📁 آخر الروايات

رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الخامس 5 بقلم امل نصر

رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الخامس 5 بقلم امل نصر



الفصل الخامس
"بتقول إيه يا حبيبي؟ سمعني تاني كدة اللي قلته ده!"
هتف بالكلمات عزام نحو ابنه الذي كان جالسًا بأدب يشرح لأبيه وأسرته ما حدث لسعيد ابن عمه في غرفة المعيشة التي أغلقها عليهم، فجاء رده بنبرة مصطنعة:
"يا بابا ما أنا قلتلك، ابن خالي خبطته عربية من إمبارح، وفضل في المستشفى ليلة كاملة والدكاترة متابعينه لحد ما اكتشفوا حالته دي."
صرخ به عزام:
"وإيه هي حالته دي يا بني آدم؟ إنت عمال ترص لي أسامي أجنبية مش فاهم منها حاجة، لا هي فقدان ذاكرة ولا انفصام شخصية.. إنت عاوز توصل لإيه بالظبط؟"
تنهد أمجد بقوة ليجيب والده:
"بصراحة يا بابا مش عارف، بس المسكين بقى بيخرف بكلام غريب، ده غير إنه مش فاكر أي حاجة عن حياته ولا حتى اسمه، وكأنه لبسته شخصية تانية، ضربة الرأس كانت قوية زي ما عرفت منهم
صاحت أحلام تنتحب بإشفاق:
"يا لهوي عليك يا سعيد! ويا حسرتي على أخويا لما يعرف اللي حصل لابنه.."
قاطعها على الفور أمجد:
"أبوس إيدك يا أمي، أوعي تتصلي بخالي وتقولي له أي حاجة!"
أصاب أحلام الدهشة جراء صيحته فهدر أبيه به سائلًا:
"وليه مانقولوش يا حبيبي؟ ده أبوه وأحق واحد يعرف حالة ابنه عشان يعالجه ويقف جنبه."
عارضه أمجد بإصرار كي يقنعهم:
"لا يا بابا، أنا خايف خالي أو مراته يجرالهم حاجة لو عرفوا، عشان كدة أحسن يفضل هنا في رعايتنا الكام يوم دول لحد ما يفوق، فيه دكتور قالي إنه هيرجع لطبيعته قريب."
"نعم؟"
صرخ بها عزام وهو ينتفض غاضبًا، وتدخل نيازي:
"مش عاوزنا نقول لأهله وعاوزنا إحنا اللي نهتم بيه؟ من إمتى وقلبك حنين كدة يا غالي؟ أنا حاسس إنك مخبي حاجة ياد انت."
"أنا؟ حاجة وان شاء الله؟ عامل عملة ولا نصيبة يا ابو العريف؟
استشاط عظام غضبا عقب صياح ابنه الأصغر ليتدخل مؤيدا الآخر:
"كلام أخوك صح يا ولد؟ إنت شكلك فعلاً مخبي حاجة؟"
جأر أمجد بالاثنين بدفاعية يستدرج عاطفتهم:
"وهخبي إيه بس يا ناس؟ هي الرحمة خلاص مابقتش في قلبي عشان ميصعبش عليا ابن خالي اللي بيموت ده، ولا حتى يصعب عليا أهله؟"
قارعه نيازي بعدم تصديق:
"لا يا حبيبي، بس أنا متهيألي إنك إنت اللي عملت فيه كدة!"
ابتلع ريقه أمجد بتوجس وانتقلت أنظاره نحو شقيقته أريج الجالسة على آخر التخت، يبتغي منها الدعم ولكنها كالعادة تصرفت بالبيت تدعي المفاجأة كالباقين، ليعود إلى نيازي سائلاً:
"قصدك إيه بكلمة أذيته دي؟"
أجابه نيازي بتحذلق:
"قصدي يا حبيبي، إن مش بعيد تكون أنت اللي خبطته على دماغه، أو يمكن العربية اللي صدمته دي بتاعة واحد من أصحابك، واللي بيحركك دلوقتي هو تأنيب الضمير مش أكتر."
خاطبته ايضًا والدته بارتياع:
"أوعى تقول لي إن الكلام اللي بيقوله أبوك وأخوك ده صح يا أمجد! مش هقدر أستحمل يا بني.. إن ابن خالك يتأذي بسببك دي حاجة فوق طاقتي."
ضغط على شفتيه بغيظ شديد يقول من تحت أسنانه:
"أنا ملمستوش يا أمي ولا عملت له حاجة، بالله عليكِ ما تصدقيش تخريفات ابنك المعتوه ده وخياله الواسع."
هدر عزام موبخًا أمجد:
"ما تقولش على أخوك معتوه، وتأدب وأنت بتتكلم مع اللي أكبر منك يا ولد."
كظم غيظه أمجد ليمسح بكفه على صفحة وجهه، يحاول التماسك أمام هذا التحقيق الثلاثي، فانتقلت انظاره نحو شقيقته الوديعة ليخاطبها:
"حبيبتي البرنسيسة، النص التاني بتاعي.. إنتي مش فرد في العيلة دي يا غالية ولا إيه؟ مش هتقولي رأيك إنتي كمان في القضية المعقدة دي؟"
أجابته ببراءة كادت أن تصيبه بجلطة دماغية:
"وعاوزني أقول إيه بس يا أخويا؟ ربنا يشفي ابن خالي."
"ربنا يشفي ابن خالك!"
رددها خلفها بسخرية، ليُتبع بقوله:
"بجد عديمة دم وإحساس."
صرخت به أريج:
"مش لازم تشتم يا أمجد عشان ماردش عليك بنفس الطريقة."
تغضن وجهه باستهزاء أثار غضب والده الذي صاح بعدم احتمال:
"كفاية لعب عيال إنت وهي! أنا ماعنديش صحة للمهاترات بتاعتكم دي."
تأدبت أريج صامتة والتزم أمجد باتزان نسبي حتى لا يزيد على والده الغاضب، وتسائلت أحلام فزعة:
"طب هنعمل إيه دلوقتي مع سعيد؟ نكلم أهله؟ ولا هنخلينا إحنا اللي نرعاه لحد ما يخف زي ما أمجد قال؟"
همّ أن يعاود عزام الرفض، الا ان ابنه لم يمهله الفرصة، مواصلا برجاء:
"بالله عليك يا بابا اهدى شوية وفكر قبل ما تقرر.. أنا عارف إنك خايف من شيل المسؤولية، بس زي ما إنت شايف بعينك، هو كويس بس محتاج شوية صبر كام يوم لحد ما يرجع لطبيعته، عشان كدة بترجاك تستنى شوية."
تدخل نيازي مرة أخرى
"أيوه يا حبيبي، بس إحنا عايزين نعرف إيه السر ورا الحب المفاجئ ده لابن خالك دلوقتي؟"
صاح أمجد وقد فقد الذرة الباقية من صبره ،:
"يا عم ارحمني بقى وبطل الأسئلة المستفزة دي، سيبني أتفاهم مع أبويا يا نيازي!"
في الخارج وبالتحديد في الصالة الكبيرة من المنزل، كان ادهم يجول بعينيه على كل ركن بها، يتفقد كل شبر بتمعن وأعين ناقدة، لا يعجبه ضيق المكان، بالمقارنة مع قصره المهول:
"جرى إيه يا سعيد؟ هو أنت واحشك بيتنا للدرجة دي؟"
التف برأسه على مصدر الصوت ليجد هذه الصغيرة بجسدها الهزيل تناظره ببراءة، ترتدي بيجامة بالرسوم الكرتونية وتحتضن بذراعيها الدب القطني، فاقترب وامتدت يده نحوها، ليداعبها بأطراف أنامله أسفل ذقنها ليسألها مبتسماً:
"أنتِ مين يا قمر؟"
عقدت حاجبيها الصغيران لتبتسم مع قولها له:
"هو أنت معقول مش عارف اسمي وبتسألني عليه يا سعيد؟"
هز كتفيه يجيبها ببعض الاضطراب:
"عايز أسمعه منك أنتِ."
تطلعت إليه مذهولة للحظات قبل أن تقول له:
"بس أنا شايفاك متغير يا سعيد.. كل حاجة فيك مختلفة حتى نبرة صوتك!"
ناظرها ادهم بحنان:
"وأنا شايفك جميلة وذكية، وعايز أعرف اسمك لأني بصراحة عملت حادثة امبارح خلتني أنسى كل حاجة."
ردت بذهول:
"حادثة صغيرة تعمل فيك كل التغيير ده؟ حتى في صوتك؟"
أومأ برأسه لها فردت بعدم تصديق:
"بس أنا أظن إنك بتكذب وبتمثل عليا عشان تشربني مقلب، زي ما بيعملوا فيا إخواتي أمجد وأريج دايماً!"
تمتم ببعض السباب بصوت خفيض، قبل أن يعود ليجيبها:
"انا مش بكدب ولا هعمل فيكي مقلب يا قمر، أنا بحكيلك اللي حصل وبس يا حبيبتي."
صمتت قليلاً ثم قالت بعفويتها وقد بدا أنها صدقت الخدعة:
"اسمي بتول، وبابا بيدلعني يقولي يا تولا."
تبسم يثني عليها بإعجاب:
"يا ماشاء الله.. اسم زي العسل وأنتِ زي العسل، أنتِ مختلفة خالص عن إخواتك، سواء التوأم الأحمق أمجد والملعونة أريج، أو حتى أكبرهم الولد اللي شعره منكوش وطباعه غريبة ده.. اللي اسمه نيازي."
أسعدها إطراءه حتى جعلها تتمايل بوقفتها بانتشاء، أثار بقلبه الحنين والبهجة بفعلها، فسألها ليغير دفة الحديث :
"قوليلي يا حبيبتي، هو مين مهندس الديكور اللي صمم بيتكم ده؟"
مطت شفتيها بطفولية تقول بمرح:
"مش عارفة، بس بتسأل ليه؟"
زم فمه يلقي نظرة حوله بازدراء ليجيبها وهو يشير بيده مستاءً:
"البيت وتصميمه مش عاجبني خالص، حاسس بذوق رديء في كل حاجة.. الفوضى دي والحاجات اللي محطوطة في غير مكانها، وألوان الستاير الفاقعة، وألوان الحيطان المختلفة والباهتة دي!"
الإطارات المعلقة جواها صور شخصية، جمبها صور رديئة لا تمت للفن بصلة تذكر، عبث في التنسيق وعدم نظام و..
توقف فجأة عن ذكر ملاحظاته ليعود إليها فوجدها تنظر إليه بأعين متسعة، فجثى لمستوى طولها ليسألها مندهشًا:
"إنتي ساكتة ليه ومش بتردي عليا يا حبيبتي؟"
ا
ردت بتول ببرائة دغدغت حواسه:
"لأني ببساطة مش مصدقاك، مش مصدقة إني بتكلم دلوقتي مع سعيد ابن خالي.. اللي كان بيدخل من باب البيت من غير ما يمسح جزمته، ولو أكل معانا كان لازم يوقع الأكل على قميصه!"
انتفض أدهم يطالع ما يرتديه بنظرة مذعورة ليسألها بفزع:
"إيه؟! يعني ده معناه إن الهدوم دي اتبهدلت دهون قبل كدة؟"
أومأت برأسها ضاحكة تجيبه بتسلية:
"أيوة، والقميص ده أصلاً مش بيغيره إلا فين وفين."
نهض من جوارها وقد ازداد اشمئزازه ليردد:
"يا دي الحظ! هو مفيش غير الدهون؟ كمان ريحة عرق؟! يلعن كدة.. أنا عايز أغير الهدوم دي فوراً، ادخلي دلوقتي ونادي على التوأم الأغبياء دول، خليهم ييجوا بسرعة بدل ما أقلع الهدوم هنا في الصالة!"
...................
فُتح باب الغرفة فجأة وظهر منه عزام وخلفه كانت اسرته يخرج أفرادها تباعًا، فباغتهم أدهم بصيحته:
"أنا عايز أغير هدومي دلوقتي!"
تجعد وجه عزام ليتسمر محله ويناظره بغيظ، وأولاده من الخلف كانوا لا يقلون عنه اندهاشًا، فصرخ عليهم أدهم مرة أخرى:
"جرى لكم إيه كلكم؟ بقولكم عايز أغير الهدوم الوسخة دي اللي مليانة ريحة عرق ودهون أكل.. إلحقوني بأي هدوم نظيفة دلوقتي وبسرعة!"
هتف عزام نحو ابنه أمجد بتوجس واستغراب:
"إنت متأكد يا واد إن ده سعيد؟ ولا ده واحد تاني وإنت اتلخبطت فيه؟"
ارتبك أمجد وهو يتحرك نحو الآخر، يجيبه بتأكيد:
"لا هو يا بابا.. بس تلاقيه الحادثة هي اللي عملت فيه كدة زي ما قولتلك."
وصل إلى أدهم ليسألها بنظرات مفهومة:
"مالك يا سعيد إيه اللي مضايقك؟ اتكلم يا حبيبي."
هتف به المذكور بغيظ:
"أنت أطرش يا غبي؟ أنا مش طايق الهدوم دي، وعاوز أغيرها دلوقتي.. حالاًااااان!"
صرخته جعلت أمجد يهتف على والدته بهلع وهو يجذبه نحو حمام المنزل:
"هدوم نظيفة يا أمي بسرعة.. بسرعة أرجوكم!"
استفاقت أحلام من صدمتها لتُهرول مذعنة لأمر ابنها، ليصيح من خلفهم عزام بعدم تصديق:
"يادي النيلة على العته ده! هو أنا كان ناقصني جنان المتخلف ده كمان عشان يزود همي؟ يعني مش كفاية عليا مصايبي الأربعة لما يجيلي الخامس ده فوق دماغي؟"
عوج نيازي بفمه مغمغمًا بالكلمات الحانقة وهو يتركه ويذهب نحو غرفته، فتبعته أريج التي عوجت فمها بغير رضا هي الأخرى، فتبقت الصغيرة بتول، والتي ردت معترضة:
"هو أنا كمان مصيبة زيهم يا بابا؟"
التف إليها عزام وقد لانت ملامحه، ليخاطبها مبتسمًا:
"أكيد لأ يا حبيبتي، ده أنتِ شجرة العسل وسكرة العيلة كلها."
تغنجت تتمايل بدلال تهديه ابتسامة رائعة، ليردد لها بابتهاج:
"ربنا ما يحرمني من الدلع ده أبدًا، ده أنتِ حبيبة بابا."
بعد قليل
خرج أدهم من حمام المنزل بعد أن استحم وبدل ملابسه لأخرى مريحة من ملابس عزام والذي يماثله في نفس الطول ولكن عرضها الواسع لضخامة عزام، جعل أدهم يغرق بها، تلقفه أمجد من قلب الصالة مهللًا:
"نعيماً يا حبيبي.."
اقترب ليكمل بهمس:
"يا رب تكون الخدمة عجبتك يا جدي العزيز؟"
رمقه أدهم بنظرة ممتعضة ليهمس هو الآخر في الرد عليه:
"وإيه اللي هيعجبني بالظبط من خدماتك؟ إني ألبس هدوم حد تاني؟"
دا غير واسعة اوي ومش مريحة، ولا تقصد الحشرة في هذا الحمام الضيق، دا انا حسيت نفسي هتخنق فيه.
ضيق عينيه قليلاً أمجد قبل أن يجيبه بخبث:
"بالنسبة للهدوم يا جدي، فأنت اللي اخترت هدوم بابا بنفسك، وماعجبتكش هدومي أنا ونيازي وقلت عليها غريبة.. أما بالنسبة للحمام، فده عشان تشوف وتعرف بعنيك حجم الفقر اللي عايشين فيه أحفادك.. إنت بنفسك قلت إنك كنت هتتخنق في الدقائق القليلة اللي استحميت فيها، أمال إحنا نقول إيه وإحنا متربيين في البؤس ده!»
هكذا بدأ أمجد حديثه، ثم استطرد برجاء: «يا ريت قلبك يحن عليا وتقولي مكان الجوهرة فين، عشان أنقذ العيلة من الفقر المدقع ده، وأغير الشقة والحمام كمان.»
ناظره أدهم بطرف عينيه في غموض، قبل أن يجيبه بنفس الهدوء:
«الموضوع ده لسه أوانه مجاش يا حبيبي.. اصبر تنول، ده طبعًا لو كنت تستحقها فعلاً.»
أردف كلمته الأخيرة وهو يتحرك من جواره نحو المائدة التي ارتصت عليها أطعمة العشاء. عض أمجد على شفته يكظم غيظه من هذا العجوز الداهية، قبل أن يلحق به.
وجده واقفًا على رأس السفرة يطالع الأطعمة الخفيفة قاطبًا بتفكير، فجلس أمجد على إحدى المقاعد قائلًا:
«ماتستغربش من نعمة ربنا يا جدي، الأكل ده أمي اللي عملته وتعبت فيه قبل ما تدخل تنام.»
رفع أدهم حاجبًا واحدًا قبل أن يجلس هو الآخر وهو يتمتم:
«أنا مش بعيب على نعمة ربنا، كل الحكاية إني مش واخد على الأكل القليل ده، أنا سفرتي كانت دايمًا مليانة من خيرات ربنا، أصناف متعددة ، ده غير المشروبات وحاجات تانية كتير مش فاكرها كويس دلوقتي.»
رد أمجد بتحسر وهو يغمس لقيمة من الخبز في طبق العسل:
«وطبعًا السفرة دي مكنتش بتخلى من كل أنواع اللحمة والفراخ، مشوي بقى ومحمر..»
أدخل اللقيمة في فمه يمضغها بغل قبل أن يختم كلمته:
«حظوظ!»
ناظره أدهم بنظرة متمعنة وهو يبدأ في التناول بحذر، يمضغ ببطء وكأنه يستكشف الطعم، ويبدو أن الأكل قد نال إعجابه، ثم سأل:
«مقولتليش يا أمجد، أنا هنام فين الليلة دي؟»
*-*-*
بداخل غرفته كان نيازي مضجعًا على تخته يتحدث في الهاتف والسعادة تملأ وجهه:
«بجد؟ عجبتك القصيدة؟.. لا لا يا حبيبتي ماتبالغيش.. أنا عارف طبعًا إني شاعر شاطر بس مش بحب الغرور.. وأهو التواضع من صفات العباقرة برضه! يا حبيبتي إنتي تستاهلي، لو مكنتيش حلوة كدة مكنتش هعرف أكتب فيكي شعر ولا أتغزل فيكي بالشكل ده.. يا عيوني إنتي..»
توقف فجأة مع دلوف أمجد داخل الغرفة بدون استئذان، فردد على عجالة
محدثته من الناحية الأخرى:
"اقفلي إنتي يا لينا ودلوقتي هكلمك تاني." أنهى والتفت ليناظر أخيه بنظرة شرسة هاتفًا به:
"إنت متعلمتش تستأذن قبل ما تدخل؟ ولا فاكر نفسك داخل زريبة بهائم؟" تجاهل أمجد التوبيخ، ليغمز بعيناه يقول بمرح:
"هي دي كانت لينا؟ ما سبتنيش أكلمها ليه يا راجل؟ على الأقل حتى كنت سلمت عليها!"
وبخه نيازي غاضبًا:
"إنت معندكش دم يا بني آدم؟ أنا بكلمك في خصوصياتي وإنت بتستخف دمك كالعادة؟ كأنك مش فاهم الكلام اللي بقوله خالص!"
عبس وجه أمجد ليقول متصنعًا الحرج:
"وليه الشتيمة بس يا أخويا؟ أنا بهزر معاك مش أكتر."
"ده مش هزار، ده شيء تاني وتقيل زيك!" هتف بها نيازي غير متقبلاً لتبرير أخيه المستفز، والذي أطرق برأسه صامتًا يدعي التأثر، ثم قال بأسف:
"سامحني يا أخويا واقبل اعتذاري، أنا دخلت الأوضة بالصدفة عشان حاجة تانية خالص، ومكنش قصدي أتجسس عليك."
تطلع فيه نيازي بأعين مشتعلة من الغيظ قبل أن يسأله بحدة:
"طيب وايه هو الموضوع المهم أوي ده اللي يخليك تيجي دلوقتي في وقت متأخر كدة من الليل؟"
رفع رأسه أمجد يطالعه بصمت ثم نظر إلى التخت الخالي من الغرفة، فتقدم لترتيبه بسرعة أمام أنظار أخيه المستغربة فعله، قبل أن يهتف بصوته إلى الخارج:
"اتفضل يا سعد." انتفض نيازي على سماع الاسم ليفاجأ بدلوف المذكور على الفور متحمحمًا بأدب يلقي التحية:
"مساء الخير."
"مساء النور." رددها من خلفه نيازي بدهشة لم تتركه منذ أن رآه لأول مرة، ثم التف نحو شقيقه يحدجه بنظرة شرسة، فتجاهل الآخر، ليفاجأه بقوله:
"هنا هتنام يا سعد، على السرير اللي جنب نيازي ده."
سمع المذكور اسمه لينتفض عن تخته بنظرة خطرة يهتف نحو أمجد:
"مين ده اللي هيبات..." قاطعه الأخير يردد على عجالة وهو يهرب من الغرفة سريعًا:
"تصبحوا على خير يا حبايبي!"
حاول اللحاق به ولكن أمجد كان قد تمكن من الهرب وأغلق باب الغرفة سريعًا، قام بفتحه نيازي بنية اللحاق به، ولكن أوقفه نداء أدهم:
"هو إنت مش عاوزني معاك في الأوضة يا نيازي؟"
زفر نيازي مغمض عينيه بتعب، يتمتم بالسباب على شقيقه الملعون والذي دائمًا ما يفتعل معه المقالب ويسقط في فخها هو بغباء:
- "هتفضل متنح كده على باب الأوضة؟ ومديني ضهرك طول الليل؟"
عض على شفته نيازي من الغيظ، قبل أن يلتف ليعود باستسلام لداخل الغرفة، مؤجلاً الشجار مع اخيه إلي الصباح، وقال يخاطب أدهم:
- "ما تؤاخذنيش يا سعد، بس أنا مش متعود أشارك أوضتي مع حد."
رد أدهم:
- "بس أنا مش أي حد، أنا قريبك ومش غريب عنك، زي ما عرفت من أخوك أمجد."
أومأ نيازي برأسه على مضض، فقال أدهم وهو يجول بعيناه على الأرجاء حوله:
- "أوضتك غريبة بس حلوة ومختلفة.. فيها لمسة فنية على الأقل."
قال الأخيرة وانظاره تركزت على لوحة زيتية بألوان غريبة، أعجب الإطراء نيازي ورد بزهو وانظاره ذهبت نحو ما يقصده أدهم:
- "أيوه فاهمك، أنا فعلاً بعشق الفنون بكل أنواعها، ورغم إني شاعر، بس برضه بتذوق كل حاجة حلوة."
أومأ برأسه نحوه أدهم بإعجاب يردد له:
- "يا خبر! ده أحلى خبر سمعته.. عيلتي فيها شاعر؟ ده إنت شكلنا هنشوفك بتنافس أحمد شوقي وحافظ إبراهيم!"
عقد حاجبيه نيازي مندهشًا لذكره لهذه الأسماء القديمة، فقال مصححًا بثقة:
- "أنا بعمل مدرسة شعرية بأسلوبي الخاص، مدرسة هتدخل التاريخ والأجيال الجاية هتمشي عليها."
زاد الشغف لدى أدهم، فقال بلهفة:
- "إذن سمعني بقى! أنا كمان بحب الشعر وبعشقه.. قولي كده خليني أحكم بنفسي."
※-※
في الغرفة المجاورة كان أمجد لا يستطيع تمالك نفسه عن الضحك مع شقيقته التوأم اريج، والتي كانت تردد له:
- "يخرب بيتك يا أمجد! ضميرك ده مش بيأنبك خالص ولو مرة واحدة على المقالب اللي بتعملها في نيازي الغلبان؟ ده بيشرب المقالب في كل مرة بسبب طيبته زيادة عن اللزوم."
رد مستمرًا في ضحكاته:
- "إنتي اللي قلتيها بنفسك.. بيشربها بطيبته، وأنا ذنبي إيه لو هو اللي بيشجعني صراحة اغفله؟"
توقف يأخذ انفاسه ليكمل بجدية:
- "بس الأمانة طيبته المرة دي كانت هي الإنقاذ بالنسبة لي.. أنا كنت هوافق إزاي إن المعتوه ده ينام معايا في نفس الأوضة؟ ده أنا يا دوب بالعافية استتحملته الساعتين اللي فاتوا دول!"
اومأت أريج متحذلقة:
- "أنا متهيأ لي إنه هيندمج مع نيازي أوي،.على الأقل هيبقى فين ما بينهم مسافة للنقاش في الأمور الثقافية والشعر، ويمكن يعجبه اللي بيكتبه نيازي....
قالت الأخيرة وتوقفت على صوت الصياح الذي كان يأتي من الغرفة المجاورة، وصوت أدهم يصدح بغضب:
"هو ده اللي بتسميه شعر يا غبي؟ ده عبط وجنان وتجنّي على اللغة.. إنت بتبوظ اللغة!"
تطلعت لشقيقها باستفهام، فقال ردًا على كلماتها:
"باين كدة إن شعر نيازي عجبه بجد!"."
الفصل السادس
على مائدة السفرة كان عزام يتناول طعام إفطاره قبل أن يذهب إلى العمل وزوجته الحبيبة تدور كالنحلة حوله في الإتيان بباقي الأطباق، وتجهيز الصغيرة بتول للذهاب إلى مدرستها، حتى أنه أشفق يخاطبها بحنو:
"يا ستّي اقعدي بقى وافطري لك لقمة على الأقل."
تبسمت أحلام تجيبه بمودة:
"تسلم يا حبيبي، بس لسه مخلصتش سندوتشات بتول ولا حتى سرحت لها شعرها."
خرجت لها المذكورة تقول بحماس:
"أنا سرحته لوحدي يا ماما قدام المراية!"
ألقت أحلام نظرة على شعر ابنتها المنطلق والذي بالكاد يصل كتفها، لتقول بعدم رضا:
"إيه ده يا بتول؟ ميفعش تسيبي شعرك منكوش كدة يا بنتي من غير ضفيرة.. استني، أنا خلاص قربت أخلص السندوتشات وأحطها في اللانش بوكس."
تذمرت بتول تهمس بسخط مخاطبة والدها:
"يا بابا أنا عاوزة أسيب شعري مفرود زي باقي البنات في المدرسة، بس ماما مصممة على العادة الرخمة دي."
تبسم لها عزام صامتًا دون رد حتى إذا أتت زوجته بالمشط ورباط الشعر، هتف بها:
"سيبي البنت براحتها النهاردة يا أحلام، شكلها كدة زي القمر."
ردت أحلام تقول باعتراض:
"ما يصحش يا عزام، شعر بنتك خفيف وأي شوية هواء هيخلوه يهايش."
ردت بتول بدفاعية:
"لأ شعري ناعم ومش بيهيش أصلاً، ولو حصل حاجة هسرحه بالمشط الصغير اللي شايلاه في جيب الشنطة."
رمقتها أحلام بنظرة كاشفة تقول لها:
"أيوة.. يبقى إنتي بقى اللي مخططة لموضوع الشعر المفرود ده.."
ووالدك يساعدك، بعد ما ادلعتي عليه بخبثك كالعادة
قوست شفتيها بتول تقول بعتب طفولي:
"أنا خبيثة يا ماما؟ ربنا يسامحك:
بأسلوبها الرقيق وعتبها اللطيف أثرت في أبويها لتجبر عزام على التدخل بحمائية:
"جرى إيه يا ست أنتي! سيبي البنت تعمل اللي هي عايزاه وتعالي بقى اقعدي كلي معايا."
تبسمت أحلام مزعنة لأمر زوجها بخضوع تام، لتقبل وجنة ابنتها ثم جلست على كرسيها تتذوق أخيرًا طعم الطعام الذي صنعته، فتابع عزام بعد ذلك سائلاً:
"هما عيالك الأغبيا دول اللي لسه نايمين؟ معندهمش محاضرات في الجامعة؟ وابنك الكبير مش هيروح المصلحة الحكومية اللي شغال فيها؟"
أجابته أحلام:
"أنا عديت على التوأم وقالوا إن ميعاد مرواحهم للجامعة لسة مجاش، أما عن ابنك الكبير، فـ ميعاده الطبيعي على الساعة الثامنة، وهو اصلا مش بيطول في الصحيان، ربع ساعة بس واروح اصحيه، وبالمرة أطمن على ابن أخويا سعيد، ربنا يشفي عنه يارب .
عقبت بتول بسجيتها:
- "يعني هو فعلاً تعبان يا ماما؟ عشان كدة بتدعي له؟"
أومأت لها أحلام بتأثر، فقال عزام:
- "مش عارف ليه عندي إحساس قوي إني مش شايف سعيد قدامي."
وكان اللي كان دخل بيتنا امبارح هو واحد تاني شبه سعيد في الشكل بس، لكن لا دا صوته ولا دي رزانة تشبه شخصيته على الاطلاق
ايدته ابنته الصغيرة:
- "أيوه يا بابا، أنا شفته امبارح وكان بيسألني أسئلة غريبة، مفهمتش معظمها."
عقد حاجبيه عزام باستفسار لابنته فقالت زوجته رغم استغرابها هي الأخرى:
- "ما هي الحادثة يا عزام، هو أمجد مش قالك امبارح وشرح لك حالته الغريبة دي؟ ده قعد يقول أسامي أجنبية مفهمتش منها حاجة."
أومأ عزام يردد خلفها وهو ينهض عن محله ويتناول معطفه:
- "وأنا كمان مفهمتش منه حاجة يا ست أنتِ، ابنك دخلني في دوامة وشرح طويل عريض لحد ما تعبني، وللأسف وافقت في الآخر عشان صعب عليا."
هزت رأسها احلام بتفهم قبل ان تنظر بساعتها ثم انتفضت نحو ابنتها قائلة بتعجل وهي تصنع لها شطيرة جديدة:
- "الوقت اتأخر يا بتول، كملي أكلك في الساندوتش ده وروحي دلوقتي مع باباكي."
اذعنت بتول لأمر والدتها لتعلق الحقيبة على ظهرها، وقبل أن تصل لباب المنزل بصحبة والدها، أجفلا الثلاثة على صوت الصراخ الذي كان يصدح من إحدى الغرف بالداخل.
تمتم عزام ورأسه ملتفة للخلف:
- "جرى إيه؟ هو فيه إيه بالظبط؟"
همت لتتكلم احلام أيضاً، ولكن مع ازدياد الصراخ، اضطر الثلاثة للدلوف بالدخل نحو مصدر الصوت، والذي كان آتيًا من غرفة نيازي.
والذي ما ان هما بفتح الباب عليه، إلا وقد تفاجئو به على طرف سريره واقفاً، ملتصق بظهره في الحائط من الخلف يردد:
- "إلحقوني.. حد ينجدني! الله يحرقكم، حد يمسك المعتوه ده ويبعده عني!"
التفت الرؤوس نحو ما يقصد، ليجدوا أدهم واقفاً بتحفز يقول بانفعال:
- يا وحوش يا أوغاد! أنتم مين؟ وإزاي جبتوني البيت المعفن ده؟ وربنا لو مخدتش منكم إجابة دلوقتي حالاً لـ..."أنا هبلغ السرايا عنكم يا حرامية يا خطافين، أنتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا الباشا عالي المقام أدهم الفيومي!"
بصق كلماته ليجد الجميع يناظرنه بأعين متسائلة يغمغمن بعدم استيعاب:
أدهم الفيومي!
قبل قليل
كان أدهم استيقظ من نومته، يفتح أجفانه ليستعيد وعيه الضعيف، متناسيًا الجسد الذي أصبح يتلبسه، وهذا المنزل الجديد والمختلف كليًا عن غرفه القديمة بالقصر، ليغمغم بقرف ببعض الكلمات غير المفهومة.
عيناه تجول في أرجاء الغرفة الغريبة، لتستقر بعد ذلك على النائم على التخت المجاور، بهذه الهيئة التي أثارت في نفسه الاشمئزاز؛ الذقن الطويلة وغير الحليقة، والشعر المتجعد والكثيف وملابس نومه...
والتي كانت مكونة من "تيشرت" باهت في الأعلى، و"شورت" يصل لأعلى ركبته لتظهر سيقانه الممتلئة بالشعر، فبدا له كإنسان غاب أو مشرد من إحدى الأزقة، لتحتد عيناه بارتياب شديد، جعله ينهض عن فراشه ليتناول أول شيء تناله يداه وهو كان حزام بنطال جلدي، ذكره بالسوط الذي كان يروض به حصانه، ليلفه حول كفه ثم رفعه لتلسع هذه القدم المقززة أمامه.
صرخ نيازي مجفلًا من نومه ليجد أعين سعيد ابن خاله وهو يطالعه بشر وملامح شرسة يوجه الحديث إليه:
"أنت مين يا مجرم يا شحات؟ وإزاي جبتني هنا في المكان الغريب ده؟"
تمتم نيازي بتوهان وعدم استيعاب:
"هاه؟ مين اللي جاب مين؟
صرخ به أدهم ليلسعه بضربة أخرى من حزامه على ساقه العارية صرخ بها نيازي، وصرخ معه أدهم:
"انطق يا حيوان! أنت لوحدك اللي خطفني ولا معاك حد تاني من العصابة؟ اخلص وانطق يا ولد!"
تبع الأخيرة بضربة أخرى من الحزام جعلت نيازي يصرخ للنجدة، من أحدهم ينقذه من هذا الجنون.
عودة إلى الوقت الحالي
فقد استيقظ أمجد على الصراخ الذي كان يأتي من غرفة أخيه ليفاجأ بجده وهو يصرخ يعلن عن هويته أمام الجميع:
"أنا أدهم الفيومي يا أوغاد.. أنا أدهم الفيومي!"
صُعق في البداية ولكنه تدارك سريعًا يقترب منه، يبتغي تهدئته:
"سعيد يا حبيبي.. أنا ابن عمتك، ما تخافش."
التف إليه أدهم يهدر به:
"أنا مين يا حيوان؟ وإيه الهبل اللي أنت بتقولهولي ده؟"ومين سعيد اصلا؟
فزع أمجد من هيئة أدهم التي بدت وكأنه فاقد الذاكرة ولا يستوعب هذا التحول الخطير منه والذي قد يهدد خطته بالكامل وهذا ما وضح جليا من تعليق أبيه:
"هو الغبي ده بيقول إيه يا أمجد؟ ده فاكرنا حرامية وخاطفينه! ماله بينطق بالكلام بالطريقة الغريبة دي؟"
همّ أمجد أن يخترع كذبة ما تناسب القصة، ولكن أدهم سبقه للرد على عزام:
"وهو أنا بتبلى عليكم؟ أنتم حرامية، وأنا مش هسكت ولا هفضل حاطط إيدي على خدي لحد ما تاخدوا الجوهر..."
قطع جملته ساقطًا على الأرض، فاقد الوعي بعد أن باغته أمجد بضربة رأس قوية منه، قبل أن يفضح أمره ويفشي بسر الجوهرة. صرخت أحلام بجزع:
"يا مصيبتي! عملت إيه في ابن خالك يا ولا؟"
التف إلى والدته يجيبها بثقة:
"متخافيش يا أمي، الموضوع هيعدي على خير."
صاح به عزام:
"يعدي على خير إزاي؟ بعد ما وقعته من طوله وغاب عن الوعي يا غبي؟ وبعدين السؤال الأهم.. ماله سعيد؟ وإيه اللي خلاه يهلوس باسم جدك أدهم الفيومي؟"
أجابه أمجد يبسط الأمر وقد حضر ذهنه الشيطاني بعد إسكات جده بطريقته:
"مفيش حاجة تقلق يا بابا، دي مجرد نوبة بتجيله كل فين وفين بسبب إصابة قديمة في دماغه، عقله الباطن بيسرح في حتت تانية وبيخليه يصحى يخرف بالكلام ده."
جعد عزام جبينه بتفكير عميق، فهو لم يفهم كلمة مما أردف بها ابنه، ليسأله أخيرًا عن النقطة التي أثارت انتباهه:
"طيب وسعيد عرف منين موضوع جدك والجوهرة؟"
ارتبك أمجد وتعرق يبحث عن إجابة مقنعة، يلعن بداخله شقيقته أريج التي لا تسعفه أبدًا وقت حاجته إليها.. وفجأة استفاق يجد الحل مخاطبًا أبيه:
"بنتك أريج يا بابا! هي اللي حشت دماغه بالكلام الفاضي ده عن جدها وعن الجوهرة، ما هي سيرة العيلة بقالها سنين."
عبس وجه عزام لا يظهر اقتناعًا ولا رفضًا، ليستدرك تأخره عن ميعاد العمل، فقال بنزق وهو يرتد للخلف خارجًا من الغرفة:
"أدي اللي باخده منكم، أهي قعدتكم دي أخرتني عن شغلي.. تعالي يا بنتي أنتي كمان عشان تلحقي مدرستك."
هتف بالأخيرة وهو يسحب ابنته الصغيرة بتول بيده ليغادرا المنزل، وظلت أحلام تقول ناحبة:
"يا عيني عليك يا ابن أخويا، يا خيبتي في اللي حصلك! هنعمل إيه معاه دلوقتي يا أمجد؟"
أجاب المذكور وهو يدنو برأسه نحوه يتأمل حركة انتظام أنفاسه:
"اهدي يا أمي، كله هيبقى تمام.. دي مجرد نوبة وهتخلص أول ما يفوق ويرجع لوعيه."
صاح نيازي بعد أن استعاد صوته أخيراً بعد كم الهلع الذي تعرض له منذ قليل:
"أنا ميهمنيش أي حاجة من ناحية المجنون ده، ولا هيجراله إيه.. طلعوه بره أوضتي! وإلا من غير حلفان لا هسيب البيت وأهاجر لآخر الدنيا لو قعد ليلة واحدة تانية معايا في الأوضة.. أرجوكم!"
التوى ثغر أمجد يرمق أخيه بامتعاض، قبل أن يتجه لوالدته قائلاً:
"يا أمي ياريت تصحي الملعونة اللي نايمة زي القتيلة دي، رغم كل اللي بيحصل حوالينا!"
سألته والدته باستفسار:
"ملعونة مين يا ابني؟"
صاح يصرخ بالأسم وقد فقد زمام أمره:
"بنتك الدلوعة اللي حاطة على قلبها مراوح.. البرنسيسة صاحبة الحسب الطيب والطبع الواطي! الملعونة أريج يا أمي.. أختي التوأم.. يا رب تموت موتة قريبة تريحني منها ومن وشها.."
"..النحس ده، اللهم آمين."
❄
بوجه عابس من أثر النوم تطلعت أريج في وجه أدهم المستلقي على تخت شقيقها أمجد فاقداً للوعي بعد ضربة الرأس التي تلقاها من المذكور، لترفع رأسها إليه مغمغمة بارتياب:
"إنت قتلته؟"
سألها مستفهماً:
"مين ده؟"
أجابت أريج:
"سعيد ابن خالي."
قال مصححاً:
"ده أدهم جدك يا غبية!"
تمتمت بغمغمة تحاول الفهم:
"بس الجسم ده جسم سعيد، وإنت لما خبطت راسك زي ما قولتلي وزي ما أنا شايفة قدامي، جبهتك خبطت في راس سعيد.. يبقى إنت كدة قتلت سعيد!"
قطب متفكراً لعدة لحظات يشعر فيها
بالتشتت مع كلماتها حتى هتف بنفاذ صبر:
"يلعن شكلك على شكل عقلك التافه ده! بتدخليني في تفاصيل مالهاش لازمة وتوهيني عن المهم عشان أركز في الهبل اللي بتقوليه.. يا غبية!"
انتفضت شقيقته تعود للخلف تردد بهمس خائفة:
"اهدى يا أمجد بلاش تفضحنا، عشان ماما متسمعش الكلام اللي بيدور بينا."
صاح غير مبالي:
"قولي الكلام ده لنفسك وارحميني من خرافاتك! النهاردة الغبي ده كان هيكشفنا بهبله، وإنتي دلوقتي بتدخليني في مشكلة إحنا مش قدها."
توقف متهدج الأنفاس غاضباً، فـ إشارات هي على تخوف نحو باب الغرفة، بإشارة حول سماع والدتها الحديث، فصرخ بها:
"مش موجودة في البيت أصلاً، دي دخلت تصحيكي
في اوضتك من شوية وبعدها خرجت على السوق تجيب طلبات، يعني البيت صفصف عليا وعليكي والمجنون اللي راقد سطيحة على السرير بعد المصيبة اللي هببها دا كان هيفضحني قدام ابويا وأخواتك.
"ليه؟ إيه اللي حصل؟"
سألته بعفوية ليُجفلها بصرخته:
"هو ده وقت شرح يا غبية؟ كفاية أقولك إن جدك المصون صحي من النوم وناسي كل الاتفاقات اللي كانت بينا، وفاكر إننا خاطفينه!"
يشتم ويضرب في اخوكي نيازي اللي لاقاه قدامك ولما ابوكي حب يستفسر صرخ يقولها بالصوت العالي ،
انا أدهم الفيومي أنا أدهم الفيومي، وبعدها جاب سيرة الجوهرة
. شهقت أريج واضعة كف على فمها وقد فهمت سر تخوف شقيقها، فما كان منها إلا أن زادت الطين بلة بتفسيرها:
"يا نهار أسود! يبقى عشان كده أنت قتلته؟"
سمع منها لتنفجر الدماء برأسه وقد فاض به منها ومن تفكيرها المحدود، ليصرخ ويكسر في الأشياء التي يجدها أمامه:
ـ ابو شكلك على أبو غباءك يا شبخة هتخليني أعملها بجد.. بس المرة دي هقتلك أنتي يا أريج!"
انزوت الأخيرة تنكمش على نفسها تخشى نوبة غضب أخيها، بعد أن أخرجته عن شعوره باستيعابها البطيء على بكرة الصباح وهو يهدر بها لتركز جيداً مع ما يتفوه به وتتخلى عن غبائها قليلاً، حتى انتبها الأثنان على استفاقة أدهم الذي فتح أجفان عينيه فجأة يناظرهم بذهول وارتياع فصرخ بصوت عالي:
"حرامية.. لصوص!" على الفور انتفض أمجد ليقفز فوق التخت ليقطع صرخاته بتكميم فمه بكفه بعد أن حاصره بقدميه حتى لا يستطيع الاعتدال بجذعه أو النهوض، والآخر يزوم تحت كفه ويحاول المقاومة، وأمجد يجاهد حتى يسمع منه:
"اِهدى يا أدهم يا فيومي وبطل صريخ.. اسمعنا عشان تفتكر إحنا مين!" زام معترضاً بشدة وهو يكاد أن يغلب أمجد بقوته ليدفعه عنه، فصاح الأخير بشقيقته:
"اعملي أي حاجة يا أريج! خليه يفتكرك!" تحركت بتردد لتقف أمام أدهم في مستوى نظره تردف بتوتر وكلمات غير مترابطة:
"أنا حفيدتك يا جدي.. أهو.. وده كمان حفيدك، أمجد "المستغل" اللي طلعك من قبرك عشان يعرف سر الجوهرة، وأنا أريج حفيدتك اللي بتقول عليها قليلة الحيا.. إحنا الأوغاد يا جدي، مش فاكرنا؟"
قالت الأخيرة وكأنها سكبت فوق رأسه غاز الاشتعال، لتزداد مقاومته حتى قلب أمجد بوزنه الخفيف من فوق التخت ليقع على الأرض، فصرخ متوجعاً
"آه.. يخرب بيتك يا أدهم يا فيومي، أنت بتجيب القوة دي منين؟"
نزل بإقدامه أدهم على الأرض من خلفه ليصيح بغضب:
"أنا اللي هربيكم يا شوية أوباش، عشان تعرفوا مين هو أدهم الفيومي قبل ما تفكروا تخطفوه.. اللعنة! أنتوا إزاي جبتوني المكان القذر ده؟"
انتفضت أريج تتراجع خائفة من هيئته، لا تعلم كيف التصرف مع شخص مثله؟
لينتحب أمجد وهو يحاول النهوض:
"المعتوه ده هيفضحنا، وقفيه يا أريج قبل ما يخرج من الأوضة والجيران يعرفوا.. وقفيه بقولك!"
صرخ بالأخيرة حتى انتفضت في وقفتها لا تعلم كيف ستوقف هذا الضخم؟ ولكن مع رؤية انعكاسها في المرآة ومض عقلها بالفكرة على الفور، لتتناول القطعة الصغيرة، لتسرع وتتصدر أمامه قبل أن يصل إلى مقبض الباب قائلة بارتعاش:
"بص كدة.. شوف إحنا بنتكلم مع مين؟"
همّ ليتجاهلها ولكن مع إصرارها توقف لتتركز أبصاره على الوجه الغريب، فعقد حاجبيه يتمتم باستيعاب متأخر وهو يمسك المرآة يتمعن النظر بها:
"إيه ده؟ مين الراجل ده؟"
علم أمجد من لهجته وهدوئه النسبي بأنه بدأ التذكر، فتنهد ببعض الارتياح، قبل أن يهتف من خلفه:
"يا ريت تكون افتكرت شكلك الجديد يا سيد أدهم يا فيومي."
رد يجيبه المذكور بعد أن رفع رأسه إليه:
"أيوة افتكرت.. أول ما شفت الوش البائس اللي خليتوني ألبس جسمه افتكرت، وافتكرتكم أنتوا كمان يا قليلين الحيا!"
مطت بشفتيها أريج تطالعه بامتعاض قبل أن تتقدم تجر أقدامها بتعب حتى جلست على أقرب كرسي وجدته أمامها لتردف كلماتها بارتياح لا يخلو من بعض الغيظ:
"ده اللي كان هيقتلنا من لحظة واحدة بس، ودلوقتي قاعد يتريق علينا!"
ناظرها من طرف أجفانه يقول لها:
"أنتي عارفة كويس إني مش بتبلى عليكي لما بوصفك بالصفة دي.. والدليل إنك عارفاها لدرجة إنك فكرتيني بيها من شوية."
كشرت بوجهها إليه، فهتف أمجد عليهما بنزق ضاربًا بكفه على سطح المكتب بجواره:
"اللعنة! بطلوا بقى الأفعال العيالي دي، أنتوا الاتنين.. كفاية اللي جرالي منكم لحد دلوقتي!"
أجفلت على صيحته أريج تغمغم بسخط وصوت خفيض، أما أدهم فقال ببرود:
"وأنا مالي باللي بيحصل معاكم؟ أنا راجل راجع للحياة من تاني، وطبيعي جداً إني أتخبط وتطلع مني غلطات لحد ما أتعود على العالم الجديد والمتغير ده."
سمع أمجد فتوحشت ملامحه، ليهدر...صائحًا:
تتعود على مين؟ وإزاي يا حبيبي؟ ده أنت كنت من لحظات قليلة هتخرب الدنيا وتقول على سر الجوهرة قدام أبويا من غير تفكير! اللي هيجنني بس، إيه اللي جرالك عشان تعمل فينا تنشف دمنا كدة؟ أوعى تكون فاكر إن هسيبك تعمل كدة كل ما تصحى من النوم.. قسمًا بالله ما هخليك تلمح النوم تاني يا أدهم، وأنا قد كلمتي.
بعد اكتراث علق ادهم:
ما تنادينيش باسمي حاف كدة، احترم على الأقل إني جدك يا غبي.
ضرب امجد كفيه ببعضهما يظهر سخطه:
ابو برود يا أخي! أنت هتيجي في يوم وتجبلي جلطة بهدوئك ده.
توقف ليكمل بأنفاس متهدجة يهادن هذا العنيد الخبيث:
يا جدي يا حبيبي، أبوس إيدك خف علينا شوية وحاول تتعايش الفترة اللي قررت تقضيها معانا من غير جنان ولا حركات مفضوحة، ولو مش هتقدر على كدة،، قولنا بس على مكان الجوهرة وريح نفسك وريحنا معاك
تبسم أدهم يردد له معقبًا:
ببساطة كدة؟ ومن أول يوم عايزني أرجع وأقولكم مكان الجوهرة فين؟ أنت نسيت اتفاقنا يا جميل ولا إيه؟ أنا قولت من الأول إني هديها للأصلح، وأنا لحد دلوقتي لسه مش شايف حد صالح فيها.
ردت أريج متهكمة:
حبيبي يا رزين انت يا عاقل، دا على أساس إنك عارف تلم لسانك أصلاً؟ ده أنت كنت لسه هتفضحنا من شوية!
عض على شفتيه أدهم يعقب بسخط على كلماتها،
اخرسي يا بت أنتِ، قولتلك ميت مرة أسلوبك ده ما بيعجبنيش.. بلاش وقاحة في الكلام معايا.
وأنا كمان ما بطيقكش.
هتفت بها لتنهض عن كرسيها ل تتابع مغمغمة بالكلمات الحانقة، أوقفها أمجد بقوله:
رايحة فين يا أريج؟
تمايلت بليونة لتجيبه ساخرة:
رايحة كباريه.. هتدرب شوية على الرقصة الجديدة قبل ما الليل يليل.
هدر بها أمجد غاضبًا:
اتلمي يا أريج بدل ما أطلع غلي كله فيكي وأكسر عضمك!
ردت تقارعه بتذمر:
رايحة الجامعة يا أمجد.. ولا أنت نسيت إن ورانا دراسة من كتر جريك ورا الراجل ده؟
ضيق عينيه أدهم يطالعها بمكر ونهض أمجد يردد خلفها:
لا منسيتش، استني بس أغير هدومي واغور معاكي.
وأنا كمان.
تفوه بها أدهم لتلتف أنظار الشقيقان نحوه باستفهام، فتابع:
-أنا مش عايز أفضل لوحدي من غير ونس، ولا أنتوا فاكرين إني رجعت من عالمي عشان تحطوني زي حتة ديكور في البيت؟
تخصر أمجد يسأله ساخرًا بتوجس:
-أمال إنت عايز إيه يا جدي العزيز؟
تبسم أدهم ينقل أنظاره بين الشقيقين ثم قال:
-أنا عايز أروح معاكم الجامعة!



السادس من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات