ انبعاث أصوات عاليه وصاخبة لأغاني شعبية لا تخلو منها افراح العامة ..راحت عيناه ترصد تفاعل الجميع، الراقص منهم والمصفق بحرارة ، فعلى هذا الجانب يصنع بعض الرجال دائرة حول العريس يرقصون معه بحماس وخفة ، فابتسم لمهارة أحدهم برقصته ، وبأخر فاجأ الجميع بحمل العريس على كتفيه والدوران والرقص به بأنحاء القاعة!
وعلى مسافة ليست بقليلة أتجه ببصره، فشاهد بعض الفتيات الملتفين حول العروس المتألقة بثوب عُرسها الأبيض ، وكثيرا منهن يشاركها الرقصات بتلوي ومهارة لا تتقنها إلا بنات حواء ..
وأثناء تفحصه الغير المقصود بالجميع ، وقعت عيناه على فتاة ترتدي حجاب أخضر وعباءة سمراء
فضاقت حدقتاه محاولا تذكر هذا الوجه الذي مر على ذاكرته سابقا ، ولكن متى وأين شاهدها؟!
اعتصر ذهنه حتي تذكرها، هي تلك الفتاه التى شاهدها في بيت الجدة فجر..
وكأن سهم نظرته أخترق محيطها حيث تقف!
فحركت سجدة مقلتيها بتلقائية ناحية اليمن قليلا
فاصطدمت بعين أحدهم متفحصا بها..
تأملته للوهلة الأولى لتتذكره هي الأخرى.. فاحمر وجهها وهي تتذكر متى رآته ، وكيف استاءت من وجوده وتناول العشاء معهم ، رغم أنه قدم مساعدة يستحق عليها كل الشكر !
تغاضت عن الأمر برمته بعد أن منحته نظرة نافرة ثم أبتعدت بعينيها عنه ، وأدارت جسدها حتى صار ظهرها يقابله ، مستأنفة تصفيقها وتمايلها الطفيف تماشيا مع تلك النغمات الصاخبة وهي تحمس صديقتها العروس بحركة يديها على الرقص والتمايل!
أبتسم بهاء على تمايلها الذي لا يناسب فتاه بغلظتها
ثم عاد يتابع حركات الجميع منتظرا صديقه سيف بهذا الركن البعيد نوعا ما ..
وبعد قليل انبعثت موسيقى رقصة صعيدية يعشقها بهاء .. راح يتأمل الراقصين عليها .. وإذا به يجد من يجذبه بغته حتى صار بمنتصف دائرة اصدقاء العريس .. وسيف يقذف له عصاه ألتقطها بهاء بمهارة ، لتبدأ الموسيقي بالعزف مرة اخرى ..
وسيف يلوح بعصاته ، ليتحدى بهاء على مشاركته تلك الرقصة الصعيدية، وظل يتلوى وهو يستعرض أمامه حركات متقنة مبهرة بعصاته أمام الجميع ..
فما كان من بهاء إلا قبول التحدي، ومشاركة الصديق رقصته وإظهار براعته هو الأخر!
********************
بكام دي لو سمحت؟
ألتفت معتصم لصاحبة الصوت .. فوجد أمامه فتاة فاتنة بحق، لم تأتي هنا لابتياع شيء من قبل
ويبدو عليها أنها ميسورة الحال ..
فتسأل داخله ، عن سبب وجود فتاه گ تلك بمحلهم المتواضع ، ولا يعتقد أن بضاعتهم الرخيصة تناسب مثلها..!!
أعادت الفتاة أستفسارها عن سعر تلك الشمعة الجذابة متعددة الألوان، حيث يضئ كل لون بها بإضاءة مختلفة مبهرة..
فتنحنح معتصم ليزيل عنه أي اثر لإبهاره بها :
دي ٧٥ ج إن شاء الله يا انسة ..
الفتاه بمكر : مش غالية البتاعة دي يا…………
ثم تصنعت تساؤل بريء: هو حضرتك أسمك أيه؟!
فطن معتصم لمكرها، فرد ببرود مصوبًا بصره عليها، عاقدا ذراعيه امام صدره : وانتي عايزة تعرفي أسمي ليه، يخصك في حاجة.. ؟!
أمتقع وجهها إحراجاً من إجابته ، فمن هو ليعاملها بتلك الفظاظة !
قالت بغيظ تملكها: عادي يعني ، بحب أعرف أسم اللي بكلمه مش أكتر ، أنا مش بكلم وزير يعني عشان ماتقولش أسمك يا……… ياحضرة المهم !
خطى معتصم نحوها بهدوء وثقة ، ثم اقترب قليلا من جانب أذنيها هاتفا بخفوت :
أسمي معتصم…أهم من الوزير عند نفسي!
قربه ونبرة صوته الخافته، وعبقه الذي ملأ محيطها ، أربكها وبعثرها، فابتعدت بمسافة، رامقة أياه بضيق، محاولة إخفاء توترها:
طب يا سيادة الوزير .. أنا عايزة الأحمر والأخضر من الشمعة دي.
أجاب بتسلية : قصدك البتاعه الغالية دي؟!
رمتقه بامتعاض! .. فأكمل بلؤم :
معلش دي أخر واحدة .. بس تقدري تيجي تاني ، وتاخدي التانية .. والوزير بنفسه هيستناكي!
رفعت حاجبيها بذهوله، من يظن نفسه هذا المغرور!
وهتفت ساخرة : لا يا وزير ريح جنابك ، أنا هجيبها من مكان تاني ، ومش هاجي هنا أصلا! .
أستدارت للمغادرة، فأسرع معتصم بقوله :
مش هتلاقيها غير هنا !
التفت له رافعة إحدى حاجبيها بتحدي : وإذا جبت زيها ؟!
معتصم بأبتسامة ثقة :
تعالي وريهاني عشان أتاكد، ولو ماجيتيش .. هعرف انك خسرتي التحدي اللي شايفه في عنيكي ..!
*****************
_يعني ماشوفتيش ابو دبدوب هناك؟
أجابت ندى تساؤل رغد وهي تجلس جوارها ، حيث اتفقا على لقاء ثلاثتهم بتلك الكافيتريا القريبة :
لأ… كان في واحد تاني اسمه معتصم ، شكله شريكه!
قالت اروى التي بدا عليها الاعتراض على زيارة صديقتها من الأساس، فلم تكن على علم بتلك الخطوة ، فقط انبأتها رغد بالتصرف ولكن لم تخبرها كيف :
انا مش فاهمة أصلا ليه يارغد تبعتي ندى هناك ، وافرضي شافته .. هتقوله ايه.. ؟!
صاحبتي بتقولك انت تعرفها منين وعايز منها ايه؟
ثم اسطردت بصوت ساخر :
ناقص تاخدولي منه معاد عشا على ضوء الشموع!
رغد : يابنتي لازم نعرف مين ده ، ويعرفك ازاي وأمتي؟! .. طب بذمتك مش نفسك تعرفي هو مين؟
اذا كنت أنا ذات نفسي هموت واعرف!
اروى كذبًا : لأ طبعا ولا في دماغي !!
رغد بنظرة خبيثة : طب عيني في عينك كدة !!
امال مين اللي فضلت تقولي كلامه وصل قلبي وإشارة خفية وموجات صوتية وإشاعات مقطعية و………… .
باغتتها أروى بضربة أعلى رأسها :
احترمي نفسك بقا، وماتحشريش مناخيرك في كل حاجة ..ثم استطرت حديثها بكبرياء :
أنا ما اجريش ورى حد .. حتي لو اعترفت بذكاؤه في طريقة لفت نظري ..بس ده مش معناه اني اتخلى عن كبريائي وادور عليه يا رغد ..!
قالت ندي بصوت رقيق هائم وغير واعية لحالتها :
بس تعرفي يا أروى ، لو كان بلال ده شبه صاحبه معتصم، يبقى يابختك بيه ، ويستاهل تدوري عليه!
همت أروي بقول شيء، فقاطعتها رغد مشمرة عن أكمام ذراعيها وكأنها ستخوض حرباً :
لا لا لا ..سيبيلي أنا الطالعة دي يا معلمة!
ثم التفت رغد لندى مقلدة صوتها الهائم بشكل مضحك :
وشكله أيه بقا الدلعدي معتصم ده يا حونينة ..!
ندي بصوت غليظ مغاير تمام لصوتها الرقيق، بعد أن فضحتها عيناها وكشفت تأثرها بهذا المعتصم :
جري أيه ياكرمبو !! انتي هتسيبي المسكينة دي ، وتمسكيني انا ؟!
ثم امسكت انفها بقسوة قائلة : مسيري اعملك استئصال لمناخيرك الكبيرة دي يا حشرية انتي..!
تمتمت رغد بغضب وهي تفرك انفها بألم: ابو غبائك يا شيخة .. بني آدمه فاشلة أصلا ..!
أروى ضاحكةً على احمرار انف رغد : تستاهلي ، عشان تخليكي في حالك بعد كدة ..
رمقتهما رغد بامتعاض ، ثم اقتربت من أروى وقالت بجدية أوجست أروى منها:
بقولك أيه ، انتي هتلبسي السلسلة بتاعة ابو دبدوب؟!
اروى بشكل قاطع : لأ طبعاً ..
رغد بود ورقة لا تليق بها : طب ما تسليفهاني ألبسها في عيد جواز امي وابويا
أهو أضحك عليهم واقولهم حد عبرني بهديه 
اروى بمكر : وماله يا روحي .. وهي هتخس يعني
بكرة اجيبهالك تلبسيها براحتك ..!
ثم طلبت اوردر غداء باظ الثمن ، وبعد فراغ ثلاثتهم من التهام الطعام أستاذنت أروى بمصاحبة ندى تاركين رغد بمفردها لحين عودتهما ..
وبعد قليل ، أتى النادل ( عامل المطعم) .. واضعا مغلف به ورقة صغيرة، قائلا بتهذيب لرغد : عفوا حضرتك ، أصحابك طلبوا شيك الحساب هنا ..!
ضيقت رغد حدقتاها :
أصحابك مين ؟! وشيك حساب بتاع أيه؟!
النادل : حضرتك في بنتين طلبوا حساب الأوردر بتاع حضراتكم، وقالوا إن الحساب عندك، ومشيوا ..
رغد بصوت عالي، متناسية من حولها :
نننننعممم! .. مشيوا ..!
ثم انتبهت لعلو صوتها ، والنظرات المشمئزة في أعين الجميع حولها ..! فتمتمت بخفوت لذاتها :
وديني لاربيكي يا أروى انتي والبت المسهوكة التانية!
تظاهرت باللامبالة ،قائلة بكبرياء وادعاء كاذب :
أيوة صح افتكرت .. أنا اللي عازماهم، أصلهم غلابة أوي ،مايقدروش يتغدوا هنا من غيري ..
أحم… ثواني حضرتك اشوف قيمة الشيك كام..!
ما أن وقعت عيناها على الرقم المطلوب سداده، حتى انتابها الحنق منهما قائلة بصوت غير مسموع : اه يامفجوعة منك ليها، وأنا عمالة أقول مالهم بياكلوا بطفاسة كدة ليه ..! يارب أسترني وألاقي فلوس في الشنطة تكفي ..!
واستدارت بابتسامة بلهاء منحتها للشاب عامل المطعم : لحظة حضرتك ..!
اومأ الشاب برأسه صامتا، فظلت تبحث عن حقيبتها ، ثم تذكرت بغتة ، طلب ندى الغريب بإستعارة ، بعض ادوات التجميل منها،فأعطتها رغد الحقيبة كاملة ، مطمئنة لعودتهما معا ،ثم تذكرت بعض رسائل الواتس التي صدح صوتها بنفس التوقيت بهاتفيهما، فعلمت ببساطة أنه كان حديث متبادل بينهما لخططهم الماكرة ..!
فقالت بدون وعي : اه يابنت اللذينا أنتي والتانية، يمين بالله ما هرحمكم!
النادل : في اي مشكلة حضرتك؟!!
رغد بصوتٍ مختنق : هو المطبخ فين؟
الشاب باندهاش : مطبخ ؟! تقصدي حضرتك التويليت ؟!
هزت رغد رأسها بنفي : لا التويليت ده أما اخلص شغل المطبخ إن شاء الله!!
ثم هتفت بصوت اقرب للبكاء :
إحياة عيالك ما توديني القسم ..!
********************************
لا يصدق إلى الآن أنه رقص وضحك ومضى سهرة مبهجة بين رفاق سيف الذين شاركوهم الرقصة أيضًا بحماس.. تذكر كيف تفاعل الجميع والتف حولهم ، وتحول هو محور حديثهم فيما بعد ، واكتشف انه الملقب بينهم " بالغريب " حيث لا يعرفه أحد غير سيف وكم اندمج معهم واستطاع تناسي كل أوجاعه ولو بضعة ساعات ، وكم احتاج لهذا الإسقاط المؤقت بشدة من ذاكرته.. وكأنه لا يؤلمه شيء، يضحك ويرقص ويعيش شبابه، بعد أن أصاب روحه الشيب!
ساكنًا بأعماق بئر عميق مظلم وكأنه منفى.. ربما هي مجازفة ولكن لها متعتها، بأن تتسلق تعاريج جدار هذا البئر بقدميك وترفع رأسك منه لتتنفس بعض الهواء ، حتى وإن انحدرت قدماك داخله مرة أخري .. فيكفيك أنك خوضت تلك التجربة ولو برهه خاطفه من الزمن، ثم تعود كما كنت لمنفاك..!!!
*****************
أطفأت مصباح غرفتها ، تأهبًا للنوم ، بعد أن اطمأنت على جدتها فجر فور عودتها من زفاف صديقتها
أضجعت سجدة على جانبها الأيمن ، مشبكة أصابع كفها أسفل خدها ، واغمضت عيناها لتستدعي النوم
فمر بخيالها صورة هذا الغريب ، الذي رقص ببراعة على تلك الانغام الصعيدية المشهورة ، لا تنكر اعجابها الخفي به ، حين. رأته يرقص مع الرفاق، وكم ازداد وسامة حين ضحك محياه ، ولكن لسبب تجهله كانت تكسو ضحكاته تلك، مسحة حزن جليه لها ، لا تعرف لما تعمقت هكذا بترجمة افعاله وضحكاته، حتى أنها دون أن تنتبه كانت تتأملته ، فظبطها الغريب بنظرتها له فجأة ، فأكلها الخجل ، وتجاهلته على الفور ورحلت سريعا !
تُرى!.. هل تلوح في الأفق قصة جديدة؟
هل ستتلاقى الخُطى بنفس الطريق، وتتغير أقدار كلًا منهما بالتحام روحي يقلب الموازين ويحطم الحصون والأسوار .. دعونا معا نترقب القادم.. !
***************
************
واقفًا يطالعه على مسافة ليست بعيدة.. متعجبًا لحاله
لا يحدث أحدًا بخلاف العاملين معه بالأرض.. لا يقبل الأختلاط لأبعد من ذلك.. ودائم الجلوس بتلك البقعة القريبة من بيته، كثيرًا ماحاول جذبه ليرافقه بأماكن كثيرة ويقربه من أصداقائه حتى تتسع دائرة معارفة ولا يظل حبيس عزلته تلك.. ولكن لا يبدي بهاء أي ترحيب بذلك، ومن الجيد أنه أستطاع هو التقرب إليه
بعد لقائهم الأول منذ بضعة أشهر، عندما مرضت " بقرة" عمته خديجة، وأستدعته گطبيب بيطري لعلاج "بقرتها " .. ومن ثم حدث تعارفه هو وبهاء !!
لم يخفى عليه حزنه الشديد لشاب بعمره!!
كما لم يخذل هو طلب العمة خديجة السري فيما بعد، بالتقرب له ومصاحبته لأنه وحيد ومستسلم لظروف نفسية قاسية حدثت معه.. تفهم ذلك وأشفق عليه وأحبه أيضًا..!!
لم يعد اهتمامه به تنفيذًا لرغبة العمة، بل نابع من قلبه وشعور صادق بمساعدته حتى يتأقلم مع أحزانه ويتخطاها رويدًا بمرور الأيام!!!
أكاد أسمع تذمر البعض المتسائل عن من أكون!!
لا تؤاخذوني، تكلمت كثيرًا دون أنتباه أني شخص جديد يُطل على سطوركم ولا تعرفونه بعد!!
أنا سيف طبيب بيطري .. عمري 26 عام
أعمل بمزرعة أمتلك بها النصف مع صديق أخر يعمل مهندس زراعي.. تعيش معي أمي بعد وفاة أبي العزيز منذ عام فقط" رحمك الله يا أبي" .. وأخي الكبير بدر الذي تزوج ومستقر حاليا بالقاهرة مع زوجته وطفليه، حيث يعمل هناك مدير للمحاسبة بإحدى الشركات المعروفة!
جميعنا بحالٍ ميسور وهذا من فضل الله علينا..!
والآن بعد أن تعارفنا أعزائي.. دعوني أذهب لذاك البائس، فلن أكون سيف إن لم أبعثر هدؤه، وأبدله بصخب زفاف صديقي .. نعم سأرغمه على حضور زفاف أحدهم!!!!
_ياسيف أبعد عني ، فرح أيه اللي عايزني أحضره معاك، أنا مش معزوم ،ولا اعرف حد فيه!
بهاء متفوهًا عبارته بنفاذ صبر ،بعد إلحاح صديقه سيف لمصاحبته حضور زفاف أحد أصدقائه ..
سيف : يعني هو كل اللي بيحضر فرح بيكون من أصحابه ومعارفه، فك شوية يابهاء، أنت ليه حابس نفسك ،بين شغلك بأرضك وقعدتك لوحدك ومش راضي اعرفك حتى على اصحابي..
بهاء : خليني في حالي يا سيف، أنا مرتاح كده مش عايز اختلاط بحد..!!
زفر بضيق : مش ممكن عزلتك اللي فارضها علي نفسك دي يا بهاء .. ده لو حكم بالسجن، كان زمان مدتك خلصت!
بهاء بابتسامة تحمل بطياتها المرارة : لا وانت الصادق .. دين ولازم أدفعه.. ذنب محتاج أكفر عنه!!
سيف : ده على أساس إن أنا أو غيري ملايكة ؟!!
لولا ارتكاب الذنوب.. ما كان في معنى للتوبة..
ومهما كانت الخطايا ، ربك بيغفرها..
بهاء وهو يتأمل انسحاب الشمس من الافق :
انت ماتعرفش ايه تاعبني..أنا حاسس بحبل ملفوف على رقبتي بيخنقني.. الوحيدة اللي تقدر تطلق صراحي وتحرر روحي ، خلاص مابقيتش موجودة ياسيف!
قال مشفقا عليه :
بس ربنا موجود وتحريرك في قبضته وبرحمته!
ثم واصل: تعرف يابهاء إن الألم ده نعمة!!!
أستدار له بهاء بكلتيه منصتا باهتمام، ، فاستطرد سيف حديثه:
معظم الأمراض الخبيثة والخطيرة، مابتعلنش عن نفسها بالألم، لحد ما تتملك وتستوطن خلاياك، وفجأة تلاقي نفسك على شفا الموت بدون أي استعداد لمواجهته..
لكن لما بتتألم، بتكتشف أنك تعبان ومحتاج علاج!
ومن الألم بيتولد الأمل إنك تسعى وتنقذ نفسك وروحك من الهلاك!
عشان كده يا بهاء أنت ربنا بيحبك لأنك مافضلتش غافل وعاصي.. ألمك وندمك معناه إن ربنا بيقولك في عطب صابك لازم تنتبه عشان تقدر تحدد فين وازاي علاج روحك المعذبة .. ومافيش حاجة تطيب أوجاع أرواحنا زي التوبة والأستغفار .. دي رسالة لازم تفهمها كويس.. أفتح قلبك للدنيا، وخليك على يقين إن ربنا كتبلك الخير!!
صمت سيف يطالع وجهه الذي انعكس تأثير كلماته عليه بشرود وتيه .. فانتشله من صمته الشارد بنبرة صوت مرحة هاتفًا:
ودلوقتي بقا استعد عشان نحضر الفرح سوا ونغير جو.. وإلا اقسم بالله هشيلك غصب عنك لحد هناك!!
************************
الجدة فجر : متتأخريش في الفرح يا سجدة!
سجدة وهي تضع أخر دبوس بحاجبها الأخضر المنسدل على عباءتها السمراء :
حاضر يا جدتي .. مش هتاخر ، لولا انها عزيزة عندي ماكنتش هروح أصلا ..!
الجدة بحنان : لا يانور عين جدتك .. روحي وغيري جو وانبسطي.. المهم متتأخريش في الليل لوحدك!
………… ..
وسط أنوار المصابيح الملونة بضوءها الساطع ، وأجواء مشبعة بالبهجة والفرح، واقفًا بهاء يطالع وجوه الجميع، فهذه أول مرة يحضر فيها مناسبة گ تلك منذ فترة طويلة ، وإحقاقا للحق ، أمتن داخله لصديقه سيف الذي أجبره على المجيء لهذا العُرس المبهج.. فحقا ما قالو ..إن لنفسك عليك حق ، وهو يحتاج تلك الاجواء بشدة لينسى همومه الثقيله الجاثمة على صدره، ولا يضر اقتناص غفوة من الزمن ليعيش لحظات تتلون بالسعادة حتى وإن كانت مؤقتة!
بدأ انبعاث أصوات عاليه وصاخبة لأغاني شعبية لا تخلو منها افراح العامة ..راحت عيناه ترصد تفاعل الجميع، الراقص منهم والمصفق بحرارة ، فعلى هذا الجانب يصنع بعض الرجال دائرة حول العريس يرقصون معه بحماس وخفة ، فابتسم لمهارة أحدهم برقصته ، وبأخر فاجأ الجميع بحمل العريس على كتفيه والدوران والرقص به بأنحاء القاعة!
وعلى مسافة ليست بقليلة أتجه ببصره، فشاهد بعض الفتيات الملتفين حول العروس المتألقة بثوب عُرسها الأبيض ، وكثيرا منهن يشاركها الرقصات بتلوي ومهارة لا تتقنها إلا بنات حواء ..
وأثناء تفحصه الغير المقصود بالجميع ، وقعت عيناه على فتاة ترتدي حجاب أخضر وعباءة سمراء
فضاقت حدقتاه محاولا تذكر هذا الوجه الذي مر على ذاكرته سابقا ، ولكن متى وأين شاهدها؟!
اعتصر ذهنه حتي تذكرها، هي تلك الفتاه التى شاهدها في بيت الجدة فجر..
وكأن سهم نظرته أخترق محيطها حيث تقف!
فحركت سجدة مقلتيها بتلقائية ناحية اليمن قليلا
فاصطدمت بعين أحدهم متفحصا بها..
تأملته للوهلة الأولى لتتذكره هي الأخرى.. فاحمر وجهها وهي تتذكر متى رآته ، وكيف استاءت من وجوده وتناول العشاء معهم ، رغم أنه قدم مساعدة يستحق عليها كل الشكر !
تغاضت عن الأمر برمته بعد أن منحته نظرة نافرة ثم أبتعدت بعينيها عنه ، وأدارت جسدها حتى صار ظهرها يقابله ، مستأنفة تصفيقها وتمايلها الطفيف تماشيا مع تلك النغمات الصاخبة وهي تحمس صديقتها العروس بحركة يديها على الرقص والتمايل!
أبتسم بهاء على تمايلها الذي لا يناسب فتاه بغلظتها
ثم عاد يتابع حركات الجميع منتظرا صديقه سيف بهذا الركن البعيد نوعا ما ..
وبعد قليل انبعثت موسيقى رقصة صعيدية يعشقها بهاء .. راح يتأمل الراقصين عليها .. وإذا به يجد من يجذبه بغته حتى صار بمنتصف دائرة اصدقاء العريس .. وسيف يقذف له عصاه ألتقطها بهاء بمهارة ، لتبدأ الموسيقي بالعزف مرة اخرى ..
وسيف يلوح بعصاته ، ليتحدى بهاء على مشاركته تلك الرقصة الصعيدية، وظل يتلوى وهو يستعرض أمامه حركات متقنة مبهرة بعصاته أمام الجميع ..
فما كان من بهاء إلا قبول التحدي، ومشاركة الصديق رقصته وإظهار براعته هو الأخر!
********************
بكام دي لو سمحت؟
ألتفت معتصم لصاحبة الصوت .. فوجد أمامه فتاة فاتنة بحق، لم تأتي هنا لابتياع شيء من قبل
ويبدو عليها أنها ميسورة الحال ..
فتسأل داخله ، عن سبب وجود فتاه گ تلك بمحلهم المتواضع ، ولا يعتقد أن بضاعتهم الرخيصة تناسب مثلها..!!
أعادت الفتاة أستفسارها عن سعر تلك الشمعة الجذابة متعددة الألوان، حيث يضئ كل لون بها بإضاءة مختلفة مبهرة..
فتنحنح معتصم ليزيل عنه أي اثر لإبهاره بها :
دي ٧٥ ج إن شاء الله يا انسة ..
الفتاه بمكر : مش غالية البتاعة دي يا…………
ثم تصنعت تساؤل بريء: هو حضرتك أسمك أيه؟!
فطن معتصم لمكرها، فرد ببرود مصوبًا بصره عليها، عاقدا ذراعيه امام صدره : وانتي عايزة تعرفي أسمي ليه، يخصك في حاجة.. ؟!
أمتقع وجهها إحراجاً من إجابته ، فمن هو ليعاملها بتلك الفظاظة !
قالت بغيظ تملكها: عادي يعني ، بحب أعرف أسم اللي بكلمه مش أكتر ، أنا مش بكلم وزير يعني عشان ماتقولش أسمك يا……… ياحضرة المهم !
خطى معتصم نحوها بهدوء وثقة ، ثم اقترب قليلا من جانب أذنيها هاتفا بخفوت :
أسمي معتصم…أهم من الوزير عند نفسي!
قربه ونبرة صوته الخافته، وعبقه الذي ملأ محيطها ، أربكها وبعثرها، فابتعدت بمسافة، رامقة أياه بضيق، محاولة إخفاء توترها:
طب يا سيادة الوزير .. أنا عايزة الأحمر والأخضر من الشمعة دي.
أجاب بتسلية : قصدك البتاعه الغالية دي؟!
رمتقه بامتعاض! .. فأكمل بلؤم :
معلش دي أخر واحدة .. بس تقدري تيجي تاني ، وتاخدي التانية .. والوزير بنفسه هيستناكي!
رفعت حاجبيها بذهوله، من يظن نفسه هذا المغرور!
وهتفت ساخرة : لا يا وزير ريح جنابك ، أنا هجيبها من مكان تاني ، ومش هاجي هنا أصلا! .
أستدارت للمغادرة، فأسرع معتصم بقوله :
مش هتلاقيها غير هنا !
التفت له رافعة إحدى حاجبيها بتحدي : وإذا جبت زيها ؟!
معتصم بأبتسامة ثقة :
تعالي وريهاني عشان أتاكد، ولو ماجيتيش .. هعرف انك خسرتي التحدي اللي شايفه في عنيكي ..!
*****************
_يعني ماشوفتيش ابو دبدوب هناك؟
أجابت ندى تساؤل رغد وهي تجلس جوارها ، حيث اتفقا على لقاء ثلاثتهم بتلك الكافيتريا القريبة :
لأ… كان في واحد تاني اسمه معتصم ، شكله شريكه!
قالت اروى التي بدا عليها الاعتراض على زيارة صديقتها من الأساس، فلم تكن على علم بتلك الخطوة ، فقط انبأتها رغد بالتصرف ولكن لم تخبرها كيف :
انا مش فاهمة أصلا ليه يارغد تبعتي ندى هناك ، وافرضي شافته .. هتقوله ايه.. ؟!
صاحبتي بتقولك انت تعرفها منين وعايز منها ايه؟
ثم اسطردت بصوت ساخر :
ناقص تاخدولي منه معاد عشا على ضوء الشموع!
رغد : يابنتي لازم نعرف مين ده ، ويعرفك ازاي وأمتي؟! .. طب بذمتك مش نفسك تعرفي هو مين؟
اذا كنت أنا ذات نفسي هموت واعرف!
اروى كذبًا : لأ طبعا ولا في دماغي !!
رغد بنظرة خبيثة : طب عيني في عينك كدة !!
امال مين اللي فضلت تقولي كلامه وصل قلبي وإشارة خفية وموجات صوتية وإشاعات مقطعية و………… .
باغتتها أروى بضربة أعلى رأسها :
احترمي نفسك بقا، وماتحشريش مناخيرك في كل حاجة ..ثم استطرت حديثها بكبرياء :
أنا ما اجريش ورى حد .. حتي لو اعترفت بذكاؤه في طريقة لفت نظري ..بس ده مش معناه اني اتخلى عن كبريائي وادور عليه يا رغد ..!
قالت ندي بصوت رقيق هائم وغير واعية لحالتها :
بس تعرفي يا أروى ، لو كان بلال ده شبه صاحبه معتصم، يبقى يابختك بيه ، ويستاهل تدوري عليه!
همت أروي بقول شيء، فقاطعتها رغد مشمرة عن أكمام ذراعيها وكأنها ستخوض حرباً :
لا لا لا ..سيبيلي أنا الطالعة دي يا معلمة!
ثم التفت رغد لندى مقلدة صوتها الهائم بشكل مضحك :
وشكله أيه بقا الدلعدي معتصم ده يا حونينة ..!
ندي بصوت غليظ مغاير تمام لصوتها الرقيق، بعد أن فضحتها عيناها وكشفت تأثرها بهذا المعتصم :
جري أيه ياكرمبو !! انتي هتسيبي المسكينة دي ، وتمسكيني انا ؟!
ثم امسكت انفها بقسوة قائلة : مسيري اعملك استئصال لمناخيرك الكبيرة دي يا حشرية انتي..!
تمتمت رغد بغضب وهي تفرك انفها بألم: ابو غبائك يا شيخة .. بني آدمه فاشلة أصلا ..!
أروى ضاحكةً على احمرار انف رغد : تستاهلي ، عشان تخليكي في حالك بعد كدة ..
رمقتهما رغد بامتعاض ، ثم اقتربت من أروى وقالت بجدية أوجست أروى منها:
بقولك أيه ، انتي هتلبسي السلسلة بتاعة ابو دبدوب؟!
اروى بشكل قاطع : لأ طبعاً ..
رغد بود ورقة لا تليق بها : طب ما تسليفهاني ألبسها في عيد جواز امي وابويا
اروى بمكر : وماله يا روحي .. وهي هتخس يعني
بكرة اجيبهالك تلبسيها براحتك ..!
ثم طلبت اوردر غداء باظ الثمن ، وبعد فراغ ثلاثتهم من التهام الطعام أستاذنت أروى بمصاحبة ندى تاركين رغد بمفردها لحين عودتهما ..
وبعد قليل ، أتى النادل ( عامل المطعم) .. واضعا مغلف به ورقة صغيرة، قائلا بتهذيب لرغد : عفوا حضرتك ، أصحابك طلبوا شيك الحساب هنا ..!
ضيقت رغد حدقتاها :
أصحابك مين ؟! وشيك حساب بتاع أيه؟!
النادل : حضرتك في بنتين طلبوا حساب الأوردر بتاع حضراتكم، وقالوا إن الحساب عندك، ومشيوا ..
رغد بصوت عالي، متناسية من حولها :
نننننعممم! .. مشيوا ..!
ثم انتبهت لعلو صوتها ، والنظرات المشمئزة في أعين الجميع حولها ..! فتمتمت بخفوت لذاتها :
وديني لاربيكي يا أروى انتي والبت المسهوكة التانية!
تظاهرت باللامبالة ،قائلة بكبرياء وادعاء كاذب :
أيوة صح افتكرت .. أنا اللي عازماهم، أصلهم غلابة أوي ،مايقدروش يتغدوا هنا من غيري ..
أحم… ثواني حضرتك اشوف قيمة الشيك كام..!
ما أن وقعت عيناها على الرقم المطلوب سداده، حتى انتابها الحنق منهما قائلة بصوت غير مسموع : اه يامفجوعة منك ليها، وأنا عمالة أقول مالهم بياكلوا بطفاسة كدة ليه ..! يارب أسترني وألاقي فلوس في الشنطة تكفي ..!
واستدارت بابتسامة بلهاء منحتها للشاب عامل المطعم : لحظة حضرتك ..!
اومأ الشاب برأسه صامتا، فظلت تبحث عن حقيبتها ، ثم تذكرت بغتة ، طلب ندى الغريب بإستعارة ، بعض ادوات التجميل منها،فأعطتها رغد الحقيبة كاملة ، مطمئنة لعودتهما معا ،ثم تذكرت بعض رسائل الواتس التي صدح صوتها بنفس التوقيت بهاتفيهما، فعلمت ببساطة أنه كان حديث متبادل بينهما لخططهم الماكرة ..!
فقالت بدون وعي : اه يابنت اللذينا أنتي والتانية، يمين بالله ما هرحمكم!
النادل : في اي مشكلة حضرتك؟!!
رغد بصوتٍ مختنق : هو المطبخ فين؟
الشاب باندهاش : مطبخ ؟! تقصدي حضرتك التويليت ؟!
هزت رغد رأسها بنفي : لا التويليت ده أما اخلص شغل المطبخ إن شاء الله!!
ثم هتفت بصوت اقرب للبكاء :
إحياة عيالك ما توديني القسم ..!
********************************
لا يصدق إلى الآن أنه رقص وضحك ومضى سهرة مبهجة بين رفاق سيف الذين شاركوهم الرقصة أيضًا بحماس.. تذكر كيف تفاعل الجميع والتف حولهم ، وتحول هو محور حديثهم فيما بعد ، واكتشف انه الملقب بينهم " بالغريب " حيث لا يعرفه أحد غير سيف وكم اندمج معهم واستطاع تناسي كل أوجاعه ولو بضعة ساعات ، وكم احتاج لهذا الإسقاط المؤقت بشدة من ذاكرته.. وكأنه لا يؤلمه شيء، يضحك ويرقص ويعيش شبابه، بعد أن أصاب روحه الشيب!
ساكنًا بأعماق بئر عميق مظلم وكأنه منفى.. ربما هي مجازفة ولكن لها متعتها، بأن تتسلق تعاريج جدار هذا البئر بقدميك وترفع رأسك منه لتتنفس بعض الهواء ، حتى وإن انحدرت قدماك داخله مرة أخري .. فيكفيك أنك خوضت تلك التجربة ولو برهه خاطفه من الزمن، ثم تعود كما كنت لمنفاك..!!!
*****************
أطفأت مصباح غرفتها ، تأهبًا للنوم ، بعد أن اطمأنت على جدتها فجر فور عودتها من زفاف صديقتها
أضجعت سجدة على جانبها الأيمن ، مشبكة أصابع كفها أسفل خدها ، واغمضت عيناها لتستدعي النوم
فمر بخيالها صورة هذا الغريب ، الذي رقص ببراعة على تلك الانغام الصعيدية المشهورة ، لا تنكر اعجابها الخفي به ، حين. رأته يرقص مع الرفاق، وكم ازداد وسامة حين ضحك محياه ، ولكن لسبب تجهله كانت تكسو ضحكاته تلك، مسحة حزن جليه لها ، لا تعرف لما تعمقت هكذا بترجمة افعاله وضحكاته، حتى أنها دون أن تنتبه كانت تتأملته ، فظبطها الغريب بنظرتها له فجأة ، فأكلها الخجل ، وتجاهلته على الفور ورحلت سريعا !
تُرى!.. هل تلوح في الأفق قصة جديدة؟
هل ستتلاقى الخُطى بنفس الطريق، وتتغير أقدار كلًا منهما بالتحام روحي يقلب الموازين ويحطم الحصون والأسوار .. دعونا معا نترقب القادم.. !
***************