📁 آخر الروايات

رواية فتنة زكريا الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد

رواية فتنة زكريا الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد



— "بسم الله.. بسم الله.. أهدي أنا أمانك والله."
فضل يردد الكلمات دي بصوت دافي وحنين لحد ما دخل بيها باب البيت. قفل الباب برجله، وراح ناحية الكنبة الخشب اللي في الصالة ونزلها بالراحة.
أول ما رجليها لمست الأرض، جريت زحف على ركبها وإيديها واستخبت ورا الكنبة، في أضلم ركن في الأوضة!
زكريا وقف ياخد نفسه وهو بيمسح وشه من مية المطر. مد إيده وفتح كبس النور.. اللمبة اللي في نص الصالة نورت فجأة.
في اللحظة دي، "فتنة" صرخت صرخة عالية جداً، صرخة وجعت قلب زكريا وحطت إيديها الاتنين على عينيها كأن النور ده نار بتحرقها!
فهم فوراً إنها عاشت عمرها كله في العتمة، النور بالنسبة لها شيء مؤذي ومرعب. بسرعة قفل النور تاني، الصالة رجعت ضلمة إلا من نور الشارع الضعيف اللي داخل من الشباك.
— "خلاص.. خلاص قفلته والله، متخافيش."
راح المطبخ بسرعة، جاب شمعة وولعها، وحطها على الترابيزة بعيد عنها عشان النور يكون هادي وميوجعش عينيها.
رجع قعد على الأرض على مسافة بعيدة عنها عشان يديها مساحتها. لمحها بتترعش بعنف، أسنانها بتخبط في بعضها بصوت مسموع، وهدومها اللي عبارة عن خرق بالية بتنقط مية طين على البلاط.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
هنا زكريا وقع في أكبر حيرة في حياته.. البنت دي لازم تغير هدومها فوراً وإلا هتموت بسبب البرد. بس إزاي؟ دي متعرفش حتى تغطي نفسها، وهو راجل غريب، مستحيل يلمسها أو يشوف منها حاجة، دينه وتربيته يمنعوه!
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
قام بسرعة دخل أوضة والدته الله يرحمها، فتح الدولاب القديم، وطلع عباية شتوي تقيلة جداً من بتوع أمه، وعباية تانية قطن، وفوطة كبيرة.
رجع للصالة، لقاها لسه متكورة ورا الكنبة.
— "فتنة..فتنة.. بصيلي."
اتكلم بصوت هادي وهو بيقرب خطوة بخطوة. رما الفوطة والهدوم على الأرض قدامها.
— "لازم تقلعي القماش المبلول ده، وتلبسي دول.. الهدوم دي ناشفة وهتدفيكي."
بصت للهدوم، وبعدين بصتله بعدم فهم. مدت إيدها لمست العباية الشتوي، شدتها، وشمتها.. وبعدين سابتها ورجعت تترعش وتحضن نفسها.
زكريا ضرب كف على كف بقلة حيلة. الدموع اتجمعت في عينيه وهو بيتخيل حجم المأساة اللي عاشتها البنت دي.
— "يا رب.. يا رب دلني، أنا عبدك الضعيف."
جاب ملاية سرير كبيرة، وعلقها بين كرسين كأنها ستارة بتفصل بينه وبينها.
— "أنا مش هبص عليكي، أنا ورا الستارة دي.. هرمي الفوطة تنشفي بيها، والبس هدومك."
لكن مفيش فايدة، مفيش أي استجابة غير صوت أسنانها اللي بتخبط في بعضها من البرد.
فهم إن مفيش حل غير التدخل. لف وشه الناحية التانية تماماً، ومد إيده من ورا الستارة بالعباية الشتوي التقيلة. قرب منها وهو باصص للسقف، حط العباية على كتافها ولفها حوالين جسمها كله زي البطانية، كأنها خيمة صغيرة.
وبعدها، بلمسات سريعة جداً وهو مغمض عينيه، شد بقايا القماش المبلول من تحت العباية ورماهم بعيد.
كل ده وهي متصلبة في مكانها، أنفاسها سريعة ومرعوبة، لكن الدفا اللي حست بيه من العباية خلاها تسكن شوية.
— "الحمد لله.. الحمد لله."
اتنهد زكريا براحة، وسابها متكورة جوه العباية وراح المطبخ.
وقف قدام البوتاجاز وهو بيغلي لبن، وبيحط عليه معلقتين عسل نحل ورغيف عيش سخنه على النار. عقله كان بيغلي أكتر من اللبن. مين دي؟ اتخطفت ليه؟ وليه يعيشوها عيشة دي؟ معقول في بشر بالوحشية دي؟!
رجع الصالة بالطبق والكوباية. حطهم قدامها على الأرض، ورجع خطوتين لورا.
ريحة اللبن السخن خلت عينيها توسع. بتبص للطبق كأنه كنز. فجأة، وبدون أي مقدمات، هجمت على الطبق، مدت وشها كله جوه الطبق عشان تشرب منه بسرعه كبيره زي القطط!
زكريا مقدرش يمسك نفسه، دموعه نزلت على خده وهو بيشوف المشهد ده. قلبه اتعصر من الوجع.
— "لا يا فتنة.. لا مش كده.. إنتي إنسانة كرمك ربنا.. استنى هساعدك."
قرب منها بسرعة، مسك إيديها الاتنين اللي كانوا بيترعشوا، ورفعهم. شهقت بخوف وحاولت تبعده، بس هو كان حازم وحنين في نفس الوقت.
مسك المعلقة، وحطها في إيدها، وقفل صوابعها عليها.
— "كده.. نمسك المعلقة كده."
وجه إيدها للطبق، شال شوية لبن بالعيش، ورفع إيدها لحد بوقها. داقت طعم الأكل، عينيها لمعت ببريق غريب، بريق الجوع الحرمان. بدأت تاكل بنهم شديد، كانت بتوقع على نفسها وعلى الأرض، بس زكريا كان بيمسحلها بوشه المبتسم رغم دموعه.
بعد ما أكلت ودفيت، التعب نال منها. عينيها بدأت تقفل. زكريا فرشلها مرتبة صغيرة على الأرض في الصالة، وحط عليها بطانيتين تقال.
شاورلها على السرير: "نامي هنا.. ده مكان مريح."
لكن كالعادة، متجاوبتش. زحفت ببطء، وراحت تحت ترابيزة السفرة الصغيرة، كورت نفسها جوه العباية، وغمضت عينيها. الأماكن المقفولة الضيقة هي اللي بتديها الإحساس بالأمان.
زكريا ابتسم بوجع، جاب مخدة صغيرة وحطها تحت راسها بالراحة، وغطاها بالبطانية.
الساعة بقت 2 بالليل. المطر لسه بيخبط على الشباك. زكريا قعد على سجادته في الركن التاني من الصالة، ولع كشاف نور خافت جداً موجهه للحيطة، وفتح المصحف بتاعه.
بدأ يقرأ سورة "مريم" بصوت عذب، خاشع، ومؤثر جداً. الصوت كان بيملا أركان البيت .
تحت الترابيزة، "فتنة" فتحت عينيها. الصوت ده غريب عليها.. مش صوت ضرب، مش صوت زعيق، مش صوت كلاب بتنبح.. ده صوت بيطبطب على روحها اللي متكسرة من 13 سنة.
ببطء شديد، ومن غير ما زكريا يحس، طلعت من تحت الترابيزة، وزحفت على الأرض لحد ما وصلت لظهره. قعدت وراه بالظبط، ساندة راسها على ظهره وهو بيصلي، وغمضت عينيها بسلام لأول مرة في حياتها.
زكريا حس بتقل خفيف على ظهره، وحرارة جسمها اللي دفيت. قلبه دق بسرعة من المفاجأة، لكنه موقفش قراءة.. فضل يقرأ ويقرأ، لحد ما سمع صوت أنفاسها المنتظمة بتعلن إنها نامت أخيرًا نوم عميق.
فضل ساندها بظهره، خايف يتحرك ليقلقها.. في الليلة دي، زكريا نام وهو قاعد ساند بنت متعرفش عن الدنيا حاجة، وبينه وبين نفسه عاهد ربنا إنه هيرجعلها حياتها اللي اتسرقت منها، حتى لو كان التمن عمره كله.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
شعاع شمس خفيف بدأ يتسحب من شق الشباك عشان يعلن عن بداية يوم جديد.
"زكريا" فتح عينيه ببطء، جسمه كله كان مكسر ومخشب من نومة الأرض وهو ساند ضهره للحيطة عشان ميقلقش "فتنة" اللي نامت وراه.
لف وشه بالراحة، لقاها مش موجودة
قلبه انتفض في مكانه، قام وقف بسرعة وبدأ يدور بعينيه في الصالة.. لمحها متكورة في أبعد ركن ضلمة، حاطة إيديها الاتنين على راسها، وبتبص لشعاع الشمس اللي داخل من الشباك برعب كأنه سيف مسلط على رقبتها. النور بالنسبة لها كان دايماً معناه إن في حد جاي يأذيها.
— "يا صباح الفرج من عند ربنا.."
قالها زكريا بصوت هادي ومبتسم عشان يطمنها. راح بسرعة على الشباك وقفل الشيش للاخر، ورخى الستارة. الأوضة رجعت ضلمة ودافية. سمع صوت تنهيدة راحة طلعت منها، فعرف إنه بدأ يفهم لغتها اللي من غير كلام.
دخل المطبخ، جهز فطار بسيط.. جبنة بيضا وعيش سخن وشاي بلبن. حط الصينية على الأرض بعيد عنها شوية، وقعد ياكل هو الأول عشان يوريها إن الأكل أمان.
عينيها كانت بتراقبه بتركيز شديد، حركة إيده، طريقة مضغه للأكل. وبعد دقايق، زحفت ببطء لحد الصينية، ومدت إيدها المرتعشة أخدت حتة عيش، وبدأت تاكل بلهفة بس المرة دي مأكلتش زي امبارح، حاولت تقلد حركة إيده وهي بترفع الأكل لبقها.
زكريا ابتسم بدموع.. هي ذكية، وبتتعلم بسرعة.
بعد الفطار، كان التحدي الأكبر. "فتنة" كانت ريحتها كلها طين ومطر، وشعرها الطويل الأسود عبارة عن كتلة من العقد والطين الناشف. كان لازم تستحمى.
زكريا دخل الحمام الصغير بتاعه، ملى "طشت" بلاستيك كبير بمية دافية، وحط فيه شوية شاور جيل ريحته ياسمين، المية عملت رغوة بيضا كتيرة. جاب فوطة نضيفة كبيرة، وعباية قطن واسعة، وهدوم داخلية جديدة كان شاريها لأخته قبل ما تتوفى ومستعملتهاش.
راح الصالة، وشاورلها تيجي وراه. وقفت مترددة، بس ريحة الياسمين اللي طالعة من الحمام شدتها.
مشيت وراه بخطوات بطيئة، أول ما شافت المية والرغوة، عينيها وسعت بدهشة، مدت صباعها لمست الرغوة البيضا كأنها سحر!
زكريا وقف على باب الحمام، وبدأ يشرحلها بلغة الإشارة.
— "بصي يا فتنة.. مية دافية.. حلوة."
مد إيده في المية وغسل وشه قدامها، وبعدين مسك ليفة نضيفة، وعمل حركة غسيل على دراعه من فوق الهدوم.
— "تغسلي هنا.. وهنا.. وبعدين تلبسي دول."
شاور على الهدوم النضيفة اللي حطها على الكرسي. خرج من الحمام وقفل الباب وراه نصه، وسابها تتعامل براحتها.
وقف بره الحمام يقرأ قرآن بصوت مسموع عشان يفضل محسسها بالأمان وإنها مش لوحدها. من جوه، كان سامع صوت المية بتطرطش، وصوت ضحكة خافتة جداً، طفولية وبريئة، كأنها بتلعب في الرغوة لأول مرة في حياتها. الصوت ده خلى قلب زكريا يرفرف من الفرحة.. دي أول علامة للحياة تظهر عليها.
بعد نص ساعة، الباب اتفتح ببطء.
خرجت "فتنة". زكريا غض بصره في الأول، بس لما اتأكد إنها لابسة العباية القطن كويس، رفع عينيه.. وتسمر مكانه.
المية نضفت الطين، وكشفت عن آية من آيات الله في الجمال. بشرتها اللي كانت متغطية بالتراب طلعت بيضا بياض شاهق، ملامحها الدقيقة، رموشها الطويلة، حمار خدودها من المية السخنة.. كانت حرفياً "فتنة".
لكن المشكلة كانت في شعرها. المية خلت الطين ينزل، بس العقد والتشابك زادوا جداً، وكان بينقط مية مغرقة العباية.
— "نعيماً يا فتنة.. بس كده هتستبردي تاني."
جاب كرسي خشب وحطه في نص الصالة، وشاورلها تقعد. قعدت باستسلام غريب المرة دي، كأنها بدأت تثق فيه.
زكريا جاب مشط خشب، وفوطة صغيرة. وقف وراها، حط الفوطة على كتافها، وبدأ يسرح شعرها.
كان بيسرح شعرها كأنه بيسلك خيوط روحها المتعقدة. إيده كانت خفيفة جداً، كل ما المشط يمسك في عقدة وتتأوه بصوت واطي، يوقف بسرعة، ويسمي الله، ويفك العقدة بصباعه بالراحة خالص.
— "بسم الله.. حقك عليا، بتوجع صح؟ معلش، استحملي شوية."
كان بيكلمها طول الوقت بصوت حنين كأنه بيكلم بنته الصغيره. اللمسة الحنينة اللي مفهاش أي غرض أو أذى، خلت جسم "فتنة" اللي كان متخشب يرخي تماماً. لأول مرة من ١٣ سنة، في إيد بتلمسها عشان تطبطب وتنضف، مش عشان تضرب وتهين.
بدأت تغمض عينيها بسلام، وراسها مالت لورا وسندت على بطن زكريا من غير ما تقصد. زكريا اتنفس بصعوبة، بلع ريقه ورجع خطوة لورا بأدب، وكمل تسريح لحد ما شعرها الأسود الطويل بقى مفرود على ضهرها زي شلال الحرير.
— "بسم الله تبارك الله.. خلصنا."
قالها وهو بيمسح العرق من على جبينه.
قامت من على الكرسي، وبدأت تتمشى في الأوضة بخطوات أثبت من امبارح. وفجأة.. وقفت متصلبة قدام دولاب خشب قديم في الصالة، بابه نصه مراية.
"فتنة" شافت انعكاسها.
عينيها وسعت برعب، رجعت خطوة لورا، الانعكاس رجع معاها. رفعت إيدها، الانعكاس رفع إيده.
بدأت تنهج بخوف، طلعت صوت خفيف، وكشرت كأنها بتهاجم حد غريب واقف قدامها ! خبطت المراية بإيدها بقوة، ولما لقت البنت اللي جوه بتخبطها هي كمان، صرخت صرخة فزع ووقعت على الأرض بتزحف لورا.
هي متعرفش شكلها! من وهي عندها ٥ سنين مشافتش مراية. هي فاكرة إنها كائن تاني، ومفزوعة من البنت اللي بتبصلها دي
زكريا جري عليها، نزل على ركبه جنبها.
— "أهدي! أهدي يا فتنة ده أنتي.. دي صورتك!"
لكنها كانت في حالة هيستريا، بتشاور على المراية وبتحاول تستخبى في حضن زكريا! لأول مرة هي اللي تلجأله وتستخبى فيه من الخوف.
زكريا مقدرش يصدها، مسك كتافها بالراحة، وقومها معاه ووقفوا هما الاتنين قدام المراية.
— "بصي يا فتنة.. بصي هنا."
شاور على نفسه في المراية.. وبعدين حط إيده على صدره.
— "ده أنا.. زكريا."
وبعدين شاور عليها في المراية، ومسك إيدها المرتعشة، وحطها على خدها الناعم.
— "ودي إنتي.. دي فتنة.. شايفة؟ مفيش حد غريب، دي إنتي.
عينيها كانت بتتنقل بينه وبين انعكاسه، وبين إيدها اللي على خدها وانعكاس إيدها في المراية. ببطء شديد، قربت من المراية.. مدت صوابعها ولمست إزاز المراية البارد.
لمست ملامحها.. عينيها، مناخيرها، شفايفها. كانت بتكتشف نفسها لأول مرة. دموع سخنة بدأت تتجمع في عينيها وتنزل على خدها من غير ما تفهم إيه المايه دي وليه بتنزل.
زكريا كان واقف جنبها، بيبصلها في المراية وعينيه هو كمان بتدمع.
في اللحظة دي، عينيهم اتقابلت في المراية.. نظرة طويلة جداً، نظرة بنت لقت روحها الضايعة، وشاب لقى رسالته في الدنيا.
بصتله في المراية، ولأول مرة من ساعة ما لقاها.. شفايفها اتحركت بصعوبة، وطلعت صوت مبحوح، ضعيف، كأنه طالع من بير عميق:
— "ز.. ز.. زكـ..ـريا."
الكلمة نزلت على قلب زكريا زي المطر على الأرض العطشانة. سجد على الأرض في مكانه شكر لله، وهو بيبكي من الفرحة.. النطق رجعلها، وأول كلمة نطقتها كانت اسمه. ووو
يتبع.. نور محمد



الثالث من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات