رواية لقياك لي المأوي الفصل الثاني 2 بقلم اية احمد
الفصل الثاني
المثال الحي للرجل الكامل يتجسد أمامها الآن... رامي هو حلمها الذي راودها منذ ثلاث سنوات... لم تكن تتوقع في يوم أنها ستقع في الحب لكنها فعلتها معه... في صمت يليق بمهابة شخصيته و وقاره... في هدوء يليق بقلبها العذري الذي يتذوق معه مشاعر تختلج صدرها للمرة الأولى... في سكينة كحال نظرتها له من بعيد لبعيد و كحال نظراته لها الخاطفة... هكذا في لينٍ و بساطةٍ أحبته...
(تفضل الملف دكتور رامي...)
خرجت من قصور خيالها الواسعة به على صوت أريج... تابعت تحركه للمكتب لتمتد ذراعه يلتقط الملف من صديقتها ثم يهبها بسمة ودودة و ساحرة هامسا بذوقه المعتاد...
(شكرا لكِ دكتورة أريج...)
غيّر وجهة جسده قاصدا باب الغرفة ليخرج بينما هي تترصد كل حركة... كل نفس... كل نظرة منه... انتصب جسدها في كرسيها حينما عبرت منه نظرة لتحتل شاطئ قلبها ثم رمى سهم ابتسامته ليصيبه مباشرةً... و الضربة القاضية كانت سؤاله الوقور بأدبٍ و جاذبيةٍ...
(كيف حال طالبتنا المجتهدة؟)
هذه البسمة البلهاء التي ارتسمت فوق شفتيها عجزت عن منعها من الظهور... لكنها تلبست وجه "العادي" رغم ان بداخلها لم يكن عاديا مطلقا و هي تهمس بخجل جعله يبتسم أكثر...
(بخير الحمد لله...)
راقبت يده التي أدارت مقبض الباب ليتجه بنصف جسده للخارج قائلا برصانة باسمة...
(المشفى كان كئيبا من غيركِ... لا تطيلي الغياب مجددا)
يدها التي تشبثت بكرسيها بقوة... عيناها التي راقبته يختفي تماما... قلبها الذي بعثر نبضه بكلماته... كل ما فيها تأهب له... هل ما تشعره منه حقيقة؟... أم أن قلبها البِكر يهيئ لها أن كل ما يفعله و يصدر منه يندرج تحت بند الاعجاب... إن لم يكن حبا!!...
نهرت نفسها بحدة و هي توبخها بمنطق و تعقل هو ميزة في شخصيتها...
(حب!!... هكذا وسع خيالكِ يا غسق... وسع جدا)
(غسق...)
نداء أريج لها أخرجها من شرودها لتسألها بترقب...
(ماذا بكِ؟!... أنادي عليكِ منذ فترة)
هزت رأسها بانفعال مبالغ به و كأن أريج تعري تفكيرها فيه... في رامي حبها السري الأول... ابتسمت بسمة مرتعشة تقول...
(آسفة لقد شردت قليلا... ماذا تريدين؟)
ابتسمت أريج بمحبة لتقترب بجسدها من مكتبها و تستند عليه بكفيها قائلة...
(أسألكِ هل ستتناولين الغداء معي هنا أم نخرج لتناوله في المطعم القريب من المشفى؟)
هزت رأسها بضحكة صافية تقول بمرح...
(لا هذا و لا ذاك يا دكتورة... أمولتي لن تدخلني البيت إذا تناولت طعام من الخارج..)
التمعت عين أريج بوجع أخفته بسرعة خلف بسمة مهتزة لتهمس...
(يبدو أنكِ خرجتي دون فطور كالعادة!)
هزت رأسها باقتضاب لتقف تضع حقيبتها فوق ذراعها قائلة...
(بكل أسف نعم... و قد وعدتها أن أتناول حصتين بدل حصة واحدة على الغداء لذا لا مفر..)
تأهبت أريج بدورها حينما تأكدت من سرعة رحيل صديقتها... هكذا أنقضى الوقت بسرعة... الوقت الذي تنتظره بفارغ الصبر لتنسى كل شيء في محادثتها اللطيفة مع غسق... لكن لا بأس فالكل رحالة حتى لو طالت مدة المكوث... هذا اعتقادها الأزلي الذي تعلمته من الدنيا... همست بحشرجة صوت فشلت في كبحها..
(الوقت يمر بسرعة معكِ...)
راقبت غسق التي وصلت عندها خلف المكتب لتتعلق بعنقها ككل مرة... و تقبل وجنتها بمشاعر صادقة قائلة...
(أعدكِ لن يطول غيابي في المرة المقبلة... سأراسلكِ في المساء...)
اومأت لها أريج ببسمتها الحلوة لتلوح لها حتى خرجت من مكتبها... و بعدها التفتت حيث هاتفها الذي صدح رنينه لتجد اسم والدتها عليه... اغمضت عينيها بتعب حقيقي و هي تتأكد من ان الاتصال لطلب ما أو عريس ما... جلست فوق كرسيها تفتح الخط و تصمت... تستمع... تتغير ملامحها للضيق... تتنهد دون صوت... حتى انتهت والدتها مما تقول فيحين دورها هي لتهمس بصوت مرهق... ليس ارهاق جسد بل ارهاق روح..
(حسنا أمي سأمر عليه و بعدها سأشتري ما ينقص من السوق... لن أنسى لا تقلقي)
***************
خرجت من مكتب صديقتها تلتفت حولها بأمل أن تراه... رغم رؤيته قبل ثوان في مكتب أريج... لكن هل يرتوي القلب من ظمأ طال لأيام برؤية كهذه؟!... بحركة تلقائية هندمت ملابسها خشية أن تلتقيه فجأة في ممر المشفى... و كم دعاء خفي تدعيه هي الآن كي تلمحه فقط... كي تشبع قلبها منه كذكرى تعيش عليها حتى تراه مجددا... و كأن دعاؤها اُستجيب له فها هو يخرج من غرفة إحدى المريضات... يا الله على وسامته و هو يعلق سماعته الطبية فوق عنقه... و يُقلّب في صفحات هذا الملف في يديه... يدقق النظر في معلوماته بوسامة و جاذبية راسخة في شخصيته... هو فقط من تمكن من نيل قلبها حتى لو لم يقصد... حتى لو لم يعرف عن مشاعرها لكنه بكل هدوء جعل قلبها يخفق!!... تجمدت مكانها حينما رفع بصره فجأة لها ليلاحظ نظرتها له... هل تجري بعدما تم كشفها و هي تبحلق فيه؟!... هل تختلق كذبة لو تحدث معها؟!... عقلها متوقف و هي تراقب تقدمه منها بهذه النظرة التي تشعل انذار عقلها و قلبها حتى روحها... حدس الأنثى بداخلها يقسم لها أنه معجب بها... لكنه يتأنى برصانته المعهودة... ابتلعت ريقها بعدما لمعت عيناها بنظرة مسكينة متعطشة لحديث معه... حديث كبير... كبير جدا... تعرفه من خلاله و يعرفها هو ايضا... تشرد في ملامحه التي تنظر لها سرقة كل مرة... و يكمل صورته بداخلها... انتبهت لصوته فرمشت بعينيها تسأله بتيهٍ...
(عفوا... لم أسمعك!)
هدير قلبها العالي و هي تتلقى منه هذه الضحكة الخافتة... تتمنى فقط أمنيتها الوحيدة بألا يسمعه بعد كل هذا الصخب المدوي خلف صدرها... أما هو صامت ثقيل و يدرس خطواته جيدا... لكن لمتى ستظل هكذا؟..
(كنت أسألكِ هل تحتاجين مساعدتي في شيء... كنتِ تنظرين تجاهي أم توهمت هذا!!)
اللعنة تم كشفها!!!...
ارتعاش صوتها و هي تختلق الكذب زاد شعوره نحوها لذة... هذه الفتاة منذ رآها هنا قبل ثلاث سنوات حينما تم تعينه في هذا المشفى و هي تلفت نظره... طالبة في كلية الصيدلة مجتهدة.. ذكية.. لطيفة.. و تجذب بداخله شيئا ما... على مدار ثلاث سنوات لم يتمكن من فهم ماهية شعوره نحوها لكنه ليس مستنفرا منه... بالعكس هو محب لهذا الشعور... جدا
(لا شيء مطلقا... ربما شردت و ظننت أنني انظر نحوك)
ايماءة رأسه مع خصلات شعره التي يصففها بكل دقة هزت قلبها بقوة... نظر لها لتكتم تنفسها بصعوبة و هي تسمعه يقول بنبرة هادئة...
(ربما...)
تخطاها بعدما منحها نظرة عين عميقة لم تخطئ معنى عمقها لتغمض عينيها بضعف تلتقط بقايا عطره المميز... اسمه الذي قفز على شفتيها و لم تتمكن من منعه أوقفه... فتحت عينيها بذعر من كونها نادته بالفعل و للكارثة توقف... التفتت له بسرعة تقول بتلعثم و وجنة متوردة بخجل جعله يبتسم...
(هل تمانع لو... تناقشت معك في بعض الحالات التي امتحن فيها؟!)
ماذا تفعل هي؟!... انها تهذي عكس شخصيتها... معه تشعر بكونها طفلة صغيرة تختلق الاكاذيب... هو فقط من ينال منها و من قوة شخصيتها... هل يفعل بنا الحب هذا؟!... يجعلنا بكل هذا الغباء و السخف أمام من نحب!!... هل سينطلي عليه هذا الهذيان؟!... الحالات التي تدرسها يمكنها مناقشتها مع أريج... و في الاساس دور الصيدلي غير دور الطبيب ماذا سيشرح لها بحق الله؟!... لكنه سحبها من وحوش تفكيرها قائلا ببساطة..
(لا بأس...)
ابتسامتها التي اتسعت وجدت اتساعا مشابها على ثغره... وقفا للحظات يتبادلان النظرات التي تزيد مشاعرها نحوه... كان أول من يستفيق من حالة الجمود هذه هو حينما سألها بهدوء...
(هل ستأتين هنا لنتناقش بها؟)
هزت رأسها نفيا لتهمس بوجنة حمراء تزيد جمالها في عينيه...
(صعب أن آتي هنا كثيرا... تعرف أنها سنة البكالوريوس و علي انهائها بصورة مرضية حفاظا على درجاتي...)
اسند الملف بين مرفقه و جانب جسده الأيمن ليمد كفه الايسر في جيب معطفه الطبي و يخرج هاتفه تحت نظراتها المترقبة و دقات قلبها المتزايدة... و عقلها يفطن ما سيفعله...
(لا مشكلة... دعينا نتبادل ارقام الهاتف و نتواصل عليه كلما احتاجتِ مساعدة)
هل يعرض عليها رقم هاتفه؟!... خطوة جريئة مع تفكيرها و تربيتها... هاتفها لا يحمل رقم رجل واحد سوى والدها!!... هي لا تتعامل مع الرجال مطلقا حتى زملائها في الجامعة لا يحتون على شباب... ابتلعت ريقها و شعور لذيذ يضرب اوصالها... مغامرة و ستخوضها بكل جنون ضاربة باعتقادها عرض الحائط... انه الحلم الذي حلمته من سنوات... اخرجت هاتفها من حقيبتها تمده له كي يسجل رقمه عليه... تناوله منها ثم اعاده بعد ثوان ليصدح رنينه العالي يعلن عن رقمه... ابتسم بجاذبية تخطفها يقول...
(سجلي رقمي عليه... أي وقت يقف أمامكِ شيء أنا معكِ)
القى تحيته ليغادرها و تبقى هي مشدوهة به... هاتفها في يدها يحمل رقمه اخيرا لا تصدق... وضعته بحماس في حقيبتها و تحركت لخارج المشفى... ابتسامتها المتسعة فشلت في اخفائها فلماذا تخفيها و هي سعيدة جدا؟!... فلتدعها تتسع و تتسع لتلائم فرحة روحها... أوقفت سيارة أجرة لتركبها و تتحرك بها حيث البيت..
على ناصية الشارع المقابلة كان يفتح باب سيارة أجرة قائلا بسرعة...
(خلف هذه السيارة و لا تتركها تضيع منك...)
اومأ له السائق و تحرك خلف سيارتها الأجرة بينما أخرج سوسكا هاتفه بعدما شعر باهتزازه في جيبه ليفتح الخط فور قراءة الاسم عليه قائلا...
(انتهت من زيارة المشفى و نحن في طريقنا للحي أخي كرم)
زفرت نفسها بقوة قبل أن تُدخل مفتاحها في قفل الباب... تتجهز نفسيا للقاء قابض للروح مع زوجة أخيها بعد مشاحنة الصباح... لكن لا يهم فقمر بالداخل و بالتأكيد كالعادة توقفها عند حدها... ابتسمت برضا عند الخاطر الأخير ثم حركت المفتاح في الباب لينفتح و تدخل... وضعت كتبها فوق طاولة الطعام بعدما دلفت للصالة الكبيرة... الأصوات تأتيها من المطبخ مسيطر على ترددها صوت قمر... نزعت وشاح رأسها لتزيحه فوق كتفيها و تتحرك تجاه مصدر الصوت... توقفت قبالة باب المطبخ الكبير و هي تراقب سيطرة اختها الكبيرة على الاوضاع... قمر امتزاج فريد من نوعه بين قوة شخصية والدتهم و مهابة والدهم... ها هي تجلس امام طاولة المطبخ المربعة تقطع بعض الخضروات بينما هبه تقف خلفها تقلب الطعام فوق الموقد... و هناك في الزاوية تقف سهر بجسد متشنج تقشر الثوم.. وضعت كفها فوق فمها تكتم ضحكة عابثة من الخروج... الجميع يعرف أن سهر تخشى على اظافرها من رائحة الثوم أو البصل... لكن مع قمر الوضع يختلف!!!... انتبهت لصوت اختها الذي صدح بلهجة مهيبة كوالدتها...
(ألم ينتهي الثوم بعد؟!...)
تقسم أنها رأت تكور كفي سهر بغيظ لكنها ليست غبية لتدخل في مشاحنة مع قمر... ستكون خاسرة بلا شك... لقد التفتت بنصف جسدها تتحدث بنزق لم يخلو من نبرة سخرية...
(ليس بعد... فأنا أقشر نحو كيلو بمفردي!)
وضعت قمر السكين فوق الطاولة لتلتفت بدورها تنظر لسهر بحاجب مرتفع قائلة بهدوء رغم صوتها المغيظ...
(و هل على كفيكِ نقش الحناء يا ابنة حسونة؟!... أم تنتظرين من أمي أن تخدمكم و أنتم تأكلون و تتدللون؟!)
زفرت سهر بصوت مكتوم و يدها تعتصر فصوص الثوم بحدة... لكنها همست من تحت ضروسها تقول..
(نحن نساعد أمي الحاجة دون أن تطلبي يا قمر... كما أن مساعدتها لن تكمن في تقشير الثوم)
وقفت قمر بقميصها القطني البيتي تتحرك ناحية سهر بكل خيلاء حتى وقفت خلفها تتابع بنظرة تقييمية ما قامت به... التوت شفتاها ببسمة ساخرة لتقبض على حفنة من قشر الثوم و ترفعه في وجهها قائلة بصوت في باطنه تهديد...
(كثرة الكلام تعني قلة الفعل... قشري الثوم بضمير فهناك بقايا ملتصقة بالقشر و هذا إهدار في مال أبي و أخي... و بالتأكيد أمي ستكون مستاءة لو رأت إهداركِ المشين في نعم الله هكذا و غالبا ستغضب و نحن لا نريد إغضابها ... تفهمينني يا ابنة حسونة؟!)
طحنت اسنانها من الغيظ بينما نظرات العين تتراشق بينهما كبنزين و نار... لهيب حاوط اجواء المطبخ جعل هبه برقة مشاعرها تسارع في التدخل كتلطيف للجو قائلة...
(يمكنني استكمال تقشير الثوم و سهر تستكمل ما كنت أفعله...)
رفعت قمر أنفها للأعلى لتتحرك ببطء مقصود عائدة لمكانها عند الطاولة تلتقط السكين و تهمس باستمتاع في كسر أنف سهر...
(لا... كل واحدة منا لديها عملها و عليها انهائه ثم يكفي حديثا الرجال على وشك العودة و الطعام لم ينتهي بعد)
بالخارج أنزلت فاطمة كفها عن فمها و نظرة اعجاب تحاوط أختها بينما تهمس بنفس راضية عما نال سهر من تقريع خفي..
(حلاوتكِ يا قمر يا ابنة الحاجة صفية... استاذة و رئيسة قسم و الله)
تنحنحت لتدخل بعدها هاتفة بمرح بينما تتجه ناحية أختها تقبل وجهها بحب...
(السلام عليكن يا نساء بيت الحاج سليمان المراكبي...)
تركت قمر ما بيدها لتحاوط ظهر أختها و ترد سلامها...
(و عليكم السلام يا استاذة فاطمة... كيف حالكِ؟)
ابتهجت ملامح فاطمة و هي تتلقى تحية أختها... هي الوحيدة بين أخوتها التي استكملت تعليمها بل و التحقت بالجامعة... قمر اكتفت بشهادة دبلوم كحال أخويها الكبار بينما كرم أوقف تعليمه عند المرحلة الثانوية... تستعجب منه بشدة كلما طرأ بالها أنه التحق بالثانوية العامة و خرج من ثاني سنة له بها!!... لكن هنا في حيّهم البسيط العمل هو شهادة الرجل و الزواج هو شهادة الفتاة... جلست جوار أختها تتحدث بفرحة...
(بخير الحمد لله... اشتقت لكِ و للأولاد)
عادت قمر تلتقط السكين و تقطع الخضروات قائلة بعتاب...
(حقا!!... اكتفيت من كلامكِ المعسول هذا، لو فعلا اشتقتِ لنا كنتِ زرتنا فالبيت بعد شوارع معدودة من هنا)
ضحكت فاطمة بحرج تضع كفها فوق عضد أختها قائلة بعذر...
(و الله يا قمر الدراسة تشغلني طوال الوقت...)
لانت نظرة عين قمر بحنان لأختها و كادت تتكلم لولا صوت سهر الساخر الذي صدح من العدم...
(على أساس أنكِ منكبة ليل نهار على الكتب!)
(سهر!...)
صوت هبه الهامس بحذر جعلها ترمقها بمهانة و تشيح وجهها بعيدا تكمل تقشير الثوم... لقد اهانتها قمر قبل لحظات لكن هي لن تهدأ حتى تحرق دمائهم جميعا اليوم... ارتسمت بسمة جانبية مرتاحة و هي تسمع صوت انفاس قمر الهادر من الخلف...
(منذ متى و ابنة حسونة الإسكافي و بهية بائعة الجرجير تعرف عن المذاكرة و العلم؟!...)
تلونت ملامح سهر بالحقد و هي تلقي ما بيدها لتلتفت تنظر لقمر بأعين ممتلئة بالكره... همست من تحت ضروسها بغلٍ...
(هل تعايريني بأهلي يا قمر؟!...)
وقفت قمر بدورها تنظر لها من أعلى لأسفل بينما يدي فاطمة تتشبث بها بقوة من ناحية و هبه من ناحية أخرى... جسدها منفعل و لسانها يود لو يضربها بكلمات موجعة لكن تربيتها تمنعها من امتهان رجل و امرأة يشهد لهما كل الحي بالخلق الحسن... لكن ذنبهما الوحيد أن سهر ابنتهما... جزت على اسنانها تهمس بغضب...
(إن لم تحتفظي بمقامكِ و توقفي حشر أنفكِ في حياة الغير سأسمعكِ أكثر من هذا بكثير...)
تحركت سهر بجسدها المتحفز ناحية قمر ناوية الشر لكن صوت تنحنح كرم من الخارج أوقفها...
(هل يمكنني الدخول؟..)
استئذانه المعتاد قبل أن يلج مكان فيه زوجات أخويه جعل هبه تسرع و ترفع وشاح رأسها من فوق كتفها تغطي شعرها... بينما سهر رمقت قمر بغلٍ لترفع وشاحها ببطء... ابتلعت فاطمة ريقها تحمد الله على تدخل كرم في هذه اللحظة... سحبت أختها للخلف ثم تحدثت بصوت مهتز...
(تعال أخي...)
دلف ينظر لهن بأعين غامضة... لقد سمع معظم ما حدث بينهن بالخارج و وجد أن التدخل الآن خير فعل... تحدث بصوته الرزين كوالده يطلب منهن...
(أريد زجاجة مياه كي أصعد للأعلى...)
ابتسمت هبه بطيبة تسرع ناحية البراد و تخرج له واحدة لتتقدم منه تعطيها له قائلة...
(تفضل... لولا أن غرفة السطح لا تحب أن يدخلها غيرك كنا وضعنا بها زجاجات مياه تحسبا لصعودك)
تناولها منها ببسمة صغيرة شاكرة قائلا...
(سلمتِ يا أم صالح... لا بأس أنا سآخذ ما احتاج للأعلى)
غصبا غشيت غلالة من الدموع عينيها حينما سمعت ندائه لها... "أم صالح" لقب يناديها به تيمنا بتحقيق أمنية أخيه و زوجته... تحركت يدها فوق بطنها في حركة غير ملحوظة لتهز رأسها له تفهما و تعود تقلب الطعام فوق الموقد بينما شفتاها تهمس بأمل...
(أم صالح...)
ليلطف الجو قليلا نظر لأختيه الواقفتين بتجهم مريب قائلا...
(هل كنت نائما في أحضانكما بالأمس؟!... هل هذا ترحيبكما بي!!)
أسرعت فاطمة ببسمة سعيدة ترتمي في أحضانه و تمرغ وجهها في صدره بحب خاص به... بينما قمر رمقت سهر بحدة ثم اتجهت نحوه تقبل وجهه و تربت فوق ظهره قائلة...
(حمدا لله على سلامتك يا غالي...)
ذراعه يضم فاطمة إليه و الآخر يقرب رأس قمر منه ليقبلها قائلا...
(سلمكِ الله من كل شر يا أم بسام...)
نظر خلفه متسائلا...
(صحيح أين الأولاد؟)
ضحكت هي ضحكة رائقة تقول...
(تذكر شيئا نافعا افضل من تذكر جلبتهم الغير مجدية...)
و كأنها كانت دعوة استدعاء فبعد كلماتها صدح صوت رنين جرس الباب و الأولاد يهتفون من الخارج بحماس صاخب...
(عمي كرم وصل... خالي كرم جاء)
خرجت فاطمة من احضانه تقفز بمرح قائلة بينما تتجه للخارج...
(لقد وصلوا بجلبتهم دون عناء...)
فتحت لهم باب الشقة ليدلف مازن و بعده بسام الذي يتشارك معه في العمر و المدرسة و حتى الصف... و بعدهما دلفت رزان ابنة قمر ذات الست سنوات... تكلم بسام بينما يعطي حقيبته لخالته...
(هل وصل خالي يا خالتي؟)
قبل أن تجيب فاطمة وصله صوت كرم الذي ظهر في الصالة يقول ببسمته الصغيرة...
(وصل يا بطل...)
قفز بسام مع مازن ثم اتجها نحوه يتعلقان به بينما هو يحملهما معا يداعبهما بمرح... خرجت صفية إثر جلبتهم تنظر لأحفادها بحب و دعائها يخرج بأمل في وجه الله...
(اللهم أحمهم و حاوطهم برحمتك... و أرزقني فرحة زواج كرم و فاطمة... و لا تحرم صالح من نعمة الأبوة يا كريم...)
صوت رزان السعيد و المتلهف جعلها تنتبه لها و تفتح ذراعيها تستقبلها بحنان...
(جدتي صفية...)
(يا قلب جدتكِ... كيف كان يومكِ في المدرسة؟)
انشغلت الصغيرة في وصف كل صغيرة و كبيرة حدثت لها... بينما ترك الصبيان حضن كرم ليهرولا ناحية جدتهم التي حاوطتهم جميعا لتجلس بهم فوق الأريكة... راقبهم كرم بهدوء ليستأذن والدته بينما خطواته تتجه للباب...
(سأصعد للأعلى حتى يحين آذان العصر...)
اومأت له والدته ليكمل طريقه للباب... بعدما فتحه عاد ينظر لفاطمة التي همست بخفوت...
(كرم... أريد أن اخبرك عن شيء)
دقق النظر في ملامحها الخجولة و عيناها التي اسبلتها للأسفل... ليهز رأسه متفهما ثم قال...
(تعالِ معي للأعلى...)
ابتلعت ريقها بحرج ثم اغلقت الباب و صعدت خلفه حيث سطح البيت و غرفته التي يقضي معظم وقته بها بعدما كانت لأخويها الكبار قبله...
****************
(هل تعرفينه من قبل؟!)
واقفا عند سور السطح واضعا كفيه بداخل جيبي بنطاله الجينز... ينظر لشارع الحي الذي يحفظه كخطوط كف يده... يستمع لصوت أخته الصغيرة المشحون بالخجل و هي تحكي له عما حدث معها عند خروجها من الجامعة... صمتها طال فالتفت ينظر لها بطرف عينيه... تجلس فوق صندوق خشبي كبير نوعا ما تفرك كفيها بتوتر و وجهها ينظر للأسفل بخجل فطري... ابتسم بحنان متشح بالغموض المعتاد منه ليتقدم منها... يشكر تربية والديه التي جعلتها تأتي و تقص له عن حدث هام كهذا... و يشكرها هي لحسن تدبيرها و عدم انجرافها لعاطفة الفتيات لتقف مع هذا الشاب و تطيل الحديث... جلس جوارها على صندوق مشابه ليهمس بينما عيناه تنظران للسماء المترامية أمامه..
(اسمعكِ...)
ازدردت ريقها و زفرت نفسها المسموع و الذي جعل قلبه يرق لها... أخته الصغيرة كبرت و تختصه هو بمناقشة أمر خاص بها فكما قالت صالح كان معها... انصت لها حينما همست بتوتر...
(لم أره من قبل رغم أن وجهه ليس غريبا... قال أنه معيد في كليتي و طلب رقم والدي لأمر شخصي...)
حانت منها نظرة بطرف عينيها له لتكمل بوجه متورد..
(هذا... كل شيء)
ابتعدت عيناه عن السماء ليعيد نظرتها لها بطرف عينيه يتكلم بهدوء...
(احسنتِ صنعا بعدم مسايرة الحديث معه... و لأنكِ هنا تحكين لي ما حدث...)
اسرعت تقول بصدق جعله يبتسم...
(لا استطيع ألا أحكي لك... أنا لا أعرف هل ما فعلته صح ام خطأ)
امتدت يده يقربها منه حتى ضمها الى صدره قائلا...
(ما فعلته هو الصواب... نحن لا نعرف حقيقة نية هذا الشاب... ليس لكونه معيد يعني انه معصوم عن الخطأ و ليس لأنه اوقفكِ يطلب رقم والدكِ يعني أنه سيء التصرف... لذا اثبتي على موقفكِ و هو ان كان جديا سيصل لرقم الحاج )
هزت رأسها بتفهم فوق صدره فنظر لها يقول بمشاغبة قلما يفعلها...
(و كيف شكله هذا الشاب؟!...)
صوت انفاسها السريع جعله يكبح ضحكته بينما هي انتفضت لتقف تهمس بتلعثم و حمرة خديها تزداد...
(أمي تنادي سأنزل...)
هرولت لباب السطح تنزل درجات السلم و صوت ضحكته الخافتة تزين أذنها فتزيد من حرجها... وقف من فوق الصندوق الخشبي ليتحرك مجددا ناحية السور و يهيم ببصره في الشارع... هامسا من بين انفاسه الرتيبة...
(لقد كبرتي يا فاطمة... مثلها)
ضيق عينيه حينما لفت نظره محل البقالة الصغير التابع للعم رجب والد أيوب... تزينت شفتاه ببسمة مرحة حينما لمح واحدة بعينها هناك ثم عاد بجسده للخلف يتجه لباب السطح قائلا ...
(هكذا يجب أن نُذكر أيوب أن العصر على وشك الآذان)
بالأسفل...
وقفت أم أيوب تكيل شيئا ما فوق ميزانها القديم بوجه ممتعض... وجود هذه الفتاة هنا و شراؤها من عندها شيء لا تستسيغه... توجهت الى باب البقالة المتواجد في بيتها الصغير الذي تعيش فيه مع زوجها و ابنها بعدما حملت كيس الأرز لتمده لها بقنوط... بخارج محل البقالة الصغير واقفة بعباءتها السوداء المجسمة التي تبرز جسدها الانثوي الجذاب... بينما تتشح بوشاح حريري اسود ينزلق عن نصف رأسها و يظهر شعرها البني اللامع للعين... مدت يدها تلتقط كيس الأرز قائلة ببسمة مغصوبة...
(شكرا يا حاجة أم أيوب..)
عوجت أم أيوب شفتيها يمينا و يسارا بعدما اعطتها ظهرها لتقول باقتضاب...
(لا شكر على واجب يا ابنة هيام)
تأففت الشابة بضجر لتضع قيمة الأرز فوق الطاولة الخشبية المتخمة بعلب من البسكويت و الشكولاتة... ثم تهتف بحنق و غضب..
(لي اسم يا أم أيوب... ناديني بفلك لا ابنة هيام)
تحركت بعصبية بعيدا عن البقالة فالتفتت أم أيوب تراقبها بنصف عين و تأخذ حق الأرز قائلة بحنق مشابه لها...
(و هل عرفنا لكِ اسم غير اسم والدتكِ لننادي به؟!!!)
اتجهت لتضع المال في الداخل لكنها اصطدمت بجسد هذا الطائش الذي خرج جريا من الداخل يعبر بوابة البقالة بلهفة... و حينما لم يجدها عدل من وضع قميصه يسأل أمه بترقب...
(أم أيوب لا تخبريني أنكِ تعاملتِ معها ككل مرة)
تخصرت بقامتها النحيلة لتسأله ببرود...
(تعاملت مع من يا معدول؟)
ابتسم على لقبه هذا و الذي لا يخرج منها سوى في حالات الغضب... تقدم منها مجددا ليضم جسدها الأقصر منه اليه يناكفها قائلا بخفوت مبتسم...
(تعرفين من اقصد يا أم أيوب)
تأففت تحت ذراعيه لتهتف بغضب..
(يا بني هذه الفتاة ليست من ثوبك اتركها ترى نصيبها مع غيرك...)
ضايقه كلامها فتحكم في ملامحه ليبعدها عنه ببسمة باهتة يقول...
(أم أيوب فلك لم تختر حياتها و لم تختر عملها ايضا...)
اشاحت وجهها عنه برفض لسماع المزيد... بينما هو غصبا تحمل رفضها حتى يأتي اليوم و يقنعها فيه بفلك دون النظر لأي شوائب حولها... وضع رأسها بين كفيه ليقبلها بمشاغبة ثم تحرك للخارج ليلحق بفلك...
(فلك انتظري يا بنت...)
يقولها بصوته اللاهث عندما لاحظها تتحرك ناحية البيت الذي تسكن فيه مع أمها... التفتت له بوجهها الذي وقع صريعا له... هاتان العينان المحتويتان على الوان ممتزجة معا... لا يعرف أهي خضراء ام زرقاء ام خليط من الوان كثيرة تليق حقا بكونها فلك... ابتسم بوسامته التي يشهد له بها الحي كله ليقترب منها رغم تحفز ملامحها... وقف أمامها هامسا
(هل هذا وجه تقابليني به بعد أيام غياب في البحر؟)
رفعت يدها حيث وشاح رأسها الذي انزلق كثيرا تعيده لمنتصفها قائلة باقتضاب...
(حمدا لله على سلامتك...)
ضحك بعبث يعرف ان والدته تزيدها معها دوما فقال مازحا يخفف عنها...
(ما هذا الجفاء يا بنت اخلعي نعلكِ و اضربيني به افضل)
مزحته لم تلقَ صداها في روحها لذا ظلت على حالة وجهها الجامد... تأفف هو ليقترب أكثر منها قائلا بملاطفة...
(يبدو أن أم أيوب هدمت المعبد بمن فيه...)
تقبضت يدها فوق كيس الأرز لتهمس بغضب مكتوم...
(أمك لا تطيقني يا أيوب... لا أعرف ماذا فعلت لها كي تقابلني بهذا الوجه كل مرة)
لانت ملامحه حينما رأى تعكر فلكها الخاص في عينيها ليهمس باعتذار واهٍ...
(حقكِ فوق رأسي أنا يا فلك... تعرفين هي لا تحب عملكِ مع والدتكِ)
ارتعش فكها بقوة لكنه غفل عنها بينما هي احكمت قبضتها فوق الكيس لتكتم انفعالها به و تهمس بصوت مهزوز مختنق بغصته...
(و هل وجدنا غيره و قلنا لا...)
زفر بقلة حيلة يمسح خلف عنقه قائلا بصوت رافض لعملها هذا...
(يوجد غيره بالتأكيد لكن أمكِ لا تريد استبداله)
الوهن يصيبها أكثر و رجفة فكها تزداد لتهتف فجأة بغيظ...
(ماذا تقصد؟!... هل تظن أنني سعيدة بالعمل كخادمة مع أمي في بيوت الناس)
نظر حوله بقلق من صوت هذه المجنونة الذي صدح دون سابق انذار... رفع اصابعه تجاه فمه كحركة يطلب منها الصمت بها قائلا...
(يا بنت اصمتي ما بكِ انفجرتِ في وجهي كأنبوبة غاز!)
قضمت شفتيها بقوة و عيناها تغوص في بحر دموع متحجرة في زواياها لتشيح بوجهها للجانب متحاشية النظر له و تهمس ببطء...
(أمك تظنني طامعة بك... اخبرها أنني لا أفكر بهذه الطريقة كي تتركني في حالي)
رغم بساطة كلامها و صحة معظمه لكنه شعر بنيران في صدره... فلك منذ وعى على الدنيا و حبها يكبر في قلبه بلا توقف... جميلة الحارة ابنة الخادمة الذي تركها والدها قبل ان تولد... نساء و فتيات الحي لا يتركنها في حالها خصوصا بعد امتهانها مهنة والدتها... لم تعطه وعدا من قبل و يظن انها لن تفعل لكنها تعرف عن مشاعره نحوها و تعرف أنه يسعى لتصبح امرأته و زوجته هو... لكنها لا تحاول لو لمرة واحدة أن تمنحه أملاً تجاهها... ربما تجنبا لوالدته و رفضها القاسي أو خوفا من منح قلبها بريق لطيفٍ زائفٍ في الغد معه... الغد المجهول بالنسبة لهما...
(لكنني أفكر يا فلك و أنتِ تعرفين...)
عادت تنظر له بعينيها... معذبتاه و منجيتاه.. لو قضى عمره كله ينظر بداخلهما لن يمل... خرج من شروده داخل فلكها الخاص حينما سمع صوتها المهزوز...
(يجب أن أذهب... لقد تأخرت)
كادت يده تمتد ليوقفها قليلا فهو لم يشبع بعد من رؤيتها لكن هذه الصافرة الخاصة به و بأصدقائه اوقفته... نظر تجاه بيت الحاج سليمان ليجد كرم يؤشر برأسه ناحية المسجد فأومأ له و حرك رأسه بأن يسبقه... عاد ينظر في ظل هذه التي هرولت حيث بيتها لتختفي بداخله... ابتسم بسمة قصيرة ليهمس بخفوت متذكرا عينيها الآسرة...
(بحياتك يا ولدي امرأة عيناها سبحان المعبود... سبحان المعبود)
****************
(هل أنتِ ولي أمره؟)
سؤال المعلم لها مع نظرة عينه المشككة جعلتها تعدل من غطاء رأسها لتجيب بهدوء... تعرف هيئتها الصغيرة لا تعطيها عمرها الحقيقي... لكنها رغم كل شيء طبيبة أوشكت على بلوغ الثلاثين..
(نعم... أنا أخته الكبيرة)
اخرجت بطاقة هويتها تضعها أمامه على مكتبه... حملها هو يقرأ معلوماتها لتتسع عيناه برضا بعد مرورها على خانة العمل... هز المعلم رأسه بتفهم ليعود ينظر في ملف ما ثم عاد ببصره لها قائلا...
(أخاكِ دخل في مشاجرة مع اصدقائه و تم استدعاء ولي أمره لكنه لم يحضر لذا جددنا الاستدعاء...)
همست بصوت خافت متعب...
(ربما لم يصل الاستدعاء الاول للبيت... هل يمكنني معرفة سبب الشجار؟)
عاد المعلم ينظر للملف أمامه قائلا بإرهاق...
(السبب هو نتيجة مباراة بين فريقي كرة القدم.. حماس شباب ليس أكثر لكن طريقة النقاش كانت خاطئة)
آه غير مسموعة خرجت من بين شفتيها لتعبر عن تعبها... لكنها ابتسمت للمعلم برتابة تقول...
(اعتذر جدا عن سوء تصرف أخي و اعدك أننا سنؤدبه على هذا...)
اومأ لها المعلم قائلا بصوت هادئ...
(عليكم فعل هذا كي ينتبه لدروسه جيدا و يلتحق بكلية مرموقة مثلكِ...)
زفرت بقنوط حينما تم فتح هذا الأمر... تكره هذا التفكير بكل روحها... لكنها صبغت بسمة مفتعلة على شفتيها تهز رأسها بموافقة لتنهي هذا الجدال الذي يزيد تعبها... خرجت من غرفة المعلمين لتجد أخاها ينتظرها بالخارج و وجهه محمل بالحرج... تقدمت منه لتسمعه يسألها برعونة...
(لماذا أنتِ هنا و أين أبي؟)
آه يا أكمل أنا نفسي أسأل لماذا أنا هنا... لماذا اتحمل هذا الدور من الأساس... لكنها سحبته تتعلق بيده و يتحركان تجاه باب المدرسة تقول ببسمة واهية...
(هل تكره تواجدي يا ولد؟!...)
غمغم بخفوت حرج يقول...
(ليس كذلك... لكن أنا اصبحت شابا لا يليق أن تهتم بأمري أختي الكبيرة!)
اهتزت بسمتها فوق شفتيها لتسحب نفسها بقوة و تهمس...
(بالتأكيد أبي عاد من العمل مرهقا لذا لم يقوَ على القدوم)
عدل أكمل حقيبته فوق كتفه ليتكلم بخفوت...
(أيًا يكن لا أريد أن يستهزأ بي اصدقائي بسبب تواجدكِ)
فلتت منها ضحكة صغيرة حانية.. لقد كبر أكمل و أصبح يهتم بمظهره العام أمام اصدقائه... شددت من تعلقها في ذراعه لتقول بمرح...
(حسنا يا أكمل كما تريد...هيا نسرع كي ننهي طلبات البيت من السوق)
صدر صوت رفضه العالي ليقول مغلوبا على أمره...
(يا لسوء حظك يا أكمل!!)
صعدا سلم البناية التي يقطنون بها في هذا الحي البسيط المجاور لحي غسق... يحملان العديد من الأكياس بينما صوت أكمل المرهق و المتذمر يزداد مع كل درجة يخطوها... وقفا أمام باب شقتهم لتفتحه أريج و تدلف تضع الأكياس جواره قائلة بصوت لاهث...
(يكفي ندبا للحظ يا أكمل لقد انتهينا...)
نزع حقيبته يلقيها جوار الأكياس التي تكومت عند الباب ليسرع و يجلس فوق الأريكة المتواجدة في صالة البيت يقول بتأكيد...
(بالطبع انتهينا... أنا فقدت صحتي تماما)
ضحكت بخفوت عليه لتنظر في ارجاء الشقة و تنادي بتعجب...
(أمي لقد عدنا... أين أنتِ؟)
خرجت والدتها من المطبخ بجلبابها البيتي البسيط لتوقف ندائها...
(أنا هنا لا تصيحي هكذا والدكِ لديه صداع و نائم)
هزت أريج رأسها بتفهم لتتحدث بعدها...
(اعتذر... لقد مررت على مدرسة أكمل و جلبنا طلبات البيت بعدها)
تابعت والدتها الأكياس خلفها لتومئ برأسها و تلتفت نحو ابنتها التي قالت...
(سأدخل غرفتي ارتاح قليلا حتى يحين الغداء)
تحركت نحو غرفتها لكن صوت والدتها اوقفها لتغمض عينيها برجاء ألا تخلق جدالا الآن...
(في المساء هاتفي مدرس الأحياء كي يلتحق أخاكِ معه و اطلبي منه تخفيض سعر الحصة له...)
تكورت يدها جانبها تعتصرها و تكتم انفعالها بها... التفتت لوالدتها تتكلم بهدوء عكس ما تشعر به...
(و لماذا لا يتصل به أكمل؟!)
أسرع أخاها يقول بحرج قاطعا سؤالها...
(أنا لا أعرف كيف اتحدث مع المعلمين كما أنه اشعر بالحرج لطلب التخفيض)
عقدت حاجبيها بتعجب تسأله...
(و أنا لن أشعر بالحرج مثلا؟!!!)
تكلمت والدتها ببساطة و كأنه شيء عادي يجب عليها فعله...
(لقد فعلتها من قبل لنفسكِ أيام المدرسة لا ضير بأن تفعليها لأخيكِ)
احتقنت عيناها بنظرة مغلوبة على امرها لتهتف بحدة غير مقصودة...
(لقد فعلتها من تلقاء نفسي حينما وجدت أن مصاريفي كثيرة و دخل أبي لا يكفي... فعلتها محرجة يا أمي)
تخصرت والدتها لتقول بدهشة...
(و ما بها لو فعلتها من أجل أخيكِ هو يتحرج من فعلها!!)
ابتلعت ريقها تهمس بخفوت بعدما اسبلت اهدابها...
(أنا لست والدته و لا والده... هاتفي أنتِ المعلم)
حان وقت حديث كل مرة تحاول فيها توضيح الامر... أنها ابنتهما كما أكمل و أنها لو حملت مسؤوليتها الخاصة في سن صغير لا يعني أنها مجبرة على تحمل مسؤولية أخيها... لقد تعبت من كل هذا على مدار سنوات تعبت بشدة...
(تعرفين أنني لا أعرف كيف اتواصل مع المعلمين و أنكِ الأنسب لفعلها و إلا لماذا كنا نعلمكِ... كي تنفعينا و تنفعين أخاكِ الصغير)
كبحت رغبة ملحة في البكاء... كبحتها بصعوبة و هي تتلقى نفس الكلام... منذ كبرت و هي تتحمل كل شيء... أين والداها من كل هذا؟!... هل التربية تكمن في المأكل و الملبس؟!... هل يتزوج الناس لينجبوا و يتركوا أولادهم يشقوا طريقهم في الحياة بنفسهم؟!... بلا نصائح بلا ارشادات ظنا بأنهم هكذا يربون!!!... بئس زواجا كهذا و بئس تفكيرا كهذا!!...
و كالعادة و كلما تيقنت من أن حديثها لا يصل لعقولهم همست بخنوع...
(حاضر أمي سأفعلها...)
تحركت مسرعة الخطى لغرفتها تغلق الباب خلفها و تستند برأسها عليه مغمضة العينين... متى سينتهي كل هذا؟!... متى ستعيش حياة لا مسؤولية و لا حمل ليس حملها بها؟!... هل كل الأخوة الكبار يتحملون اخوتهم الاصغر كما تفعل هي؟!... لا فهناك صديقاتها يعشن الحياة في كنف أهلهن و كأنهن ذوات الخمسة عشر عاما... يسافرن و يمزحن و يرفهن عن نفسهن... و هي تحمل حمل والديها لماذا؟!... لو كانا يقوما بمهامهما و هي تساعد لا بأس فهذا بر والدين لكن... هي تأخذ أدوراهما كاملة... اتجهت نحو مكتبها الصغير في منتصف الغرفة... ستهرب من ضغوطها لراحتها كي تجدد طاقتها و تخرج من هنا كأن لم يحدث شيء... هي بنفسها ستقوم معتمدة على نفسها ككل مرة... فتحت درج مكتبها تنظر لعلبة الألوان بداخله "حلمها البعيد" و تبتسم بسمة ممتزجة بدموع عينيها...
(تقبل الله يا شيخ كرم...)
قالها أيوب اثناء خروجه من المسجد بعد اداء صلاة العصر مع صديقه... انحنى كرم يرتدي حذائه قائلا ببسمة صغيرة...
(منا و منكم يا حاج أيوب...)
انتظره أيوب حتى استقام ثم مد ذراعه يحاوط رقبته كعادته و يتحركان في الشارع بينما يقول...
(يبدو أن أنور لم يعد بعد من الميناء!)
أزاح كرم ذراع صديقه ليبتعد عنه قليلا مؤشرا بسبابته كحركة تحذيرية بألا يقترب قائلا...
(يا أخي ابعد ذراعك اللزجة هذه عني...)
ضحك أيوب بقوة يقول...
(يا كروم اتمنى ان أعرف لماذا تعاملني كحب الهيل أسفل ضرسك هكذا؟!)
ضحك كرم بخفة يهز رأسه بيأس قائلا...
(ثقيل الدم بلا منازع...)
وضع أيوب كفيه في جيبي بنطاله يحرك حاجبيه بإغاظة قائلا...
(و ها هي كفي التي طالت رقبة معاليك اخفيناها...أخبرني الآن هل سنذهب للميناء أم أعود للبيت أتناول البط المحمر الذي أعدته أم أيوب اليوم)
تحدث كرم ببسمة من حركات صديقه...
(سأذهب لكن لو تحب أن تبقى هنا مع بط أم أيوب أبقَ... في الأساس لن اتأخر هناك سأتابع وضع الأسماك و أعود مع الحاج للغداء)
هز أيوب رأسه متفهما ليبتسم بسمة متسعة قائلا...
(و الله كلك كرم يا كروم... اعفني أنا من الذهاب لأنني ضعيف أمام بط أم أيوب...)
ضحك كرم بخفوت و قد نوى قول شيء لكن ظهورها أوقفه... تتحرك في فستانها القطني الملائم لحر الصيف و الذي استبدلت بلوزتها به بعدما ابتلت في الصباح بينما يتدلى المعطف الطبي من فوق ذراعيها... عيناه احتلتها نظرة الغموض التي لا تسمح لشخص معرفة فيما يفكر و هو يتابع مشيتها... ظهور سوسكا خلفها بقليل جعله يحرك رأسه آمرا إياه أن يتقدم منه... و قد فعل ليبدأ بسؤاله...
(هل كل شيء بخير؟)
اومأ سوسكا برأسه يتحدث بصدر يعلو و يهبط...
(نعم أخي كرم كله بخير....)
ضربه أيوب بخفة خلف عنقه يسأله بتعجب...
(هل كنت تركض خلفها؟!)
نظر له سوسكا بتعب يقول...
(يا ليت كنا نركض كنت سأعود منتصرا... لكن "ست الدكتورة" تمشي كالعسكري بسرعة و انضباط يجعلني اهرول خلفها لا أعرف هل أمشي أم أركض... و خوفا من أن تلاحظني أسير مثلها تماما)
ضحك أيوب عاليا ليعاود ضربه بخفة خلف عنقه قائلا...
(طر خلفها أسهل لك...)
ضيق سوسكا عينيه بغباء لتزداد ضحكة أيوب موضحا...
(ألا تعرف كيف تطير يا سوسكا؟)
ضحك بدوره على مزحة أيوب ليغمز له قائلا...
(كيف لا اعرف يا أخي أيوب... لحظة الصق جناحين و ارفرف خلفها)
تبادلا الضحك فيما بينهما بينما تابعها كرم حتى دلفت البيت الذي تسكنه... عاد ببصره لسوسكا يقول بود رغم جمود ملامحه...
(أصعد لأم خالد يا سوسكا قبل أن تعود لبيتك)
تنحنح سوسكا بحرج مختلط بشكر بعدما فهم مغزى حديث كرم... ابتسم بامتنان يقول...
(سلمت لنا الحاجة أم خالد يا أخي لكني... لست جائعا)
نظر أيوب لكرم قليلا ليقول بعدما أحاط عنق سوسكا بذراعه بتأكيد...
(أذهب أنت يا كرم و أنا و سوسكا سننسف بط أم أيوب الليلة)
حاول سوسكا الاعتراض لكن أيوب سحبه معه تجاه بيته يقول برفض...
(و لا كلمة يا ولد... بط أم أيوب ينتظرك منذ الصباح و إن لم تأتِ معي ستحرمني خالتك أم أيوب من الطعام و وقتها لن أرحمك)
تابعهما كرم حتى ولج أيوب بيته بصحبة سوسكا ليسحب نفسا عميقا و يتجه ناحية طريق الميناء البعيد قليلا عن حيّهم...
****************
(ماذا سنفعل بالشادر الغربي يا حاج؟!... لا يجوز تركه فارغا هكذا منذ ثمان سنوات!)
وقف خالد أمام مكتب والده يسأله بتعجب من ترك هذا المكان تحديدا فارغا رغم حاجتهم لمساحة أكبر لتخزين الأسماك و بيعها... قبض سليمان على رأس عكازه يقول بهدوء...
(الشادر الغربي لن نستخدمه يا خالد كم مرة سأقولها!)
تحدث خالد برفض يقول...
(يا حاج أنه حقنا و الكل يعرف هذا... و نحن خير كفيل بحمايته لو حدث ما تخشاه)
اغمض سليمان عينيه لثوان لينهي حديث ابنه الغير مجدي... بينما تدخل صالح بسرعة موجها حديثه لأخيه...
(لن نختلف أن الشادر الغربي حقنا لكن لا تنسى كيف أخذناه يا خالد...)
نظرة عين خالد لأخيه كانت غاضبة و صوته أكد هذا حينما هدر...
(و كيف أخذناه؟!... أليس هذا ما اتفق عليه الرجال قبل ثمان سنوات حينما ضحك داغر على أخيك الصغير ... حينها قضى أمرهم أن يتنازل ممدوح السمري عن الشادر الغربي لأبي كي نحقن دماء كانت ستراق في حيّنا و الأحياء المجاورة)
أسرع صالح ليوضح الأمر حينما لمح نظرة عين والده الغير راضية بعدما فتحها ليتابع حديث ابنه الكبير...
(يا خالد لا تنسى أن هذا الشادر هو أكبر ممتلكاتهم هنا في الميناء و أن ابنائه رفضوا الرضوخ لكلام الرجال و حاولوا حرقه كي لا ننتفع به...)
صاح خالد بقوة يقول...
(و فشلوا بعدما اوقفناهم عند حدهم... هل سنترك الشادر هكذا زينة و نحن نحتاجه في العمل)
وقفة والده جعلته ينهي حديثه بسرعة يتابع تحركه من خلف مكتبه ليقف أمامه... أنزل عينيه للأسفل في أدبٍ كما فعل صالح ليستمع لصوته الرزين...
(أعرف أنك تهتم لأمر العمل و تسعى لتوسيع رزقنا يا خالد... لكن بني لا تجعل هذا يعمي عينيك عن حقيقة أن هذا الشادر لعنة اُلصقت بنا و ليس فائدة بالمرة)
رفع خالد عينيه في وجه والده يقول برفض...
(يا أبي أنا و رجالي كفيلين لتصدي عائلة السمري لو فقط حاولوا اللعب بذيلهم معنا)
ضرب والده الأرض بعكازه ليقول بحزم مؤكد...
(و أنا في غنى عن مال سيجعلني أخسر دماء ابنائي أو العاملين معي...)
طحن خالد ضروسه ليهمس كمحاولة أخيرة...
(يا حاج ممدوح السمري الآن غير قبل لقد هزمه الزمن بعدما خسر ابنه مظهر في مشاجرة قبل سنوات و دخل داغر السجن بعدها...)
ضيق سليمان ما بين حاجبيه يقول بنبرة تساؤل مستنكرا...
(و هل نحن من يستغل الناس في ضعفهم يا خالد؟!...)
أسرع خالد يقول بنفي...
(حاشا لله يا أبي... لكن)
رفع سليمان كفه يضغط على كتف ابنه بقوة مقصودة ليقول...
(لا تغتر بقوتك يا خالد فالدنيا دوارة... هذا الشادر نحن لا نحتاجه و كي تطمئن لقد رشح صالح فكرة فتح الشادرين المجاورين له و توسيع مساحة للتخزين و البيع)
زفر خالد بقنوط ليهمس خاضعا...
(كما تريد يا أبي)
انزل سليمان كفه عن كتف ابنه لينظر له و لصالح قائلا...
(رضي الله عنكما بني... هيا تجهزا لنعود للبيت وقت الغداء أصبح قريبا)
اومآ له و خرجا من المكتب بينما هو عاد ليجلس على كرسيه خلف مكتبه يستند على عصاه قائلا بشرود...
(و كأن صمت ابناء السمري ضعف... أنا أكثر الناس فهما بهم هم فقط يختبئون حتى يحين وقت الظهور)
قطع شروده دخول كرم عليه الذي أسرع من فوره و تقدم منه يقبل يده... ابتسم سليمان بهدوء ليربت على كتف ابنه بمحبة قائلا...
(يا مرحب بالكرم... حمدا لله على سلامتك)
ابتسم كرم ليجلس قبالة والده بعدما اشار له قائلا...
(سلمك الله من كل شر يا حاج... كيف صحتك؟)
هز سليمان رأسه بهدوء يقول...
(بخير بني... ما شاء الله عودتك هذه المرة مليئة بالخيرات)
اطرق كرم برأسه قليلا ليمتلئ قلبه فخر قائلا بصدق...
(هذا من فضل الله يا أبي... جاد علينا بالكثير الحمد لله)
تمتم سليمان خلفه بتأكيد...
(الحمد لله...)
ثم نظر لأبنه قليلا ليقترب من مكتبه فاتحا أمرا هاما ود مناقشته فيه منذ فترة لكن العمل دوما يلهيه...
(ألم تنوي الزواج بعد يا كرم؟!)
ارتفعت عيناه للأمام لينظر في الفراغ المقابل له لثوان... صامتا ساكنا يستمع لحديث والده... هل والده يفكر في تزويجه؟!... التفتت رأسه له يقول ببسمة صغيرة...
(لم أفكر بشكل جدي في الأمر يا أبي...)
هز والده رأسه متفهما ليقول...
(أعرف أنك لم تفكر فيه لكن العمر يجري و والدتك تريد أن تطمئن عليك)
ضحك بخفوت يقول...
(أدام الله عليكما الصحة يا أبي... لكن هذا الخوف يجب أن يكون من أجل فاطمة و ليس أنا)
عاد والده بظهره للخلف يقول...
(والدتك تخشى عليك من البحر دوما لذا خوفها عليك أكثر من خوفها على فاطمة)
اتسعت بسمة كرم ليتحدث بأدبٍ موضحا رأيه...
(و الله يا أبي عقلي لا يهتم سوى بالعمل فقط... لكن حينما أجد ابنة الحلال سأخبركم)
ابتسم والده لدخول ابنه في صلب الموضوع فقال برويةٍ...
(و لكن ابنة الحلال موجودة...)
عقد كرم حاجبيه بتعجب يسأله...
(من تقصد يا أبي؟!)
سحب سليمان نفسه و شعور يملئ صدره بأنه حان وقت تسليم الأمانة لمن يستحقها ...
(هدير ابنة عمك عبد الصبور رحمه الله)
تسمر بكليته داخل كرسيه و هو ينظر لوالده... هدير ابنة قريب والده الذي مات في رحلة صيد قبل سنوات طويلة... ليعول والده اسرته الصغيرة المكونة من زوجته و ابنته... هل كان يفكر كل هذه السنوات بأن يزوجه ابنة عبد الصبور؟!!!... صوت والده أخرجه من تفكيره فهز رأسه ليفيق و يسمعه...
(ما رأيك بني؟... أرى أنها فتاة طيبة و تربت تحت أعيننا)
انفاسه غصبا خرجت عالية قليلا و لكنه حافظ عليها ليقول بهدوء...
(دعنا نطمئن على فاطمة الأول يا أبي فيبدو سيُطرق بابنا من أجلها قريبا و بعدها نفكر في زواجي)
عقد سليمان حاجبيه يسأله...
(و هل هناك من تقدم لأختك؟)
ابتسم بصفاء يقول...
(لقد كبرت فاطمة يا أبي...)
لم يغفل عن لمعة الحنان في عين والده و لكنه حافظ على هيبته ليقف قائلا...
(كلكم كبرتم يا كرم... الحمد لله الذي لم يذرني فردا و هو خير الوارثين)
تحرك لباب مكتبه المتواجد في الشادر القريب من الميناء قائلا...
(هيا بني لنعود للبيت...)
اومأ له كرم ببسمة تلاشت حينما خرج والده... لم يكن يتوقع أن يفاتحه أحد في أمر الزواج الآن... تنهد بتثاقل متجها ناحية الباب بنظرة عين متخمة بالكثير من المشاعر المختبئة خلف غموض يحجب ما يعتمل صدره عن البشر...والده يعيد تذكيره بشكل غير مباشر بأن ما يريده لن يحدث ابدا... همس بصوت خافت بطيء ...
(و كأنني كنت غافلا عن كونه مستحيلا!!!)