رواية رهان في محراب العشق الفصل السابع 7 والاخير بقلم نور محمد
البارت الاخیر
صمت قاتل خيم على طرقة المستشفى. إيد زياد كانت لسه قابضة على دراع حسين الألفي بقوة وحسم لأول مرة في حياته. حسين كان بيبص لزياد بذهول، مش مصدق إن الشاب المستهتر اللي كان بيطرد ورا ابنه، بيقف في وشه وبيدافع عن البنت اللي هو شايفها سبب كل المصايب.
حسين بصوت بيترعش من الغضب والصدمة، وهو بينفض إيد زياد: "أنت اتجننت يا زياد؟ بترفع إيدك عليا أنا؟ ناسي أنا مين وممكن أعمل فيك إيه وفي أبوك؟"
زياد بثبات رغم احمرار عينيه من الخوف على صاحبه: "اعمل اللي تعمله يا حسين بيه. أنا وأبويا وكل الفلوس اللي في الدنيا ماتسواش ظفر عُمر اللي بيموت جوه ده! عُمر اللي سابلك قصرك علشان يشتري دينه وكرامته. خديجة دي مش مجرد بنت، دي اللي رجعت عُمر راجل بجد، ولو مديت إيدك عليها.. أنا اللي هقفلك."
قبل ما حسين يرد، وقبل ما أي حد ينطق حرف، انطفأت اللمبة الحمرا اللي فوق باب العمليات، والباب اتفتح ببطء.
خرج الدكتور الجراح، هدومه الخضرا عليها بقع دم، وشه مرهق جداً، وبيقلع الكمامة بتعب.ش
الكل جرى عليه في لحظة واحدة. خديجة كانت في المقدمة، قلبها كان هيقف من الرعب، وحسين زقها بقسوة علشان يوصل للدكتور الأول.
حسين بلهفة ورعب أب لأول مرة يظهر عليه:"ابني.. ابني ماله يا دكتور؟ طمني أرجوك، أنا مستعد أسفروا برة، أجيبله طيارة خاصة دلوقتي حالا، بس قولي إنه كويس!"
الدكتور بأسف وهو بيبص لحسين، وبعدين لخديجة اللي كانت بتترعش:"أرجوك اهدى يا حسين بيه، الفلوس مش هتعمل حاجة في اللحظة دي.. إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه. النزيف الداخلي كان شديد جداً، وقدرنا نسيطر عليه بصعوبة. وكسر الكتف اتثبت بشرايح ومسامير.. لكن.."
سكت الدكتور لحظة، واللحظة دي كانت كأنها دهر على قلب خديجة.
خديجة بصوت طالع بالعافية، ودموعها بتنزل كالمطر:"لكن إيه يا دكتور؟ والنبي انطق.. عُمر عايش؟"
الدكتور بتنهيدة تقيلة: "عايش.. بس الارتجاج اللي حصله في المخ من الخبطة دخله في غيبوبة. إحنا نقلناه العناية المركزة. الـ 48 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة. لو فاق، يبقى عدى مرحلة الخطر.. ولو ما فاقش.. ادعوله. الأعمار بيد الله."
سقطت الكلمات زي الصاعقه. حسين الألفي، رجل الاعمال اللي مابيهزهوش ريح، ركبه سابت ووقع على الكرسي البلاستيك اللي وراه، حط وشه بين إيديه، وانفجر في بكاء مرير وصوت نحيب عالي..
بكاء أب اكتشف إن كل فلوس الدنيا، ونفوذه، وسلطته، مش قادرين يشتروا نفس واحد لابنه.
أما خديجة.. فلم تبكِ بصوت. سجدت على الأرض في طرقة المستشفى، وحطت جبهتها على البلاط البارد، ورفعت قلبها لرب السما.
خديجة في سرها، ومناجاة تقطع القلب: "يا رب.. يا حي يا قيوم. يا من تحيي العظام وهي رميم. ردهولي يا رب.. ردهولي مجبور الخاطر والجسد. أنا سامحته، والله العظيم سامحته من كل قلبي. يا رب ماتاخدهوش وهو لسه بيبدأ طريقك.. يا رب متكسرش قلبي مرتين."
في العناية المركزة - بعد منتصف الليل..
كان عُمر نايم على السرير، متوصل بأجهزة كتير.. صوت جهاز نبضات القلب كان هو الصوت الوحيد اللي كاسر حاجز الصمت. وشه شاحب، راسه ملفوفة بشاش، وكتفه متجبس، بس ملامحه كانت مرتاحة، كأنه في نوم عميق هربان بيه من دوشة الدنيا.
الممرضة سمحت لخديجة تدخل 5 دقايق بس بعد إلحاح شديد منها.
دخلت خديجة الأوضة، بخطوات بطيئة، كأنها خايفة تصحيه. وقفت جنب السرير، وبصت لملامحه اللي اتغيرت.. شافت الجروح اللي في وشه، الخدوش اللي في إيديه من الشقا. قلبها اتعصر. مدت إيدها المرتعشة، ومسكت طرف صباعه برفق شديد من غير ما تضغط عليه.
خديجة بصوت حنون ومكسور، ودموعها بتنزل على السرير: "عُمر.. أنت سامعني صح؟ أنا خديجة. أنا جيتلك أهو زي ما طلبت.. أنا مسامحاك. أقسم بالله العظيم مسامحاك ومفيش في قلبي ذرة زعل منك. أنت قولتلي إنك بقيت نضيف وتستاهلني.. وأنا بقولك إنك طلعت أرجل وأطهر من ناس كتير أوي عاشوا حياتهم كلها مابيعملوش حاجة غير إنهم يدينوا الناس."
سكتت لحظة، ومسحت دموعها، وكملت بصوت بيحاول يكون قوي: "قوم بقى.. قوم علشان خاطري. أنت وعدتني إنك هتكون سندي. إزاي تسيبني لوحدي دلوقتي؟ أنا مابقتش خايفة منك يا عُمر، أنا بقيت خايفة عليك. قوم علشان نثبت للدنيا كلها إن الحب الحلال بيحيي الميتين. أنا مستنياك، ومش همشي من هنا إلا وأنت في إيدك في إيدي."
في اللحظة دي، من ورا إزاز العناية المركزة، كان حسين الألفي واقف بيراقب المشهد. كان سامع كل كلمة خديجة بتقولها فی للأوضة. شاف دموعها الحقيقية، شاف إزاي بتبصله بنظرة هو نفسه كأب ماعرفش يبصها لابنه. حس بنار بتاكل في صدره.. نار الندم.
البنت اللي رماها بأبشع الاتهامات، واللي اتهمها إنها طمعانة في فلوسه، هي الوحيدة اللي واقفة جنب ابنه وهو مجرد عامل باليومية لا يملك جنيه واحد. أدرك حسين إن الفقر الحقيقي هو فقر الروح، وإن خديجة دي ثروة ابنه الحقيقية اللي كان هيضيعها بغبائه.
اليوم التالي - كافتيريا المستشفى..
كان حسين قاعد لوحده، قدامه فنجان قهوة بس هو مالمسهوش. عينيه فيها هالات سودا، وشكله كبر عشر سنين في ليلة واحدة.
نزل زياد يقعد معاه بعد ما سأل على حالة عُمر.
حسين بصوت منكسر لأول مرة: "اقعد يا زياد.. عايز أسألك سؤال واحد وتجاوبني بصراحة."
زياد قعد باحترام: "اتفضل يا عمي."
حسين بيبص في عيون زياد: "إيه حكاية الرهان اللي البنت دي اتكلمت عنه؟ إيه اللي حصل بين عُمر وخديجة خلاني أشوف ابني في الحالة دي؟"
زياد أخد نفس عميق، وقرر إنه يفجر الحقيقة كاملة. حكى لحسين كل حاجة، من يوم الكافتيريا، لفكرة الرهان، لمرض والد خديجة، لاستغلال عُمر للموقف، لحد التسجيل الصوتي اللي نور سمعته لخديجة.
كل كلمة كانت زي طعنة خنجر في قلب حسين.
زياد بينهي كلامه بحزن: "عُمر كان ضحية المجتمع اللي إحنا عايشين فيه يا عمي.. مجتمع بيقيس قيمة الراجل بفلوسه وعربياته. ولما لقى خديجة، لقى فيها المراية اللي عكستله بشاعة روحه. هو دمرها الأول، بس هي ببياض قلبها دمرت الشيطان اللي جواه وخلقت منه إنسان جديد. البنت دي مش طمعانة فيكم، البنت دي دفعت تمن قسوة ابنك من دمعها وكرامتها."
حسين حط وشه بين إيديه، وبكى تاني.
حسين بصوت مخنوق:"أنا السبب.. أنا اللي ربيته على الغرور والدوس على الناس. أنا اللي وصلت ابني إنه يروح يشتغل فاعل علشان يثبت لنفسه وللي بيحبها إنه راجل. يا رتني أنا اللي كنت مكانه."
بعد مرور ثلاثة أيام.. (انتهاء الـ 48 ساعة الخطرة)
الكل كان عايش في رعب. حالة عُمر مستقرة لكن مابيفوقش. خديجة كانت بتبات في مصلى المستشفى، تصلي وتدعي وتقرأ قرآن، ومابتاكلش غير لقمة تسند بيها طولها. عم محمود كان بيجلها كل يوم يطبطب عليها ويقويها.
روایه رهان فی محراب العشق بقلمی نور محمد
في فجر اليوم الرابع..
خديجة كانت ساندة راسها على إزاز العناية المركزة من برة ونايمة من التعب. فجأة، حست بحركة غريبة جوه. رفعت راسها بسرعة، لقت الممرضات بيجروا ناحية السرير، والدكتور دخل بسرعة.
جهاز النبض صوته اتغير، وبقى أسرع. عُمر بدأ يحرك راسه ببطء، وعينيه بدأت تبربش تحت تأثير الإضاءة القوية.
قلب خديجة كان بيدق زي الطبول. حسين كان واقف الناحية التانية وبيقرأ الفاتحة ودموعه نازلة.
الدكتور كشف على عينين عُمر باللمبة الصغيرة، وسأله كام سؤال. عُمر كان بيهمس بصوت ضعيف جداً مش مسموع لبرة. الدكتور ابتسم، وطبطب على كتفه السليم، وخرج.
الدكتور بابتسامة واسعة، والكل اتلم حواليه: "الحمد لله! الحمد لله يا جماعة، البطل فاق. الوعي بتاعه رجع بالكامل، ومفيش أي ضرر في المخ بفضل الله. هو بس محتاج راحة تامة، وتقدروا تدخلوله واحد واحد لمدة دقيقتين."
حسين سجد شكر لله في الأرض. وخديجة حضنت أختها سلمى اللي كانت معاها وفضلت تعيط من الفرحة.
حسين بص لخديجة، وقرب منها، ولأول مرة..
حسين بصوت مليان رجاء:"ادخليلوا أنتِ الأول يا بنتي.. هو أكيد محتاج يشوفك أنتِ قبل أي حد في الدنيا."
خديجة بصتله بذهول من التغيير ده، بس مقدرتش تضيع ثانية. لبست الماسك والبالطو المعقم، ودخلت.
دخلت الأوضة. عُمر كان مفتح عينيه بضعف، باصص للسقف. أول ما سمع صوت خطواتها، لف وشه ببطء ناحيتها.
اللحظة دي كانت كفيلة تمسح كل وجع الشهور اللي فاتت. عينه لما وقعت عليها، لمعت بنور غريب، نور الحياة اللي رجعتله.
خديجة وقفت جنب السرير، وبصتله بدموع الفرحة، وابتسامة واسعة نورت وشها المجهد:"حمد لله على السلامة يا بطل.. خوفتني عليك أوي."
عُمر صوته كان ضعيف جداً، مبحوح ومكسر، بس مليان حنية الدنيا:"أنتِ.. أنتِ بجد هنا؟ ولا أنا لسه بموت وبحلم بيكي؟"
خديجة ضحكت وسط دموعها: "لا بجد هنا.. ومش هسيبك. أنا قولتلك إني مش همشي إلا وأنت معايا."
عُمر حاول يرفع إيده السليمة، بس كانت تقيلة. خديجة قربت إيدها ومسكت أطراف صوابعه.
عمر بهمس، وعينيه مليانة دموع:"أنا سمعتك.. وأنا في الغيبوبة، كنت في ضلمة مرعبة.. بس كان في صوت واحد هو اللي بيشدني للنور.. صوتك وأنتِ بتقوليلي (قوم، أنا مسامحاك). أنتِ بجد سامحتيني يا خديجة؟ بعد كل اللي عملته فيكي؟"
خديجة بحسم ويقين: "اللي عملته فيا مات في اللحظة اللي أنت رميت فيها كل حاجة وطلعت تدافع عني قدام أبوك. واللي مات ده كان عُمر القديم. أما اللي نايم قدامي ده، ده عُمر اللي فداني وفدى صاحبه بروحه. ده الراجل اللي أنا اخترته بقلبي وعقلي وديني."
عُمر أغمض عينيه، ودمعة سخنة نزلت على خده، دمعة غسلت آخر ذرة ذنب في روحه.
_ "أنا بحبك يا خديجة.. بحبك أوي. ربنا اداني عمر جديد علشان أعيشه تحت رجليكي."
بعد مرور أسبوعين - في غرفة عادية بالمستشفى..
حالة عُمر اتحسنت جداً، اتنقل لأوضة عادية، وبدأ يتحرك حركة خفيفة بمساعدة العلاج الطبيعي.
الأوضة كانت مليانة ورد من زياد وأصحابه اللي اتغيروا كتير بعد الحادثة، ومن عمال الموقع اللي عُمر أنقذ زميلهم.
كان عُمر قاعد ساند ضهره على المخدات، وحسين قاعد جنبه بياكله بـ إيده. العلاقة بينهم اتغيرت 180 درجة. حسين بقى أب بجد، وعُمر بقى ابن بيحترم أبوه بس مش بيخاف منه.
الباب خبط، ودخل **عم محمود** ومعاه خديجة اللي كانت ماسكة صينية فيها أكل بيتي سخن (شربة كوارع وحمام محشي) عملته مخصوص لعُمر.
أول ما عُمر شافهم، وشه نور، وحاول يتعدل في قعدته احتراماً لعم محمود.
عُمر بفرحة:"أهلاً يا عم محمود، نورت الدنيا كلها."
عم محمود بابتسامة طيبة وهو بيطبطب على كتف عُمر السليم: "نورك يا بطل. حمد لله على سلامتك يا بني، والله إنك رفعت راسي بردك لغيبتك عن الراجل الشقيان. ده أنت حديث المنطقه كلها."
حسين قام رحب بعم محمود جداً، وأصر إنه يقعد مكانه.
حسين بصدق وتواضع: "أنا اللي ليا الشرف إني أقف قدامك يا عم محمود. أنت ربيت بنت بميت راجل، بنت علمتنا كلنا يعني إيه كرامة ويعني إيه أصول. وأنا بعتذرلك قدامها وقدام ابني عن أي كلمة طلعت مني في وقت غضب وجهل."
عم محمود ابتسم برضا. "المسامح كريم يا حسين بيه، والحمد لله إن ربنا جمع القلوب على الخير.
"
في اللحظة دي، عُمر أتنحنح، وبص لخديجة اللي كانت واقفة بعيد شوية وشها محمر من الكسوف، وبعدين بص لعم محمود وحسين.
عُمر بجدية، ونبرة راجل واثق: "عم محمود.. أنا صحيح دلوقتي لا أملك في الدنيا غير الهدوم اللي عليا، وأبويا حلفت عليه ما يديني قرش واحد من ماله لأني هبدأ من الصفر.. بس أنا راجل هقدر أصون بنتك وأشيلها في عيني. أنا بطلب إيد الآنسة خديجة منك للمرة التانية.. بس المرة دي مفيش رهان، مفيش كدب، مفيش فلوس حرام.. المرة دي أنا بطلبها على سنة الله ورسوله، وبمهر من عرقي وشقاي."
خديجة قلبها دق بسرعة، وبصت في الأرض وهي بتبتسم.
عم محمود بص لحسين، لقى حسين بيهز راسه بابتسامة تشجيع، فبص لعُمر وقال بخبث ومرح
عم محمود: "والله يا بني أنت راجل وتعتمد عليه، بس القرار مش قراري لوحدي.. إيه رأيك يا دكتورة خديجة؟ توافقي على الراجل الشقيان ده؟"
خديجة رفعت عينيها، وبصت لعُمر نظرة فيها كل معاني العشق الصافي، العشق اللي اتولد في محراب الألم والمحن.
خديجة بصوت هادي ومسموع: "وأنا موافقة يا بابا.. أكون ليه الزوجة والسند، ونبدأ مع بعض من الصفر."
عُمر ضحك ضحكة ملت الأوضة كلها لأول مرة من شهور.:"يا فرج الله! أقسم بالله لو كنت أقدر أقوم دلوقتي لكنت زغردت! اقرأ الفاتحة يا عم محمود بسرعة قبل ما ترجع في كلامها!"
قرأوا الفاتحة، والكل كان بيدعي من قلبه. حسين كان بيبكي من الفرحة، وزياد اللي كان واقف على الباب بيصور المشهد وعينيه بتدمع.
بدأت رحلة جديدة. مش نهاية القصة، دي مجرد بداية لحياة حقيقية، اتبنت على أسس صلبة. الغرور اتحرق في نار التجربة، والحب الطاهر نبت من تحت الرماد. رهان بدأ علشان يكسر قلب، وانتهى في محراب العشق.. علشان يحيي روحين لبعض ليوم الدين.
تمت کنتم مع روایه رهان فی محراب العشق بقلمی نور محمد