📁 آخر الروايات

رواية قصر آل الزيني الفصل الرابع 4 بقلم سلمي خالد

رواية قصر آل الزيني الفصل الرابع 4 بقلم سلمي خالد


 نبدأ

الفصل الرابع [ توهان ]
سلمى خالد احمد
    **********
كانت صارمة تقف ولا تبدي أي خوف منه ومن داخلها ترتعش وتحدثت:
_ أنا حاسة إني عرفاك بس عايزة افهم انت ليه بتعمل كدا؟ هتستفاد إيه من اللي عايز تعمله دا؟

لم يرد بل أخذ يتهجم عليها ولصقها بالحائط فغرست اظافرها في خديه بقوة وكانت تحدق في عيناه في تحدي كان ينظر إليها متألمًا فقد كان لديها أظافر طويلة و حادة وبعدما غرستها داخل خديه ثم ركلته بركبتها في بطنه ومن ثم ابتعد عنها يضع يداه  أثر الوجع وعليه أسرعت جهة حقيبتها الملقية على الأرض وفتحتها في سرعة أخرجت سلاحها الصغير ( قطر) ووضعته خلف ظهرها، فعاد يقترب منها في قوة أكبر كي ينتقم منها على فعلتها لتضع علامتها سريعًا بالإلة الحادة على أحد خديه مما جعله يصرخ أكثر يود أن يكشف عن وجهه كي يرى ما حدث له وكانت تود أن تنتظر كي تتعرف عليه ولكن الخوف منعها مما جعلها تركض إلى الخارج تفر هاربة ناجية بنفسها وما إن أصبحت في الخارج حتى أخذت مفاتيح السيارة الملقية على الأرض وتحدثت إلى السائق المقيد وهي تتابع جريها:
" رقمي معاك على الابلكيشن أما يسيبك كلمني ارجعلك العربية معلش مضطرلها وهو مش هيأذيك شكرا"
وخرجت تجري في سرعة تتلفت حولها تبحث عن السيارة وما إن وجدتها حتى ابتسمت و أسرعت جهتها وفتحت الباب وبعدما دخلت وجدت فستانها الذي اشترته في المقعد الخلفي مما جعلها تضحك وقادت السيارة منتصرة.
                    **********
" يعني إيه يعني اختفت إيه الجنان دا؟"
صرخ مجدي متعجبًا خائفًا وقبلما ترد عليه زوجته سمعوا صوت جرس الباب، نظر إليهن وقال:
_ الناس جت، روني فين؟ روني فين؟
1

كان تائهًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل واتجه نحو الباب و فتحه وتصنع الابتسامة قائلًا:
_ اهلا وسهلا نورتونا اتفضلوا

اعطوه ما جلبوه معهم و دخلوا غرفة استقبال الضيوف واضطر هو أن يدخل خلفهم وقبلما يدخل قال لزوجته:
_ شوفوا البت فين و اتأخرت ليه علشان لو فضلت متأخرة ومش بترد كدا هضطر اوقف كل حاجة و ادور عليها

هزت رأسها موافقة وكانت هانيا لا تتوقف عن الاتصال بها ولكن هاتفها كان مغلقًا فشعرت بالضيق و الخوف في آن واحد وتحدثت في توتر:
" بردو مغلق بردو مغلق"

وعادت مايا من الخارج فأسرعتا جهتها فهزت رأسها نافية وقالت:
_ روحت لحد المحل هناك ملقتهاش وفضلت ادور في ضواحيه قلت لتكون فعلا زي ما قلتوا بتجيب شنطة ولا جزمة بس بردو ملقتهاش

ضربت حورية بيدها على صدرها وهي تتوجس خيفة وقالت:
" بنتي فين هاتولي بنتي، بنتي راحت فين بنتي فين؟ "

داخل الغرفة رحب بهم مجدي مرة أخرى ولكن عبدالله يعرفه جيدًا هناك أمر ما يضايقه ملامحه غريبة متوتر ربما وعليه سأله:
_ انت كويس يا مجدي؟


هز رأسه مؤكدًا وقال:
_ اه يا شيخ انا تمام بس..
_ بس إيه؟
_ تشربوا إيه؟
_ فيه إيه يا مجدي؟

تعجب يزيد و توتر قليلًا من نظرات ذلك الأب ملامحه لا تعكس السعادة ابدًا بينما عبير تمتمت:
" أحسن شكلها سمعت بالنصيحة ورفضت وابوها مش عارف يجبهلنا منين "

تحدث مجدي متهربًا من اسئلته:
_ هروح اقولهم يعملولك القهوة اللي بتحبها يا شيخ

وما إن خرج حتى تحدثت عبير إلى زوجها:
_ شكلنا مش مرحب بينا هنا يا شيخ يلا خلينا نمشي

رد يزيد:
_ يعني إيه نمشي دي يا ماما مش فاهم! اهدي بعد اذنك
_ شايفني مجنونة يعني ولا إيه ما تلزم حدك
_ مستغرب ايه نمشي دي؟
_ انت مش شايف أبوها قالب خلقته ازاي، شكلها رافضة وهو محرج يقول
_ لا هي مش رافضة اذا كان لسه امبارح قايلالي انتوا جايين امتى علشان اجهز نفسي و نظبط أمورنا وانا معرفها إن بابا هيكلم أبوها وقالتلي موافقة دا بسم الله الرحمن الرحيم كدا من قبل ما نحدد وقت ولا حاجة مجرد بس سألتها تقبلني زوج ليها ولا لا

تدخل الشيخ حاسمًا الأمر:
_ بلاش نبص للأمور بالسطحية دي جاهز فيه حاجة باظت منهم برا جاهز اتخانق هو ومراته لأي سبب احنا براه جايز فيه حاجة مظبطتش زي ما كانوا عايزين جايز ألف حاجة مش لازم يكون الموضوع يخصنا، ومادام هو متأكد اوي كدا من قبوله خلاص ادينا هنشوف.
1

وبمجرد خروج مجدي من الغرفة حتى أخذ يبحث عن ابنته وتحدث:
_ لسه مظهرتش بردو؟ أنا هروح ادور عليها

ردت حورية في خوف:
_ هدور عليها فين؟
_ مش عارف بس أكيد مش هفضل قاعد كدا وبنتي مختفية! لازم اعمل حاجة

اقترب من الباب و فتحه وما إن فتحه حتى وجدها تقف أمام الباب في استعداد لطرقه، ابتسم ابتسامة عريضة وضمها إلى صدره قائلًا:
_ الحمدلله إنك بخير يا حبيبتي

اقتربت أمها وكذلك اختاها وتحدثت حورية في خوف:
_ كنتي فين يا روني، كنتي فين كل دا قلقتينا عليكي يا بنتي!
_ بعدين بعدين، الناس وصلت؟ انا حقيقي جاية بجري

قالتها واسرعت جهة غرفتها وهي تحمل الحقيبة التي بها الفستان وغلقت الباب بالمفتاح وما إن غلقته حتى أخذت تُلهث، وكأن الهواء نفسه يضيق عليها. أسندت ظهرها إلى الباب وجسدها يرتجف، ثم انزلقت إلى الأرض لحظة، قبل أن تجبر نفسها على النهوض. كانت يداها ترتجفان، تنظر إلى أظفارها التي غرستها فيه بكل ما تبقى لها من قوة لا تصدق كيف فعلت ذلك ومتى. تشعر بلسعة الألم في كفّيها، وكأن عقلها لا يستوعب ما حدث.
1

نظرت إلى وجهها في المرآة، فوجدت عينيها تلمعان بدمعٍ يأبى السقوط… حتى انهارت.
بكت بصوتٍ مكتوم، خافتٍ مرتجف، بكت على خوفها، على الوحدة التي سكنت قلبها لحظة لم تجد فيها أحدًا يحميها، بكت لأن جسدها ما يزال يرتجف رغم نجاتها، ولأنها لا تعرف حتى الآن مَن ذلك الذي حاول تدمير حياتها ولما فهي لم تؤذٍ أحدًا قط؟!
ومع ذلك… لم يكن أمامها وقت.
تتنفّس بصعوبة، تمسح دموعها بظهر يدها، وتخلع ما عليها بسرعة، كأنها تريد أن تنزع عن جلدها أثر اليد التي أمسكت بها، وأصابع الخطر التي التصقت بذاكرتها. تُمسك فستانها يدهشها أنها ما زالت قادرة على الوقوف أصلًا.
كانت تسمع ضجيج أهل العريس في الخارج، أصواتًا تزداد قربًا كأن العالم يضغط على صدرها.
ترفع رأسها قليلًا، تحدّق في نفسها، تتساءل كيف يمكن لفتاة خرجت من قبضة الموت منذ دقائق… أن تبدو الآن عروسًا يُنتظر منها الابتسام
تنفست بعمقٍ متكسّر، وغمغمت لنفسها:
"مش دلوقتي … مش وقت الانهيار. يا روني اجمدي"
ثم ارتدت فستانها بيدين ترتعشان، ومسحت دموعها للمرة الأخيرة، محاولةً أن تجمع ما تبقّى من شجاعتها قبل أن تخرج لمواجهة حياة جديدة… بينما في داخلها جرحٌ ما يزال ينزف.


وبمجرد خروجها رأت الجميع ينتظرها في الخارج وتحدث والدها:
_ هدخل أنا ليهم وانتي شوية و هندهلك انتي وأمك علشان تدخلوا

قالها وذهب، اقتربت هانيا من روني فهي تعرفها هناك خطب ما بها وهمست:
_ مالك؟ كنتي فين واتأخرتي ليه؟
_ هانيا بالله عليكي غيري الموضوع دا لو اتكلمت فيه هعيط بعدين لو سمحتي أنا واقفة على رجلي بالعافية انا بترعش

ردت الأخرى في خوف شديد:
_ ليه ليه حصل إيه لدا كله؟
_ قلت بعدين بقا بعدين

خرجت حورية من المطبخ وهي تحمل القهوة وخلفها مايا تسير وهي تحمل طبق الفواكه.
اقتربت حورية من روني وتحدثت:
_ خدي القهوة اهي دخليها للناس
_ والله يا ماما ماهقدر اشيل قهاوي ممكن اقع بيها مثلا
_ ليه يعني!

ردت هانيا بدلًا منها:
_ خلاص يا ماما دخليها انتي وهي هتدخل معاكي
_ اه بس لو افهم مالها وكانت فين!

ثم حملت الأكواب ودخلت وألقت السلام ثم جلست جوار زوجها وعقب قليل دخلت روني تمشي على استحياء وسلمت على الجميع وابتسم لها يزيد ما ان جلست فلم تبتسم له فهي شاردة الذهن ربما رأته يبتسم ولكن عقلها في عالم آخر مما جعله يتعجب ولكنه ظن لربما توتر الخجل يبدو أنها منكسة الرأس لا ترفع عيناها في وجه أحد ربما الخجل السبب....ربما
ومن هول صدمتها ومن شدة عدم تركيزها شردت بعيدًا كأنها لا تسمع ما يقولونه عنها في تلك الأمور التي تخص عقد القرآن و الخطوبة و هكذا.
                      ***********
دخلت حليمة غرفة ابنها أمجد بعدما سمح لها وتحدثت في ابتسامة:
_ خفت تكون نمت يا حبيبي
_ لا يا ماما صاحي أنا أصلا كنت عايزك كنت لسه هتصل بيكي اعرف نمتي ولا فيه إمكانية نتكلم
_ انا كمان كنت عايزاك
_ خلاص ابدأي انتي أنا سامع

تنهدت وردت في ابتسامة:
_ خالك عبدالله طلبني في مكتبه النهاردة
_ وبعدين؟
_ وبعدين قالي كلام كدا كتير ملخصه يعني انه عايز يجوزك انت و كاميليا لبعض وأنا الصراحة فرحت اوي كدا يبقى انت و أسيل هتتجوزوا منهم كان نفسي كمان رهف بس يلا بقا مش نصيبها تدخل قصر آل الزيني
2

نهض في سرعة ورد صارخًا معترضًا:
_ هو أيه اللي خالي خطبني لبنته دا هو أنا ولية بتخطبوني؟! إيه التهريج دا يا ماما
_ ايه دا فيه إيه مالك بتزعق و بتصوت ليه؟ ايه المشكلة خالك شايف بنته بتحبك وهي البنت كويسة وحلوة وعرض عليا وانا شايفة انك مرحب يعني عملنا إيه غلط يعني؟!
_ عملتي ايه غلط؟ هو أنا عيل صغير قاعدين  بتختارولي هتجوز مين؟ انتي إيه اكدلك اوي كدا اني عايز كاميليا؟ ولا إيه اللي اكدلك اوي كدا اني مش في دماغي واحدة تانية مثلا! اسمعي يا ماما أنا مش أسيل علشان تسيطري عليا زي ما روحتي لبستيها في جوازة مع حسان وهتحكمي عليها بالموت علشان شوية فلوس

صرخت السيدة في نبرة صوت صارمة:
_ هو فيه إيه مالكم بقا؟ طب هي رفضت حسان علشان ضعيف و على الله إن شاء الله إنما كاميليا مالها إيه عبها يعني؟
_ يا ستي هي زي الفل والله بس أنا بحب غيرها غريبة عليكي دي؟
_ ومين دي بقا اللي انت شايفها تستحق تكون زوجة ليك عن كاميليا؟!

تنهد ورد:
_ ماهي.... أنا بحب ماهي أختها
5

ضربت على صدرها في خضة وردت:
_ يادي النيلة عليا وعلى بختي المهبب، يعني هي ترفض حسان علشان يزيد وانت عايز ترفض كاميليا علشان ماهي؟
_ اه انا بحب ماهي من زمان انا مالي ومال المعقدة اللي اسمها كاميليا دي دي واحدة كئيبة و جدية كدا في نفسها شبه أمها حيزبون تحسيهم الاتنين.
أما ماهي فرفوشة بتحب الحياة علطول بتضحك بتمرح شقية كدا وعندها روح حلوة علشان كدا عجباني واصلا هو دا الموضوع اللي كنت عايز اكلمك فيه

_ إنك بتحب ماهي؟
_ اه وكنت هطلب منك تروحي تطلبيها من خالي في مرة

عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت:
_ وانت بقى متأكد ان ماهي هتوافق عليك يعني؟
_ اعتقد اه، ماهي مفيش في حياتها حد، سألتها اكتر من مرة قالتلي لا مش مرتبطة حتى لو موافقتش يا ستي هاخد وقتي معاها واكون في حياتها اخد فرصتي يعني إنما اروح ارتبط باختها وأنا عايزها دا بقا جنان
_ لا مينفعش بعد ما هو يقولي بنفسه كاميليا لأمجد ارجع اغير رأيي واقوله لا والله خلاص أمجد عايز ماهي؟
_ مش هو عمل كدا واختار راحة ابنه ! مش رجع قالك لا خلاص مش عايزين رهف!  ولا هو عادي واحنا حرام؟!
_ قال مش عايزين رهف وخد من برا مش خد أختها
_ ماهو قهروا أسيل يا ماما لانهم كانوا عارفين كويس انها عايزة يزيد فإنهم يطلبوا رهف دي وقاحة منهم بس هما عادي مهمهش، عمالين يتعاملوا مع عيالك كأننا دمية وانتي ولا على بالك

_ ما انا لو روحت رفضت كاميليا وقولتله أمجد بيه مش موافق هيقولي ماشي بس مش هيديك ماهي فهتبقى خسرت الاتنين
_ ليه مش هيديني ماهي؟
_ لانه البيه قال لبنته وهي عندها خبر إنك هتطلبها قريب و مستنية فمينفعش يجي يخطب أختها ليك هيعقدها تاني اكتر ماهي معقدة

زفر في ضيق وصرخ ناهضًا:
_ هو أيه بقا فيه إيه بقا هو بيتعامل معانا بمزاجه؟ أنا كأمجد مطلبتش بنته دي بيدبسهالي ليه؟
_ خالك وشايف بنته بتحبك و قالي جسي نبضه من بعيد ولو خير تمام ايش عرفه انك عينك من بنته التانيه وقاعد ساكت لحد أما بقا عندك ٢٨؟ ثم إنه ماهي عندها ٢٣ سنة أصغر منك بكتير  انما كاميليا قدك
_ ماهو العقل و المنطق بيقول إني اخد الصغيرة مش اخد اللي في سني دا طبيعي جدا يعني! اديكي قولتي قدي... قدي ليه اروح اتجوز واحدة قدي بس يا عالم ليه؟؟ وفوق دا كله كمان مش عايزها!
1

_ ومقالتش عليها من بدري ليه؟ خليت خالك حس إنه مفيش حد في دماغك فحب يعمل خير ويوفق راسين في الحلال و يجوزك بنته ويأتمنك عليها وعلى شرفه، اخص عليك بجد اخص وطيت راسي وراسه وخيبت ظننا فيك
_ هو ايه ياماما الدراما اللي انتي بتقوليها دي محسساني إني ضيعتلكم شرف العايلة! وايه كم الأخص و الخذلان اللي في نبرة صوتك دا انا حيالله بقولك مش عايز اتجوز كاميليا لاني عايز ماهي فين الجريمة اللي عملتها بقا علشان تهزقي فيا كدا و احطكم في الطين وأفلام الدراما دي!

_ انا قلت اللي عندي، أنا مش هرفض ولا هقبل ولا هتكلم في الموضوع دا أصلا، لو سألني هقوله اسأل أمجد هو اللي معاه الرد وساعتها بقا ابقى شوف هتقول إيه ولا هتعمل ايه بس بفكرك لو رفضت كاميليا مستحيل لو وقفت على شعر رأسك انت وماهي حتى لو اختارتك عبدالله يوافق و يجوزكم فأنت بايدك تختار تخسر الاتنين ولا تقبل بواحدة فيهم و تكون باشا رأسك برأس عياله فاتح و يزيد و جياد مش بس خالك لا كمان جوز بنته الكبيرة العاقلة اللي بيحبها و بيخاف عليها من كلمة اللي مسكها شغله وقسم موارد كله و HR تحت ايديها، أما ماهي الطايشة دي مش ممسكها قسم لوحدها مخليها مجرد مساعدة لجياد في نفس القسم.
احسمها انت وشوف مين فيهم افيدلك وبلا حب بلا بطيخ

أنهت كلامها معه بتلك الطريقة ثم انصرفت يتبع أثرها وما ان خرجت حتى حمل الطاولة ثم ألقاها على الأرض في قوة من شدة غضبه و ضيقه.
                      ***********
وذهبت أسرة الشيخ بعدما اتفقوا مع مجدي السَّلّاب على كل شيء والتي لم تتذكر روني من تلك المحادثة أي شيء. وعندما عاد الجميع يسألها قالت في اختصار أنها اضطرت للذهاب إلى مكان أبعد حتى تشتري فستان آخر و بسبب فقد بطاريتها الشحن لم يستطعوا الوصول إليها ولم تستطع أن تطلب سيارة أجرة مما دفعها إلى ركوب الحافلة والتي أخرتها كثيرًا على معادها وكان التوتر حليفها ما إن جاءت ووجدتهم هنا وهي لم تحرك ساكنًا.
صدقها والدها وكذلك والدتها واتجها نحو غرفتهما كي يناما، بينما هانيا لم تصدقها تشعر أن هناك شيئًا آخر تخفيه وتخشى أن تكشف عنه وبالفعل انتظرت حتى ناما والداها ورجعت مايا إلى بيت زوجها ودخلت إليها الغرفة وحاولت مرارًا أن تعرف الحقيقة ولكن روني أبت أن تغير رأيها ولازالت تؤكد أن ما قصته عليهم هي الحقيقة التي لا تستطيع هانيا أن تصدقها بسهولة بالأخص أنها ارتدت نفس الفستان الذي اختارته معها. ولما يئست هانيا ذهبت إلى غرفتها وهي على يقين أن هناك سرًا لا تعرفه بينما روني ارقها التفكير ولم تستطع النوم، وعليه نهضت تسير في أرجاء الغرفة بخطًى متعثّرة، كأن الأرض تحتها لم تعد تثق بها.
شعرت ان وزنها سيختل وستقع أرضًا فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها لذا ارتمت على سريرها  أسندت جبينها إلى الخشب البارد، وأغمضت عينيها؛ لقد ظنّت أنّها ستنهار أمامهم جميعًا، لكنها قاومت… قاومت حتى آخر رمق.
ودفنت وجهها بين كفّيها. كانت ترتجف… ليس من الحدث الذي نجاها الله منه فحسب، بل من الكذب الذي اضطرّت أن تتقنّه منذ لحظة دخولها البيت.
"اتأخرت شوية… كنت بجيب الفستان… وتليفوني فصل."
ردّدتها أكثر من مرة، حتى بدأت تصدّق صوتها وهي تكذب.
لكن الحقيقة كانت ثقيلة، تضغط على صدرها، وتخنق صوتها.
لم تستطع أن تخبر أباها… خافت من نظرة الهلع في عينيه لو عرف أن ابنته كادت تُهان. خافت من شدّة خوفه عليها، ومن قراره المفاجئ بإلغاء كل شيء، فقط ليؤمّنها.
ولم تخبر أمّها… خشيت من بكائها،  ومن عجزها عن النوم بعدها خوفًا على ابنتها.
ولم تخبر أختها هانيا، الأقرب إلى قلبها… لأنها تعرفها جيدًا؛ كانت ستثور، وربما تتصرف بطيش، أو تجرّهم إلى مواجهة لا يُعلم مداها.
أما يزيد… فكان الخوف منه أشدّ.
لم تكن تريد أن يصل إليه الخبر، لا إليه ولا إلى أمّه.
كانت تتخيل ــ فقط تتخيّل ــ أن يعرف، أن يسمع أن خطيبته كادت أن تُمسّ قبل ساعة من لقائه… كيف سيبتلع الصدمة؟ وكيف ستُكمل معه وهي ترى الانكسار في عينيه؟
كانت تخشى أن تنظر أمّه إليها تلك النظرة التي تُشعرها بأنها "مصدر مشاكل"، أو فتاة تجلب المتاعب أينما ذهبت، وتُصَدَق أقاويلها عليها أنها لها علاقات سابقة ولكنها تصر على ابنها طمعًا في ماله وها هو الشخص الذي خدعته يحاول أن يوقع بها مناعًا إياها من الزواج من غيره، ربما عبير تقول ذلك عليها كذبًا و افتراءً كي تتخلص منها.
كانت تخشى الأحكام الجاهزة… والهمسات… والشكوك… وأن يصبح كل ذلك وصمة تلازمها دون ذنب.

لهذا ابتلعت الحقيقة.
دفنتها في أعماقها كما يُدفن الجمر تحت الرماد.
لكنها كانت تشعر بحرارتها كلما حاولت التنفّس.
رفعت رأسها أخيرًا، ونظرت لنفسها في المرآة… لم ترَ العروس التي رآها الجميع، بل فتاة تحمل سرًا ثقيلًا، أكبر من جسدها، وأكبر من قدرتها على الاحتمال.
ولأول مرة منذ أن عادت إلى البيت، همست بصوتٍ مكسور:
"لو حكيت… هخسر الدنيا كلها."
ثبّتت ظهرها، ومسحت دمعتها بإصرار، كأنها توقّع مع نفسها عهدًا جديدًا:
لن تدع أحدًا يعرف…
لن تدع أحدًا يمنعها من حياتها…
ولن تسمح لذلك الغريب أن يسرق منها أكثر مما حاول أن يأخذ.
                  **********
جلس في بهو قصر آل الزيني متجهّم الملامح، كأن الغضب قد نُقِش على وجهه نقشًا لا يُمحى. كان الليل ساكنًا في أرجاء القصر، غير أنّ صوته المتقطّع وهو يزفر مع كل نفسٍ يُشعل السكون حوله.

ألقى نفسه فوق المقعد الجلدي العريض، وراح يُقلّب سيجارته بين أصابعه بضيقٍ ظاهر. أشعل واحدة، ثم ثنّاها بأخرى قبل أن تنطفئ تمامًا، كأن النار وحدها قادرة على تهدئة ما يشتعل داخله. كان الدخان يتصاعد من فمه بحدّة، يعلو ثم يلتف حول رأسه، قبل أن يتبدّد في فضاء البهو الواسع.

ملامحه كانت تنطق بكل ما عجز لسانه عن قوله؛ حاجباه معقودان بقوة، وجبينه مثقل بقطبات لا تهدأ. شدَّ على أسنانه حتى برز عظم فكه، وظهرت تلك الزاوية الحادة التي لا تظهر إلا حين يفقد صبره. عيناه كانتا مضيقتين، تلمعان بحدّة رجلٍ يحاول أن يبتلع غضبه فلا يستطيع؛ يركّز نظره في نقطة لا يراها أحد، كأنه يعاتبها أو يهدّدها أو يكتم بينها سرًّا يرفض أن يخرج.

كان يضرب بإصبعه على ذراع المقعد بمللٍ نافذ وصوتٍ متتابع، نسخة واضحة من توتر داخلي لا يهدأ. مرّة ينفخ دخانًا بغضب، ومرّة يهمس لنفسه بكلماتٍ غير مفهومة، ومرّة يُلقي بالسجارة أرضًا ليفركها بعصبية دون أن يلتفت.

ولو رآه أحد في تلك اللحظة، لأدرك أن هذا ليس مجرد انزعاجٍ عابر… بل غيظ مكتوم، يوشك أن ينفجر في وجه أول من يقترب.

وضايقته أكثر تلك التي استفزته حينما قالت:
_ مستر باسم ممنوع التدخين جوا القصر بعد اذنك، غلط دا تماما انت بكدا هتسبب لي في عقاب
1

نظر إليها ورد في ضيق ونبرة صوت تكاد تكون أقرب إلى العالية:
_ ابعدي عن خلقتي دلوقتي يا نادية بعد اذنك
_ معلش اعذرني أنا بنفذ بروتوكولات القصر مش اكتر ممنوع تدخين هنا ولا في الجنينة

تحدث ساخرًا:
_ اومال ادخن فين؟ في الجراج؟

أشارت بيدها توصف وهي تتحدث:
_ على اليمين هنا فيه smoking room اللي يحب يدخن يدخلها وممنوع التدخين في أي حتة في القصر إلا فيها حتى في الاوض الخاصة ممنوع

ابتسم ساخرًا من تلك القوانين ورد:
_ حوراتك معايا كترت يا نادية شكل خالي معينك علشان تقوليلي انا بالذات كل شوية ممنوع و مرفوض
_ العفو يا مستر باسم أنا بشوف شغلي وبس... ممكن بعد اذنك تطفي السجارة ؟

وفي ضيق مكتوم غرس السيجار في المطفأة وهو ينظر إليها في غيظ وقال:
_ ارتحتي دلوقتي؟ اتكلي بقا

وتدخلت والدته فاطيمة ما إن جاءت ورأت في عيناه كل ذلك الضيق واشارت إلى نادية كي تذهب هي ثم جاورت ابنها وتحدثت:
_ كل دي سجاير حرقتها؟
_ ايه جاية تقوليلي القصر بيحددلك تشرب كام سيجارة في اليوم ولا إيه؟
_ لا جاية اقولك خاف على صحتك

توقفت لثواني عن الكلام وذلك عندما وجدت اللاصق الطبي على خده الأيمن وسألته في تعجب:
_ مال وشك؟ حاطط عليه لزق طبي ليه؟ انت اتعورت؟
_ متشغليش بالك جرح بسيط
_ جرح بسيط؟ من إيه؟
_ قلت جرح بسيط بقا وخلاص
5

نهض وهو يلملم اشياءه وعلب سجائره وتابع:
_ بروتوكولات القصر دي بدأت تخنقني بفكر نرجع بيتنا أحسن الواحد حاسس نفسه مسجون ومش واخد راحته، خلي نادية تهدى عليا وتروح تسمع القوانين اللي حفظاها لحد غيري

انهى كلامه واتجه نحو غرفة التدخين الخاصة وغلق الباب خلفه بشدة وصلت إلى والدته والتي تمتمت في تعجب:
" هيكون إيه اللي عوره بس؟ اوعا يكون اتخانق في حد؟؟"
                        ********
وفي صباح اليوم التالي داخل مكتب جياد كان عارض الأزياء السابق في مكتبه يشكي ويبدي اعتراض حيث قال:
_ أنا مش قصدي ازعجك خالص يا مستر جياد ولكن كوني كنت الموديل الخاص بالتيم لفترة طويلة وفجأة ميس ماهي تغيرني بواحد تاني معندوش خبرة قدي ولا أكون أصلا عملت غلط ولا قصرت والاقيني فجأة مش في مكاني؟ دا حرام

_ مدايقش نفسك يا محمود ماهي ليها وجهة نظر بردو أنا هسألها بنفسي وافهم هي ليه عملت كدا وهرد عليك
_ ياريت بسرعة لان النهاردة أول يوم تصوير وشهاب جهز و راح خلاص

تحدث في صوت عالي في نبرة صوت تحمل الضيق:
_ إيه؟ شهاب؟ شهاب مظهر؟
_ ايوا هو، هو فيه حاجة ولا إيه؟

نهض في سرعة وقال وهو يسير جهة الخروج:
_ ارجع لشغلك يا محمود وبعدين هنتكلم

تعجب الرجل ولكنه على أي حال خرج من المكتب هو الآخر.

كان شهاب يقف أمام الكاميرا والفريق الإعداد يقف حوله وكانت ماهي تشرف بنفسها على ذلك الإعلان حتى تضمن نجاحة بنسبة مئة في المئة.
كان المعد يطلب منه النظر إلى الكاميرا بشكل معين و بزاوية معينة والسير بحركات معينة ليست سريعة ولا بطيئة.
وكان الآخر بنظراته الجرئية الحادة استطاع أن يتفوق على الكاميرا ليخرتقها بجذبيته.
كان يسير في خطوات واثقة تظهر جمال المُنتَج عليه، وقطع عليهم ذلك جياد حينما صرخ:
_ cut cut

توقف كل شيء ونظر إليه شهاب في استغراب واقتربت منه ماهي كي تستفسر منه عن سبب فعله ذلك ولكنه كان أسرع منها وأقترب من شهاب وتحدث ساخرًا منه:
_ أقلع يا ابني انت البدلة دي ووقفوا حالا الكلام الفاضي دا انا شركتي مش هتتحمل أي خسارة بسببك، محمود هو اللي هيعمل الإعلان دا

_ إيه الغلط اللي انا عملته يا مستر جياد ؟

سأله شهاب في تعجب، فرد عليه في ضيق:
_ انت كلك على بعضك غلط فهمت

نظر لمن حوله فالجميع يرى تلك المعاملة، اقتربت ماهي وتحدثت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ متوجهش ليه هو أي كلام وجه كلامك ليا أنا لأن أنا اللي اختارته تمام؟
_ وانتي بأي حق تختاريه و تتجاهليني؟

نظرت لمن حولها ثم ردت:
_ وطي صوتك الناس واقفة وتعالى نتكلم على انفراد

ذهب معها حتى وقفا بعيدًا عن الأضواء و الناس وتحدث:
_ بقينا لوحدنا اهو ممكن افهم بقا عملتي كل دا ليه من غير ما ترجعيلي وكأني مش مدير القسم؟
_ جياد احنا من امتى بنمشيها كدا! أنا بقدر اخد قرارات عنك عادي ولا نسيت اني مديرة بردو؟
_ لا انتي مساعد أول لمدير القسم وهي دي ال  job title بتاعتك و مينفعش تاخدي قرار من غير ما ترجعيلي
_ إيه اللهجة اللي انت بتتكلم معايا بيها دي؟ حقيقي خسارة احنا بنتعامل كتيم واحد من امتى بنبص على ال job title?
_ لا، لان الشيخ عبدالله أما الإعلان الترويجي يبوظ بسبب الشخص اللي مش مناسب دا اللي انتي اختارتيه هيحملني أنا كامل المسؤولية

_ وقتها قوله بنتك ماهي اللي بوظت الدنيا
_ هو أيه اللي بنتك ماهي اللي بوظت الدنيا دا؟ لا طبعا مستحيل يقبل هو بالهبل دا من امتى بابا بيدخل بنتك وابنك في الشغل؟!
_ جياد بليز من غير غلط، أنا متأكدة مليار في المية إن الإعلان دا هينجح اطمن بقا وثق فيا
_ محتاج افهم ليه تمشي محمود طالما كان شاطر و ناجح و تحطي مبتدئ مكانه؟ الراجل جيه اشتكى

_ انا ممنعتش محمود أنا قلت الإعلان دا لشهاب كتجربة لطاقة شخص تاني وملامح تانيه وجسم تاني مختلف عن محمود وانا متأكده انه مناسب، وبعدين فيه اعلان كمان الفترة الجاية للكاجوال يبقى محمود يعمله.
وعادي أما يكون عندنا اكتر من موديل مناسبين و مختلفين
_ وكان ممكن أي حد تاني يعمل الإعلان دا غير شهاب، اشمعنى شهاب؟ ليه شهاب يعني؟
_ طب وانت إيه مشكلتك مع شهاب؟
جياد خليني اخلص بعد اذنك الوقت بيضيع والموسم هيتسرق مننا بسبب اللاشيء
_ الموضوع دا مش هيعدي على خير تجاهلك ليا و قراراتك اللي من دماغك علشان انا مديكي كامل الثقة دا يا ماهي مش هيعدي على خير.

نظر إليها النظرة الأخيرة في ضيق قبلما يسير ثم اختفى عن نظرها في بضع ثواني بسبب سيره بشكل سريع.
كانت في تعجب من طريقته ولكنها عادت إلى الفريق مبتسمة وتحدثت في صوت عالي:
_ يلا كل واحد يرجع لشغله مفيش حاجة تعطلنا يلا
                     **********
مع تمام الساعة الثامنة مساء
كانت مايا تجلس على المرجيحة الخشبية في جنينة القصر، تتأرجح ببطءٍ يكاد لا يُرى، كأن الهواء نفسه يحاول مواساتها. الليل هادئ، والأشجار تحرّك أوراقها بخفوت، بينما ضوء الحديقة الأصفر ينساب فوق وجهها الشاحب كلمسةٍ واهنة لا تكفي لطمأنتها.
وضعت يديها في حجرها، وأصابعها تتشابك وتنفلت مرارًا، كأنها تبحث عن شيء تستمسك به فلا تجده. كانت تحدّق أمامها دون أن ترى شيئًا؛ عيناها تائهتان في مسافةٍ أبعد من الحديقة، أبعد من القصر… وأقرب ما تكون إلى جرحٍ لا يلتئم في صدرها.

لم تُرزق بطفل… وهذه الحقيقة كانت تسكنها كثقلٍ لا يُزاح.
كانت تحاول تجاهلها، الهروب منها، دفنها تحت انشغالات اليوم… لكن الليل دائمًا يجرّها من يدها ويجلسها أمام وجعها وجهًا لوجه.

مرّت كلمات حماتها في ذهنها كطعنةٍ باردة:
"البيت لازم يكون فيه عيل… ولو مايا ما حملتش، لازم نجوز  فاتح من منى جارتنا"
جارتهم التي تُكثر حماتها من ذكرها، وتحوّل اسمها في عقل مايا إلى شبحٍ يطاردها في كل لحظة.

شدّت مايا قبضتها على طرف المرجيحة، وكأنها تمنع نفسها من الانهيار.
لم تكن تخاف من منى بقدر ما كانت تخاف من الشعور بالاستبدال… أن تُصبح كقطعة أثاث لم تعد تليق بالمكان. كانت تخشى أن يُصبح الغياب الذي يسكن رحمها مبرّرًا ليهدّد كل ما بنته.
رفعت رأسها نحو السماء، تنظر إلى نقطةٍ بعيدةً، كأنها تبحث هناك عن رحمة، عن علامة، عن كلمة تطمئنها.
ثم أخفضتها ببطء، وامتلأت عيناها بدموعٍ صامتة.
لم تبكِ بصوت… لم تُطلق نحيبًا… فقط سمحت للدموع أن تنساب، لأن الكلام صار أكبر من قدرتها على النطق.
همست لنفسها بخوفٍ ينهش قلبها:
"ماذا لو لو تزوجها؟ ماذا لو فعلتها؟ ماذا لو… لم أكن كافية؟"
وتأرجحت المرجيحة من جديد، ببطءٍ أشدّ، كأنها تحمل معها ثقلًا أكبر من جسد مايا… تحمل قلبًا مُتعبًا، وروحًا مرهقة، وامرأة تخشى أن يخونها القدر قبل الناس.

وفي تلك اللحظات لمحها حسان وعليه اقترب وتحدث في ابتسامة:
_ مرات اخويا الجميلة بتعيط لي؟

التفتت إليه في سرعة ولحظة إدراك أنه هنا وردت:
_ مش بعيط يا حسان ولا حاجة أنا بس عيني بدمع من الهوا شوية أحيانا

قبّل قطته و جلس جوار مايا وتحدث في نفس الابتسامة:
_ أنا عارف انتي بتعيطي ليه؟

التفتت إليه وسألته مستفسرة:
_ ليه؟
_ لأن ما أكتر البني ادمين المؤذية، أكيد حد منهم اذاكي وعيطك وخلاكي قاعدة وحيدة سرحانة بتفكري في كل حاجة وبتحسبيها ومش عارفة ازاي هتحليها
1

أطرقت شاردة.... فتابع:
_ الناس لسان فكك متعيطيش بسبب لسان

ضحكت وردت:
_ بسبب لسان؟
_ اه بسبب لسان، نسيت اقولك النهاردة بعد ما بابا الشيخ عبدالله الجميل يرجع من الشغل ويتغدى هنروح نخطب أسيل ليا بنت عمتي حليمة وهتحضري فرحي بقا و تبطلي تعيطي، اهو تفرحيلك شوية يا شيخة!

ابتسمت وتابعت:
_ ربنا يهنيك يا حسان ويديك على قد نيتك
_ اهي هي الدعوة دي اللي مودية الناس كلها في داهية... سلكان نية مفيش
_ حتى انت يا حسان؟
_ لا انا نيتي جميلة بس الناس كلها مش أنا
_ ياريت الناس كلها حسّان
_ ياريت بقا يا مايا اقعدي اتمني بدل العياط دا

ضحكت وسكتت فحمل قطته وتابع ما إن نهض:
_ متفضليش تعيطي بقا يا مايا انزلي الجيم افيد، يلا همشي أنا بقا علشان منقلش منك طاقة سلبية أنا راجل عريس

ضحكت أكثر تتبع أثره وتمتمت:
" حرام تتجوز أسيل دي بجد، واحد بطيبة قلبك ازاي يتجوز واحدة في جحود أسيل؟
دايما كدا عبير دي بتعمل بلاوي "
                        ********
كانت روني تلملم اشيائها كي تذهب إلى المنزل عقب يوم عمل شاق بذلت فيه كل مجهودها كي تركز وحسب في العمل وهي تقاوم شرودها و نعاسها كي تعمل فلم تنم منذ ليلة أمس.
حملت الحقيبة وقبلما ترحل وجدت يزيد يقف أمام وجهها وتحدث:
_ استأذنت ابوكي وقولتله هاخد بنتك ونروح كافية علشان محتاجين نتكلم
_ وهو وافق؟
_ اه اومال انا هنا بعمل إيه؟ يلا بينا
1

أخرجت هاتفها ترسل لاختها أنها لن تذهب معها إلى المنزل اليوم كي لا تنتظرها.
تضايقت هانيا ما إن قرأت الرسالة وتمتمت:
" لا هنفذ اللي في دماغي بردو"

ودخلت خلاء الشركة وأخذت تبدل ملابسها فلبست فستان جميل محتشم ولمت شعرها في شكل تسريحة تشبه تسريحات المناسبات وارتدت صيغتها وهاتفت والدتها تخبرها بأنها اليوم لن تأتي إلى البيت عقب موعد العمل لأنها ستذهب إلى زفاف صديقتها.
ثم هاتفت شهاب واخبرته أنها تنتظره في المكان المتفق عليه.
                    *********
كانت ماهي تتمم على عملها و تقارير اليوم حتى تأكدت ان كل شيء تمامًا فخرجت من مكتبها واتجهت نحو مكتب شهاب فلم تجده فشردت لدقائق تتذكر ملامحه وجسده أمام الكاميرا.
أخذت تقترب من مكتبه، تلمس سطحه بيدٍ خفيفة كأنها تتحقق من وجوده، لم يكن هناك… لكن حضوره ظلّ معلّقًا في الهواء.
جلست على طرف الكرسي المقابل، وسرحت نظراتها نحو الفراغ… فاندفعت ذاكرتها تعود إلى الصباح، إلى اللحظة التي ظهر فيها شهاب أمام الكاميرا.
تذكّرته واقفًا تحت أضواء الاستوديو، طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي البدلة التي اختارتها له كي يظهر بها في الإعلان، كأنها صُنعت خصيصًا لكتفيه. كان يقف بثباتٍ مدهش، ظهره مستقيم، وذراعيه على جانبيه بإحكامٍ يوحي بثقة لا يتكلّفها.
وعندما أمال رأسه قليلًا ليبدأ المشهد، شعرت ماهي يومها بأن الكاميرا ليست الوحيدة التي التقطت جماله… بل قلبها أيضًا.
تذكّرت كيف رفع زرّ البدلة الأول ببطء، وكيف شدّ رابطة العنق بإتقانٍ بدا غير متعمّد، وكيف تحرّكت عضلات ذراعه تحت القماش الناعم وهو يقوم بأبسط حركة.
حتى ابتسامته الخفيفة طوال التصوير وعندما انتهى التصوير… تلك التي بدت كأنها خرجت منه بلا وعي… علقت في ذهنها كصورة لا تُمحى.
ارتخت كتفاها وهي تستسلم للسَرحان، وابتسمت من دون قصد.
ثم أدركت فجأة أنها وحدها تجلس على مكتبه، وأنها غارقة في تفاصيل رجلٍ لا يجوز أن تتعلق به، وإن كانت لا تستطيع منع قلبها من الانتباه له.
رفعت يدها، ومررت أصابعها في خصلات شعرها بتوترٍ خفيف، ثم همست لنفسها:
"هو ليه تأثيره عليّ بالشكل ده؟"
لكنها لم تُكمل السؤال… حتى سمعت خطوات قدميه تتحرك ناحيتها فابتسمت في تلقائية وابتسم هو الآخر ما إن رآها تجلس على كرسيه الخاص وتحدث:
_ يظهر بدوري عليا

ابتسمت وردت:
_ لا مش بالظبط بس كنت عايزة اقولك متزعلش من اللي حصل النهاردة من اخويا جياد، والله هو قلبه طيب ومش متعود ولا بطبعه يكسف حد بس هو شكل ضغط الشغل تاعب نفسيته
_ عادي حصل خير ربنا يعينه

اقترب من مكتبه وأخذ يلملم اشياءه كي يرحل فتحدثت:
_ انت ماشي دلوقتي؟
_ اه، اصلا معاد الشغل خلص من بدري بس انا كنت في الحمام.... هو فيه حاجة عايزاها مني؟

نهضت وأخذت تقترب منه وردت:
_ يعني كنت عايزة لو نروح كافية و نتكلم شوية

تذكر حبيبته المنتظرة في المكان الخاص بهما فرد في ابتسامة خفيفة:
_ ممكن نخليها وقت تاني؟
ماما تعبانة شوية ومفيش حد في البيت ومحتاج أروح علشان أكون جمبها
_ الف سلامة عليها، أنا ممكن اجي معاك ناخدها بعربيتي و نروح لاقرب مستشفى نطمن عليها
_ لا لا مفيش داعي متغلبيش نفسك هي بتتعب كدا شوية تعب عادي بسبب شغل البيت الكتير وبتبقى عايزة حد يكون جمبها مش اكتر الوضع مش خطر يعني
_ انت وحيدها؟
_ لا عندي بنتين اخواتي، وعد مظهر اللي بتشتغل هنا في نفس الشركة بس في قسم السيلز ماهي اختي
_ بجد؟ أختك شغالة هنا معانا كمان؟
_ اه والله
_ حلو اوي أول مرة اعرف... طب ليه هي متبقاش معاها؟
_ هتتأخر النهاردة في الشغل بتشتغل وقت إضافي عليها تارجت انتي عارفة شغل السيلز بيكون صعب ازاي

_ اه فهمتك
_ بس و شاهندا بقا اصغر واحدة بتدرس في الجامعة وداخلة على امتحانات فا الحقيقة مفيش غيري حاليا يكون جمب ماما، عن اذنك مش عايز اتأخر عليها، بس وعدك مرة تانيه أكيد هنتكلم

هزت رأسها موافقة في ابتسامة تتبع أثره وهو يرحل وتمتمت:
" جميل اوي بجد كمان بار بمامته وبيقعد جمبها وقت تعبها و بيساعد اخواته البنات، انت إيه عيوبك يا ابني كلك مميزات بس؟"
                     **********
وداخل أحد المطاعم الهادئة و الراقية، كان يزيد يجلس ومعه روني وقد طلبا الغداء كي يتناولا الطعام معًا.
وبينما هما في انتظار الطعام، تحدث هو:
_ فيه إيه بقا يا ستي؟
_  في إيه في إيه مش فاهمة؟
_ امبارح يا روني طول ما احنا بنتكلم وانتي سرحانة خالص وكل حاجة تقولي اللي بابا يشوفه كأنك مش معانا، كإنك تايهة... روني انتي مش غريبة عليا فيه إيه مدايقك؟

_ مفيش حاجة يا يزيد صدقني أنا أما بكون مكسوفة بتوتر و بتوه، قالولك اني اتخطبت قبل كدا؟!

تنهد ورد ساخرًا:
_ وانتي وش كسوف اوي
_ اه وبكرة الأيام تثبت
_ طب بصي يا خجولة، أنا بقول أسبوع و نكتب الكتاب و نعمل الفرح علطول، يعني احنا بقالنا سنة ونص عارفين بعض معتقدش محتاجين وقت نتعرف فيه على بعض تاني فمفيش داعي للخطوبة، ها قلتي إيه؟

هزت رأسها موافقة في ابتسامة عريضة ثم قالت:
_ موافقة طبعا دا أحسن حاجة قولتها
_ بصراحة مشفتش في خجلك خايف اكون بخدش حيائك ولا حاجة
_ لا يا راجل متقولش كدا الكلام اخد و عطا... هو الأكل دا هينزل امتى أنا ميتة جوع
2

ينظر إليها في استغراب متعجبًا من ذلك التناقض.
                    *********
وصلت سيارة الأجرة بهانيا إلى المكان الذي ستنتظر فيه حبيبها، دفعت له وأخذت تنتظر، دقائق ووصل الآخر وأخذ يقترب منها في ابتسامة عريضة وتحدث ما إن رآها:
_ إيه القمر دا كله، انتي رايحة فرح ولا إيه؟
_ اضطريت البس دا كأني رايحة فرح علشان وأنا مروحة أبرر سبب التأخير
_ جدعة بتعرفي تفكري، بس عايز أقولك إن شكلك تحفة بجد، دا ياحظي و يا بختي بيكي بجد
_ بطل مغازلة وقولي عملت إيه في الشغل الجديد؟ كنت هايل مش كدا؟
_ انتي إيه رأيك؟ شايفة إيه؟ يا بنتي المعدين البنات كانوا هيتجننوا وأنا واقف بتصور وعينهم منزلتش من عليا
_ طب احترم نفسك علشان بغير
_ انا بقولك اللي حصل
_ شهاب
_ خلاص أنا آسف.
المهم يا كوتي فكك بكرة الجمعة وخلاص جاي اطلبك بفكرك بس

ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ وعلشان كدا قلت لازم اقابلك قبل بكرة
_ ليه؟

كانا يسيران معًا دون تحديد أي اتجاه معين يتحدثان وحسب فتابعت:
_ لو بابا سألك وقالك هانيا هتعيش فين بلاش تقول في بيت أهلي، قوله في شقتي المنفصلة في مدينة نصر وبس
_ بس هو بعدين..
_ سيبك من بعدين أنا في قبلين دلوقتي، بعد ما يوافق و نتخطب هبقى أقوله حوار عمك دا و اني قابلة اعيش في بيت عايلة بس متدخلش بسلبية كبيرة كدا بالنسبة لبابا من one day فهمت؟ لانه مش هيحب كدا وانا عايزة الأجواء تكون كويسة واليوم يعدي على خير ونتفق

وقف ممسكًا بكتفيها وتحدث في ابتسامة عريضة:
_ وحياة أغلى حاجة عندي وهي انتي لهعوضك و هسعدك وهحطك تاج فوق رأسي وعمري ما هنكر أي حاجة حلوة عملتيها علشاني ولا وقفاتك دي حتى إن كانت بسيطة

أنهى كلامه وجذبها إلى حضنه وهو يهمس:
" بحبك بحبك بحبك "
" وأنا كمان بموت فيك "
2

ثم ابتعدت عنه وقالت في حرس:
_ خلي بالك احنا في الشارع متنساش ها
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ خليني بقا يا مراتي العزيزة أقولك بحب آكل إيه
_ عارفة من غير ما تقول واتعملت الطبخ مخصوص علشان اعملهم
_ هويتي ؟
_ أنا اللي هساعدك فيها لحد أما تبقى أكبر وأشهر فنان
_ أول ما نتخطب بس هاخدك ونروح نادي لتعليم ركوب الخيل علشان تتعلمي و هطحن نفسي شغل صبح وليل علشان أحقق لك أمنياتك و اجبلك الخيل اللي نفسك فيه
_ عايزاها خيلة
_ خلاص خيلة متزعليش تكون بنوتة حلوة زيك
_ و اسميها لولي
_ و نسميها لولي و نتبناها كمان
_ بس هحطها فين تفتكر هيكون فيه ليها مكان؟
_ ربنا يقدرني  واقدر اجبلك بيت بعد الجواز ليه جنينة صغيرة علشان حصانتك تقعد فيها

ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ بجد يا شهاب!! واروح كل يوم ألعب معاها؟
_ اه يا روحي وتجبلك عيال كتير يملوا عليكي الجنينة
_ وانت تقعد ترسمني وأنا راكبة عليها وبجري بيها في الجنينة
_ والرسمة تحقق مبيعات كتير وابقى مشهور وليا فانز على الانستا كتير واعمل صفحة فنان
_ هنحقق كل الأحلام دي يا شهاب مش هنستغنى عن ولا حلم فيهم
_ طول ما احنا مع بعض هنحلم و نحقق احلامنا وبس لحد أما نكبر ونكبر وميبقاش لأحلامنا ولا طموحنا سقف
3

رفعت يداها عاليًا وأخذت تدعي الله:
" يارب بكرة يجي بسرعة و الأمور تمشي بسلاسة و نتجوز على خير و نحقق كل أحلامنا مع بعض، يبقى عندنا بيت بجنينة تمرح فيها حصانتي و شهاب يكون فنان مشهور ليه فانز و يبقى أنجح واشطر واحد في الدنيا "

ليبتسم الآخر من طريقتها ويرفع يداه يقول في صوت مسموع:
_ آمين آمين
                         ********
كانت حليمة تتأكد بنفسها من أن كل شيء على أهبة الاستعداد قبل مجيء عائلة الشيخ لطلب يد ابنتها ولم يعكر صفو ذهنها إلا مكالمة أختها فاطيمة لها وهي تخبرها أن عقد قرآن و زفاف يزيد و روني الأسبوع القادم.
ابهذه السرعة؟ ماهو نوع السحر الخاص بتلك المدعوة روني التي سحرت الشاب وجعلته لا يستطيع الانتظار يودها في بيته في أسرع وقت؟
واتجهت نحو غرفة ابنتها العروس

جلست أسيل أمام المرآة، تحدّق في وجهها كما لو أنه وجه غريبة. مرّرت فرشاة الشعر بين خصلاتها بحركةٍ غاضبة، ثم وضعتها بقوة فوق الطاولة، فارتجّت أدوات التجميل وتناثرت في مواضعها.
لم يكن في ملامحها أثر لفتاةٍ تُجهّز نفسها لخطبة… بل لامرأةٍ تُساق إلى مصيرٍ لم تختره.

تنفست بحدّة، ورفعت شعرها إلى الأعلى، ثم تركته يهوي على كتفيها بغيظ.
"لِمَ يجب أن يكون هو؟"
همست بها وهي تنظر في انعكاس عينيها اللتين امتلأتا بقهرٍ صامت.

كانت تعلم أن البيت يستعد في الخارج… وأن أمها ترتّب الأطباق، وأبوها يراجع كلماته بعدما اعطته الموافقة عن رضا، والضيوف على وشك الوصول.
الجميع سعيد… إلا هي.
الجميع يرى في هذا الزواج "سترًا وخيرًا"… إلا روحها التي تبكي بلا صوت.
مدّت يدها إلى فستانٍ كحليّ علّقته على الحامل. فكّت السِحّاب ببطء، وكأنها تفك خيطًا من صدرها، ثم ارتدته على مضض.
انحنى جسدها لحظة وهي تسحب القماش إلى الأسفل، وكأن الفستان ثقيل… ليس بثقله، بل بثقل اسمه:
حسّان.

ذلك الذي لم يدخل قلبها يومًا.
ذلك الذي يشبه بابًا مُغلقًا… بينما أخوه كان نافذةً تُطل منها روحها.

وقفت أمام المرآة ثانية، قلّبت نفسها من جانبٍ إلى آخر، نظرت لوجهها الغاضب، لعيونها التي تتلألأ بالقهر.
رفعت كفّها ومسحت دمعة كانت في طريقها للسقوط قبل أن تُفضح.

"لا يجب أن أبكي… لن أسمح لهم أن يروا انكساري."

لكن قلبها كان يصرخ.
تسأل نفسها آلاف الأسئلة التي لا إجابة لها:
لماذا قُدّر لها أن تُجبر؟
كيف تحيا مع رجلٍ لا تحبه؟
وماذا تفعل بقلبٍ يحفظ اسمه… والاسم ليس حسان؟

اقتربت من نافذة غرفتها، نظرت إلى الحديقة التي بدأت تُضاء استعدادًا لاستقبال الضيوف.
شعرت أنّ كل ضوءٍ فيها يضيق على صدرها.
فأغمضت عينيها، وأسندت جبهتها إلى الزجاج البارد.

ودخلت أمها وتحدثت في ضيق:
_ قاعدة عندك بتعملي ايه؟ يلا خلاص الناس قربت توصل وريني شكلك وريني وشك

نظرت إليها في برود فتابعت أمها:
_ ما شاء الله رايحة عزا؟ ايه الفستان الغامق والميك الخافت اللي خافي جمالك دا؟ قومي البسي فستان لونه فاتح وفرفشي كدا
_ هو دا اللي عندي والا والله اخرب كل حاجة حالا
_ مجنونة، اخربي كل حاجة ياختي و روني و يزيد فرحهم الجمعة الجاية

التفتت إليها في لهفة ودهشة وقالت:
_ إيه؟
_ خالتك فاطيمة اتصلت بيا وقالتلي يزيد طلب من ابوه ميعملش خطوبة قال إيه هو و المحروسة عارفين بعض كويس و يعملوا زفاف علطول وهو اخويا دا قالها علشان يجهزوا هيكون فيه فرح في القصر قريب علشان يعملوا حسابهم وأكيد هيقولي النهاردة انا كمان بعد ما يطلبوكي لابنهم

نهضت من مكانها وأسرعت جهة أمها وتحدثت في تحدي وغضب:
_ قولي لخالي يعمل حسابه يوم الجمعة الجاية في فرحين فرح ابنه حسان وابنه يزيد، انا كمان مش محتاجة خطوبة تأكدلي ان ابنه أهبل ومش راجل... كلنا عارفين وأكيد أنا أولى اقول مش محتاجة خطوبة انا متربية مع خالي وعياله وعرفاهم كلهم.
5

ابتسمت والدتها ابتسامة عريضة وضمتها إلى صدرها قائلة:
" برافو عليكي... انتي كدا كل شوية بتثبتي إنك بنت حليمة الزيني مش عبدالعزيز الكبير "
                        *********
وفي صباح اليوم التالي، اتجهت هانيا إلى غرفة والدها بعدما عاد من المسجد عقب صلاة الجمعة وطرقت باب الغرفة في استئذان، ابتسم ما إن رآها وتحدث:
_ تعالي يا هانيا

اقتربت منه وجلست جواره وتحدثت:
_ بابا فيه حاجة عايزة اقولك عليها
_ قولي يا حبيبتي
_ أنا.. أنا فيه عريس هيتقدم لي النهاردة الساعة ٧ على فكرة هو كويس اوي وانا موافقة عليه من غير حاجة

ابتسم ورد:
_ دا يظهر إنك عرفاه بقا!

ألقت بصرها إلى الأرض واطرقت في ابتسامة وردت:
_ اه عرفاه... وأعتقد إن حضرتك كمان عارفه
_ مين؟

قبلما تنطق اسمه، صدح صوت هاتفه طلب منها ان تنتظر ورد على الهاتف قائلًا:
_ حبيب قلبي الشيخ عبدالله الزيني جمعة مباركة اؤمر

كان مجدي يستمع إلى ما يقال وهو ينظر إلى ابنته و يبتسم وكانت الأخرى تبتسم تعلم اقتراب معاد زفاف روني لربما الشيخ يتحدث معه في تلك الأمور
وسمعت والدها مجدي السَّلّاب يتلفظ بتلك الكلمات في ابتسامة:
" قالتلي... قالتلي يا شيخ متقلقش، أنا بس استغربت انك مقولتيش من بدري..... لا لا أنا جاهز بس..... خلاص خلاص حصل خير

دخلت روني وهي تنادي على هانيا قائلة:
_ هانيا تعالي بسرعة

خرجت تاركة والدها يتحدث مع الشيخ وتحدثت إلى أختها:
_ فيه إيه؟
_ الكيكه باظت مني وشكلها اتحرقت من تحت ومش عارفة اعمل ايه وخايفة اقول لماما تصقف على وشي لأنها مشغولة بحاجات كتير موت جوا
_ كدا يا روني؟ دا أنا عملاها مخصوص لشهاب بيحبها اوي يأكلها محروقة كدا؟
_ حقك عليا، نعمل إيه نجيب جاهز ولا إيه؟
_ وريني يمكن اعرف اتصرف فيها

دخلتا معًا المطبخ وانشغلتا بقية اليوم في أشياء كثيرة ومنها أن زفاف روني الأسبوع القادم فكانت حورية مشغولة للغاية لا تعرف من أين تبدأ ومن أين تنتهي وكانت مايا تساعدها أما روني كانت مع هانيا تهتم بشكلها و مظهرها في تلك الليلة.
وها هي هانيا تقف أمام مرآة غرفتها، والابتسامة تتسلل إلى وجهها كما تتسلل الشمس فوق سطح بحر هادئ. كانت ملامحها مشدودة بالفرح، عيناها الواسعتان تلمعان كأنهما تعرفان الطريق إلى السعادة قبل أن تخطو إليه. لم تستطع منع نفسها من لمس وجنتيها بين الحين والآخر، كأنها تتحقق أنها بالفعل تعيش هذا اليوم الذي طالما انتظرته.
1

كانت ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا بلون وردي فاتح، يأخذ شكلها برقة ويُظهر كتفيها الناعمين، مع أكمام شفافة خفيفة تهتز كلما تحركت. شعرها البني القصير صففته روني بعناية؛ تركت بعض من خصلاته  على رقبتها، وأخذت جزءًا صغيرًا منه وربطته خلف رأسها بدبوس فضي يلمع كما لو أنه يحتفل معها.

روني كانت واقفة خلفها، ممسكة بفرشة المكياج، تساعدها وبين الحين والآخر تطلق ضحكة مكتومة وهي تقول لها مازحة:
"انتي هتفرحي ولا هتموتي من الرعب؟ وِشِّك بيقول إنك داخلة حرب مش خطوبة."
فتضحك هانيا بخجل، وتخفض عينيها:
«مش قادرة أستوعب إنه خلاص… النهارده هييجي يطلبني رسمي.»

تتقدم روني خطوة وتعدل السلسلة الرقيقة على رقبة أختها، تبتسم هانيا، وتتنفس بعمق محاولة تهدئة خفقات قلبها التي كانت تسابق الوقت. شعرت بدفء يغمر صدرها وهي تتذكر رسائله، واهتمامه، ووعوده الصغيرة التي لم ينسَ واحدة منها.
وقفت أمام المرآة مرة أخرى، ترفع ذقنها، تتحسس الفستان، تضبط شعرها لآخر مرة. كانت تبدو كزهرة تفتحت أخيرًا في وقتها المناسب.
اليوم… شهاب سيأتي ليطلبها.
واليوم… حلمها الطويل سيلبس شكله الحقيقي.
وما إن انتهت ولم يبق سوى ارتداء الحذاء تحدثت وهي تسمع أصواتًا في الخارج:
_ هما جم ولا إيه يا روني؟
_ شكلهم كدا

نظرت إلى الساعة وتعجبت قائلة:
_ جاي بدري ساعة ليه؟ لسه الساعة ٦ قال جاي ٧!
_ عادي مفرقتش يمكن جهزوا بدري فقالوا يبدروا
_ جايز... ماشي، هعمل إيه اخرج دلوقتي ولا استنى ولا اعمل ايه انا خايفة
_ اهدي اهدي متخافيش، هتخرجي أما ابوكي يقولك يلا... شش اهدي بقا

وعقب مرور ربع ساعة دخل والدها وهو يبتسم وقال:
_ إيه يا عروسة مش هتخرجي بقا؟ احنا اتفقنا وقرينا الفاتحة كمان
1

أطلقت حورية زغروطة عالية بينما هانيا أخذت تضحك في فرحة عارمة وأخذت تحمد الله أن والدها اتفق مع حبيبها أخيرًا، فتابع والدها:
_ يلا معايا قدمي القهوة وادخلي فرحانة كدا

خرجت في سرعة و الإبتسامة تكبر وتكبر على شفتيها وملامح وجهها كلها كانت تبتسم.
فتح مجدي الباب ودخل كي يقدمها وهو يقول:
_ ادخلي يا عروستنا

دخلت وهي تحمل القهوة تبتسم ولكن سرعان ما اختفت ابتسامتها ما إن رأت الشيخ عبدالله الزيني و زوجته وابنهما جياد، وألقت الصنية على الأرض لتتحطم كل الأكواب...



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات