📁 آخر الروايات

رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الثاني 2 بقلم امل نصر

رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الثاني 2 بقلم امل نصر


الفصل الثاني
أمام القصر المهجور في المنطقة التي خلت من معظم سكانها توقفت سيارة الأجرة فترجل منها الشاب قبل أن يتناول يد الفتاة ويساعدها على الخروج هي الأخرى، لتهديه ابتسامة ممتنة مع قولها:
ـ "تسلم يا سعيد، كتر خيرك."
تبسم لها المذكور قائلًا بتملق:
"يا حبيبتي يا أريج، إنتي تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا وأكتر كمان، إنتي مفيش زيك."
تبسمت ترد ببعض الحرج:
"تعبتك معايا يا سعيد ومش عايزة أتقل عليك أكتر من كدة، روح أنت دلوقتي وأخويا زمانه جاي في الطريق هياخدني معاه."
اعترض المذكور يقول بقلق:
"أسيبك إزاي لوحدك في المنطقة المهجورة دي وأمشي؟ مش خايفة يطلع عليكي حد من الحرامية ولا يتلم عليكي عيل صايع؟ أنا عارف الأماكن دي بيبقى فيها شباب مش تمام كتير."
عضت أريج على شفتيها من الغيظ، فأكثر ما تكرهه في سعيد ابن خالها هو الإلحاح المبالغ فيه، رغم كل الصفات الحميدة التي يتمتع بها كالشهامة ومساعدته الدائمة لها وخوفه وحمائيته عليها بالإضافة لوسامة طبييعية يتمتع بها ولكنه مع ذلك لا يناسبها نظرا لهيئته وتربيته وسط الأرض والفلاحة،
لذلك كررت طلبها برجاء:
"يا سعيد يا حبيبي ما تنساش إن أمجد أخويا مش بيطيقك، ودايماً بيتلكك لك عشان يتخانق معاك على أتفه الأسباب."
"أنت صممت تيجي معايا في العربية بعد المحاضرات، فيا ريت تمشي دلوقتي.. أنا قولتلك إن أخويا خلاص قرب يوصل عشان نروح سوا مدافن العيلة اللي هنا، بالله عليك امشي قبل ما يوصل ويشوفك."
تنهد ليحرك أقدامه على مضض، ولكن وقبل أن يستدير عنها تناول كف يدها ليُقبلها ثم قال كارهًا:
"عشان خاطرك أنتي بس، وعشان المتخلف ده ميعملش عليكي راجل، أنا هقوم أمشي.. بس والله قلبي واكلني عليكي وأنتي لوحدك هنا، أمانة عليكي كلميني كل دقيقة طمنيني عليكي."
"ولو حسيتي بأي حاجة تقلقك ما تستنيش، اطلبي ورني عليا فوراً."
أومأت برأسها ترضيه بابتسامة صغيرة منها قادرة على إسعاد قلبه البريء، حتى اذا ذهب من أمامها لتتنفس أخيرًا الصعداء، ذهبت متجهة نحو القصر، لتخطو داخل مقدمته المتصدعة وقبل أن تصل إلى الباب الداخلي تفاجأت بشقيقها يجفلها بقوله:
"وليه تعبتي نفسك وجيتي يا حبيبتي؟ ما كنتِ فضلتي قاعدة مع (الملزق) ده بره لحد ما الليل يليل واليوم يضيع علينا! بجد غباء مش طبيعي."
أردف بها وتناول المفتاح الصدئ ليُحاول فتح باب القصر، فهتفت شقيقته ساخطة:
"يعني كنت أعمل إيه عشان أخلص منه؟ ده كان لازق لزقة مش طبيعية وعايز يجي معايا بالعافية بحجة إنه خايف عليا من الحرامية والبلطجية في المنطقة المقطوعة دي!"
تجاهل الرد أمجد حتى تمكن من فتح الباب.
ليُصدر صوت صرير مزعج من دفعه للداخل، ثم عقب المذكور على قول شقيقته:
"مش عارف إزاي قادرة تستحملي مرافقة الواد ده وهو دغوف كدة وعلى نياته؟"
تبسمت بزهو وهي تلج لداخل القصر معه:
"وليه مستحملوش؟ ده بينقلي المحاضرات وبيديني المذكرات وبيعمل أبحاث الجامعة بدالي.. بعد كل الفوايد دي بتسألني إزاي مستحملاه؟"
رد أمجد ساخرًا:
"انتهازية واستغلالية من الدرجة الأولى! بتلعبي بمشاعر ابن خالك الولد الريفي البسيط اللي ساب أهله في محافظته البعيدة وجاي يدرس هنا، عشان تاخدي تعبه وتنجحي وتتفوقي من غير أي ضمير."
ضحكت أريج مرددة له:
"تربية إيدك يا أخويا العزيز."
ردد خلفها ساخرًا:
" أيوة يا اختي وتمرت فيكي اوي تربيتي"
أكمل الشقيقان دخول القصر، ولا يعلمون بمن دلف خلفهم، سعيد الذي لم يطاوعه قلبه على ترك أريج وحدها في هذه المنطقة المهجورة، فعاد مرة أخرى ليُفاجأ بها وهي تدلف لداخل القصر المهجور.
فلحق بها سريعًا لتزداد حيرته مع مشاهدة شقيقها وهو ينضم معها، ليكمل هو طريقه خلفهم ويرى ماذا سيفعلان في القصر المتروك منذ عقود دون فائدة، كالبيت الوقف فلا هو يصلح للسكن، ولا هو يمكن الاستفادة من بيعه، وذلك لكثرة المشاكل حوله بتعدد الورثة كما ذكرت له أريج سابقًا.
※-※-※
وفي داخل القصر توقف أمجد أخيرًا بشقيقته في الصالة الكبيرة التي توسطت القصر الكبير ليُنزل حقيبته من خلف ظهره على الأرض ويبحث عن الأوراق والكتب بداخلها، فبادرته شقيقته بالسؤال:
"وقفت هنا ليه؟ مش هندخل لبقية الأوض؟"
رد أمجد وهو يبحث عن شيء ما في الكتاب الغريب الذي أخرجه:
"إحنا مش جايين في فسحة يا حبيبتي عشان نتفرج على الأرض...... اكيد عارفة طبعا أن جثة جدك زمان لقوها هنا في الصالة، كانت مرمية على الأرض جنب الدفاية ، بضربة قوية شقت نص راسه، ومحدش عرف مين القاتل."
"يعني إحنا هندور على القاتل؟"
قالتها أريج بلا تفكير، لتواجه بنظرة نارية من أخيها وهو يجأر بها غيظا:
"وإحنا مالنا ومال القاتل يا غبية؟ إحنا جايين هنا عشان نستعيد روح الراجل من المكان اللي خرجت منه.. فهمتي؟"
أومأت له برأسها بوجه عابس تجيبه:
​ماشي فهمت، بلاش بقى تزيد في الإهانات، إنت عارف طبعي إني مابسكتش عليها، بس هعديها المرة دي عشان عارفة إنك متوتر، بس أنا كمان زيك.
​نهض أمجد عن الأرض يردد وهو يفتح الكتاب الذي بين يديه على الصفحة المحددة:
​لا يا حبيبتي مفيش داعي للتوتر ولا القلق، كل حاجة هتم زي ما إحنا عايزين وهنوصل للي إحنا عايزينه، تعالي بقى قربي عشان نخلص الموضوع ده.
​رددت أريج وهي تخطو خلفه على تردد بخطوات متأنية:
​بس.. بس أنا بدأت أخاف يا أمجد، خصوصاً بعد ما فكرتني بحادثة موت جدي.
​هتف نحوها بحزم:
​مش وقت دلع دلوقتي يا أريج، قربي وقفي قدامي، وأنا هقرأ التعويذة اللي جهزتها زي ما قولتلك قبل كدة، والموضوع هيعدي بمنتهى السهولة صدقيني.
​سألته باستفهام يمتزج باندهاشها:
​وليه لازم أقف قدامك؟ ليه ما أقفش وراك مثلاً، أو في أي حتة تانية بعيد عنك؟
​تلجلج قليلاً، ثم رد بصرامة أجفلتها:
​جرا إيه يا أريج! مش هتبطلي أسئلة النهاردة؟ لو فضلنا نجادل كدة النهار هيخلص والقصر هيلليل علينا، واليوم كله هيضيع مننا.
​أومأت بتخوف لتذعن لمطلبه، ثم وقفت مقابله أمام المدفأة، هم للبدء فيما سيفعله ولكنه استدرك ليذكرها:
​مش عايز أسمعلك صوت يا أريج، مهما حصل قدامك أو شوفتي أي حاجة غريبة، افهمي كلامي كويس يا حبيبتي ، مش عايزين نفضل نعيد ونزيد.
​رددت أريج بنفاذ صبر:
​طيب طيب، ابدأ بقى وخلصنا بسرعة قبل ما أغير رأيي.
​سمع منها ثم بدأ في مطالعة الكتاب والقراءة بصوت عالي بتلاوة كلمات غريبة وغير مفهومة لها على الإطلاق، وكل ثانية ترتفع عيناه نحوها، بشكل أثار بقلبها الخوف وهي تترقب انتهاء هذا الشئ المزعج.
​وخلف أحد العمدان التي تزين الصالة الضخمة تخفى سعيد يراقب هو الآخر وقد بدأ يساوره الشك فيما يحدث أمامه، لقد كان ينوي أن يفاجئهم ويتحدث معهم، لكن بعد الذي رآه أمامه، غلبه الفضول ليعرف ماذا يدبر هؤلاء التوأم، لقد أصبح الأمر مريبًا بشكل أثار اهتمامه وجعله يصر على التريث، حتى يتبين نهاية هذا الأمر.
​وفي الأمام استمر أمجد في القراءة بصوت ازداد علوه وازدادت سرعته وشقيقته تتمسك يدها بحقيبتها وكأنها تتحامى بها، وبداخلها تحصى الدقائق والثواني، وشيئاً ما يحثها على الانسحاب.
والركض بعيدًا عن هذا العته والجنون ولكن مع النظرات الصارمة من شقيقها كانت تتراجع على الفور صاغرة. حتى أصبح الأمر أكثر جنونًا، مع سماعها لهذه الأصوات الغريبة، بشكل متواتر وغير منتظم، يجيء ويذهب، مرة ثم مرة، ثم ازدادت حدته حتى بدأت تتمسك بقماش قميص أخيها لتنبهه علّه يستجيب لها، ولكنه كان منغمسًا بما يفعله، رغم تحديقه الدائم لها، لدرجة جعلتها على وشك البكاء.
​حتى أصبح صوتها يخرج تدريجيًا، وجسدها يهتز تريد الخروج، لكن أخيها كان يمنعها ويشد على ذراعيها مع نظراته الصارمة، وهي تناجيه بعينيها باستجداء للتوقف وعدم الاستمرار، وهو يزيد والصوت يزيد، ثم بدأت تشعر بتحركات غريبة حولها ليزداد هلعها، كي تأخذ قرار الفرار على الفور.
​لكن أمجد تمسك بها بقوة وهي تبكي لتركها وهو يزيد ويسرع بالقراءة والتكرار وشقيقته على وشك الانهيار مما يحدث حتى ختمت بصرخة قوية مع صدور هذا الصوت الغريب بقوة، لتقع على الأرض منهارة، فتوقف أمجد ليربت على وجنتيها بقوله:
​"أريج.. أريج، فوقي يا حبيبتي.. أريج أنتي هنا؟ سامعاني؟"
​استفاقت على الفور لتنزع كفه عنها صارخة بوجهه:
​"إنت لسه فاكر تطمن عليا دلوقتي! بعد كل الجنان اللي كنت بتعمله ده، من غير ما تعمل أي حساب لحالتي ولا لخوفي!"
​مع تأكده من صوت شقيقته وشخصيتها الحقيقة المعروفة إليه، رفع رأسه وتعقد حاجبيه باستغراب أثار ريبتها لتسأله بخوف:
​"إنت ساكت وبتبصلي كده ليه؟ هو حصل لي حاجة؟ ما تنطق يا أمجد في إيه؟"
​هز رأسه ليغمغم بصوت خفيض:
​"الظاهر إن التجربة فشلت، وكل اللي عملته راح ع الفاضي."
​"بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!"
​هم ليرد موضحًا لها، ولكنه أجفل على صيحة رجولية قوية من الخلف:
​"يخرب بيتكم! مين اللي صحاني من نومي يا ولاد الكلب يا أوغاد؟"
​ارتفعت رأسها هي أيضًا نحو مصدر الصوت، لتُصعق وتجحظ عينيها بقوة متمتمة بهلع:
​"سعيد؟! هو إيه اللي جاب سعيد هنا؟ وبيعمل إيه؟"
​تقدم المذكور نحوهما، بهيئة تختلف عن هيئته تمامًا، رغم عدم تغير المظهر الخارجي، ولكنه بدا وكأنه شخص آخر بطريقة سيره أمامهم، تمتمته بالسباب المتواصل دون توقف، وهذا الصوت ألأجش الغريب يبدو وكأنه...
​"أنتم مين يا ولد انت وهي؟ وإيه اللي عملتوه ده عشان تقلقوا منامي؟ ردوا عليا!"
"وإلا والله لأسيب عليكم خدمي يؤدبوكم خير تأديب، أو أقوم انا واجلدكم بالكرباج بأيدي، انطقوا انتوا مين؟".
قالها بصرخة ووجه متغضن بعبوس، جعل أريج تنتفض لتسأله شقيقها:
«هو إيه اللي جرى لسعيد؟»
رمقها أمجد بنظرة غامضة قبل ان يتجه نحو الآخر سائلًا:
«إنت مين؟»
ارتفع طرف شفة المذكور وهو يقف بعنجهبة ليردف باستعلاء:
«وإنت مين أصلاً عشان تتجرأ وتسألني يا إمعة؟ إنت اتجننت يا ولد؟ بتستدعي راجل في مركزي أنا وبعدين تسألني السؤال ده؟ أنا أدهم باشا الفيومي.. أتجاب وأتأخد من نومي بسبب اتنين عيال تافهين زيكم؟»
تسمرت أريج بجمود وكأنها تمثال من الشمع بمقلتين توقفتا عن الحركة تمامًا، وفك تدلى بشدة.
اما أمجد والذي ضرب بكف يده على سطح وجهه عدة مرات، فهذه لم تكن خطته على الإطلاق، وهذ التغير لم يحسب له حسابًا من قبل، رغم كل حذره في التخطيط، ولكنه استوعب سريعًا، ليجيب الرجل:
«أنا أمجد حفيدك يا جدي، ودي أريج أختي التوأم»
....يتبع


الثالث من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات