رواية رهان في محراب العشق كامله وحصريه بقلم نور محمد
_"أنا قولت اللي عندي يا عُمر.. إحنا لازم نسيب بعض، وكل واحد فينا يروح لحاله."
عُمر بصدمة وعينيه بتطق شرار، وهو بيمسح على شعره الكثيف بعصبية: "أنتِ اتجننتي يا نور؟ تسيبي مين وتروحي فين؟ إحنا بقالنا تلات سنين مع بعض، والجامعة كلها عارفة إننا لبعض.. إيه اللي حصل في دماغك فجأة؟ حد ضحك عليكي بكلمتين؟"
في كافتيريا الجامعة الارستقراطیة، حيث الموسيقى الصاخبة والضحكات المتعالية، كانت الأجواء تبدو عادية جداً، لحد ما ارتفع صوت خبطة قوية على الطرابيزة لفتت انتباه كل اللي قاعدين.
نور بدموع محبوسة في عينيها وثبات مصطنع: "أنا قولت اللي عندي يا عُمر.. إحنا لازم نسيب بعض، وكل واحد فينا يروح لحاله."
عُمر بصدمة وعينيه بتطق شرار، وهو بيمسح على شعره الكثيف بعصبية:"أنتِ اتجننتي يا نور؟ تسيبي مين وتروحي فين؟ إحنا بقالنا تلات سنين مع بعض، والجامعة كلها عارفة إننا لبعض.. إيه اللي حصل في دماغك فجأة؟ حد ضحك عليكي بكلمتين؟"
نور بتاخد نفس عميق، وبتبص في عينيه بقوة غريبة عليها: "محدش ضحك عليا، أنا اللي كنت مضحوك عليا وفوقت! علاقتنا دي آخرتها إيه يا عُمر؟ خروجات وسهر وكلام في التليفون لوش الفجر.. وبعدين؟ فين الحلال في اللي بنعمله ده؟ أنا بقيت بخاف من ربنا، وبخاف على نفسي.. أنا مش هكمل في طريق بيغضب ربنا علشان أرضيك."
عُمر بضحكة سخرية مستفزة، وهو بيرمي مفاتيح عربيته على الطرابيزة: "حلال إيه وحرام إيه دلوقتي؟ ما إحنا كنا كويسين! من إمتى دور الشيخة ده؟ ومين اللي حط في دماغك التخاريف دي؟"
نور بحدة وغيرة على دِينها: "دي مش تخاريف! ده دِيني اللي أنا كنت ناسياه.. وخديجه ربنا يجازيها خير هي اللي فتحت عيني. قالتلي إن اللي بيحب بجد بيخاف على حبيبته من غضب ربنا، وبيخبط على باب بيتها مش بيقابلها في الكافيهات في السر. لو كنت بتحبني بجد يا عُمر، كنت جيت اتقدمتلي.. بس أنت بتتسلى.. وعن إذنك، دي آخر مرة هتشوفني فيها."
سابت نور المكان ومشيت بخطوات سريعة، كأنها بتهرب من سجن كانت محبوسة فيه سنين. سابت وراها "عُمر الألفي"، الشاب الوسيم، المغرور، سليل العائلات الغنية، اللي متعود إن البنات هي اللي بتجري وراه، مش بتسيبه وكمان بتديله درس في الأخلاق! روايه رهان في محراب العشق بقلمي نور محمد
في ركن تاني من الكافتيريا..
كان زياد (صاحب عُمر الانتيم) قاعد بيتابع المشهد من بعيد، لحد ما نور مشيت. قام بسرعة وراح قعد قدام عُمر اللي كان بيغلي من الغضب.
زياد ببرود وهو بيشرب القهوة: "يا عم كبر دماغك.. غارت في داهية، دي بنت نكدية أصلاً. الجامعة مليانة بنات تتمنى بس بصة من عُمر الألفي."
عُمر خبط بإيده على الطرابيزة بغل:"أنت غبي ياض؟ أنا مش زعلان عليها، أنا زعلان على كرامتي! أنا عُمر الألفي حتة بت زي دي تسيبني؟ والأدهى إيه؟ بتسيبني علشان الحرام والحلال؟ ده أنا كنت بلعب بيها لعب!"
زياد بضحكة مكتومة: "طيب ما ده اللي مزعلك، إن اللعبة خلصت قبل ما أنت اللي تنهيها. بس بصراحة، البت اللي اسمها خديجة دي عملت قلق في الجامعة كلها. مش نور بس اللي اتغيرت، ده أنا كمان صاحبتي (مايا) سابتني امبارح وقالتلي نفس البؤين بتوع علاقة غير شرعية وغضب ربنا!"
عُمر انتبه لكلام زياد، وعينيه ضاقت بخبث:"بتقول مين؟ خديجة؟ مين خديجة دي اللي ممشية بنات الجامعة وراها زي القطيع؟"
زياد بتوضيح: "دي بنت في كلية آداب، لسه محولة عندنا السنة دي. بنت غلبانة كده وعلى قد حالها، بس لسانها بينقط سكر، وعليها كاريزما بنت لذينا في الكلام. بتلم البنات حواليها في الاستراحة، وتفضل تقرألهم قرآن وتكلمهم عن الحب في الله والعفة.. لحد ما غسلت دماغ نص بنات الجامعة، وبوظت علينا سوق الارتباط كله!"
عُمر ابتسم ابتسامة شيطانية، وعينيه لمعت بتحدي: "حلو أوي.. حلو جداً كمان. البت دي دخلت في سكتي، وبوظتلي بريستيجي قدام الجامعة كلها.. وأنا بقى هعرفها إزاي تلعب مع عُمر الألفي."
زياد بخوف مصطنع: "يا ساتر على الشر اللي في عينيك! هتعمل إيه يا مجنون؟ دي بنت بتاعة ربنا ومفيش في دماغها الكلام بتاعنا ده."
عُمر بثقة وغرور: "بتاعة ربنا؟ مفيش بنت على وش الأرض مابتضعفش قدام الاهتمام والفلوس والوسامة.. أنا هخلي الشيخة خديجة دي، تقع في حبي، وتتجنن عليا، وتبقى ماشية ورايا زي ضلي.. وفي الآخر، هكسر قلبها قدام الجامعة كلها، علشان تبقى عبرة لأي حد يفكر يبوظلي مزاجي."
زياد بإعجاب: "أنت شيطان يا بني والله! بس خلي بالك، النوع ده من البنات بيبقى صعب، ووقعتهم بتبقى بكسرة."
عُمروهو بيقوم من مكانه ببرود: "عُمر الألفي مفيش حاجة تصعب عليه. الشاطر اللي يضحك في الآخر يا زياد.. يلا بينا علشان عايز أروح أراقب (الفريسة) بتاعتي من بعيد."
في حديقة الجامعة (مدرج الخضرة والهدوء)..
بعيداً عن دوشة الكافتيريا، كانت قاعدة
خديجة.
بنت بملامح هادية جداً، عينيها واسعة وفيها لمحة حزن دفين، بشرتها بيضا وصافية زي الأطفال، ولابسة خمار لونه كشمير هادي، واسع ومريح، بيديها هالة من النور والسكينة.
كانت قاعدة على النجيل، وحواليها أكتر من عشر بنات، كلهم باصين لها بانبهار ومركزين في كل كلمة بتقولها.
خديجة بصوت هادي ومليان حنية: "يا بنات، ربنا سبحانه وتعالى لما خلق القلب، خلقه علشان يكون وعاء لحبه هو أولاً. تخيلوا كده إن قلبك ده قصر عظيم، المفروض الملك اللي يسكن فيه هو (حب الله).. ينفع بقى تجيبي حد غريب، لا هو جوزك في الحلال ولا هو من محارمك، وتقعديه على العرش ده؟"
واحدة من البنات بدموع: "بس يا خديجة الحب غصب عننا.. أنا بحبه أوي ومش قادرة أبعد عنه، قلبي بيوجعني لما بفكر إني هسيبه."
خديجة ابتسمت بحنان، ومسكت إيد البنت:"مين قالك إن الحب حرام يا حبيبتي؟ ده النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا يُرى للمتحابين مثل النكاح). الحب طاهر، بس إحنا اللي بنلوثه لما بنمشيه في سكة الحرام. لو هو بيحبك بجد وبيخاف عليكي، هيخاف إن ربنا يعاقبه فيكي. الشيطان شاطر، بيزين لنا المكالمات والخروجات ويقولك (مافيش حاجة، ده أنتوا نيتكم جواز).. بس الحقيقة إن (ما بُني على باطل فهو باطل)."
بنت تانية بحيرة:"طيب أعمل إيه؟ أنا سيبته بس حاسة بفراغ رهيب، حاسة إني وحيدة."
خديجة بلمعة يقين في عينيها:"عوضي الفراغ ده بصاحب العوض! الجئي لربنا، افرشي سجادتك في قيام الليل، وابكي وقوليله (يا رب أنا تركت ده علشانك، فعوضني خير منه). صدقيني، (مَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ). اشغلي وقتك بالقرآن، بالصحبة الصالحة، بتطوير نفسك.. وهتلاقي ربنا بيمسح على قلبك بسكينة عمرك ما حسيتي بيها."
البنات كانوا متأثرين جداً، في اللي بتعيط، وفي اللي بتبتسم براحة كأن جبل انزاح من على صدرها. وسط الجو الروحاني ده، كان في عيون بتراقب من بعيد!
كان عُمر واقف ورا شجرة، ساند عليها، ومكتف إيديه. كان سامع كل كلمة خديجة بتقولها. للحظة، حس بذبذبة غريبة في صدره من نبرة صوتها الهادية.. بس سرعان ما نفض الشعور ده، وابتسم بسخرية وهو بيكلم نفسه: "يا سلام على الدراما! ممثلة شاطرة أوي.. بس أنا هخليكي تمثلي دور العاشقة الولهانة قريب أوي يا خديجة."
روايه رهان في محراب العشق بقلمي نور محمد
في المساء - في حي شعبي بسيط..
وصلت خديجة لبيتها بعد يوم طويل في الجامعة. البيت كان في حارة بسيطة، شقة صغيرة في الدور الرابع، بس مليانة دفا وحنیة.
فتحت الباب بالمفتاح، ودخلت وهي بتسمي الله. لقت والدها (عم محمود) راجل في أواخر الخمسينات، قاعد على الكنبة بيكح جامد، وإيده بترتعش وهو بيمسك كوباية الشاي.
خديجة رمت شنطتها وجريت عليه بلهفة: "بابا! حبيب قلبي مالك؟ الكحة زادت عليك تاني ليه؟ أنت ما أخدتش الدوا في ميعاده صح؟"
عم محمود بابتسامة متعبة وهو بيطبطب على إيدها: "يا بنتي أنا بخير والله، دي شوية برد من هوا الشارع وأنا راجع من الورشة. ما تشغليش بالك أنتِ، عملتي إيه في كليتك النهارده؟"
خديجة وهي بتبوس إيده: "يا بابا أنا مش قولتلك بلاش شغل الورشة ده؟ أنت تعبان والدكتور محذرنا من المجهود. أنا ممكن أنزل أدي دروس للأطفال في الحارة ونمشي حالنا."
عم محمود بصرامة ممزوجة بحنية:"أقطع دراعي قبل ما أخلي بنتي اللي في عز شبابها تشيل هم مصاريف البيت! أنتِ تركزي في دراستك وبس، عايزك تطلعي الأولى وتتعيني معيدة.. وأختك (سلمى) في ثانوية عامة ومحتاجة مصاريف. سيبي الرزق على الرزاق يا خديجة، ربنا ما بينساش حد."
في اللحظة دي خرجت سلمى (أخت خديجة الصغيرة) من الأوضة، ومعاها كتاب الفيزياء.
سلمى بمرح وتذمر طفولي:"أخيراً الشيخة خديجة شرفت! يا بنتي أنا مخي ورم من الفيزياء، تعالي اشرحيلي المسألة دي أحسن هرمي نفسي من البلكونة."
خديجة ضحكت من قلبها، وراحت حضنت أختها: "بعد الشر عليكي يا لمضة. حاضر هغير هدومي وأتوضى وأصلي العشا، وأقعد معاكي لحد ما تفهميها. بس خلي بالك، لو ما ركزتيش هعلقك!"
دخلت خديجة أوضتها البسيطة جداً. غيرت هدومها، ووقفت تصلي. في سجودها، دموعها نزلت بصمت. دعت ربنا يشفي أبوها، ويوفق أختها، ويحفظ قلبها من فتن الدنيا. كانت بتستمد قوتها من اللحظات دي، اللحظات اللي بتكون فيها بين إيدين ربنا.
في نفس الوقت - في فيلا عائلة الألفي..
على النقيض تماماً، كان عُمر في أوضته الفخمة اللي مساحتها أكبر من شقة خديجة كلها. المزيكا الأجنبية شغالة بصوت عالي، وهو واقف قدام المراية، بيقيس كذا طقم علشان يختار هيلبس إيه بكرة للـ "مهمة" الجديدة.
دخلت والدته (شيريهان هانم)، ست أرستقراطية بتهتم بالمظاهر فوق أي حاجة.
شيريهان بانزعاج من الصوت: "عُمر! وطي الدوشة دي. وبعدين أنت مش كنت المفروض خارج مع (نور) النهارده تسهروا في النادي؟"
عُمر وهو بيرش البيرفيوم ببرود: "نور دي ماضي يا شيري.. خلاص، فركشنا."
شيريهان (بصدمة):"فركشتوا؟ ليه؟ دي بنت عيلة محترمة جداً وأبوها لواء.. إزاي تسيبها؟"
عُمر بضيق: "ماما، أنا مش هتجوزها يعني، كنا بنتسلى! وهي قلبتها نكد وأنا ما بحبش وجع الدماغ. ريحي دماغك أنتِ، أنا ورايا هدف تاني خالص الأيام دي، وهدف محتاج تركيز."
شيريهان بعدم فهم: "هدف إيه؟ ربنا يهديك يا عُمر وتركز في دراستك وفي شركة أبوك اللي هتمسكها بدل الطيش ده."
خرجت وسابته، وهو بص لنفسه في المراية، وابتسم ابتسامة واثقة:"بكرة هتبدأ اللعبة يا خديجة.. هخليكي تشوفي الوجه الملاك لعُمر الألفي، لحد ما تقعي في الفخ بإرادتك."
اليوم التالي - في ساحة الجامعة..
كانت خديجة ماشية لوحدها شايلة شوية كتب تقيلة، متجهة للمكتبة. فجأة، حست بحد ماشي جنبها بيوازي خطواتها.
بصت بطرف عينيها، لقت شاب وسيم جداً، لابس قميص أبيض بسيط، وبنطلون جينز، ملامحه هادية (على غير عادته)، وفي عينيه نظرة انكسار واضحة.
عُمر بصوت هادي، وبنبرة فيها رجاء: "أنسة خديجة؟ ممكن من وقتك دقيقة واحدة بس؟ أنا عارف إن وقفتي معاكي ممكن تضايقك، بس أنا بجد محتاج مساعدة."
وقفت خديجة مكانها، وبصت للأرض احتراماً، ورفعت عينيها ثانية واحدة بس شافته فيها. حست بقلبها بيدق بخوف غير مبرر، بس حافظت على ثباتها.
خديجة بجدية وحدود واضحة: "أفندم يا أستاذ؟ مساعدة إيه اللي هقدر أقدمها لحضرتك؟ لو بتسأل عن مدرج أو محاضرة، ممكن تسأل أمن الجامعة."
عُمر أخد نفس عميق، ومثل دور الشاب التايه ببراعة: "لا، أنا مش بسأل عن مدرج.. أنا بسأل عن طريق لربنا! أنا سمعتك بالصدفة امبارح وأنتِ بتتكلمي مع البنات.. أنا شاب عندي كل حاجة، فلوس، وعربيات، وعيلة.. بس قلبي فاضي وميت. أنا تايه ومخنوق وحاسس إن دنيتي سودة، وكلامك امبارح لمس حاجة جوايا كان بقالها سنين ميتة.. ممكن تدليني أبدأ إزاي؟ أنا بجد خايف أموت وأنا بالضياع ده!"
الكلمات نزلت على خديجة زي الصاعقة. هي متعودة تنصح البنات، لكن شاب ييجي يطلب منها الهداية؟ دي حاجة جديدة عليها. بصت في عينيه، شافت فيها (التمثيلية اللي هو راسمها باحترافية)، بس قلبها النقي صدق إن ده إنسان بيغرق ومحتاج قشة يتعلق بيها.
خديجة بتردد، وصوتها بدأ يلين شوية من الشفقة:"الهداية من عند ربنا يا أستاذ، مش مني.. اللي أقدر أقولهولك إن باب التوبة مفتوح. ابدأ بالصلاة، الصلاة هي النور اللي هينورلك ضلمة قلبك.."
وقبل ما تكمل كلامها، عُمر قاطعها بخطوة جريئة، و.......
يتبع...
عُمر بصدمة وعينيه بتطق شرار، وهو بيمسح على شعره الكثيف بعصبية: "أنتِ اتجننتي يا نور؟ تسيبي مين وتروحي فين؟ إحنا بقالنا تلات سنين مع بعض، والجامعة كلها عارفة إننا لبعض.. إيه اللي حصل في دماغك فجأة؟ حد ضحك عليكي بكلمتين؟"
في كافتيريا الجامعة الارستقراطیة، حيث الموسيقى الصاخبة والضحكات المتعالية، كانت الأجواء تبدو عادية جداً، لحد ما ارتفع صوت خبطة قوية على الطرابيزة لفتت انتباه كل اللي قاعدين.
نور بدموع محبوسة في عينيها وثبات مصطنع: "أنا قولت اللي عندي يا عُمر.. إحنا لازم نسيب بعض، وكل واحد فينا يروح لحاله."
عُمر بصدمة وعينيه بتطق شرار، وهو بيمسح على شعره الكثيف بعصبية:"أنتِ اتجننتي يا نور؟ تسيبي مين وتروحي فين؟ إحنا بقالنا تلات سنين مع بعض، والجامعة كلها عارفة إننا لبعض.. إيه اللي حصل في دماغك فجأة؟ حد ضحك عليكي بكلمتين؟"
نور بتاخد نفس عميق، وبتبص في عينيه بقوة غريبة عليها: "محدش ضحك عليا، أنا اللي كنت مضحوك عليا وفوقت! علاقتنا دي آخرتها إيه يا عُمر؟ خروجات وسهر وكلام في التليفون لوش الفجر.. وبعدين؟ فين الحلال في اللي بنعمله ده؟ أنا بقيت بخاف من ربنا، وبخاف على نفسي.. أنا مش هكمل في طريق بيغضب ربنا علشان أرضيك."
عُمر بضحكة سخرية مستفزة، وهو بيرمي مفاتيح عربيته على الطرابيزة: "حلال إيه وحرام إيه دلوقتي؟ ما إحنا كنا كويسين! من إمتى دور الشيخة ده؟ ومين اللي حط في دماغك التخاريف دي؟"
نور بحدة وغيرة على دِينها: "دي مش تخاريف! ده دِيني اللي أنا كنت ناسياه.. وخديجه ربنا يجازيها خير هي اللي فتحت عيني. قالتلي إن اللي بيحب بجد بيخاف على حبيبته من غضب ربنا، وبيخبط على باب بيتها مش بيقابلها في الكافيهات في السر. لو كنت بتحبني بجد يا عُمر، كنت جيت اتقدمتلي.. بس أنت بتتسلى.. وعن إذنك، دي آخر مرة هتشوفني فيها."
سابت نور المكان ومشيت بخطوات سريعة، كأنها بتهرب من سجن كانت محبوسة فيه سنين. سابت وراها "عُمر الألفي"، الشاب الوسيم، المغرور، سليل العائلات الغنية، اللي متعود إن البنات هي اللي بتجري وراه، مش بتسيبه وكمان بتديله درس في الأخلاق! روايه رهان في محراب العشق بقلمي نور محمد
في ركن تاني من الكافتيريا..
كان زياد (صاحب عُمر الانتيم) قاعد بيتابع المشهد من بعيد، لحد ما نور مشيت. قام بسرعة وراح قعد قدام عُمر اللي كان بيغلي من الغضب.
زياد ببرود وهو بيشرب القهوة: "يا عم كبر دماغك.. غارت في داهية، دي بنت نكدية أصلاً. الجامعة مليانة بنات تتمنى بس بصة من عُمر الألفي."
عُمر خبط بإيده على الطرابيزة بغل:"أنت غبي ياض؟ أنا مش زعلان عليها، أنا زعلان على كرامتي! أنا عُمر الألفي حتة بت زي دي تسيبني؟ والأدهى إيه؟ بتسيبني علشان الحرام والحلال؟ ده أنا كنت بلعب بيها لعب!"
زياد بضحكة مكتومة: "طيب ما ده اللي مزعلك، إن اللعبة خلصت قبل ما أنت اللي تنهيها. بس بصراحة، البت اللي اسمها خديجة دي عملت قلق في الجامعة كلها. مش نور بس اللي اتغيرت، ده أنا كمان صاحبتي (مايا) سابتني امبارح وقالتلي نفس البؤين بتوع علاقة غير شرعية وغضب ربنا!"
عُمر انتبه لكلام زياد، وعينيه ضاقت بخبث:"بتقول مين؟ خديجة؟ مين خديجة دي اللي ممشية بنات الجامعة وراها زي القطيع؟"
زياد بتوضيح: "دي بنت في كلية آداب، لسه محولة عندنا السنة دي. بنت غلبانة كده وعلى قد حالها، بس لسانها بينقط سكر، وعليها كاريزما بنت لذينا في الكلام. بتلم البنات حواليها في الاستراحة، وتفضل تقرألهم قرآن وتكلمهم عن الحب في الله والعفة.. لحد ما غسلت دماغ نص بنات الجامعة، وبوظت علينا سوق الارتباط كله!"
عُمر ابتسم ابتسامة شيطانية، وعينيه لمعت بتحدي: "حلو أوي.. حلو جداً كمان. البت دي دخلت في سكتي، وبوظتلي بريستيجي قدام الجامعة كلها.. وأنا بقى هعرفها إزاي تلعب مع عُمر الألفي."
زياد بخوف مصطنع: "يا ساتر على الشر اللي في عينيك! هتعمل إيه يا مجنون؟ دي بنت بتاعة ربنا ومفيش في دماغها الكلام بتاعنا ده."
عُمر بثقة وغرور: "بتاعة ربنا؟ مفيش بنت على وش الأرض مابتضعفش قدام الاهتمام والفلوس والوسامة.. أنا هخلي الشيخة خديجة دي، تقع في حبي، وتتجنن عليا، وتبقى ماشية ورايا زي ضلي.. وفي الآخر، هكسر قلبها قدام الجامعة كلها، علشان تبقى عبرة لأي حد يفكر يبوظلي مزاجي."
زياد بإعجاب: "أنت شيطان يا بني والله! بس خلي بالك، النوع ده من البنات بيبقى صعب، ووقعتهم بتبقى بكسرة."
عُمروهو بيقوم من مكانه ببرود: "عُمر الألفي مفيش حاجة تصعب عليه. الشاطر اللي يضحك في الآخر يا زياد.. يلا بينا علشان عايز أروح أراقب (الفريسة) بتاعتي من بعيد."
في حديقة الجامعة (مدرج الخضرة والهدوء)..
بعيداً عن دوشة الكافتيريا، كانت قاعدة
خديجة.
بنت بملامح هادية جداً، عينيها واسعة وفيها لمحة حزن دفين، بشرتها بيضا وصافية زي الأطفال، ولابسة خمار لونه كشمير هادي، واسع ومريح، بيديها هالة من النور والسكينة.
كانت قاعدة على النجيل، وحواليها أكتر من عشر بنات، كلهم باصين لها بانبهار ومركزين في كل كلمة بتقولها.
خديجة بصوت هادي ومليان حنية: "يا بنات، ربنا سبحانه وتعالى لما خلق القلب، خلقه علشان يكون وعاء لحبه هو أولاً. تخيلوا كده إن قلبك ده قصر عظيم، المفروض الملك اللي يسكن فيه هو (حب الله).. ينفع بقى تجيبي حد غريب، لا هو جوزك في الحلال ولا هو من محارمك، وتقعديه على العرش ده؟"
واحدة من البنات بدموع: "بس يا خديجة الحب غصب عننا.. أنا بحبه أوي ومش قادرة أبعد عنه، قلبي بيوجعني لما بفكر إني هسيبه."
خديجة ابتسمت بحنان، ومسكت إيد البنت:"مين قالك إن الحب حرام يا حبيبتي؟ ده النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا يُرى للمتحابين مثل النكاح). الحب طاهر، بس إحنا اللي بنلوثه لما بنمشيه في سكة الحرام. لو هو بيحبك بجد وبيخاف عليكي، هيخاف إن ربنا يعاقبه فيكي. الشيطان شاطر، بيزين لنا المكالمات والخروجات ويقولك (مافيش حاجة، ده أنتوا نيتكم جواز).. بس الحقيقة إن (ما بُني على باطل فهو باطل)."
بنت تانية بحيرة:"طيب أعمل إيه؟ أنا سيبته بس حاسة بفراغ رهيب، حاسة إني وحيدة."
خديجة بلمعة يقين في عينيها:"عوضي الفراغ ده بصاحب العوض! الجئي لربنا، افرشي سجادتك في قيام الليل، وابكي وقوليله (يا رب أنا تركت ده علشانك، فعوضني خير منه). صدقيني، (مَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ). اشغلي وقتك بالقرآن، بالصحبة الصالحة، بتطوير نفسك.. وهتلاقي ربنا بيمسح على قلبك بسكينة عمرك ما حسيتي بيها."
البنات كانوا متأثرين جداً، في اللي بتعيط، وفي اللي بتبتسم براحة كأن جبل انزاح من على صدرها. وسط الجو الروحاني ده، كان في عيون بتراقب من بعيد!
كان عُمر واقف ورا شجرة، ساند عليها، ومكتف إيديه. كان سامع كل كلمة خديجة بتقولها. للحظة، حس بذبذبة غريبة في صدره من نبرة صوتها الهادية.. بس سرعان ما نفض الشعور ده، وابتسم بسخرية وهو بيكلم نفسه: "يا سلام على الدراما! ممثلة شاطرة أوي.. بس أنا هخليكي تمثلي دور العاشقة الولهانة قريب أوي يا خديجة."
روايه رهان في محراب العشق بقلمي نور محمد
في المساء - في حي شعبي بسيط..
وصلت خديجة لبيتها بعد يوم طويل في الجامعة. البيت كان في حارة بسيطة، شقة صغيرة في الدور الرابع، بس مليانة دفا وحنیة.
فتحت الباب بالمفتاح، ودخلت وهي بتسمي الله. لقت والدها (عم محمود) راجل في أواخر الخمسينات، قاعد على الكنبة بيكح جامد، وإيده بترتعش وهو بيمسك كوباية الشاي.
خديجة رمت شنطتها وجريت عليه بلهفة: "بابا! حبيب قلبي مالك؟ الكحة زادت عليك تاني ليه؟ أنت ما أخدتش الدوا في ميعاده صح؟"
عم محمود بابتسامة متعبة وهو بيطبطب على إيدها: "يا بنتي أنا بخير والله، دي شوية برد من هوا الشارع وأنا راجع من الورشة. ما تشغليش بالك أنتِ، عملتي إيه في كليتك النهارده؟"
خديجة وهي بتبوس إيده: "يا بابا أنا مش قولتلك بلاش شغل الورشة ده؟ أنت تعبان والدكتور محذرنا من المجهود. أنا ممكن أنزل أدي دروس للأطفال في الحارة ونمشي حالنا."
عم محمود بصرامة ممزوجة بحنية:"أقطع دراعي قبل ما أخلي بنتي اللي في عز شبابها تشيل هم مصاريف البيت! أنتِ تركزي في دراستك وبس، عايزك تطلعي الأولى وتتعيني معيدة.. وأختك (سلمى) في ثانوية عامة ومحتاجة مصاريف. سيبي الرزق على الرزاق يا خديجة، ربنا ما بينساش حد."
في اللحظة دي خرجت سلمى (أخت خديجة الصغيرة) من الأوضة، ومعاها كتاب الفيزياء.
سلمى بمرح وتذمر طفولي:"أخيراً الشيخة خديجة شرفت! يا بنتي أنا مخي ورم من الفيزياء، تعالي اشرحيلي المسألة دي أحسن هرمي نفسي من البلكونة."
خديجة ضحكت من قلبها، وراحت حضنت أختها: "بعد الشر عليكي يا لمضة. حاضر هغير هدومي وأتوضى وأصلي العشا، وأقعد معاكي لحد ما تفهميها. بس خلي بالك، لو ما ركزتيش هعلقك!"
دخلت خديجة أوضتها البسيطة جداً. غيرت هدومها، ووقفت تصلي. في سجودها، دموعها نزلت بصمت. دعت ربنا يشفي أبوها، ويوفق أختها، ويحفظ قلبها من فتن الدنيا. كانت بتستمد قوتها من اللحظات دي، اللحظات اللي بتكون فيها بين إيدين ربنا.
في نفس الوقت - في فيلا عائلة الألفي..
على النقيض تماماً، كان عُمر في أوضته الفخمة اللي مساحتها أكبر من شقة خديجة كلها. المزيكا الأجنبية شغالة بصوت عالي، وهو واقف قدام المراية، بيقيس كذا طقم علشان يختار هيلبس إيه بكرة للـ "مهمة" الجديدة.
دخلت والدته (شيريهان هانم)، ست أرستقراطية بتهتم بالمظاهر فوق أي حاجة.
شيريهان بانزعاج من الصوت: "عُمر! وطي الدوشة دي. وبعدين أنت مش كنت المفروض خارج مع (نور) النهارده تسهروا في النادي؟"
عُمر وهو بيرش البيرفيوم ببرود: "نور دي ماضي يا شيري.. خلاص، فركشنا."
شيريهان (بصدمة):"فركشتوا؟ ليه؟ دي بنت عيلة محترمة جداً وأبوها لواء.. إزاي تسيبها؟"
عُمر بضيق: "ماما، أنا مش هتجوزها يعني، كنا بنتسلى! وهي قلبتها نكد وأنا ما بحبش وجع الدماغ. ريحي دماغك أنتِ، أنا ورايا هدف تاني خالص الأيام دي، وهدف محتاج تركيز."
شيريهان بعدم فهم: "هدف إيه؟ ربنا يهديك يا عُمر وتركز في دراستك وفي شركة أبوك اللي هتمسكها بدل الطيش ده."
خرجت وسابته، وهو بص لنفسه في المراية، وابتسم ابتسامة واثقة:"بكرة هتبدأ اللعبة يا خديجة.. هخليكي تشوفي الوجه الملاك لعُمر الألفي، لحد ما تقعي في الفخ بإرادتك."
اليوم التالي - في ساحة الجامعة..
كانت خديجة ماشية لوحدها شايلة شوية كتب تقيلة، متجهة للمكتبة. فجأة، حست بحد ماشي جنبها بيوازي خطواتها.
بصت بطرف عينيها، لقت شاب وسيم جداً، لابس قميص أبيض بسيط، وبنطلون جينز، ملامحه هادية (على غير عادته)، وفي عينيه نظرة انكسار واضحة.
عُمر بصوت هادي، وبنبرة فيها رجاء: "أنسة خديجة؟ ممكن من وقتك دقيقة واحدة بس؟ أنا عارف إن وقفتي معاكي ممكن تضايقك، بس أنا بجد محتاج مساعدة."
وقفت خديجة مكانها، وبصت للأرض احتراماً، ورفعت عينيها ثانية واحدة بس شافته فيها. حست بقلبها بيدق بخوف غير مبرر، بس حافظت على ثباتها.
خديجة بجدية وحدود واضحة: "أفندم يا أستاذ؟ مساعدة إيه اللي هقدر أقدمها لحضرتك؟ لو بتسأل عن مدرج أو محاضرة، ممكن تسأل أمن الجامعة."
عُمر أخد نفس عميق، ومثل دور الشاب التايه ببراعة: "لا، أنا مش بسأل عن مدرج.. أنا بسأل عن طريق لربنا! أنا سمعتك بالصدفة امبارح وأنتِ بتتكلمي مع البنات.. أنا شاب عندي كل حاجة، فلوس، وعربيات، وعيلة.. بس قلبي فاضي وميت. أنا تايه ومخنوق وحاسس إن دنيتي سودة، وكلامك امبارح لمس حاجة جوايا كان بقالها سنين ميتة.. ممكن تدليني أبدأ إزاي؟ أنا بجد خايف أموت وأنا بالضياع ده!"
الكلمات نزلت على خديجة زي الصاعقة. هي متعودة تنصح البنات، لكن شاب ييجي يطلب منها الهداية؟ دي حاجة جديدة عليها. بصت في عينيه، شافت فيها (التمثيلية اللي هو راسمها باحترافية)، بس قلبها النقي صدق إن ده إنسان بيغرق ومحتاج قشة يتعلق بيها.
خديجة بتردد، وصوتها بدأ يلين شوية من الشفقة:"الهداية من عند ربنا يا أستاذ، مش مني.. اللي أقدر أقولهولك إن باب التوبة مفتوح. ابدأ بالصلاة، الصلاة هي النور اللي هينورلك ضلمة قلبك.."
وقبل ما تكمل كلامها، عُمر قاطعها بخطوة جريئة، و.......
يتبع...
الثاني من هنا