📁 آخر الروايات

رواية رهان في محراب العشق الفصل الخامس 5 بقلم نور محمد

رواية رهان في محراب العشق الفصل الخامس 5 بقلم نور محمد



البارت الخامس
رجعت خديجة لبيتها في حيّها الشعبي، هدومها مبلولة تماماً من المطر، بس روحها كانت بتغلي من جوه. فتحت باب الشقة بهدوء، لقت سلمى أختها قاعدة بتذاكر وجمبها كوباية شاي بردت من زمان. أول ما سلمى شافت خديجة بالمنظر ده، شهقت وقامت جريت عليها.
سلمى بخضة وهي بتجيب فوطة بسرعة: "يا لهوي يا خديجة! إيه اللي عمل فيكي كده؟ أنتِ ماشية في المطر من غير شمسية؟ إزاي تتبهدلي كده، ده أنتِ لسه راجعة من المستشفى من عند بابا!"
خديجة أخدت الفوطة بجمود، وبدأت تنشف وشها وشعرها. ملامحها كانت قاسية، خالية من أي ضعف، وكأن المطر غسل البنت الطيبة الساذجة، وساب مكانها جبل مايهزهوش ريح.
خديجة بصوت ثابت ومبحوح شوية من البرد:"أنا كويسة يا سلمى.. مفيش حاجة، شوية مطر ونزلوا فجأة. ادخلي اعمليلي كوباية ليمون علشان عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم."
بعد دقايق، كانوا قاعدين في الأوضة. خديجة بصت لسلمى بنظرة كلها حزم.
خديجة: "سلمى، اسمعيني كويس. أنا سيبت الشغل في الشركة."
سلمى بصدمة وعينيها وسعت: "سيبتي الشغل؟ ليه يا خديجة؟ ده بمرتب خيالي، وبابا لسه محتاج أدوية غالية، ومصاريف المستشفى.. إحنا هنسدد ده كله إزاي؟"
خديجة قاطعتها بصرامة، ومسكت إيديها الاتنين:"هنسدده بعرقنا وشقانا يا سلمى! الفلوس اللي ادفعت للمستشفى دي طلعت دين.. دين تقيل أوي، ولازم يترد قرش قرش. أنا كتبت على نفسي وصل أمانة بـ 150 ألف جنيه."
سلمى بدموع ورعب: "وصل أمانة؟ يا نهار أسود! ليه يا خديجة توافقي على كده؟ ومديرك اللي كان هيخطبك ده راح فين؟"
خديجة أخدت نفس عميق، وحست بنغزة في قلبها لما سمعت سيرته، بس داست على وجعها بقوة.
خديجة بنبرة قاطعة كالسكين: "مفيش خطوبة.. ومفيش عريس. الموضوع ده اتقفل للأبد، وممنوع تفتحي السيرة دي قدامي ولا قدام بابا مهما حصل. الراجل ده طلع سراب، طلع كدبة كبيرة. وإحنا دلوقتي مفيش قدامنا غير إننا نقف على رجلينا. أنا هدور على شغل الصبح وبعد الضهر، وأنتِ تركزي في دراستك علشان ترفعي راسي وراس أبوكي. مفهوم؟"
سلمى هزت راسها بخوف وطاعة، وحضنت أختها وهي بتعيط. خديجة مابكيتش، بس ضمتها بقوة. كانت بتستمد منها العزيمة. من الليلة دي، خديجة أعلنت حالة الطوارئ في حياتها.. معركة إثبات الذات واسترداد الكرامة بدأت.
في فيلا عائلة الألفي - بعد مرور يومين..
كانت أوضة عُمر عبارة عن ساحة حرب. الإزاز متكسر على الأرض، المراية الكبيرة اللي كان بيقف يتباهى بوسامته قدامها بقت ميت حتة، والهدوم مرمية في كل مكان.
عُمر كان قاعد على الأرض في ركن الأوضة، ساند ضهره على السرير، هدومه متبهدلة، وعينيه حمرا ومورمة من قلة النوم. كان ماسك تليفونه، فاتح صورة لخديجة (كان صورها خلسة في المستشفى وهي بتصلي)، وبيبصلها بضياع.
الباب اتفتح بعنف، ودخل **زياد**. أول ما شاف المنظر، اتصدم ووقف مكانه.
زياد بذهول وهو بيقرب منه بحذر:"يا ساتر يا رب! إيه اللي أنت عامله في نفسك وفي الأوضة ده يا عُمر؟ بقالك يومين مابتردش على تليفونات، وماروحتش الشركة، وأبوك قالب عليك الدنيا.. في إيه يا بني؟"
عُمر ماردش، فضل باصص للصورة، ودمعة يتيمة نزلت من عينه بصمت.
زياد قعد على ركبه قدامه، وسحب التليفون من إيده بقوة.
زياد بعصبية: "أنت بتعيط؟ عُمر الألفي بيعيط علشان بت سابته؟ ما تفوق يا بني! الرهان خلص، هي عرفت اللعبة ومشت، وأنت كسبت.. إيه المشكلة دلوقتي؟"
عُمر رفع راسه ببطء، وبص لزياد بنظرة خلت زياد يترعب. نظرة راجل روحه بتتسحب منه.
عُمر بصوت مبحوح، بيخرج بالعافية من حنجرته المجروحة: "أنا ماكسبتش يا زياد.. أنا خسرت كل حاجة. أنا خسرت نفسي! أنت عارف هي قالتلي إيه قبل ما تمشي؟ قالتلي (أنت خسرت دنيتك وآخرتك وخسرتني). أنا طلعت شيطان بجد يا زياد.. أنا دمرت إنسانة كل ذنبها إنها كانت عايزة تعالج أبوها. أنا استغليت أكتر حاجة بتوجعها علشان أكسرها.. وفي الآخر، هي اللي وقفت شامخة، وأنا اللي اتهديت."
زياد بمحاولة لتهدئته: "يا عم كبر دماغك، يومين وهتنساها. أنت بس ضميرك نقح عليك شوية علشان ظروف أبوها. بكرة تروح النادي وتشوف نور ولا ميرا وهترجع عُمر بتاع زمان."
أول ما زياد جاب سيرة (نور)، عُمر قام من على الأرض فجأة زي الأسد المجروح، ومسك زياد من ياقة قميصه ورزعه في الحيطة.
عُمر بصراخ جنوني وعروق رقبته نافرة: "إياك تنطق اسم الزبالة دي قدامي! نور هي اللي راحت کشفت الحقیقه! نور هي اللي دمرت آخر أمل ليا إني أصلح اللي هببته.. بس الغلط مش عليها، الغلط عليا أنا! أنا اللي كنت عايش في وسط مستنقع، ولما لقيت وردة بيضا طاهرة، بدل ما أحافظ عليها، شديتها معايا للمستنقع علشان أوسخها!"
ساب زياد اللي كان بيكح من الخنقة، وراح وقف قدام الشباك، حط إيده على راسه بانهيار.
عُمر ببكاء مرير، لأول مرة زياد يشوفه كده: "أنا حبيتها يا زياد.. والله العظيم حبيتها بجد. أول مرة أحس إني راجل، أول مرة أحس إن ليا قيمة مش علشان فلوس أبويا ولا شكلي، بس علشان هي كانت بتبصلي باحترام. أنا عايزها ترجعلي.. أنا مستعد أتنازل عن كل ده علشانها."
زياد بشفقة على حال صاحبه: "اللي اتكسر مابيتصلحش يا عُمر. البنت دي مش من النوع اللي بيسامح في كرامته. انساها، وابدأ من جديد."
عُمر بإصرار، وعينيه بتلمع بتحدي من نوع جديد:"مش هنساها. بس قبل ما أطلب منها تسامحني، أنا لازم أنضف. لازم أبقى الراجل اللي هي تستحقه، مش الشيطان اللي كسرها."
بعد مرور شهر كامل..
الدنيا مابتستناش حد، والوقت كان بيجري. خديجة في الشهر ده اتحولت لمكنة شغل. الصبح كانت بتشتغل سكرتيرة في عيادة دكتور أسنان، وبعد الضهر كانت بتدي دروس تقوية للأطفال في الحارة، وبالليل بتسهر تترجم مقالات وأبحاث لطلبة الجامعة مقابل فلوس بسيطة.
وشها بهت، والهالات السودا رسمت خطوط تحت عينيها، بس عينيها كانت بتلمع بقوة وإرادة جبارة. عم محمود حالته استقرت جداً ورجع البيت، وكان بيشوف بنته بتدوب قدامه زي الشمعة، وقلبه بيتعصر علشانها.
في يوم، خديجة دخلت البيت بتنهج، ووشها منور بابتسامة نصر. طلعت من شنطتها إيصال إيداع بنكي، وباسته.
خديجة بتكلم نفسها بفرحة وتعب:"الحمد لله.. أول 15 ألف جنيه اتسددوا. فاضل 135 ألف.. هقدر يا رب، طول ما أنت سندي هقدر."
في نفس اللحظة دي، في شركة الألفي، كان عُمر قاعد في مكتبه، باصص لشاشة الكمبيوتر اللي قدامه. وصله إشعار من حسابات الشركة بإن في تحويل بنكي حصل لصالح مديونية "خديجة محمود".
قلبه دق بعنف. بقاله شهر ماشافهاش. شهر بيتعذب في كل لحظة، حاول يروحلها الحارة بس كان بيرجع من على أول الشارع علشان خايف يشوف نظرة الكره في عينيها.
كان بيتابع أخبار أبوها من بعيد لبعيد، واتكفل بدفع مصاريف مدرسة سلمى من غير ما يعرفوا (عن طريق متبرع مجهول).
عُمر اتغير. ساب الشلة، بطل سهر، حتى لبسه بقى أبسط. كان بيقضي وقت طويل في شغله، ووقت أطول في الجامع بيحاول يلاقي السكينة اللي فقدها.
مسك الإيصال المطبوع، ومشى إيده على اسمها المكتوب، وهمس لنفسه: "ياااه على كبريائك يا خديجة.. بتقطعي من لحمك علشان ماتبقيش مديونة ليا بقرش. أنا أستاهل، أستاهل كل وجع بحس بيه."
وفجأة، الباب اتفتح بدون استئذان، ودخل والده (حسين الألفي). رجل أعمال في أواخر الخمسينات، ملامحه قاسية جداً، ومايعرفش في حياته لغة غير لغة الفلوس والسلطة.
حسين رما ملف أصفر تقيل على مكتب عُمر بعصبية.
حسين بصوت جهوري غاضب:"ممكن أفهم إيه المهزلة دي يا أستاذ عُمر؟ أنا كنت براجع حسابات الشركة بنفسي النهاردة، ولقيت عجز أو بالأصح (سلفة) طالعة بـ 150 ألف جنيه لموظفة ماكملتش شهر في الشركة، ومستقيلة! موظفة اسمها خديجة محمود!"
عُمر وقف بسرعة، الدم هرب من وشه. هو كان متفق مع مدير الحسابات يداري الموضوع ده، بس والده لقطها.
عُمر بمحاولة للثبات: "يا بابا دي مش مهزلة.. دي سلفة أنا وافقت عليها بضمانتي الشخصية، وهي بدأت تسدد فيها النهاردة، في 15 ألف اتحولوا."
حسين ضرب بإيده على المكتب بغضب: "أنت بتستغفلني يا ولد؟ بتصرف فلوس الشركة على بنات الشوارع اللي بتعرفهم؟ البت دي نصابة، لفت عليك وأخدت الفلوس وخلعت! وأنت زي المغفل بتداري عليها!"
عُمر بحدة، وماقدرش يتحمل إهانة خديجة:"خديجة مش نصابة ومسمحلكش تتكلم عنها كده! خديجة أشرف بنت أنا عرفتها في حياتي.. الفلوس دي كانت لعلاج أبوها، وهي طلعت أرجل من ناس كتير وبتسددها قرش قرش."
حسين ضاق عينيه بشك، لما شاف ابنه اللي مابيهتمش بحد، بيدافع عن بنت بالطريقة دي.
حسين بمكر وقسوة: "أشرف بنت؟ طيب يا عُمر.. بما إنها أشرف بنت وكتبت على نفسها وصل أمانة، الوصل ده فين؟"
عُمر سكت وماردش.
حسين ابتسم بسخرية: "الوصل ده مع مدير الحسابات، وأنا أخدته منه. وبما إنها سابت الشغل، يبقى السلفة واجبة السداد فوراً حسب قانون الشركة. أنا هبعت للبت دي، وهخليها تيجي تركع هنا تحت رجلي وتدفع الفلوس كاملة، وإلا هرميها هي وأبوها في السجن بتهمة النصب وخيانة الأمانة."
عُمر اتجنن، وراح وقف قدام والده برعب حقيقي: "بابا أرجوك لا! أعمل فيا اللي أنت عايزه، اخصمهم من ورثي، اطردني من الشركة.. بس البنت دي لا! أنا ماصدقت إنها بدأت تقف على رجليها، لو عملت كده هتقتلها!"
حسين ببرود وهو بيمشي ناحية الباب: "أنا مابيهمنيش حد. أنا اللي يهمني فلوسي وهيبتي اللي أنت بتبعزقها على بنات الحواري. أنا بلغت الشؤون القانونية يبعتولها إنذار، بكرة الساعة 10 الصبح تكون هنا في مكتبي بالفلوس.. وإلا البوكس هيكون مستنيها تحت."
خرج حسين وساب عُمر في دوامة من الرعب. أبوه مابيهزرش، وممكن يدمر خديجة بكلمة. عُمر حس إن القدر بيعاقبه أسوأ عقاب.. إنه يشوف حبيبته بتتدمر بسببه وهو مش قادر يحميها.
اليوم التالي - الساعة 10 صباحاً..
خديجة كانت واقفة قدام باب مكتب (حسين الألفي) في الدور الأخير. جاية بعد ما وصلها إنذار مرعب من الشؤون القانونية. كانت مرعوبة من جواها، بس ملامحها كانت صلبة. كانت لابسة خمارها البسيط، ماسكة شنطتها بقوة، وبتدعي ربنا في سرها ينجيها.
دخلت المكتب بعد ما السكرتيرة أذنتلها. المكتب كان واسع وفخم بشكل يرهب. حسين الألفي كان قاعد على كرسيه، باصص لها بنظرة تقييم، وفي إيده وصل الأمانة اللي هي مضت عليه لعُمر!
خديجة بثبات وهي بتبلع ريقها:"السلام عليكم. حضرتك طلبتني يا فندم."
حسين بابتسامة متعجرفة، وهو بيشاورلها تقف ومابيعرضش عليها تقعد: "وعليكم السلام. أنسة خديجة.. أو بالأصح، النصابة المحترفة اللي قدرت تضحك على ابني وتلهف منه 150 ألف جنيه في أقل من شهر."
خديجة الدم غلى في عروقها. الكرامة اللي اتجرحت قبل كده مابقتش تقبل خدش واحد.
خديجة رفعت راسها بكرامة وشموخ: "أنا مش نصابة يا فندم، والفلوس دي ابن حضرتك اللي عرضها عليا كقرض لعلاج أبويا اللي كان بيموت، وأنا كتبت بيها وصل أمانة علشان أضمن حقه، وبدأت أسدد فيها فعلاً، وحولت إمبارح 15 ألف جنيه."
حسين ضحك بسخرية مستفزة: "15 ألف من 150؟ وأنا إيه يضمنلي إنك تستمري؟ أنتِ فاكرة إنك لما تمثلي دور الشريفة العفيفة قدام عُمر هيدوب فيكي ويتجوزك وتورثي في عيلة الألفي؟ فوقي يا شاطرة، بنات الشوارع اللي زيك أخرهم ياخدوا قرشين ويختفوا، بس أنتِ طمعتي."
الكلمات نزلت زي الكرابيج على روح خديجة. دموع القهر اتجمعت في عينيها، بس رفضت تنزلها قدامه.
خديجة بصوت بيترعش من الغضب، بس قوي:"أنا لا طمعت في فلوسكم ولا طمعت في ابنك! ابنك هو اللي جري ورايا ودمرلي حياتي علشان يرضي غروره. أنا مابيشرفنيش أصلاً إن اسمي يرتبط بحد منكم. أنا هسدد الفلوس، لو هبيع كليتي هسددها، بس سيبوني في حالي بقى!"
حسين ضرب بإيده على المكتب بعنف وقام وقف: "كليتك مابتجيبش تمن جزمة من اللي بلبسها! الوصل ده مستحق الدفع فوراً. قدامك 24 ساعة، يا الفلوس تبقى على المكتب ده، يا أقسم بالله لأخلي البوكس ياخدك من وسط حارتك بفضيحة، وأخلي أبوكي العيان يموت بحسرته عليكي!"
خديجة حست إن الدنيا بتسود. أبوها؟ السجن؟ الفضيحة؟ كل الكوابيس اتجسدت قدامها في اللحظة دي. رجليها مبقتش شايلاها، دموعها أخيرًا نزلت بخذلان وضعف قدام جبروت الراجل ده.
وفي اللحظة اللي حسين كان هيرفع سماعة التليفون علشان يطلب الأمن يطردوها، باب المكتب اتفتح بقوة، واتخبط في الحيطة بصوت رعد المكان.
كان عُمر.
كان بينهج كأنه كان بيجري، عينيه بتطق شرار، ووشه أحمر من الغضب. أول ما شاف خديجة بتعيط ومنهارة قدام أبوه، حس إن قلبه بيتخلع من مكانه.
جرى عليها، ووقف قدامها، كأنه درع بيحميها من أبوه.
عُمر بصوت جهوري هز أركان المكتب: "محدش هيمس شعرة منها! الفلوس دي بتاعتي أنا، والوصل ده بتاعي أنا!"
حسين بذهول وغضب من تمرد ابنه:"أنت اتجننت يا عُمر؟ بتعلي صوتك عليا علشان حتة بت زي دي؟ البت دي نصبت عليك وأنا بحميك منها!"
عُمر بص لأبوه بنظرة كلها وجع وندم، وقال بصوت مليان قهر: "هي مانصبتش عليا.. أنا اللي نصبت عليها! أنا اللي دمرتها يا بابا! الفلوس دي أنا اللي فرضتها عليها علشان أذلها وأوقعها في فخي علشان رهان تافه مع أصحابي! البنت دي أنضف مني ومنك ومن الشركة دي كلها! هي اللي كشفتلي قد إيه أنا إنسان قذر ومريض!"
خديجة بصت لضهر عُمر بصدمة. مكنتش مصدقة إنه بيعترف بكل قذارته قدام أبوه، وبيدافع عنها بالشراسة دي.
عُمر ماترددش لحظة، هجم على مكتب أبوه، وسحب وصل الأمانة من تحت إيده بقوة.
حسين بزعيق:"سيب الوصل ده يا مجنون! دي فلوس الشركة!"
عُمر مسك الوصل قدام عينين أبوه، وقدام عينين خديجة المصدومة.. ومزقه نصين.. وبعدين أربعة.. ورماه في الهوا زي الرماد.
عُمر وهو بيبص لخديجة، وعينيه مليانة دموع ورجاء:الوصل ده كان تمن روحي أنا يا خديجة، مش تمن علاج عم محمود. أنتِ مش مديونة ليا ولا للشركة بقرش واحد. الـ 15 ألف اللي حولتيهم هيرجعولك النهاردة، وأنا متكفل أسدد للشركة كل مليم من حسابي الخاص."
حسين بجنون من تصرف ابنه:"أنت بتدمر مستقبلك يا ولد! لو البت دي خرجت من هنا من غير ما تدفع، أنا هطردك من الشركة، وهحرمك من كل مليم من ثروتي! هتطلع في الشارع شحات!"
عُمر التفت لأبوه بابتسامة باهتة، ابتسامة راجل أخيرًا لقى حريته.
مد إيده في جيبه، طلع مفاتيح عربيته الفخمة، ومفاتيح الفيلا، والكريديت كارد، ورماهم كلهم على المكتب قدام أبوه.
عُمر بصوت هادي جداً، بس فيه قوة جبارة: "اشبع بيهم يا بابا. الفلوس دي هي اللي خلتني مسخ مابيحسش. أنا طالع من هنا، ومش عايز منكم حاجة. أنا هبدأ من الصفر، هبدأ نضيف، يمكن ربنا يغفرلي، ويمكن.. (وبص لخديجة بوجع).. يمكن في يوم قلبها يسامحني."
خديجة كانت بتترعش. المشهد كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب. الشاب المغرور، اللي كان بيتباهى بفلوسه ونفوذه، بيتخلى عن كل حاجة في لحظة علشان يحميها، وبيعترف بذنبه قدام الدنيا كلها.
عُمر مشى ناحية الباب، وقبل ما يخرج، وقف وبص لخديجة نظرة أخيرة. نظرة وداع راجل اتولد من جديد، بس عارف إنه لسه مايستحقهاش.
عُمر بهمس وصل لقلبها مباشرة: "آسف.. آسف على كل دمعة نزلت من عينيكي بسببي. أنتِ حرة يا خديجة.. حرة مني ومن شروري."
خرج عُمر، وقفل الباب وراه. ساب وراه صمت مرعب في المكتب، وساب خديجة في حالة من الزلزال الداخلي.
حسين الألفي قعد على كرسيه بانهيار، مش مصدق إن ابنه الوحيد ساب كل الإمبراطورية دي علشان بنت فقيرة.
أما خديجة، فمشت بخطوات بطيئة لبرة الشركة. كانت حاسة إن جبل وانزاح من على صدرها، الدَين سقط، والتهديد اختفى. بس ليه قلبها بيوجعها؟ ليه صورة عُمر وهو بيرمي كل حاجة علشانها مش راضية تفارق خيالها؟
وهي ماشية في الشارع، وقفت فجأة، وحطت إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف.
خديجة بتكلم نفسها بحيرة وتوهان:"يا رب.. أنا كنت بدعي إنك تنتقم لي منه.. بس أنت هديته وكسرته قدامي. يا رب أنا قلبي موجوع عليه مش موجوع منه.. أعمل إيه يا رب؟ أعمل إيه في القلب اللي حب جلاده ولما الجلاد تاب، مش قادر ينساه؟"
في الناحية التانية من المدينة، كان عُمر ماشي في الشوارع، لأول مرة من سنين يمشي على رجله، من غير عربية ولا حراسة ولا فلوس في جيبه. الجو كان حر جداً، بس هو كان حاسس ببرد وسلام داخلي غريب.
شاف مسجد قدامه، أذان الضهر كان بيرفع. لأول مرة، عُمر مابيمثلش. دخل المسجد، اتوضى، ووقف في الصف الأخير، وأول ما الإمام قال "الله أكبر"، عُمر سجد، وانفجر في عياط حقيقي، عياط راجل رجع لربنا بقلب مكسور، طالب المغفرة، وطالب العوض.
یتبع... نور محمد



السادس من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات