📁 آخر الروايات

رواية عاصفة السرايا الفصل الثالث 3 بقلم هاجر سلامة

رواية عاصفة السرايا الفصل الثالث 3 بقلم هاجر سلامة


التالت
لم تمر حادثة الممر مرور الكرام؛ فرغم أن يحيى حاول إظهار أن غضبه كان دفاعاً عن شرف العائلة فحسب ، إلا أن نادية، بزوجة ذكية ومراقبة، التقطت الشرارة الأولى. لاحظت كيف تبدلت ملامح زوجها، وكيف باتت عيناه تلاحقان فاطمة في كل ركن من السرايا بنظرات غامضة تحمل غيرة مكتومة لم يظهرها لها قط.
في المساء، كانت نادية تقف في غرفتها مع يحيى، والضيق ينهش قلبها. التفتت إليه وقالت بنبرة حادة وعامية حانقة:
"جرى إيه يا يحيى؟ من ساعة ما أخوك يونس رجع وأنت عينك منزلتش من على فاطمة! هو أنت بتغير عليها كحرمة أخوك، ولا لسه قلبك واجعك عليها وعايزها ليك؟"
التفت إليها يحيى وعيناه تشتعلان غضباً، وقال بصوت جهوري حاسم:
"جرى إيه يا نادية؟ أنتِ هتخرفي عاد ولا إيه؟ فاطمة مراتي وعلى ذمتي، ويونس خان الأصول ودخل السرايا يتلوى من ورايا. لما أقف له وأربيه يبقى بدافع عن شرفي، مش عايز اسمع الكلام الماسخ ده تاني في الأوضة هنا!"
خرج يحيى وصَفَق الباب خلفه بقوة، تاركاً نادية ونيران الشك والغيرة تأكل أحشاءها. لم تكن نادية غبية، فقد أدركت أن مكانتها في قلب يحيى مهددة بوجود فاطمة وبجمالها الأصيل الذي يفرض نفسه على الجميع.
في اليوم التالي، استغلت فريدة هذه الأجواء المشحونة لتنفث سمومها.
كانت فريدة تجلس في حديقة السرايا، ممسكة ببطنها التي تؤلمها باستمرار جراء مرضها وعقمها الذي تخفيه عن الجميع. رأت نادية تجلس وحيدة والغضب يرتسم على وجهها، فاقتربت منها وابتسامة خبيثة تكسو شفتيها.
جلست فريدة بجوار نادية وقالت بنبرة خفيضة:
"مالك يا ست العرايس؟ قالبة وشك ليه؟ خابرة زين إيه اللي مضايقك.. نظرات يحيى لفاطمة أختي، صح؟"
نظرت إليها نادية بضيق وقالت:
"وأنتِ إيه عرفك؟ ومادام هي أختك بتتكلمي عليها كده ليه؟"
ضحكت فريدة بمرارة وقالت محرقة بالغل:
"أختي آه، بس أنا عارفاها زين.. فاطمة دي حية وتعرف كيف تلف على الرجالة. لفّت على يونس زمان، ودلوقتي عينها من يحيى وجوزك مش قادر يقاوم جمالها. لو سبتيها هتاكله منك، والسرايا دي مش هتشيلكم انتوا الاتنين.. لازم نطردها من هنا يا نادية، وأنا هساعدك!"
تلاقت أعين المرأتين في تحالف شيطاني نبت من الغيرة والغل. نادية تريد الحفاظ على زوجها، وفريدة تريد سحق أختها التي تفوقها جمالاً ونضارة. وفي تلك الأثناء، كانت فاطمة تمر بالمصادفة بالقرب من الحديقة، واستمعت إلى طرطشة من حديثهما، ليدق قلبها بعنف وهي تدرك أن السرايا التي بدأت تحب صاحبها، أصبحت محاصرة بالأفاعي التي تسعى لخراب حياتها.
اتفقت فريدة مع نادية على خطة خبيثة لتشويه سمعة فاطمة أمام يحيى والحاج علام. كانت الخطة تعتمد على استغلال ضعف يونس ومحاولاته المستمرة للتقرب من فاطمة. قامت فريدة بوضع رسالة مزورة في جلباب يونس، تدعي فيها أن فاطمة تطلب مقابلته ليلاً في مخزن الغلال القديم خلف السرايا، وفي نفس الوقت، أبلغت نادية يحيى بأنها رأتها تتسلل إلى هناك.
في منتصف الليل، كان الظلام يلف السرايا. وقف يحيى في الممر وعيناه تطلقان شراراً بعد أن قطرت نادية السم في أذنيه. تحرك بخطوات ثقيلة كأنها الجبال نحو المخزن القديم، بينما كانت نادية وفريدة تراقبان من بعيد بابتسامة انتصار خبيثة.
دلف يحيى إلى المخزن ببطء، ووجد يونس واقفاً يتلفت حوله بقلق وهو يمسك الرسالة المزورة. في نفس اللحظة، دخلت فاطمة التي استُدرجت هي الأخرى بحجة أن والدتها تعبت وتنتظرها هناك. تفاجأ الثلاثة بوجودهم معاً في هذا المكان المظلم.
التفت يونس لفاطمة وقال بلهفة وعامية مرتبكة:
"فاطمة! أنتِ جيتي بجد؟ يعني لسه باقية عليا وبعتِ لي الورقة دي عشان نتجابل هنا ونمشي؟"
قبل أن تنطق فاطمة بكلمة، اندفع يحيى كالإعصار وصعق يونس بلكمة قوية طرحته أرضاً.
التفت يحيى إلى فاطمة وعيناه تشتعلان بالخذلان والقهر، وصرخ بصوت زلزل جدران المكان:
"جرى إيه يا بت خالي؟ للدرجادي الشرف رخيص عندك؟ واجفة مع اللي خانك وخان العيلة في ضلمة الليل؟"
نظرت إليه فاطمة وثباتها الصعيدي لم يهتز، برغم الدموع التي تحجرت في عينيها من الظلم. رفعت رأسها وقالت بعامية قوية هزت كيانه:
"ورحمة أبوي يا يحيى.. لو كان الشرف عندي رخيص، مكنتش وافجت أكون مرتك صوري قدام الناس عشان ألم شمل عيلتك! أنا جيت هنا عشان جالي خبر إن أمي تعبانة، والظاهر إن في حيايا في السرايا دي هي اللي دبرت العملة دي عشان توسخ اسمي!"
لمحت فاطمة ورقة سقطت من يد يونس. التقطتها بسرعة ونظرت إلى الخط، ثم رمتها في وجه يحيى وقالت بمرارة:
"شوف الخط ده زين يا ابن خالي.. ده مش خطي واصل، ده خط فريدة أختي! خابر خطها زين من أيام المدارس. روح اسأل مرتك الجديدة وأختي العقرب هما فين دلوقتي، وهتلاقيهم مستنيين برا عشان يشوفوا جنازتي!"
اتسعت عينا يحيى بالصدمة. تفرس في الخط وأدرك على الفور الحقيقة؛ فرغم غضبه، كان يعلم نبل أخلاق فاطمة. خرج يحيى من المخزن كالمجنون، ووجد نادية وفريدة تقفان خلف النخل يترقبان.
سحبهما من أيديهما بعنف وأدخلهما إلى ساحة السرايا أمام الحاج علام الذي استيقظ على صوت الجلبة.
رمى يحيى الورقة أمام والده ونظر إلى نادية وفريدة بغضب أعمى، وقال بصوت هز السرايا:
"بقى انتوا التنين بتعملوا مؤامرة على مراتي وشرفي؟ عشان تغيروا من جمالها وأصلها؟ قسماً بالله يا فريدة لو ما غورتي من السرايا دي حالا أنتِ ويونس، ليكون حسابكم معايا واعر! وأنتِ يا نادية.. حسابك معايا في الأوضة فوق، دخلتي بيتي بسمك وغلك!"
انكسرت فريدة ونادية أمام الجميع، وتحولت خطتهما الفاشلة إلى فضيحة لهما، بينما وقفت فاطمة تنظر إلى يحيى الذي دافع عن حقها، وشعرت بأن قلبها بات ينبض له بقوة أكبر، برغم العذاب المتربص بها.



الرابع من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات