رواية عاصفة السرايا الفصل الرابع 4 بقلم هاجر سلامة
الرابع
بعد تلك الليلة المشؤومة، تغيرت الأجواء داخل السرايا تماماً.
ساد صمت غريب، لكنه لم يعد صمتاً بارداً بل كان مشحوناً بنظرات جديدة لم تعهدها فاطمة من قبل. صار يحيى يطيل النظر إليها، يراقب حركاتها وهدوءها بكبرياء منكسر، بعدما أثبتت له بأصالتها أنها تفوق كل نساء الأرض نبلًا وجمالًا.
في الصباح، كانت فاطمة تقف في المطبخ الكبير تعد القهوة الصباحية، لتفاجأ بظله الطويل يغطي المكان.
دخل يحيى بخطوات بطيئة، وعيناه تحملان اعتذاراً عاجزاً عن الخروج في كلمات. تنحنح واقترب منها حتى شعرت بأنفاسه، وقال بنبرة هادئة وعامية يملؤها الشجن:
"فاطمة.. أنا خابر إن الحق عليا، وإنِ وافقت أظلمك معايا من الأول وسيبت سموم نادية وفريدة تدخل بيناتنا.. أنا أسف يا بنت خالي، واعر عليّ الراجل يغلط في حق مراته، بس أنا انعميت."
التفتت إليه فاطمة، وحبست دقات قلبها المتسارعة خلف ملامحها الجامدة، وقالت بعامية هادئة وثابتة:
"الأسف مبيصلحش اللي انكسر يا يحيى. أنت صدقت فيا واصل، وكان هان عليك شرفي وشرف أبوك عشان خاطر كلام مرتك.. أنا وافقت على الجوازة دي حشمة لعيلتي، بس يظهر إن ماليش مكان لا في بيتك ولا في قلبك."
لم يحتمل يحيى كلماتها، واعتصر قلبه الألم والندم.
تقدم خطوة إضافية وأمسك يدها برفق، ونظر في عينيها اللامعتين بالدموع قائلاً بصوت مخنوق من شدة العاطفة:
"لا يا فاطمة.. متجوليش كد! أنا اللي كنت عَمي ومش شايف النعمة اللي في يدي. البنت اللي كنت فاكر إني بحبها، طلعت حية وسمها مالي السرايا، وأنتِ اللي صُنتي عرضي ووقفتي كيف الجبل. أنا من الليلة دي مش هسيبك لوعر الأيام واصل، ومقامك عندي فوق الراس."
سحبت فاطمة يدها برفق، ورغم أن قلبها كان يرقص فرحاً من هذا الاعتراف، إلا أن كبرياءها من زواجه بنادية جعلها تتراجع، وقالت بمرارة:
"ومرتك يا يحيى؟ نادية اللي فرشتلها الأوضة اللي فوق بإيدي؟ هتعمل فيها إيه؟ أنا مقبلش أكون فضلة خير حد، ولا هقبل أعيش ضرة منسية في سرايتك."
تسمر يحيى في مكانه، وبات الصراع يمزقه؛ فهو الآن واقع في حب فاطمة بشكل جنوني لم يحسب له حساباً، وصار قلبه يعتصر كلما تذكر أنها عانت بسببه، لكنه في نفس الوقت مقيد بوعوده ونادية التي ما زالت على ذمته وتملأ السرايا بالمشاكل.
وفي تلك الأثناء، كانت نادية تقف خلف الباب، تستمع إلى كلمات يحيى واعترافه بحبه لفاطمة، لتشتعل النيران في صدرها مجدداً، وتبدأ في التخطيط لخطوة أكثر جنوناً بالتحالف مع فريدة التي كانت حالتها الصحية تزداد سوءاً ومرضاً.
لم يمر وقت طويل حتى حلت ليلة الحساب التي لم تحسب لها فريدة حساباً.
كانت فريدة تجلس في بهو السرايا، ووجهها شاحب كالتراب، بينما كان يونس يفتش في حقيبتها ب غضب باحثاً عن بعض الأوراق الخاصة بأرضه.
فجأة، وقعت يده على مظروف طبي مغلق يحمل اسم مستشفى كبير في القاهرة.
فتح يونس المظروف، وتفرست عيناه في السطور والتقارير الطبية. تلاشت الألوان من وجهه، وتحول غضبه إلى ذهول تام، ثم إلى ثورة عارمة. وقف في وسط بهو السرايا وصاح بصوت هز الأرجاء، مجتمعاً عليه الحاج علام ويحيى وفاطمة ونادية:
"تعالي هنا يا فريدة! تعالي يا بت خالي يا غشاشة يا خاينة! إيه المكتوب في الورق ده؟ انطقي!"
خرقت الكلمات سكون السرايا، وأسرعت فريدة بخطوات مرتجفة، وحين رأت الأوراق في يده سقطت على ركبتيها وهي تبكي برعب:
"يونس.. ابوس يدك اسمعني.. أنا كنت هجولك، والله كنت هجولك بس خوفت تسبني!"
رمى يونس التقارير الطبية في وجهها بصقيع ومرارة، والملأ يستمع، وقال بعامية تملؤها السخرية والقهر:
"تخافي أسيبك؟ أنتِ غشيتيني يا فريدة! اتجوزتيني وأنتِ عارفة إنك عقيم ومبتخلفيش واصل! دكاترة مصر كاتبين إن مفيش أمل تكوني أم! أنتِ مقهرتيش أختك فاطمة، أنتِ قهرتيني أنا ودمرتي حياتي وخسرتيني ناسي عشان غلك وسواد قلبك!"
ساد الصمت وتعلقت الأعين بفريدة التي كانت تبكي بحرقة ونحيب هز الجدران.
كانت علامات العقاب الإلهي واضحة على وجهها الذي فقد كل معالم الجمال والنضارة، وباتت تبدو ذابلة منكسرة أمام أختها فاطمة التي كانت تقف بكامل حسنها وأصالتها.
التفت يونس إلى والده ويحيى، وعيناه تفيضان بدموع الندم، ثم وجه حديثه لفريدة وألقى عليها يمين الطلاق بحسم:
"أنتِ طالق يا فريدة.. طالق بالتلاتة! ملناش عيش مع بعض واصل، وخرجتك من حياتي زي ما خرجتيني من رحمة أبويا وعيلتي!"
التفت يونس نحو فاطمة، وبكى كالأطفال وقال بنبرة مكسورة:
"سامحيني يا فاطمة.. ربنا جابلك حقك مني ومنها في الدنيا جبل الآخرة. أنا خسرت كل حاجة، وأختك ربنا عاقبها باللي كانت عايزة تحرمني وتحرمك منه."
نظرت فاطمة إلى أختها الملقاة على الأرض تبكي عقمها وضياع زوجها، ولم تشعر بالشماتة، بل اعتصر قلبها ألماً على هذه النهاية المأساوية التي صنعتها فريدة بيديها.
التفتت فاطمة إلى يحيى، الذي كان ينظر إليها بنظرات فخر وإعجاب بأصالتها، وكأن القدر يمهد الطريق لقلبيهما ليلتقيا أخيراً بعد انقشاع سحب الظلم.
الخامس من هنا