📁 آخر الروايات

رواية لقياك لي المأوي الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم اية احمد

رواية لقياك لي المأوي الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم اية احمد



الفصل الثالث و العشرون




المشفى...
خرج من غرفة الفحص الخاصة به ينزع قناع الوجه الطبي بغضب ليظهر التوجع على ملامحه...رفع كفه الأيمن أمام ناظريه يرى اثار اسنان حوت صغير اخترقت قفازه الطبي و مغروسة في لحم اصبعه...جز فوق ضروسه يلعن في هذا الطفل الأشبه بكرة منفوخة تتدحرج على أرضية اسفلتية...يعرف ان الناس يرون طبيب الانسان كسفاح و يرتعدون منه و بالأخص الاطفال لكن أن ينهش هذا الولد اصبعه هكذا كي لا يخلع ضرسه لشيء فاق المحتمل...سمع صوت فتح الباب فالتفت لتتراشق النظرات الغاضبة منه و المهددة من الولد...فمه المختفي وسط خدين سمينين كوسادتين محشوتين اسفنج تدلى منه قطنة بيضاء تدل على انتصاره في خلع الضرس...زمجر الولد بينما يكور قبضته محاولا الاقتراب من كاظم و لكمه لكن امه و الممرضة احكمتا الطوق عليه...برطم الصغير بصوت متحشرج بشيء ما لم يلتقط منه كاظم سوى...
(سأريك أيها الدكتور الأبله...)
سحبته أمه بصعوبة تعتذر من كاظم بلطف و توبخ صغيرها ليرد عليها كاظم ببسمة مجبرة و كم يود حمل هذا الكائن إذا تمكن من حمله اساسا و ربطه في كرسي الفحص و خلع كل أسنانه ليعرف ان الله حق...انتبه لضحكة الممرضة المكتومة خلفه فالتفت يعدل من وضع معطفه الطبي قائلا في محاولة لحفظ ماء وجهه...
(نحمد الله أنه احتفظ بلقبي اثناء السب...تدرين لو سبني دون لقب دكتور كنت سأتصرف تصرفا مختلفا)
تحشرج صوت الممرضة لتقول بضحكة لم تتحكم بها...
(واضح دكتور واضح...)
تنحنح بحرج يعيد هيبة نفسه قائلا بأمر...
(هل سنقف و نتسامر هيا للداخل لتجهزي غرفة الكشف و المريض التالي...)
اومأت له تداري ضحكتها و تدلف مطيعة أمره...تنهد بضجر ليرفع اصبعه ينفخ فيه باعتذار عما حدث له...صدح رنين هاتفه فأدخل يده السليمة يلتقطه من جيب معطفه فوجد اسم والدته عليه...فتح الخط ليصله صوتها المتقطع و كأنها كانت تعدو في سباق...
(كاظم حبيبي أين أنت الآن؟!)
جوابه كان بديهيا بسيطا...
(في المشفى أمي...)
لكنه لم يكن هكذا عند والدته التي شهقت بجزع تسأله بلهفة...
(ماذا اصابك و في أي مشفى أنت؟!!!)
اغمض عينيه ببطء يجيب بتريث يمنحها كل العذر في قلقها عليه فهو ابنها الوحيد...
(بالله عليك أمي هل أنا مهندس مدني!!!...أنا طبيب أمي و الطبيب يعمل في المشفى)
زالت اللهفة و انقشع الخوف عليه ليتبدلا الى توبيخ غاضب...
(ألم اخبرك بأن تقول مكان عملي بدلا من المشفى تعرف أنني اقلق عليك و أنت مثل التيس تلقيها في وجهي كل مرة و ترعبني عليك!)
استند على الحائط خلفه يناقشها بطول بال عجيب و كأنه اعتاد على كل هذا...
(قلتها بلسانك أمي "كل مرة" ألا يعني هذا أن العيب ليس من عندي؟!)
جعد ما بين حاجبيه يتلقى توبيخا آخر سيرتقي الى خصام و حرمان من الغداء لذا اسرع يتدارك الموقف متسائلا بفضول مزيف...
(لا بأس أمي أنا تيس و حمار ايضا لكن ألن تخبريني عن سبب اتصالك في بداية يوم عملي اللطيف؟!)
كلمته الأخيرة قالها بقرف بينما يناظر اصبعه المتألم...صوت تعجب امه من نسيانها اصل الاتصال وصله عاليا و بعدها لم يفقه كيف تداخلت في لمح البصر عماته و خالته و بناتهن معهما...ابتعد عن الحائط يجلي صوته بتردد خشن ليسطر على صوتهن الحاد قائلا...
(لحظة من فضلكن سيداتي من أين اتيتن انتن؟!!!!)
وصله صوت عمته السعيد...
(انها مكالمة جماعية يا زوما...)
بينما خالته تقول...
(اتفقنا أن نتحدث معك عبر الهاتف لأنك لا ترد على رسائلنا في مجموعة الدردشة)
همهم بهمس نزق...
(يبدو سأحظركن من على الهاتف ايضا...)
وصله صوت أمه الجاد بطريقة نادرة الحدوث تقول...
(كاظم نود مناقشة موضوع هام جدا معك...)
ضيق عينيه يرفع معصم يده اليمنى يراقب xxxxب الساعة التي تكافح لتصل الى الحادية عشر صباحا فسألها ببلاهة...
(موضوع هام جدا يُناقش عبر الهاتف في الحادية عشر صباحا و أنا لم اترك البيت سوى من ساعتين فقط!!!...أمي ماذا هناك؟!!!)
اسرعت عمة من عماته تقول بفخر...
(خير يا زوما لقد وجدت لك عروسا كاملة في كل شيء افضل من العروس التي اختارتها خالتك الشهر الماضي...)
احتدام كلامي متواصل هو كل ما يسمعه عبر الهاتف تقف فيه خالته و عماته كصفين متقابلين من الاعداء و كل منهن تشجع اخواتها...صاح فيهن بإرهاق متعب مما يفتعلنه
(وقت مستقطع توقفن رجاء...هل تمزحن معي على بكرة الصباح؟!!!)
اصواتهن خفتت ليبقى تنفسهن هو ما يسمعه...بعد ثوان مجرد ثوان تكلمت خالته بتشجيع للقبول...
(بغض النظر عن طول لسان عمتك إلا ان العروس هذه المرة لا تعليق عليها...و الله يا كاظم لولا انك اصغر الابناء لكنا زوجناك احدى بناتنا لكنه النصيب...)
(الحمد لله...)
حمده الصادق و السعيد جعلهن يتهامسن بعدم فهم طلب منه التوضيح كي لا يحزنن...
(اقصد الحمد لله أنني لم أُحرم من نعمة الأخوة...ان يكون لي أثنا عشرة ابنة عمة و خالة كأخوات هذا شيء عظيم)
تنهدت والدته برفض لما يحصل فسألته بضيق...
(ولد يا كاظم لا تلهينا في الحديث و أخبرنا ألا تريد أن تستقر بعد؟!!!)
هل هذا الوقت المناسب؟!!!...ود لو يسألهن حقا هذا السؤال لكنه استبدله بإجابة ثقيلة الظل يعرف هذا جيدا لكنه في هذه اللحظة يحلم بتوبيخ و غلق الخط في وجهه ليعود الى عمله أرحم...
(لحظة واحدة أمي سأفقد الكترونا و استقر...)
لولا ضحكات بنات العمات و الخالات لظن انه سمع صوت صرصور الحقل...تساءلت عمته بجهل لقصده...
(ماذا تقصد بفقد الكترون هذا؟!!!)
تولت احدى الفتيات الإجابة و هي لا تتمالك نفسها من الضحك...
(هذا شيء يحدث في العناصر الفلزية كالمعادن خالتي...)
(و ما دخل المعادن بالزواج...)
(كل ما أعرفه أنه يجب ان يكون معدن الناس أصيل ربما يقصد أن نسأل جيدا على العروس قبل خطوة الارتباط...)
(ما الذي تقولونه بالله عليكن ما دخل الكيمياء و توزيع الإلكترونات بالسمعة و الأصل...)
(زوما اخبرنا أي فلز هو أنت؟!!!)
لو رمى الهاتف اسفل قدمه و سحقه بكل غيظ لن يلومه أحد أليس كذلك؟!...زفر بحنق متعب يجول ببصره في كل مكان يبحث في عقله عن فرصة يهرب بها منهن حتى وجدها أمامه...ليست الفرصة بل الجميلة الهاربة!!...تتهادى في مشيتها الناعمة داخل معطفها الطبي و شعرها يتأرجح يمنة و يسرى ليسيطر على عينيه...انها ديما احد المتنمرين على اسمه و الشخص الاول الذي لطخ معطفه بالقهوة...لا يتذكر حقا كم مرة حاول ان يصل اليها بعد موقفها معه لكنها بمجرد ان تلمحه تهرب...لذا قرر ان يراقبها من بعيد لبعيد ينتهز الفرصة المناسبة ليرد لها ما فعلته به لكنه لم يكن يعرف بأنه سيعجب بها بدلا من ذلك...سؤال ابنة خالته الأخير كان اخر ما سمعه بإنصات فأجاب عليها ببسمة سعيدة و هو يراقب ديما المنغمسة تماما في اوراقها...
(لست فلز بل أنا غاز نبيل رضي بإلكتروناته و تشبع بها فلا يرفضها و لا يقبل سواها...هي فقط من تعجبني)
و عند المصعد وقفت ديما تقلب في الاوراق بغضب تهمهم...
(ما لي أنا بشأن المؤتمرات الصحفية لماذا يحشرونني في كل شيء هنا و كأن المشفى مشفى أبي...)
توقفت للحظة بصمت تتأوه بتعب...
(آه لكنها مشفى أبي حقا!...)
وصل المصعد و فتح بابه لها فألقت بنفسها داخله تهمهم بتذمر سرق نظرات كاظم المعجبة كليا...
وصل المصعد الى طابق مكتب مؤيد فخرجت منه متجه مباشرةً اليه...دقت الباب و انتظرت إذنه ثم ولجت...تقدمت من مكتبه تضع الأوراق قائلة...
(لقد تمت مراجعة كل الأوراق الخاصة بالصيدلية هنا)
اخذهم مؤيد منها بعملية يسألها...
(هل وقع عليهم رئيس قسم الصيدلة الإكلينيكية؟!)
هزت رأسها بنعم تؤكد اتمام الأمر على اكمل وجه...عيناه تعلقتا بالأوراق يراجعها بسرعة فتنحنحت هي تقول...
(هكذا انتهت مهمتي سأذهب أنا....)
تراجعت بخطوات سريعة تهرب من أي مهمة جديدة لكنه اوقفها بأمر...
(توقفي هل سمحت لك بالذهاب؟!)
(مؤيد أنا....)
(دكتور مؤيد يا دكتورة ديما نحن بالمشفى....)
تصحيحه خرج بصوت جامد فلم تعرف أهو تصحيح ام توبيخ...هزت رأسها بتفهم تعتذر و توضح وجهة نظرها...
(آسفة دكتور مؤيد...لكنني حقا تعبت من كثرة الأوراق و المراجعة هذا ليس عملي انه من اختصاص ادارة المشفى)
ترك الأوراق فوق المكتب يتراجع بظهره يستند على كرسيه قائلا بثبات...
(التعب كلمة لا أريد سماعها من العاملين هنا...يبدو انك نسيتِ انها مشفى والدك و عليك التعامل كمسؤول لا مجرد فرد من طاقمها...المؤتمر الصحفي القادم مهم جدا لنا و يجب ان تخرج كل معلوماتنا صحيحة و دقيقة لأننا اصبحنا محط انظار دولية لن اسمح بأن تبتعد عنا...)
لوهلة شعرت بالانشداه من تمكنه و ثقته التي لا مثيل لها...تتذكر اياما من الماضي حينما كانت ذات الخمسة عشرة سنة تلك الفترة هي اخر ذكريات لمؤيد ابن عمها الشاب المرح العابث و الحنون...لا تنسى مزحه معها كلما أتى زيارة من الخارج و لهوه مع الكبير و الصغير حتى أمر عمها أمره القاطع ليسحب من مؤيد كل الحنان و الدفء و يمنحه البرودة و الجمود...رمشت مرات متتالية حينما قصف صوته برج شرودها فضيقت عينيها تتساءل...
(عفوا دكتور مؤيد لم اسمعك)
اعتدل في جلسته يقترب من المكتب و يعاود تناول الاوراق بين يديه قائلا ببرود...
(انصتي جيدا لأنني نادرا ما اعيد حديثي...ما قلته انك ستكونين ضمن فريق المشفى الذي سيتولى امر المؤتمر)
(أي فريق؟!!)
سؤالها خرج بنبرة البكاء لكنه لم يهتم و هو يوضح....
(فريق مكون من عدة اطباء و عاملين من كل اقسام المشفى سيمثلنا في المؤتمر معي...و أنتِ قائده)
خرجت تغلق باب مكتبه بوجه حزين للغاية...لو هربت من هنا هل سيتهمها احدهم بالجنون؟!...لا تحب المهام ابدا فما بال ان تكون مسؤولة عن أناس ربما اكبر منها عمرا أمام حدث كبير كالمؤتمر...همهمت بنزق متضايقة لأبعد حد...
(هل أدعو عليه و أرتاح أم أدعو على القائمين على هذا المؤتمر الشؤم؟!!!!)
(هل تحدثين نفسك ديما؟!)
سؤال أريج المتعجب جعلها تزفر ببؤس و تقول...
(بل أحاول ان ادعو على زوجك أريج)
ضيقت أريج عينيها تسألها بعدم فهم رغم ان وجه ديما في هذه اللحظة يدغدغ مركز الضحك في عقلها جدا...
(ماذا فعل لك مجددا؟!)
تأففت ديما تشوح بيدها بغضب قائلة...
(بل قولي ماذا لم يفعل!...لقد حملني مسؤولية المؤتمر الصحفي و جعلني قائدة للفريق الذي سيمثل المشفى امامهم)
تكلمت أريج بعملية تحاول ان تفهمها صحة الأمور...
(أعرف أنها مهمة كبيرة و ربما مخيفة خاصة و انها ستكون تحت متابعة دولية لكن ألا ترين انك انسب شخص لها...أنتِ ابنة صاحب هذا المكان تواجدك في الصورة مهم جدا و أكيد ستتعلمين الكثير الذي سيزيد خبرتك ديما)
ناظرتها ديما ببلاهة تقول...
(يا الهي اصبحتِ تتحدثين مثله تماما...هل بهت عليك بعد الزواج أريج؟!)
ما حدث لها للتو لم يكن مبررا أبدا!!...هذا الشعور بالألفة لسماعها ما سمعته من ديما غريب...هذه البسمة التي تلح لتظهر عجيبة!!...سألتها بفضول انثوي لم تعرف من أين اتى حقا...
(هل هذا رأي مؤيد ايضا؟!)
(دكتور مؤيد من فضلك نحن بالمشفى...)
تصحيح ديما بهذه النبرة الباردة و تقليدها لمؤيد جعلا أريج تضحك بخفة قائلة...
(من منا التي بهت عليها حضرة المدير الثلجي؟!)
ابتسمت ديما تزيح عن بالها تعب و شقاء قادم لتهمهم...
(ماضيا اعترف اما حاضرا فلا أريد ان يبهت علي ابدا)
توقفت أريج عن الضحك تسألها بترقب...
(ماذا تقصدين؟!)
تنهدت ديما بحنين صادق لشبح شاب وسيم مشاكس يُسمى ابن عمها فقالت...
(كان مصدر بهجتي هو سماع خبر قدوم مؤيد من اميركا في اجازة...كنت احب رؤية ضحكته العالية الصاخبة و مزحه الثقيل معي و مع أخي...كنت انبهر حينما اطلب منه شيئا رفضه أبي و يقنعه في غمضة عين و إن سألته كيف فعلها يغمز بسحر ميزه قائلا "انها احدى خدع الساحر")
فغرت أريج فمها بصدمة مصحوبة بعدم تصديق بالمرة...هل تتحدث ديما عن مؤيد المتعجرف...حسنا لقد لمحت فيه لمحة حنان لكنها مخصصة لابنه فأي أب سيحب ابنه مهما كانت طباعه لكن غمز و مزح و سحر هذا العجب بعينه...ودت لو تتأكد بسؤال فضولي لكن رنين هاتف ديما منعها ثم رحيلها المهرول بعدما تلقت مكالمة يستعجلونها للحضور في الصيدلية...وأدت أريج فضولها عن معرفة ذاك المؤيد المرح لتدلف مكتب هذا المؤيد الفظ...توقفت أمام مكتبه تتحدث بهدوء رغم تفحصها له الغريب و الرغبة في مشاهدة غمزة هذه العين الميتة من الشعور...
(اليوم احتاج الخروج باكرا لأحضّر يائيل لأجل ميعاد طبيبه...)
ترك الأوراق ينظر لها باهتمام...هذه اول مرة ستزور معهما طبيب ابنه...لقد شدد عليه بألا يتيح لها معرفة كل شيء...لا يجب أن تعرف كل شيء بل عليها معرفة ما يخص حالة ابنه...لكنه يخشى من كثرة تساؤلاتها للطبيب بأن تصل لطرف خيط يود لو يحرقه كي لا يفك عقدة الماضي احدا فتجر في ذيلها اشياء دفع هو و ابنه ثمنها غاليا...بصوت هادئ و نظرة عين جامدة لا تنم على شيء قال...
(حسنا يمكنك الخروج باكرا بساعة...و انتظراني عند الرابعة سآتي لأخذكما)
اومأت له بموافقة لتخرج بعدها من مكتبه بينما هو يناظر الباب طويلا ليهمهم بيقين...
(لن تعرف ابدا لن أدعها تعرف...)



في عيادة الطبيب النفسي...
يجلسان متجاورين امام مكتب الطبيب...هو واضعا ساق فوق الأخرى و هي تحمل ابنه فوق ركبتيها و الأخير يتمسك بكفيها كحركة اول مرة يفعلها...و كم اسعدها ان يتحرر و يتفاعل خاصة امام طبيبه ليرى و يشرح مدى تحسن حالته...و بالفعل تعلقت عينا الطبيب بأكف أريج و يائيل ليرفع عينيه اليها قائلا...
(تقدم ملحوظ يفتح لنا باب الأمل...)
ابتسمت أريج بسعادة حقيقية تهمهم بالدعاء المتمني ثم تسأله...
(ما هو تشخيص حالته دكتور؟!)
اتشح الطبيب بالجدية فتراجعت ملامح البشاشة لتحتل مكانها ملامح التكتم ربما هي تزيدها لكنها ليست عمياء كي لا ترى النظرات المتبادلة بينه و بين مؤيد...
(في الواقع نحن لم نصل لمسمى ثابت لحالة يائيل...في البداية افترضنا انها صدمة و بالوقت ستزول لكنها لم تفعل...ثم رجح زملاء لي تم تشخيص يائيل من قِبلهم قبل أن اتابع حالته انه خرس انتقائي معتمدين على انه انتقل من بيئة مختلفة الى هنا و بسبب اختلاف اللغة و ربما تخوفا من الوجوه حوله لكن حالة الولد لا تملك كل دلالات الخرس الانتقائي...و المحير ان كل الأشعة التي أُجريت على المخ توضح ان حالته طبيعية جدا...بالنسبة لي يائيل اختار السكون بإرادته ليهرب من مخاوفه فقطع عقله كل اتصالاته بالعالم الخارجي حاميا نفسه داخل قوقعة وهمية...)
تتابع كل كلمة من الطبيب بتدقيق كبير...تأمر عقلها بأن يعمل شقه الطبي متلقفا كل المصطلحات و التحليلات الى خانة الفهم و الشق الآخر جعلته انسانيا بحتا كأم وضعها القدر في طريق يائيل...بعدما انتهى الطبيب سألته بحيرة
(من أي شيء يهرب طفل في مثل عمره؟!!!)
توترت الأجواء حولها و نظرات مؤيد و الطبيب تزداد غموضا...تنحنح الطبيب ليقول مفسرا
(لا تتعجبي من قدرة العقل البشري حتى لو عقل طفل)
ناظرته بجمود اكتسبته اللحظة من مؤيد لتقول بنبرة شملت شيء من السخرية...
(دكتور أنا أعرف جيدا مدى تعقيد العقل البشري و قدرته و هذا لم يكن سؤالي!!)
تنهد الطبيب بتردد جعلها توقن من ان مؤيد يحكم الطوق حول رقبته كي لا يتكلم...ما به ماضيه ليخفيه عنها بهذه الطريقة المستميتة ؟!!...صوت رنين هاتفه اجبره على ان يخرج من الغرفة ليجيب عليه...لكنه توقف محدثا الطبيب بتحذير صريح غير مهتم بوجودها...
(هذه مكالمة هامة لأجل المؤتمر سأخرج لأجيب...و أنت دكتور أخبرها ما يجب أن تعرفه)
راقبت أريج ظهره حتى خرج فالتفتت سريعا للطبيب تسأله بشك...
(ما الأمر بالضبط دكتور يجب أن اعرف؟!!!)
ناظر الطبيب وجه يائيل الساكن إلا من نظرات خاطفة تؤكد له تقدمه مع أريج...و لأجل مريضه الصغير الذي يعاني سيخبرها بما يجب أن تعرف...
(قبل ثلاثة سنوات تعرض يائيل لحادث و كان صعبا للغاية على قدرة استيعاب طفل بعمر الثلاث سنوات فقط)
تنفسها خبى بألم حقيقي على يائيل...حادث مأسوي و أين كان والديه بحق الله...ترجم لسانها سؤالها فخرج مهزوزا و عيناها اللتان دمعتا خانتاها لتهطل دمعة موجوعة لمشهد مروع يرسمه عقلها و يخبرها بأن هذا ما مر به الطفل المسكين فوق حجرك...
(و أين كان والداه؟!...أين كانت أمه وقتها و أين هي الآن؟!...هل هي على قيد الحياة أم ماتت؟!!!!...)
شعرت بكفي يائيل فوق كفيها ترتعشان لوهلة...لكنها لم تمنح الأمر تفكيرا كثيرا فرغبتها في معرفة سبب ما اصابه يعميها الآن...جواب الطبيب كان مبهما غير مشبعا ابدا
(أي شيء يخص والدته غير مسموح مناقشته إلا مع الدكتور مؤيد هذه اسرار مرضى و لا يمكن ان افشيها...اعذريني دكتورة)
كادت تصرخ به بكل قوتها...لكن قوة تمسك يائيل بكفها اوجعتها حقا فتألمت لتستفيق لما يمر به...خرج الطبيب من خلف مكتبه سريعا يقترب منهما مراقبا تشنج كفي الصغير و تأثر ملامحه بشيء من الألم...تكلم الطبيب بعدم تصديق و سعادة في تحقيق خطوة ايجابية معه...
(هذه أول مرة يتم ذكر الحادث أمامه و يتأثر...حالته تتطور بصورة كبيرة!)
ضمته أريج بجسدها فيداها مكبلتين تحت كفيه...همست له بحنان باكٍ لما يحصل له...
(لا تخف حبيبي لقد زال كل الألم و لن يعود مجددا هذا وعد...لن أسمح بأن يؤذيك أحدهم يائيل)
دلف مؤيد الغرفة بعدما انهى مكالمته لتتسمر خطواته و يساوره شعوران متناقضان يعصفان بروحه...واحد سعيد برؤية ابنه حي امامه يتفاعل و يتأثر و آخر متألم لألمه يريد أن يركض اليه يغمره في حضن دافئ آسف و باكي!!...تدريجيا لاحظ سكون ابنه بينما يتلقى كلمات هامسة من أريج...ماذا فعلت بحياته هذه المرأة؟!...لقد حولتها من مقبرة لا يسكنها إلا الموتى الى جنة بذرت بذور الحياة فيها و ها هي تثمر...صوتها الذي خرج منفعلا رغم محاولتها ان تكون هادئة لأجل يائيل جعل مؤيد يتقبض على كفيه...
(لن اسأل عن الكثير اليوم يكفي ما مر به الصغير...لكنني لن أصمت حتى أعرف ما و من سبب تدمير نفسية طفل مثل يائيل!!!)
بعد وقت قليل...
أصر الطبيب أن يبقوا ليراقب أي تغيير في حالة الطفل لكنه استكان تماما بين احضان أريج بعدما هدهدته بكلمات لم يسمعها سواه فآمن بها و ارتاح متنعما بدفء كدفئها...تحدث الطبيب بنبرة اقرب للهمس كي لا يفزعه...
(ما حصل اليوم ظننته سيحصل بعد سنوات...كل هذا بفضلك دكتورة أريج)
رمقته بنظرة نزقة تهمس هي ايضا..
(هذا بفضل الله من جعلني سببا لأساعده...)
التفتت تراقب وجه مؤيد الذي تسمرت عيناه على جسد ابنه يراقبه بحنان كبير...اكملت همسها و كأنها تسمعهما معا...
(هناك شيء مفقود في الحكاية و سأعرفه لأجل يائيل...)
عينا مؤيد حطتا على عينيها يناظرها بأمر أن تتوقف لكنها تحدته بعنفوان...
(كي اساعده يجب ان اعرف كل صغيرة و كبيرة تتعلق به و بحياته قبل أن ادخلها...تأثره اليوم بعدما ذكرنا ال...الماضي كان مؤلما له و أنا لا أريد أن اؤلمه اكثر...أريد ان اراه طفلا سعيدا متنعما بطفولته)
بعد صمت قطع جلستهم رفضا لطلب أريج انتهت الجلسة اخيرا...حمل مؤيد ابنه الذي غفى و كاد يتحرك الى الباب لولا سؤالها للطبيب...
(من فضلك دكتور هل من الممكن ان ترشح لي اطباء نفسيين يتواصلون مع المرضى عبر الانترنت؟!)
عوج الطبيب فمه بتفكير ليقول...
(هنا في الوطن قليل من يتبع هذا النظام و كي أكون صريحا ليسوا جميعهم متمكنين...لكن بالخارج هناك عدد كبير من الاطباء يجعلون جلساتهم من خلف الشاشة)
تنهدت أريج بخسارة حزينة...لقد ظنت انها ستجد وجهتها هنا لكنها فشلت...بعد سلام صغير منها للطبيب وصلت مع مؤيد و ابنه الى باب السيارة و قبل أن تدلف فاجأها مؤيد بقوله الهادئ...
(اعرف اكثر من طبيب نفسي يتواصل عبر الانترنت مع الحالة سأخبركم عنهم حالما نصل للبيت...فصديقتك غسق تنتظر)
تلعثمت بقوة لتهمس بنفي واهٍ...
(ليس لأجل غسق...)
وضع ابنه في المقعد الخلفية يربط حزام الأمان له ثم يغلق الباب و يتوجه الى بابه يفتحه قائلا ببرود هادئ...
(حسنا...)
ابتلعت ريقها بحرج و توتر و قلق...غسق لا تريد ان يعرف عن حادثها أحد بل انها اشترطت ان تكون جلساتها من خلف شاشة حاسوب كي لا يرى وجهها او المها شخص غريب كالطبيب النفسي...نظرة عينه لها حثتها على الركوب فأسرعت تفتح الباب و تجلس في كرسيها بعقل لا يتوقف عن التفكير هل ستنجح غسق يوما على تخطي ما صار؟!!!..
صباح اليوم التالي...
اثناء قيادته السيارة ليذهبا معا الى المشفى تكلمت أريج بهدوء...
(من فضلك مؤيد اوصلني الى مدرسة أكمل قبل المشفى فهو ينتظرني لأمر يخصه...)
بكلمة واحدة خاوية اجابها...
(أعرف...)
ضيقت عينيها بتعجب تتساءل من أين يعرف و هي لم تخبره عن موعدها مع أخيها...ربما سمع مكالمتها مع أمها قبل أيام بعد محادثتهما المريعة في السيارة أمامه...فضلت الصمت و قتل الفضول بداخلها فهو بجموده هذا يقتل اي شيء فلم تتوقف على الفضول فقط...مرت حوالي ساعة حتى توقفت السيارة أمام باب مدرسة أكمل...نزعت حزام الأمان تتمسك بعتلة الباب تفتحه بينما تشكره بلطف...
(شكرا لك اتعبتك معي...سأنهي أمر أكمل و أعود بسيارة اجرة للمشفى لن اتأخر)
ما قابلها منه كان صمتا مغيظا جعلها تستقيم بغضب و تغلق الباب ببعض الحدة...تحركت من امام السيارة لتدخل المدرسة لكنها فوجئت به يفتح بابه و يخرج...توقفت تسأله بعدم فهم...
(ماذا تفعل أنت؟!)
ببرود شديد جاوبها...
(سأدخل معك لأفهم مشكلة أخيك...)
هذا العرض منه بأن يشارك في حل ازمة ما في حياتها قد يظهر عاديا لكنه ابدا ليس هكذا...ليس من مؤيد الذي لا حياة بداخله و ليس تصديقا بأن هناك شخصا ما يعرض ان يتحمل مسؤولية من مسؤولياتها!!...رمشت بسرعة تستعيد ثباتها فتكلمت بتلعثم توضح له الأمر...
(ليست مشكلة فقط أكمل في سنته النهائية و السنة الماضية قد اختار القسم العلمي لكن درجاته كانت قليلة لذا قرر أن يغير القسم هذه السنة و يختار الأدبي ليلتحق بكلية مرضية)
ابتلعت ريقها مع نظرته المدققة لها بتركيز لتكمل...
(انه يحتاج ولي أمره ليوقع على بعض الاوراق و يبدي موافقته على تغيير القسم و....)
(فهمت...)
كلمته خرجت قاطعة لتوقف سيل كلماتها المهتزة دون سبب مقنع...اشار الى سيارته يقول بهدوء واثق
(عودي الى السيارة و انتظرينا بها حتى انهي كل شيء...)
اتسعت عيناها بعدم تصديق تهمس...
(أنت تنهي ماذا؟!..)
ابعد عينيه عنها يستكمل بنفس النبرة الهادئة...
(هذه الاجراءات تحتاج لرجل حتى تتم بسرعة و يسر...)
اهتزت حدقتاها تناظره بتمني كبير...تتمنى أن يكون هذا هو والدها يقدر كونها فتاة لا تتحمل ما يرميه على عاتقها حتى لو ظن انه سهل و عادي...اسبلت اهدابها للأسفل تداري تأثرها من موقفه الغريب هذا معها...راقبت خطواته تتحرك ناحية باب المدرسة لكنه توقف ليلتفت لها...رفعت بصرها اليه فوجدته يناظرها بطريقة لم تفهما ثم يعود اليها ليستولي على عينيها الدامعتين فيهمس بعجرفة تكرهها...
(لقد كنتي جوار ابني بالأمس عند طبيبه لذا سأكون اليوم جوار أخيك...لا أحب أن أدين لأحد فلا توسعي مجال تفكيرك لأي تفسير آخر لخطوتي هذه...)
و دون انتظار ردها اتخذ خطواته لداخل المدرسة بينما هي تقف تعاني صدمة عصفت بكل مشاعر الامتنان له قبل ثوان...احتدت نظرتها لتهتف بغضب مكتوم...
(يا لك من رجل بارد...)
في جلستها داخل السيارة و التي استمرت لربع ساعة رأت أكمل يخرج من باب المدرسة بمفرده...اشارت له فتوجه للسيارة و ركبها...و فور استقراره على الكرسي قال بنبرة اعجاب...
(يبدو ان اختي باتت زوجة رجل مهم و أنا لا أعرف...زوجك بالداخل كان مهيبا و الكل يسعى ليساعده و قد تمت الأوراق كاملة)
عوجت أريج فمها بضيق لم يزل منذ قصف برج مشاعرها بفظاظته لتقول بسخرية...
(أتخبرني عن طلة مؤيد و سحرها الخاص؟!)
بصرها التقطه يخرج من باب المدرسة بينما المدير شخصيا يخرج خلفه يحدثه باحترام كبير جعلها تكتم ضحكة ملحة...مؤيد اينما يخطو يقلب الموازين لصالحه...همهمت بصوت ممتن رغم كل شيء لتحمله خطوة متعبة و ازاحتها من فوق عاتقها...
(الطبيب الساحر شكرا لك...)
فتح باب سيارته يجلس خلف عجلة القيادة يكلم أخيها بهدوء يرسخ بداخلها حنانه الأبوي...تنهدت بتعب من كثرة التفكير ترى ما هي حكايتك مؤيد؟!!!!





...يتبع...

بعد أيام...
ضوء الصباح المتسلل من خلف ستار نافذة الغرفة و صوت الناس في الحي الذي ينتشر تدريجيا ايقظاه...فتح عينيه و بقي ساكنا لبعض الوقت يراقب مكانها الخالي جواره...امتدت يده يتحسس الجزء الخاص بها من سريره فيستشعر برودته و هذا يعني انها تركته منذ وقت طويل...لملم ذراعه اليه ليستقيم جالسا يحرك كفه بين خصلات شعره بحنق...هذه باتت عادتها ان تتركه نائما و تخرج من السرير لتختفي بالأسفل مع أم أيوب طيلة اليوم...لو تقصد ان تشعره بمثل ما جعلها تشعر فهي الرابحة...فهو نفسه لا يصدق ان هذا الشعور بالضيق موجودا إلا بعدما وضعته هي بدلا عنها في كل موقف جمعهما من قبل...ألم يكن يتركها و هي غافية ليهرب من امام عينيها المتسائلة...زفر بحدة يبعثر شعره بيديه الاثنتين مهمهما...
(تربيني يا مودة على مهلٍ !)
استقام يخرج من السرير بوجه متضايق ليدخل الحمام عل ماء الاستحمام تنسيه ما يحصل له...انهى حمامه و وقف يلتقط المنشفة المعلقة خلف الباب فلمح قميص منامتها الوردي الحريري...كم يلائم هذا اللون بشرتها الخمرية!... و بدلا من ان يسحب المنشفة سحبه هو يلامس نعومته محاولا استعادة شعور ملامسة بشرتها...قربه من انفه يشم عبيرها المتروك بأنفاس تزداد حرارة دون وعيه...كانت لك يا ايوب تمنحك بكل ما فيها من رضا و اضعتها انت من يديك يا غبي...استفاق على تأنيب نفسه الداخلي بانتباه شديد...ماذا يجري له حقا منذ ابتعدت هي...يفتقدها كلمة صغيرة عما يشعره نحوها...لا يعرف أهذا طلبا ذكوريا بحتا في استعادتها أم تنمو مشاعر لها بداخله تجعله يموت شوقا!!...تغضنت ملامحه بتبرم جعله يعلقه مكانه بينما يأخذ المنشفة يجفف شعره قائلا بعصبية يداري بها تأثره الشديد..
(متى ارتدت هذا القميص فما شاء الله من يوم عادت للغرفة و هي ترتدي أَلْحِفَة ثقيلة بألوان تسبب حول للعين)
ارتدى سرواله ليخرج من الحمام متجها الى الخزانة يختار قميصا يرتديه فما كان من الخزانة سوى ان تزيد عذابه الداخلي...قمصانها المتراصة بتتابع هي ما قابله اغمض عينيه يهمهم بضيق مرهق...
(ما بك أيوب؟!!حقا ما بك يا رجل لم تكن هكذا ابدا من قبل..)
فتح عينيه بنظرة مغلفة بالحنين ليرفع كفه يتمسك بملابسها هامسا بصدق لنفسه...
(لم تكن تهفو لوصال أي امرأة هكذا من قبل حتى فل...)
قطع جملته قبل ان يكتمل اسم فلك على لسانه...شعور يجتاحه بأن هنا في غرفة مودة و امام ملابسها لابد ان يحترمها و لا يتذكر غيرها...انتشل قميصا له عشوائيا يغلق الخزانة زافرا بصوت مسموع صائحا بكبت و تعب و مشاعر داخله تتغير يختض لها قلبه...لن ينكر بعد الآن فمودة دون علمه أشبعت بداخله شعور الرجل و ربتت على جرح العاشق و منحت الزوج حياة هانئة...باختصار اكملت كل الناقص فيه!
(يا صبر أيوب!!!!...)
خرج من غرفة النوم يبحث عنها في الشقة رغم يقينه انها بالأسفل...يود لو تراها عينه و هما بمفرديهما ليحقق طقوس وقاحته معها...ابتسم بخبث متذكرا قُبل ليلة أمس بل كل ليلة و هم ما يرمموا جدار صبره و تحمله كي لا ينهدم و يتهور...أجمل ما فيها انها ثقيلة النوم لا تشعر بما يدور حولها و ما يدور لن يعجبها بالمرة لو عرفت!!...ضحك بخفوت يهمس باقتناع
(متى سيحين المساء فهو منفذي الوحيد!)
بالأسفل...
وقفت بعباءتها الفيروزية أمام باب المطبخ تنادي على خالتها و تتساءل...
(خالتي أين علبة الملح لا أجدها؟!)
وصلها صوت أم أيوب من الداخل حينما اجابتها...
(في الرف الثاني فوق حبيبتي...)
شكرتها سريعا ناوية أن تعود للمطبخ تنهي تحضير الفطور لكنها تخشبت حينما لفحتها انفاسه القريبة...لا تعرف متى جاء و متى وقف خلفها هكذا...اقترب من ظهرها يمد كفيه يتحسس خصرها هامسا بحروف رفع بها درجة العبث...
(هربتِ قبل أن استيقظ تظنين هكذا لن آخذ قبلة الصباح)
ابتلعت ريقها بصعوبة و ضربات قلبها تعصف بجنون...بشق الأنفس وجدت صوتها لتوبخه بهمس كي لا يسمعهما أحد...
(ابتعد أيوب لو رأتنا خالتي او عمي رجب ماذا سيقولون؟!!)
قرب وجهه من جانب وجهها يهمس بحرارة...
(دعيني آخذ قبلتي بسرعة إذًا قبل أن يأتي أحد)
تملصت بضعف تحت كفيه تهمس...
(من أين جئت بفكرة القبل هذه ألم نتفق ألا تلمسني؟!)
ابتسم بمشاكسة يميل بطرف شفتيه يلامس اذنها هامسا...
(انها قُبل بريئة لا تتعدَ الشفاه فهل نحسب هذا تلامس؟!...أن ألمسكِ مودة يعني....)
خفت صوته كثيرا و هو يتواقح بهمس في أذنها جعلها تشهق خجلا مما قاله...انتفضت تبتعد عنه بجسد يرتعش و تلتفت له بأنفاس متلاحقة توبخه بعدم تصديق لما سمعته...
(أنت...أنت كيف تقول لي هذا؟!!!)
بسمته تتسع و هو يراقب وجهها الذي تضرج بحمرة قانية...يعترف انه اثقل العيار في همسه الوقح لكن لا بأس لعل وقاحته تعجل من قربها الذي باتت تنشده كل جوارحه...غمز بعينيه متحركا تجاهها بينما هي تتراجع ناحية المطبخ فقال بصوت متلاعب...
(هذه هي نوعية الحديث بين المتزوجين و خاصة حديثي العهد مثلنا...كله وقاحة و قلة أدب شيء لو سمعه الغير لطلب لنا شرطة الآداب)
هيئته المتبسمة امامها تخطف نبض قلبها المتلاحق...و الله لا تصدق أن أيوب يحتال و يتودد فقط لتقبله...فقط لتمنحه بسمة راضية او نظرة مسامحة...تمالكت نفسها بصعوبة و رغم ذلك لم تقوَ على منع بسمة بلهاء على شفتيها ارتسمت بفعل كلامه المازح معها...اقترب أكثر و كأن بسمتها دعوة للاقتراب...الآن بكل ما به من إدراك يود أن يقبلها...ليس لرغبة داخله و لا لوقاحة مفتعلة يتخذها سبيلا اليها...بل لأن هذا الجمال و هذه النعومة أمامه تستحق أن تُقبل و تُمدح و يُقال فيها ألف بيت من الشعر...انتبهت لقربه البطيء فتوجست من أن يفعلها و يقبلها...لا مودة ليس بعد كي تليني فربما هو يتحرك نحوك بدافع رغبته لا حبه...تحفزت ملامحها كثيرا و قبل أن يلامسها مجددا صاحت بكل قوتها...
(خالتي...أيوب استيقظ كنتِ تحتاجينه لشراء الخبز)
ضحك عاليا مما فعلته و خطوات أم أيوب تتضح اكثر خلفه مع صوتها الحامد...
(الحمد لله حبيبتي انه استيقظ لقد تعبت من انتظار صبي المخبز...)
و قبل أن تأتي أمه مال على وجه مودة يقول بعبث مؤكد..
(لنا شقة تجمعنا في أخر اليوم مودة فلن يطول هروبك مني...)
رمشت بعينيها بتوتر من نظراته الصريحة كحال كلماته لتسرع الى داخل المطبخ تختبأ منه...وصلت أم أيوب تقول بصوت نزق...
(لا أعرف أنا لماذا تأخر الصبي هكذا؟!!)
التفت لها باسما يقول...
(صباح الرضا يا أم أيوب لا تنزعجي سأخرج أنا لشراء الخبز...)
اتسعت بسمة وجيدة بحنان و فرح لما ترى أيوب عليه...ربتت على صدره تقول بنبرة سعيدة
(صباحك ورد يا حبيب أم أيوب...مر وقت طويل لم أرك به كما أنت الآن يا غالي)
التفت برأسه للخلف يراقب جسد مودة المتحرك هنا و هناك بلا أي هدف في المطبخ فيعلو صوته بمرح قائلا...
(حبيبك يحاول أن ينال الرضا...)
ضحكت وجيدة ببال رائق بينما مودة التفتت تحدقه بشرار محذر في ان يتمادى...ارسل لها قبلة في الهواء جعلتها تترنح فعليا فأبعدت وجهها عنه تداري تأثرها بكل ما يفعله...أما هو مال يقبل رأس أمه قائلا
(تحتاجين شيئا آخر من الخارج؟)
نفت بهزة رأس جعلته يتخذ خطواته لباب البيت تاركا خلفه قلب حامد لعودته من جديد لما كان عليه و استقرار حياته...و قلب يناديه بتوسل ألا يمهد لها طريقا مفروشا بالورود ثم تكتشف في النهاية انه لم يحبها قط!!
بالخارج...
بعد اعتذار صاحب المخبز له بسبب تأخير توصيل الخبز لأن الصبي مريض اليوم و هناك نقص في العمالة اشترى الخبز و ها هو في طريق العودة للبيت...توقفت خطواته حينما لمح هذا الشاب المراهق و الغريب عن أهل الحي واقفا يبحلق في بقالة أم أيوب...اقترب أكثر ليقف خلفه و يرى ما يراه فتتسع عيناه بغضب سرى في عروقه كلها...لم يتمالك نفسه و هو يشاهد مودة تقف عند باب البقالة تبيع لإحدى الجارات و تبتسم بهذه البسمة التي تجعلها مطمع للعيون...بكل قوته رفع كفه لينزل به على عنق الشاب من الخلف قائلا بتحذير هادر مخيف...
(ما الذي تفعله يا بغل؟!...من أنت يا ولد و من أي حي؟!...ألم يعلمونك في حيّك أن تحترم حرمة بيوت الناس لا أن تقف و تبحلق بعينيك اللتين سأنزعهما أنا الآن من مكانهما!!)
رغم الرعب المرتسم على وجه الشاب إلا انه عاند و حاول مغالطة كل كلام أيوب....
(هل تتبلى علي أنا لم أنظر الى أي أحد!!)
عنقه المحمر من شدة الضربة بات في قبضة أيوب الذي مال على وجهه بوجه مخيف يتعمق في عينيه بغضب جعل الشاب يبتلع ريقه بوجل...همس أيوب بصوت مهدد
(لا تغالطني فأنت تعرف أنك فعلت...)
خرج شاب آخر من البيت الذي يقفان عنده أيوب و المراهق لتتسع عينا الشاب متسائلا بجزع...
(خيرا يا أيوب ماذا حدث؟!)
رمقه أيوب بحدة متسائلا...
(من هذا يا مدحت؟!)
(انه صاحبي من الحي المجاور...)
اجابه مدحت بتوجس بسبب نظرة عين أيوب المخيفة و التفات بعض المارة اليهم...ضغط أيوب على عنق الشاب فتوجع الأخير بينما أيوب يقول بأمر حازم...
(عرّف صاحبك أن للحي حرمة و ان خدشها أيًا كان سننتزع عنقه بأيدينا...)
نفض عنق الشاب بقوة ثم رمقهما نظرة غاضبة أخيرة يكبح شعور الاحتراق بداخله ليتحرك ناحية البيت...غيرة عمياء تتلف تعقله كله...دمه يحترق فعليا و هو يتذكر نظرة هذا البغل لها...زفر بغضب يعترف انه يغار... نعم يموت من نيران الغيرة أليست زوجته؟!...لا أليست مودة؟!فما له إلا أن يغار!...
دلف بوابة البقالة بعصبية ليجد أمه فقط المتواجدة...وضع الخبز بين أيديها يسألها بصوت حاد...
(أين مودة و لماذا كانت تقف في البقالة قبل لحظات؟!!)
توجست وجيدة من هيئته فقالت بتيه...
(بسم الله الرحمن الرحيم المخبز على بعد خطوات من هنا ما الذي حصل في هذه المسافة ليغيرك هكذا؟!!)
مسح فوق وجهه يعيد سؤاله مجددا...
(أين هي أمي؟!)
(دخلت تكمل تحضير الفطور بني و كانت هنا قبل لحظات بدلا مني تبيع شيئا لخالتك أم سامي لأنني كنت في الحمام...ماذا حصل إذًا؟!!)
هدأت انفاسه و التعقل يزحف لعقله تدريجيا...زفر بغيظ مما حدث ليقول بنبرة تشبه الطبيعية..
(لم يحدث شيء يا أم أيوب لكن لا تجعليها تقف في البقالة ثانيةً...فهناك بعض الشباب قليلي التربية يترصدون كل شيء)
ضحكت وجيدة بعدما فهمت سبب ما يحدث لتسأله بخبث...
(تغار يا ابن وجيدة؟!)
بحمائية ظن أنها تدفعه لكنه الوحيد الموقن ان ما يدفعه لا دخل له بها...في قرارة نفسه يدرك أن قلبه يميل و ليكون صادقا أمام الله و نفسه فهو سعيد بهذا الشعور...مودة لو نحى جانبا اصالتها و طيب تربيتها في تكتمها على ما عرفت فقط لتحافظ على صورته امام الكل فهي فتاة تجمع كل صفات الأنوثة و الغنج الغير مقصود بمرح طفلة صغيرة تعلقت بذكراه الى الآن...فتاة لو تواجدت في حياته كرجل لأحبها دون غيرها من النساء...لا يبالغ و لا يرد جميلها بإيهام نفسه بهذا فما يشعره نحوها حقيقة ثابتة...مودة فتاة خُلقت لتُحَب
(نعم أغار عليها انها زوجتي!)
اجابته كانت حروفها تنبض بصدق جلي متأثر بكل ما يمر بعقله و قلبه الآن...اتسعت بسمة وجيدة لتتقدم منه و تلامس صدره بيدها الفارغة تقول...
(نعم يا نور عيوني انها زوجتك و هذا حقك يا قلب أم أيوب...و وعد مني لن أجعلها تخطو باب البقالة ابدا)
همهم بخشونة راضية...
(أفضل حل فلا أضمن نفسي لو رأيت بغلا آخر ينظر اليها...)
داخل المطبخ...
يحب ذكاء و تفهم أم أيوب جدا...فبعدما فرطت منه كلمات الغيرة أمامها و هي تدفعه دفعا ليدخل يتعجل زوجته...لكنه يعرف نيتها مما تفعل جيدا...أمه و هو أدرى بها!...راقب ظهر مودة المنشغلة في تحمير أصابع البطاطس ببسمة تواقة...همهم بشكر حقيقي حينما داعبت عينه و روحه خصلات شعرها التي التصقت بعنقها من الخلف بسبب حبات العرق الناضحة بفعل حرارة اجواء المطبخ...و ربما من حرارة جسده هو فهي كفيلة ليذوب القطب الجليدي كله
(أصيلة يا أم أيوب و كلك نظر و الله...)
تسحب خفية كي لا تشعر به ليقف خلفها مباشرةً...عازم النية أن يوبخها على وقفتها في البقالة ببعض الوقاحة...لكنه فور وقوفه سمع صوتها المدندن بهمس ناعم للغاية...لم يصله الكلام بشكل واضح لكنه اهتز كليا من الداخل...متى أثرت فيه مودة بهذا الشكل بحق الله...بأصابع مرتعشة من فرط تأثره لامس خصلات شعرها لتهمس يده لها همسة مداعبة...اجفلت و لم تلبث ان شهقت حتى تجمدت و هي تستشعر شفتيه فوق مؤخرة عنقها من الخلف...يلملم خصلاتها ببطء ليترك مكان كل خصلة قبلة تهدمها...امتدت ذراعه الحرة ليدخلها في تجوفيها ثم يستريح كفه فوق بطنها و شفتاه لا تتوقفان عما تفعلاه...صوتها اختنق في حلقها فهمهمت ببحة ترجوه التوقف لكن هيهات ان يستمع و كل كيانه يتفاعل مع هذا القرب منها...ابعد فمه عن عنقها ليقترب من أذنها هامسا بنبرة متهدجة...
(لا أريدك ان تخرجي للبقالة لأي سبب من اليوم...لن اتهاون لو كسرتي كلمتي و اباحتي للغريب رؤية ما يحق لي انا فقط مودة)
اغمضت عينيها تتوسله بصوت خافت مهتز...
(أيوب أبتعد بالله عليك...)
كفه المستريح فوق بطنها يتحرك بعبث مقصود جعلها تتحامل و تتملص برفض لكسر وعده لها...حركتها كانت هوجاء فطارت الملعقة الساخنة التي تقلب بها اصابع البطاطس و لامست كف أيوب فوق بطنها...تأوه بوجع ينفض كفه بعيدا عنها و يتفحصه...ارتعدت عليه فأسرعت تسحبه من يده الى حوض الغسيل تضعها اسفل صنبور المياه...رفعت وجهها اليه بعيني خائفتين تسأله...
(تؤلمك؟!)
هز رأسه بنعم دفعت دموعها للتكدس في عينيها...اسرع هو قائلا بعبث مستغل كل المواقف...
(قبليني و سيزول الألم...)
تغضنت ملامحها بغضب منه فتركت يده بحدة لتسقط داخل الحوض و تبتعد تطفئ الموقد و تهمهم بضيق...اغلق الصنبور و تحرك خلفها لكنهما توقفا على صوت الجلبة في الخارج....
بالخارج...
توقفت سيارة فضية أمام باب بيت رجب لتخرج منها مسرة تسحب خلفها حقيبة سفر كبيرة...اغلقت الباب و انحنت ببسمة شاكرة لسائقها تقول...
(شكرا لك عمي عرفان اتعبتك معي...)
ابتسم لها الرجل يقول...
(أي تعب هذا يا مسرة أنتِ مثل بناتي...لكن انتظري قبل أن تدخلي بيت أختك دعينا نهاتف والدك الذي لا يكف عن الاتصال و نخبره انك وصلتي بالسلامة...)
اومأت له موافقة بحماس كبير...و بعد دقائق شعرت انها طالت انهى العم عرفان اتصاله مع والدها ليلقي سلامه و يرحل بسيارته...التفتت تقابل بيت العم رجب ليتحول حماسها كله الى نظرة توعد ماكرة...ان تأتي الى هنا بمفردها كلفها الكثير من الرجاء و البكاء و التوسل...والدها رفض رفضا قاطعا ان تسافر بمفردها لتقضي اسبوعا عند اختها المتزوجة فهذا لا يصح خاصة و هو لديه عمل لا يمكن أن يلغيه...لكنها مادام عرفت عما يدور بين مودة و أيوب عليها ان تتدخل لتجعل ليلته بلون السواد...تعرف مودة طيبة لدرجة البلاهة ربما سامحته و نسيت كرامتها لكنها لن تكون مسرة ان جعلتها تميل بسهولة...ابتسمت مجددا ملء فمها لتتوجه الى الباب تدق عليه...و بعد استقبال حافل من العم رجب و الخالة وجيدة وصلت للصالة تتفحصها لتصل الى اختها...توقفت عيناها عند باب المطبخ بعدما وجدت مودة تخرج منه بنظرة مصدومة تحولت لسعيدة و مبتهجة و هي تجري اليها تضمها بكل قوتها قائلة...
(مسرة حبيبتي لا أصدق انك هنا كيف جئتِ؟!)
بادلتها مسرة باشتياق مماثل لتخرج من حضنها شارحة لها كل ما صار و طبعا اخفت نيتها الحقيقة من المجيء لتستبدلها بافتقاد اختها الكبيرة و شعورها بالملل من البيت...التفتت للعم رجب تمد له هاتفها قائلة برجاء...
(هاتف أبي يا عمي و اخبره انني وصلت سالمة على الرغم من ان العم عرفان ابلغه قبل دقائق لكنه قلق للغاية و يود لو يلقيني في النهر)
بعدما تعالت ضحكات الجميع بسبب طريقة مسرة الهزلية و الطفولية اخذ رجب هاتفها ليفعل كما تريد بينما مودة مالت عليها تهمس بتساؤل...
(كيف اقنعتي أبي و اتيتِ مسرة؟!)
جاوبتها بنفس الهمس و عيناها تحطان على عيني أيوب المتجهم لسبب مجهول و كأن قلبه يعرف ما ينتظره منها...
(لي طرقي الخاصة...)
(و عليكم السلام أنا رجب يا شوقي.. الحمد لله كلنا بخير لكن لي عتاب عليك أترفض أن تأتي مسرة لتقضي بعض الوقت في بيت عمها رجب؟!...أعرف مقدار خوفك عليها لكنها فقط لو هاتفتني لكنت جئت بنفسي آخذها...لا تقل هذا يا شوقي البنت ضجرت من المكوث وحيدة في البيت و اشتاقت لأختها...دعها تمضي ما تشاء من الوقت هنا و أنا من سيوصلها الى بيتك بنفسي...لا حول و لا قوة إلا بالله و هنا بيت أختها يعني بيتها هي ايضا لا تغلظ مخك يا شوقي و دع البنت تستمتع بقلب مرتاح لكونك راضٍ على الزيارة..)
دققت مسرة في كل حرف من كلام العم رجب حتى اغلق الخط و نظر لها ببسمة حنونة يقول بمزاح...
(و أخيرا أخذتِ براءة...)
قفزت مسرة في وقفتها بحماس يدفعها عقلها لأن تشعر به و هو يرسم لها أياما غامقة على رأس أيوب فهتفت بسعادة...
(يحيا العم رجب نصير المساكين...)
بعد قليل...
جلسوا جميعا حول الفطور بأجواء مرحة سعيدة بسبب ثرثرة مسرة التي لا تنتهي...خفيفة مرحة تعيش بروح طفلة لكن ربما اكثر دهاء من اختها الكبيرة...ترددت مرات قبل ان تسأل بصوت محرج قليلا...
(خالتي ألا يوجد تونة معلبة اشتاق لها جدا...)
ربتت وجيدة المجاورة لها فوق ذراعها تقول بحنان...
(يوجد حبيبتي في البقالة و ان لا سأرسل من يشتريها لأجلك)
تكلم رجب ببشاشة...
(ان شاء الله بعد رحلة صيد أيوب القادمة ستتذوقين اشهى الاسماك)
تدخل أيوب يتساءل بتوجس...
(و هل ستبقى حتى رحلتي القادمة؟!!)
حدجته أمه بنظرة عين لائمة لتقول بمحبة...
(ستبقى طبعا... و الله قلبي سعيد لأن البيت تزين بوردتين حلوتين مثلكما...طوال عمري أعيش وحيدة مع أيوب)
(على أساس كنت حبيبك قبل أن اشتري الخبز...)
صوته المتهكم جعل الجميع يكتم ضحكته حتى قالت وجيدة...
(الفتيات يختلفن عن الفتيان فهن يجعلن البيت كله بهجة...)
همهم بخفوت قلق لنفسه بينما يناظر مسرة...
(أو ربما هن ابتلاء سيقتل بهجة نفسها و يجعل عيشتي لا وجه لها من قفا)
وقفت وجيدة تقول...
(سأذهب و أجلب التونة...)
اسرعت مسرة في الوقوف تقول بتقدير كبير...
(سلمتِ يا خالتي اجلسي أنتِ اكملي فطورك فقط اخبريني اين اجدها و سأجلبها أنا)
و لتمنحها شعورا بالألفة و بأنها ليست ضيفة وافقت وجيدة بعدما اخبرتها بمكان علب التونة المعبأة...توجهت مسرة الى البقالة تنظر حيث الرف المنشود فوصلت لهدفها...سحبت الكرسي الخشبي و وقفت عليه لكنها لم تصل لطول الرف...نزلت تنظر حولها حتى وجدت صندوقا خشبيا متوسط الحجم حملته لتضعه فوق الكرسي و تجلب ما تريد...
بالخارج...
وصل أنور الى باب البقالة ليخبر أيوب انه ذاهب الى الميناء كي يذهبا معا...توقفت خطواته حينما لمحها تتسلق الكرسي و هذا الصندوق تمط يدها لتصل لعلب التونة...ارتسمت بسمة لا إرادية تدل على سعادته بأنها هنا مجددا...ترى هل اهلها معها و هل ستعود لبلدتها سريعا؟!...و قبل هل الثالثة اتسعت عيناه بصدمة حينما اهتزت في وقفتها و مالت للخلف...اسرع في الدخول يلتقف جسدها الساقط بين احضانه و يتشبث بظهرها كي يدعهما في وقفتها...رفعت بصرها اليه تناظره بجزع مما صار و خجل مميت يلون ملامحها الخمرية...فمها من هول الصدمة تركته مفتوحا يسحب اكبر قدر من الهواء كشهيق يسعف رئتيها و يخرج زفيرا يلامس وجه أنور المشدوه كليا لجمال عينيها البنية...تحرك عنقه ببطء يبتلع ريقه و يغوص ببصره في جمالها القريب جدا...لحظات مرت و عقله متوقف عن العمل لكن محاولتها في الاعتدال نبهته انه تعدى الحدود...اخرجها سريعا من بين احضانه يوليها ظهره مهمهما بضيق حقيقي لاستباحة النظر لها...
(استغفر الله العظيم...)
و على إثر السقوط و الجلبة اتى الجميع من الداخل بوجه قلق...لكنها قصت لهم ما حدث بصوت رغم توجعه من اصطدامها بالكرسي إلا انه كان ساخرا من حالها...وصل صوت رجب الشاكر لأنور فرد عليه بعدما التفتت يتجنب النظر نحوها...
(لا تشكرني يا عم رجب...الحمد لله مضت على خير)
و بداخله يعرف انها ابدا لم تمضي على خير...هذه الخمرية المشاكسة من أول لقاء لهما و هو يعرف انها لم تمضي على خير خاصة بالنسبة لقلبه...سأله أيوب بترقب
(خيرا يا أنور هل كنت تريديني؟!)
تنحنح أنور بحرج يقول...
(ليس شيئا هاما اهتم بضيوفك أنت و نتقابل في الميناء)
تمسك به أيوب داعيا...
(تعال لتفطر معنا حماتك تحبك...)
حطت عيناه عليها بعد جملة أيوب فوجدها تقف خلف كتف اختها تتبعه بوجه خجول...اشاح ببصره عنها يتحرك للخارج قائلا...
(عشت أيوب لقد سبقتكم في الفطور...بالهناء)
(أنور يا عمي لا يصح هذا...)
اعتراض أيوب ذهب سدى و أنور بات خارج البقالة يتحرك بخطوات سريعة مبتعدا الى الميناء يهدأ نبض قلبه...






عند المغيب....
انفاس رتيبة تزفرها بصوت مسموع في جلستها امام الحاسوب...يديها تشعر ببرودتهما و نبضات قلبها وتيرتها تزداد بجنون كلما اقترب الميعاد...تشابكت اصابع كفيها معا تدعم نفسها ثم تغمض عينيها لترتعش اجفانها بتوتر مرتعب...لن تتراجع مادام خطت بقدميها الى بداية الطريق هذا ما تعرفه...صوت منبه هاتفها الذي ضبطته رن فجأة فأجفلت و هي تفتح عينيها بصدر يعلو و يهبط...فكت تشابك اصابعها لتوقف التنبيه و تتوجه بهم للحاسوب المفتوح على صفحة تحمل اسم مصحة نفسية معروفة في اميركا...في الواقع أريج في مجرد أيام وجدت لها الحل...تعرف ان مؤيد تدخل في الصورة كوسيط بينها و بين الطبيبة صاحبة المصحة لكنها تطمئن لكونه لم يعرف السبب الحقيقي بعد...لقد سجلت بياناتها قبل ثلاثة أيام و لأنها من طرف مؤيد أسرعوا في اجراءات القبول و بدء الجلسات...و اليوم تحديدا الآن اولى جلساتها...حركت مؤشر السهم لتبدأ لكنها للحظات شعرت بضيق تنفس داهمها فجأة...ما هي مقبلة عليه مرعب جدا...تقهقرت اصابعها عن الحاسوب لترفعهما عند جبهتها تدلكها بارتعاش...انهت ما تفعله لترفع رأسها تناظر السقف و تهمس بحزم رغم اهتزازه مصمم على تخطي كل هذا..
(لن نتراجع غسق لن نفعل...علينا انهاء هذه المرحلة فلا ترضين ان تكون هذه هي الحياة التي ستعيشينها)
بأمل تدفعه عنوة ليخترق الرعب في روحها تمسكت بهاتفها تكتب له جملة واحدة...
«أحتاجك معي لست قوية كفاية...»
ناظرت الهاتف للحظات ثقال و الذكريات تجثم فوق روحها تنتهك كل ذرة بها...ابتلعت ريقها ببطء لتترك الهاتف جوار الحاسوب مستسلمة و معترفة ان هذه الخطوة لابد ان تخطوها وحدها كما عاشتها وحدها و كما حُفرت داخلها وحدها و دمرتها وحدها...ارتعشت شفتاها و وجهها يشحب تدريجيا و هي تضغط لتبدأ رحلتها الواجبة لتتخلص مما هي به...
و فوق السطح كان بين نارين يحاول ان يضع قناع الهدوء و يسدل الغموض على عينيه و هو حول اهله...و ان ينزل اليها يبقى معها في موقف يعرف كم هو مميت لروحها و الله يعلم كم روحه تموت عليها و لها...يقر امام نفسه انه لا يتحمل ان يعرف تفاصيل الحادث...فيومها ما قالته كان قليلا و حبست الكثير داخلها فخنق انفاسها...لكنه على اتم الاستعداد ليحارب ضعفه و عجزه و لوعة قلبه فقط لو وافقت هي ليحضر معها...لقد رفضت و طلبت منه ان تكون بمفردها و هو لم يملك سوى السعي لراحتها...رفع رأسه عاليا ينظر للسماء فتغشي الدموع عينيه و هو يهمس بتضرع لخالقه...
(هون عليها ما تمر به يا رب...ساعدها لتتحرر مما هي به و ساعدني لأكون لها خير عون رغم وجعي)
بالأسفل...
بدأت المحادثة الخاصة ببرنامج العلاج النفسي...و كانت اول رسالة مرسلة..
(مرحبا غسق معك الدكتورة كريستين وفيق سأكون المختص النفسي المسؤول عن حالتك وفقا لمعلوماتك و حسب لغتك العربية...قبل أي شيء يجب ان تعرفي ان ما يدور بيننا هنا مصنف كأسرار لن يعرفها غيرنا لذا تكلمي بحرية و أحكي ما تشائين أنا هنا لأسمعك...و الآن عرفيني على نفسك)
هناك لحظة تمر بك توقن روحك بأنها ستغير كل شيء على الإطلاق...و بهذا الشعور نقرت غسق فوق لوحة المفاتيح تصرخ عبر كلماتها...تطلب ان يمنحوها الحياة من جديد...
(مرحبا دكتورة كريستين...أنا غسق ثروت، عمري أربعة و عشرون سنة، صيدلانية و...متزوجة)
لحظات و كانت رسالة الدكتورة كريستين تصلها...
(مما تعانين غسق؟)
سؤال الدكتورة كريستين ظل مطروحا لبعض الوقت دون رد و دون ان يظهر لها انها تكتب في هذه اللحظة...فماذا تكتب و كيف تقولها هكذا ببساطة...رسالة الدكتورة الجديدة جاءت لتفك معها حبل جرة الكتمان...اخيرا!
(أحكي غسق و لا تخافي شيء...)
و كأن هناك قوة خفية تحكمت في اصابعها دون شعورها لتكتب جملتها و تزيح معها هذا الثقل القاتل فوق روحها...
(أعاني من صدمة نفسية إثر حادث...اغتصاب)
الكلمة لفظتها روحها و كأنها تبصقها لتتخلص من مرارة دامت في حلقها طويلا و نغصت حياتها...لم تحس بشيء سوى بصوت بكاءها المتزايد و هي تكتب و تحكي عن كل تفاصيل الحادث...كيف كانا و ماذا فعلا و كم كانت مستميتة في حماية نفسها و بالرغم من ذلك فشلت...حياتها التي تحولت كليا و كتمانها الفاجعة عن والديها حتى الصور التي انتشرت و هددت سمعتها الى ان تزوجها كرم ليستر جرحها قبل عرضها...
(هل استعنتِ بحبوب لأجل النوم؟)
سؤال الدكتورة رأته من وسط ضبابية دموعها المنهمرة لتجيب بأيد ترتعش و انفاسا متقطعة...
(نعم...وصفتهم لي دكتورة أريج التي اهتمت بحالتي بعد الحادث)
لحظات و وصلها السؤال الثاني...
(هل لازلتِ مستمرة في تناولهم؟)
(لا...اقلعت عنهم تدريجيا منذ شهر)
جوابها اخذت وقتا طويلا كي تكتبه من شدة البكاء و الرؤية المشوشة...زفرت مرات متتالية لتنظم تنفسها و هي تقرأ السؤال التالي...
(لمَ اقلعتِ عنهم غسق؟!...أو دعينا نسألها بطريقة أخرى لمَ بعد مرور حوالي نصف عام على حادثك اخترتِ الكلام الآن؟)
وخزتها الدموع في عينيها بإبرة الألم فأغمضتهما لتسيل دموعها نارا فوق خديها...تكورت ذراعاها حول نفسها تضمها بقوة و هي تهتز داخل كرسيها للحظات...فتحت عينيها ببطء تفك تشابك ذراعيها لتكتب بصدق موجوع...
(تعبت)
كلمة واحدة كانت ردها قبل ان ترفق معها وجع تكتمت عليه طويلا...
(تعبت من التظاهر بأنني بخير و أنا ابدا لست بخير، من الضحك في وجوه الناس لأخبئ عنهم الحقيقة و انا أموت من الداخل...سئمت من هذه الحياة التي لا أريدها، كانت لي أحلام و طموح دمروا كل شيء، سلبوني كل شيء و فوق كل هذا لا يبرحا أحلامي...اراهما كل ليلة و اسمع صوتهما داخل عقلي هما هناك لا يتركاني ابدا...بت ارتعد من أي غريب حولي ليفعل بي ما فعلاه و كم كنت شاكرة أنني املك منطقة أمان لا أخاف فيها لكن مؤخرا اصبحت لا اميز من وضعتهم بداخلها...لقد ارتعبت من كرم حينما اقترب مني بصورة غير التي اعتاد عقلي عليها منه!!!...لا أريد أن استكمل حياتي بهذا الشكل لكنني اكتشفت انني اضعف من ان اتجاوز ما حدث)
مضى وقت طويل و على الجانب الآخر كانت الدكتورة كريستين تدقق في كل حرف و تسجل ملاحظاتها عن الحالة...و بعدها وصل ردها العملي لغسق
(أنتِ لستِ ضعيفة غسق...مادام اتخذتِ قرار الاستعانة بأحد ليساعدك و بكل رغبتك تحكين عن شيء ظننتِ انه لن يخرج من صدرك فأنتِ ابدا لستِ ضعيفة)
(و الآن لدي بعض الأسئلة التي أريدك ان تجاوبي عليها بصدق تام و ان شعرتي انك لا تملكين القدرة على الإجابة سنؤجل السؤال للجلسة التالية)
مسحت غسق دموعها بكفها لترد بعدها بموافقة رفعت معدل الترقب و القلق بداخلها...
(حسنا دكتورة)
السؤال الأول اصاب روحها بالخزي...
(هل أحببتِ من قبل؟...هل اختبر قلبك مشاعر الحب قبل زواجك؟)
ابتلعت غسق ريقها بصعوبة بسبب جفاف حلقها لتكتب...
(ظننت انني احببت لكنني لم أفعل...قد كان اعجاب لهيكل رجل تمنته روحي و بعدها اكتشفت انه مجرد وهم)
(هل عرف عن مشاعرك له و أين هو الآن؟)
عينا غسق رغم الدموع فيهما إلا انهما امتلآ بالاحتقار...لها و لرامي و لهذه الفترة من حياتها
(لقد ابدى عن اعجابه بي قبل الحادث و لأنه طبيب يعمل في نفس المشفى الذي نُقلت اليه عرف ما حدث لي ثم تخلى عني)
ابعدت عينيها عن الشاشة و تكورت اصابعها تكتم وجع حقيقي كلما فُتحت سيرة رامي تشعره...كرامتها تئن و تهدر داخلها تعنفها بأنها رخصتها له و هي العزيزة التي لا ترخص...رفعت عينيها مجددا للحاسوب حينما سمعت صوت الارسال لتتسعا برفض
(هل تحول اعجابك لنفور بسبب تخليه عنك أم انك حقا تأكدتِ من حقيقة مشاعرك؟)
نقرت فوق لوحة المفاتيح بملامح متحفزة تنفي تهمة كهذه عن كاهليها...نعم رامي و كل ما يخصه بات تهمة حينما يجتمع مع اسمها في جملة واحدة...
(لا مطلقا...لقد اتضحت مشاعري يوم ابدى اعجابه بي رغم جهلي لها وقتها او تعمدي ألا اقارن رامي بكرم لأنني كنت واهمة ان رامي هو من أريد..)
تنفست بصوت مسموع بعدما ارسلت رسالتها تشعر و كأنها دافعت عن نفسها كما تريد...لكن رسالة الدكتورة التالية اصابتها بالجمود
(و كرم كيف تشعرين نحوه؟)
رمشت بعينيها مرات ليتساقط الدمع العالق في رموشها و يبلل وجنتيها بينما تكتب لها ردا توقن انه ناقص شيء هاما لكنها لا تعرفه...
(كرم شاب شهم منحني اسمه ليساعدني و شعوري نحوه هو الأمان)
و كأنها تلميذ ينتظر نتيجة اختباره تحملق في الشاشة امامها بترقب تنتظر رد الدكتورة و الذي وصل بعد فترة وجيزة...
(هل تشعرين بالخوف حينما تنامين جواره على نفس السرير؟)
جوابها خرج بسرعة توازي سرعة تنفسها الذي لا تفهم تفسيره الآن...
(لا...انا لا أخاف منه حتى عندما تغير يوم كنا معا فوق السطح خفت وقتها لأن عقلي ذكرني بالحادث لكن بعدها عدت لشعور الاطمئنان معه)
قضمت شفتيها بانتظار مترقب حتى وصل رد الدكتورة و الذي جعلها تجعد ما بين حاجبيها و هي تقرأه...
(بمعلوماتي التي جمعتها عن كرم منكِ اخبرك انه لم يتغير، أنتِ من يتغير غسق)
رغم انها فهمت مقصد الطبيبة الفعلي إلا انها اختارت الجهل ليسيطر على ردود فعلها و هي تكتب بأنفاس تهتز...
(كيف تغيرت أنا لم اتغير ابدا!!!)
تنفست بصورة متسارعة و هي تقرأ رد الطبيبة...
(فلنؤجل اجابة هذا السؤال للجلسة القادمة...ابليتِ حسنا اليوم غسق)
بالأعلى...
يقطع السطح ذهابا و ايابا و هو ينظر في ساعته بقلب قلق...ترى كيف هي الآن؟!...هل مضت الجلسة الأولى على خير أم لا؟!...و حينما تحرك عقرب الساعة ليعلن ان ساعة و نصف من الزمن قد انتهت هرول الى باب السطح يقطع درجات السلم بخطوات سريعة ليصل اليها و يطمئن...دلف من باب البيت بعدما فتحه بالمفتاح فلم يمتلك من الصبر ان يطرقه و ينتظر من يفتح...قلقه ارتسم على وجهه بدقة جعلت والدته تتوجس من اختفاء غسق بعد الغداء داخل غرفتها و هو فوق السطح ليعود بهذه الملامح المفزعة...اوقفه صوتها المنادي فغصب قدمه لتتحرك ناحيتها عند الأريكة في منتصف الصالة بينما تجلسا سهر و هبه معها تشربن القهوة...
(ما بك كرم لعل الأمور تسير بخير؟!)
تكلم بهدوء الله وحده يعلم كم يكلفه الكثير ليرسمه على ملامحه و يطمس قلقه...
(الحمد لله يا أم خالد لا تقلقي...)
تدخلت سهر بفضول تتساءل...
(هل تشاجرت مع زوجتك أم ماذا فهي اختفت بالداخل و أنت اختفيت فوق السطح؟!)
جز على ضروسه بقوة يكبل غضبه فتعاجله أمه بنفس السؤال القلق...
(هل زوجتك بخير بني؟!)
اومأ بقلة صبر يجيبها فهو نفسه سيموت ليعرف ان كانت بخير أم لا...
(الحمد لله أمي غسق بخير...فقط شعرت بالتعب فأخبرتني انها ستنام قليلا)
صوت هبه بالدعاء لغسق وصله كما صوت أمه و بالتأكيد سعال سهر التي اختنقت بقهوتها...ناظرته بتوجس تتفحص ملامحه لتصل لما تريد معرفته...فيكون نصيبها غموضا تمقته من عينيه لا يبيح لمخلوق معرفة دواخله منه...استأذن أمه ليدلف غرفته بينما سهر تتابع ظهره المبتعد حتى وصلها صوت حماتها مع هبه...
(ان شاء الله ستكون حامل....)
صوت هبه السعيد داعب روح صفية لتهمس لها بحنان جعل هبه تداري عينيها الدامعة عنها...
(ربي يرزقكما معا حبيبتي...)
ارتعش الفنجان في يد سهر فتحكمت في ردة فعلها بصعوبة و هي تتساءل بجزع...
(كيف حامل و أنا لم اغفل عن وضع حبوب منع الحمل لها منذ تزوجت؟!!!)
غرفة كرم...
فتح الباب بلهفة و خوف ليدلف اليها...عيناه حطتا على جهاز الحاسوب فوق الطاولة في زاوية الغرفة و التي كانت فارغة...تقدم منها بخطوات ثقيلة و قلبه يخبره انها شهدت وجع غسق دونه...التفت على صوت باب الحمام فالتفت بسرعة ليهاله صورتها المزرية...وجه متورم و عينان منتفختان...شفاه متروك عليها علامات اسنانها و بشرة صفراء...كلاهما يقابل الآخر و الموقف يخرسهما معا...هو يعتذر لها عما مرت به بعينيه و هي تشكو له وجع يفتتها بعينيها...كل ما استطاع فعله هو ان يهمس اسمها بتساؤل...بأسف...بغيرة...و حب
(غسق....)
هربت دمعة ساخنة على وجنتها قائلة بصوت مبحوح و بسمة مرتعشة...
(تكلمت عن الحادث لأول مرة مع شخص لا أعرفه...ازحت الثقل عن قلبي و حكيت كل شيء)
تأثرت عيناه فزارتهما دموع طفيفة ليسألها بصوت يخفت غصبا عنه...
(كيف تشعرين الآن؟)
مدت ذراعيها جانب جسدها لتقول بنفس الصوت المتعب...
(انني قوية...)
شهقت فجأة لتضع كفيها معا فوق فمها تبكي و هي تتكلم بكلمات مكتومة...
(قوية...أنا قوية لأنني تحملت كل هذا الوجع...لأنني تكلمت عنه...أنا قوية يا كرم)
لم يتمكن من منع نفسه ليتحرك ناحيتها...هذا الجسد المنهك يود لو يريحه فوق صدره و يخبره انه اقوى بكثير مما تظن صاحبته...لكنها رفعت وجهها بسرعة مع حركته تناظره بأعين دامعة متوجسة "كما ظن" فقتلت نظرتها حركته لتجعله يتوقف في نصف المسافة يرجوها أن يقترب...رمشت بعينيها ليسيل المزيد من الدمعات و تسبل هي اجفانها بينما كفاها يتراخيان عن فمهما تدعوه بلا صوت...بلا اشارة...أن يقترب فهي في أمس الحاجة لأن يغمرها داخل احضانه و يخبرها بأن ترتاح هو هنا كما يفعل دوما...و بسهولة فهم ما تريد فعادت لخطواته الراكدة الحياة ليخطو واحدة و تصبح مع الثانية قرب صدره تبكي براحة كبيرة لما حققته من انجاز لليوم...سؤال الدكتورة كريستين طاف بعقلها و هي بين ذراعي كرم "و كرم كيف تشعرين نحوه؟"...ليس أمانا و حسب فهناك شيء ما بداخلها يتأثر على نحو مختلف و يتحرك من العتمة للنور!!!




مساء نفس اليوم...
مستلقيا بنصف جسده على السرير بينما ظهره مستندا للخلف على الوسادة...يبرم شفتيه بنزق من التصاق مسرة بأختها بطريقة خنقته...من اين ظهرت له هي في الوقت الذي يحتاج فيه مودة معه كل لحظة...امسك الهاتف يقلب فيه بلا هدف ليقتل الوقت الذي ينتظر خروجها فيه من الحمام...بعد جرعة وقاحته معها بالصباح و هي تتحاشاه و تشجع اختها على الالتصاق اكثر...ضحك بخفوت ضحكة شقية يقول....
(اخرجي هيا يا جبانة...)
و كأنها سمعت نداءه ففتحت الباب لتطل عليها بإحدى تحفها الفنية و المسمى منامات خريفية...بحق الله من أين تجلب الثقة لترتدي هذه الألوان؟!...راقب وجهها الوردي بفعل حمام ساخن فضربت الدماء بعنف في جدران اوردته كلها...توقفت خطواتها امام المرآة لتمشط شعرها و تناظره بنظرات خاطفة تؤجج ما بداخله الآن...هل كل الرجال بعد الزواج يصبحون مثله هكذا تواقين لزوجاتهم أم ان حرمانه هو ما يلاعبه بدناءة؟!!...نجح في التقاط احدى نظراتها المتهربة منه فلمح فيها اشتياق لا تكذبه عيناه...هل تشتاق هي ايضا؟!...اشاحت بوجهها بعيدا عنه ترفع ذقنها عاليا و كأنها تذكرت شيئا ما لتتماسك و تظهر عدم تأثرها...فلتت ضحكته مسموعة هذه المرة يعترف انه مستمتع بلعبة امسك و اترك هذه جدا...عيناه عادتا لشاشة هاتفه فلمعت في عقله فكرة و سينفذها...سيتواقح طبعا و ماذا غيره؟!

خفيف الروح بيتعاجب
بيتعاجب
برمش العين و الحاجب
خفيف الروح

التفتت له بوجه متعجب من صوته المدندن مع الأغنية لكنها رجحت ان تعود من فورها للمرآة فنظراته لها و هو يغني الخطر بعينه...ما به منذ الصباح و اسلاك عقله كلها تلفت!...لا تنكر سعادتها من كل ما يفعل فهي تكاد تطير من قربه اليها لكن الخوف يكبلها...ما ادراها هي بأن ما يفعله حقا نابعا من القلب؟!!...مسرة اليوم لم تهدأ و هي تنصحها بأن تجعله يلف حول نفسه فقط لتمنحه نظرة رضا...لا تعرف انه صعب جدا و الله صعب فقلبها مدلها بحبه حتى الرمق الأخير...استفاقت على نبرته التي علت اكثر و هو يستقيم جالسا ببسمة تطيح بكيانها تدمج العبث بالوسامة يخصها هي بها...هي فقط!

غمز لي مرة بعيونه
لقيت الحب مضمونه
أخاف إن كنت أنا أخونه
أنا أخونه

ملامح سعادتها تبدلت في ثوان لتجهم قبض قلبه...الجرح في قلبها لم يُشفى بعد يا أيوب و بمجرد كلمات تذكرها به ينضح وجعا...تزحزح في جلسته ليصل الى نهاية السرير ثم يهب واقفا ليصبح خلفها مباشرةً و دون اي مقدمات طوق خصرها بكلتا ذراعيه يحملها ليعود بها للسرير و صوته المدندن لا يتوقف...

و عشقي له من الواجب
خفيف الروح

جلس مجددا على السرير يضعها فوق حجره بمزاج عالٍ و هو يتمايل على الحان الأغنية...اما هي فعندما استوعبت ما يحدث تملصت بين ذراعيه تزمجر برفض قاطع...
(أيوب أنت....)
لم يمنحها الفرصة لتكمل ما تريد...ارتمى بها للخلف ليتسطح على السرير و تصبح هي فوقه و ضحكاته المستمتعة تعلو بسعادة نابعة من القلب...لا تصدق و الله لا تصدق انفاسه المدغدغة لعنقها من الخلف تلسعها بشرر يحي بداخلها اشتياقا جارفا له...هو وحده...عيناها ثبتتا على السقف فوقها تستجمع كل شجاعتها فقط لتحافظ عليهما معا و على حياتهما معا لا يجب ان تستجيب الآن...استندت بكفيها على ما طالته من بطنه لترفع جذعها العلوي ناوية الهرب...لكنه لحقها فشدد على ضمها اكثر ثم قلبها في غمضة عين لتستقر هي على السرير و يشرف هو عليها من علو...انفاسهما تختلط سويا فتعصف بقلبهما معا...نظرتها التي تبلغه اشتياقها تلاعب وتر قلبه بطريقة لم تفعلها انثى فيه من قبل...اقترب برأسه منها يلاعبها بشقاوة فيتوقف على بعد سنتيميترات من وجهها و يكمل غناءه بنبرة تفتت حصونها...

تملي يحب يشغلني
بسهم اللحظ و النني
أخاف اتقل يخاصمني
و يهجرني و يحرمني

عيناه في عينيها و وجه يكاد يلامس وجهها...بسمته متسعة بسبب قربها هذا...همهم بوقاحة امام شفتيها
(يحرمني... قل يا فنان فربما تحنن علينا القلوب)
ابتلعت ريقها بضعف و روحها تستحلفها بان كفى هنا يا مودة...الرجل يريد وصالك فلا تبخلي على نفسك و عليه بشيء تمنتِه منذ تزوجتما...أيوب حبيبك يغازلك أتكسرين بخاطره...اغمضت عينيها ببطء لا تعرف أهي تهرب من تفكيرها لتحافظ على كرمتها أم هي تدعوه لأن يقترب كما يشاءان معا...اخر ما التقطه عقلها هو صوت المغني المتداخل مع أيوب حينما همس بنبرة دافئة

خفيف الروح

و بعدها غابت كليا مع قبلته الناعمة لها...كيف له ان يفعل هذا دون مجهود؟!...ببساطة هو يرفعها فوق السحب و يطير بها على بساط لتلامس معه النجوم...تحركت يدها لتحط على جانب وجهه تلمس لحيته الصغيرة بأصابع ترتعش و كأنها تخبر عقلها ان ما يحدث حقيقة... دون ان تفقه ما تفعله حقا و كأنه يمليها كلمة السر عبر انفاسه و يسيطر عليها...لكنها كما غابت معه في لحظات عادت لوعيها في لحظات ايضا مع هذا الدق فوق باب شقتهما و صوت مسرة المنادي عليها بصخب...فتحت عينيها باتساع لتستقبلها عيناه المتأثرتان كليا بما جمعهما للتو...يدها التي كانت تلامس وجنته دفعته بقوة للخلف كما فعلت كفها الأخرى و هي تدفعه من صدره لينهض عنها...و بعدما ابتعد قفزت مرة واحدة تهرول للخارج تلتقط انفاسها قبل ان تفتح لأختها الباب...
و بالداخل ظل جالسا على سريره اصابعه تلامس شفتيه بعدم تصديق لهذا الذي شعره معها...نعم يسرق منها بعض القبل و هي غافية لكن الليلة هي مستيقظة ابلغته بنظرتها انها تريد!...كادت تتجاوب معك يا أيوب و تروي روحك المشتاقة لها...هذا لا يحدث ابدا دون مشاعر فكانت أمامه في بداية زواجهما بكامل زينتها لكنه لم يشعر بمثل هذا...هل قلبه مال لها؟!...و عند خاطره الأخير رفع كفه يتجسس نبضه المتسارع فتصله الإجابة دون مماطلة...ابتسم براحة جمة يهمس بصوت مهتز لا يزال تأثير قربها يدغدغه...
(لا تخف و قل نعم فعلت بصوت عالٍ...نعم مال و لا سمى عليه أحد أيوب)
صوتها المرتعش يصله من الخارج و هي تحدث أختها فيزم شفتيه بحنق بينما تفلت السبات من فمه...
(ألم نتركها بالأسفل من أقل من ساعة لماذا أتت هادمة اللحظات النارية هذه؟!!!)
بالخارج...
تفحصت مسرة وجه اختها الأحمر بريبة فاقتربت منها تهمس بتساؤل قلق...
(مودة لماذا لون وجهك أحمر هكذا؟!)
تلعثمت مودة بحرج تقول...
(لقد انهيت استحمامي قبل قليل لذا وجنتاي حمراوين)
دققت مسرة النظر لها بشك جعل مودة تشيح بوجهها عنها بينما تتحرك للداخل تدعوها...
(تعالِ نجلس على الأريكة افضل من وقوفنا)
تحركت مسرة خلفها تحاول ان تقنع نفسها ان اختها تسير على خطتها دون ان تميل...جلستا على الأريكة و قبل أن تتكلما انتبهتا لخروج أيوب من الغرفة...ازداد تضرج وجنتي مودة بحمرة الخجل بينما هو زحزح نظراته المتعلقة بها حيث مسرة ليحتله الضيق...تقدم منهما يسألها بقلة ذوق
(هل تحتاجين منا شيء يا مسرة؟!)
اخفضت مودة وجهها للأسفل تود لو تنشق الأرض و تبلعها...بينما مسرة ابتسمت ملء فمها تجيب بسماجة رهيبة...
(مساءك ورد يا صهري...شعرت بالملل فقلت لنفسي اصعد اقضي الوقت مع أختي)
بقلة صبر سألها متعجبا...
(كيف سمحت لك أم أيوب بأن تصعدي لنا؟!)
رفعت ساقيها تطويهما اسفلها فوق الأريكة و تلتقط جهاز التحكم عن بُعد تشغل التلفاز مجيبة ببرود...
(خالتي و عمي ناما قبل قليل)
كاد يتكلم مجددا لكن مودة تدخلت بنبرة سعيدة حقا لتواجد اختها و مرحبة بها...
(حبيبتي انارتي شقتنا..)
ابتسمت لها مسرة بحب لتولي وجهها للتلفاز و تصيح بحماس..
(يا لها من سهرة رائعة انه فيلم فاتن حمامة الذي أحبه)
توجه أيوب بعصبية من وجودها يقف امام التلفاز يمنع الرؤية قائلا...
(بالأسفل يوجد تلفاز ايضا)
زمجرت مسرة في وجهه تقول بحنق...
(ابتعد صهري ستضيع بداية الفيلم علي...ثم أين كرم ضيافتك لي هل انت بخيل؟!)
كتمت مودة ضحكتها لتنظر له برجاء خجول و تهمس...
(ابتعد أيوب مسرة لا تحب أن يشغلها شيء عن افلام فاتن حمامة)
تغيرت ملامحه لتلين نبرته و تتحول للمغازلة و هو يبتعد ببطء قائلا...
(لأجل عيونك فقط سأبتعد..)
شعرت بالحرارة تدب في جسدها فوقفت سريعا لتهرب من امامه متعللة بصوت متلعثم...
(سأصنع لك مشروب الشكولاتة الساخنة مسرة)
اومأت مسرة بموافقة و كل وجدانها هائما بالفيلم المعروض...تحرك أيوب خلف زوجته حينما شعر انها فرصة ذهبية ان يبقى معها بمفرديهما في المطبخ...لكن صوت مسرة المتحفز بتساؤل اوقفه...
(الى أين يا صهري هل من الذوق ان تتركني بمفردي؟!)
ناظرها بقرف يقول...
(سأشرب و أعود شاهدي أنتِ الفيلم و اصمتي)
رمقته بتحذير تقول...
(لا تتأخر...)
اولها ظهره يضرب كفا بكف مندهشا من افعالها...و الله صدق والدها يوم قال له انها بمثابة حماته الثانية...وصل للمطبخ فوجد مودة تنتظره على ما يبدو بوجه صارم تقول بجدية...
(أيوب توقف و لا تدخل مسرة بالخارج و لا يصح ابدا ما تريد فعله و هي هنا هذا عيب..)
خفتت نبرتها لتشيح ببصرها بعيدا و تهمس بخجل يجعل كلماتها تذوب على شفتيها و كم يود ان يلتقطهما هو...
(اصلا لا يصح ما حدث قبل قليل بيننا شرط لأجل حياتنا معا لا تخل به...)
دلف بهدوء للمطبخ و كأنها لم تقل كلمة مما جعلها تتراجع للخلف بتوجس من عبثه و حرجا من اختها...توقف عند البراد يفتحه و يستخرج زجاجة مياه يشرب منها دون ان يتركها بعينيه للحظة...انهى ما يفعله ليقول ببسمة وقحة
(ما أريد فعله هو ان أشرب بعض الماء البارد عله يهدأ من حرارة قبلتك قليلا...)
قضمت شفتيها بخجل تناظره بخرس فقدت مع كلماته القدرة على الكلام...فأكمل هو بعبث لكنه صادق النية و هذا ما وصلها...
(و ثانيا ما حدث ما كان يصح سواه و لن يصح غيره في الأيام المقبلة فتجهزي)
(صهري!!!)
صوت نداء مسرة الصاخب رحمها مما يفعله بها...أتجدها من افعاله ام من كلامه او نظراته...صاح بصوت عالٍ فقط ليسكت هذه البلوى التي وقعت فوق رأسه...
(صهرك قادم...)
تحرك تجاه الباب ليخرج لكنه لشيء ما في نفسه اقترب من مودة ليحتجزها بين ذراعيه و الحوض خلفها ثم يميل بجسده عليها فدفعها للتكلم بنبرة توبيخ...
(أيوب...)
لثم اسفل اذنها بشفتيه ليصيبها الخرس فيهمس هو...
(ايوب يطفئ الموقد على الشكولاتة فيكفي حرارتي أنا في الشقة...)
(صهري تعال...)
النداء الثاني جعله يغمض عينيه لتفلت منه سبة خافتة جعلت مودة تضحك بخفوت بينما هو يتحرك للباب صائحا...
(تعيس الحظ صهرك قادم...)





بيت المراكبي...غرفة سليمان
(مضى زمن بعيد لم تنزل فيه للعاصمة يا سليمان!)
صوت صفية المندهش و هي تضع عباءة زوجها السوداء فوق كتفيه وصله منه القلق...التفت يناظرها فتتأكد شكوكه و يرى الخوف في عينيها...رفع كفه يلامس وجنتها قائلا ببسمة صغيرة...
(ما لي أراك خائفة يا صفية؟!)
تنهدت و شعور غريب يراودها...
(لا اعرف يا سليمان قلبي غير مستريح...لا اريدك ان تسافر و تتركنا فحال الأولاد يتعبني)
ابعد كفه عنها يسألها بترقب...
(ما بهم الأولاد؟!)
تنهيدة اخرى كانت منفذها لتزفر معها توترها قبل ان تقول...
(احوالهم لا تعجبني خالد يترك الحبل متراخي لسهر و صالح حبيبي ارى في عينيه شوقا للأبناء حتى كرم و زوجته مؤخرا اصبحا غريبين و كأنهما يخفيان عنا شيء أو بالأصح كأن كرم يداري شيء يخص غسق)
استند سليمان بكفيه على رأس عكازه يقول...
(لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم...اهدئي يا أم خالد ابناءك رجال يتحملون الصعب و يتوكلون على الله...كل واحد منهم اصبح مسؤولا عن عائلة فدعيهم يتعايشون مع مسؤولياتهم الجديدة...الطفل لا يمشي في بداية طريقه بل يحبو مكتسبا الثقة من اهله حوله...و نحن حولهم حتى يسترد الله امانته...لا تقلقي يا صفية و ادعِ لهم ربك قريب مجيب)
ربتت صفية فوق صدره تدعو بصوت يأمل في الله الخير...
(اطال الله عمرك يا سليمان و لا حرمنا منك...و اراح قلوب ابنائي و ابناء الجميع و الله كل همي رؤيتهم سعداء مع زوجاتهم)
تحركت نحو السرير تجلب حقيبة سفره الصغيرة بينما تمطره بسيل من الدعاء لييسر الله سفره و يعيده سالما...حملها منها ببسمة شاكرة ثم قال ليطمئنها...
(لن يطول وقت غيابي ان شاء الله فقط انهي اوراق تعاقدنا مع مصنع الاسماك الجديد و اعود)
ابتسمت له بمحبة متفهمة تقول...
(جعله الله سفر سالما و رزقك فيه بالخير و حفظك لنا...)
خرجا من الغرفة معا ليجدا الجميع منتظرا ليسلموا على سليمان و يدعون له...امتلأ قلبه بالرضا و هو يرى ابناءه الثلاثة باتوا رجالا يفتخر بهم...لا بأس ان يتعرقلوا في بداية الطريق فالمهم ان يصلوا للنهاية بسلام....
عند الظهر...الميناء... شوادر المراكبي
توقف صالح عن النظر في الأوراق الخاصة بالعمل لينتبه لهذا الصبي الذي دلف عليه المكتب يقول...
(أخي صالح زوجة العم عبد الصبور تنتظر بالخارج...)
ضيق صالح عينيه بدهشة ليقف و يخرج من خلف المكتب يتوجه الى الباب مهمهما بتعجب...
(زوجة عمي عبد الصبور!!...و ما الذي تفعله هنا؟!)
خرج يبحث بعينه عنها فوجدها تجلس فوق كرسي خشبي جلبه لها احد الصبيان و علامات التحفز على وجهها...تقدم منها ببسمته البشوشة يقول...
(سلام عليكم يا خالة كيف حالك؟!)
رفعت وجهها اليه لتتبدد ملامح التحفز و تبتسم بمحبة ترد سلامه...
(و عليكم السلام يا صالح الحمد لله بني...كيف حالك أنت و حال هبه؟)
(بألف خير يا خالة نحمد الله...لا تؤاخذيني ماذا تفعلين هنا؟!)
سؤاله كان متحيرا و ما زاد حيرته ملامحها التي عادت للتحفز من جديد فأجابت بمواربة...
(احتاج الحاج سليمان لأمر ضروري...)
جعد صالح ما بين حاجبيه متسائلا...
(و لماذا جئتِ الى هنا بدلا من البيت فالمسافة متعبة لك؟!!)
تجهمت ملامحها هذه المرة و هي تفكر كيف كانت ستذهب لبيت سليمان لتخبره عن امر هدير العجيب و الذي يرعبها...ابنتها الوحيدة متغيرة و الوساوس تنخر في روحها و يا خوفها لو صدقت و ان هناك من يلعب بها...لاحظ صالح تجهمها و طول صمتها فعاود يبتسم ببشاشة قائلا بلطف...
(لو ذهبتِ للبيت اولا كنتِ ستعرفين أن أبي سافر صباحا للعاصمة)
(سافر!!)
تعجبها القلق زاد دهشة صالح اكثر لكنها بطريقة ما لملمت دهشتها لتسأله بإلحاح...
(متى سيعود بني؟!)
جاوبها بهدوء...
(ليس بعد وقت محدد فهي صفقة عمل حالما تنتهي سيعود)
أحنت وجهها للأرض تهمهم بتعب لثوان ثم رفعتها لتشكره و تستند على الكرسي تستقيم واقفة...
(لا بأس سآتي له عندما يعود بالسلامة...شكرا لك صالح)
اسرع يسندها من يدها يعرض عليها مساعدته...
(لو هناك شيئا استطيع فعله حتى يعود أبي رقبتي تسد يا خالة)
غصبت بسمة صغيرة لتظهر على فمها و تشكره بها...
(لا حرمني الله منك بني...الأمر لا يستطيع حله سوى الحاج سليمان)
ابعدت كفها عنه تخبره بأنها راحلة لكنه تشبث بها يقول بجدية تامة...
(الى أين يا خالة؟!...انتظري سأجلب مفاتيح السيارة من الداخل و اوصلك)
(لا تتعب نفسك بني كما جئت سأعود...)
رد عليها بتصميم...
(و الله لن يحدث هذا عيب في حقي يا خالة)
ربتت على خده ببسمة حقيقية تقول...
(حماك الله بني و عوض عليك بذرية صالحة مثلك يا صالح)
و بكل ذرة من كيانه تمتم خلفها قبل ان يدلف للمكتب ليجلب المفاتيح...
(اللهم آمين يا خالة...اللهم استجب و عجل بالفرج)




المشفى....
وقف مؤيد أمام الفريق المختار ليمثل المشفى في المؤتمر الصحفي داخل مكتبه...يُقسِّم نظراته بينهم جميعا و يرسل في كلماته توضيح يشمل تحذير من اي تهاون او اخطاء
(تم اختياركم من بين طاقم المشفى بأكمله لأنكم الأكثر كفاءة...فلن أسمح بأي خطأ)
اومأ الجميع بتفهم للمسؤولية الواقعة على اعتاقهم...انتصبت ديما في وقفتها حينما وقع بصر مؤيد عليها ثم يؤشر لها قائلا...
(الدكتورة ديما ستكون قائد الفريق...أريد من الجميع انهاء مهمته و تسليمها لها في الوقت المحدد و الذي ستخبركم به لأراجعها و أرى هل نحتاج تصحيح في أي شيء أو لا...)
تنحنحت ديما لتتراجع للخلف حيث مكتب مؤيد تلتقط من عليه ملفا يشمل المهام كمساعدة لها اخبرها بالأمس انه سينهيه و يتركه هنا...فتحته تنادي على اسماء الاطباء و تبلغهم بما سيفعلونه و في اي وقت ستنتهي مهمتهم حتى نطقت الاسم الأخير بسلاسة لم تفقه حروفه إلا بعد ان ظهر صاحبها عند الباب يعتذر عن التأخير بسبب اهتمامه بمريض أتى و لم يكن يتواجد غيره...
(كاظم ساهر...)
بعدما عفى عنه مؤيد متقبلا عذره ابعد عينيه عنه ليرفعها تجاه ناطقة اسمه قائلا...
(نعم أنا...هنا)
تقطعت جملته بعدما رأى امامه الأميرة الهاربة!!...يا له من سعيد الحظ و الله!!...هل دعت له اليوم والدته يجب ان يسألها لتكثف له الدعاء من الآن فصاعدا...ابتسم بإعجاب يتفحص وجهها المتهرب منه و صوتها المختنق و هي تتحدث مع مؤيد...يبدو ان هذا المؤتمر سيكون فاتحة خير عليه ان شاء الله...
بعد قليل...
خرجوا جميعا من مكتب مؤيد بعدما انتهى الاجتماع المصغر...اخترق كاظم زملائه ليلحق بهذه التي تهرول في خطواتها لتهرب منه مهمهما.
(اعذروني...آسف)
اقترب منها ينادي ببسمة لا تزال مرسومة حتى الآن على فمه...
(دكتورة ديما انتظري...)
توقفت خطواتها للحظة ثم استكملت المشي...هز رأسه يأسا منها فأسرع في خطواته حتى بلغها...وقف امامها يفرد ذراعيه قائلا...
(لن تهربي هذه المرة دون اعتذار)
تلون وجهها بالحرج الذي يعجبه فهمست...
(دكتور كاظم ما حدث كان غير مقصود بالمرة صدقني...)
انزل ذراعيه يدفع نظارته للداخل قائلا بعنجهية...
(هذا الاعتذار لأجل القهوة التي لطخت معطفي...أين اعتذار تهكمك على اسمي؟!!)
نبرة صوته لم تعجبها مطلقا فرمقته بنظرة فاترة لتلتف و تغير مسارها بعيدا عنه...لكنه اسرع ليصل امامها مجددا قائلا بتصميم...
(الى أين لم تعتذري بعد؟!)
عقدت ذراعيها فوق بطنها تسأله بضيق...
(لقد اعتذرت منك بالفعل أم توهم نفسك بأنني سأعتذر مرتين؟!!)
اتسعت بسمته يراقب وقفتها امامه ليقترب منها يقرأ اسمها المعلق فوق جيب معطفها متسائلا بتعجب...
(و لمَ لا تعتذرين مرة و اثنان و عشرة مادام ارتكبتِ خطأ؟!...أم لأن اسمك ديما فؤاد ظننتِ نفسك ابنة الدكتور فؤاد الفايد صاحب المشفى أو ربما لأن الدكتور مؤيد اختارك قائد للفريق ستتعاملين على أساس انك ابنة عمه؟!!!!)
فكت تشابك اصابعها تناظره ببلاهة ما لبثت ان تحولت الى ضحكة ادمعت عيناها لها...تفحص ملامحها الضاحكة بانشداه ليقول بنبرة معجبة...
(يا لها من ضحكة!!)
توقفت عن الضحك تنظر خلفه بقلق و تهمس...
(دكتور مؤيد...)
ضحك هو هذه المرة ليقول بذكاء...
(قديمة جدِ خدعة غيرها...)
لكن صوت مؤيد المرعب خلفه جعله يلتفت بصدمة جلية...
(ما الذي تفعلانه هنا ألا عمل لديكما؟!!)
القت ديما كلمات سريعة تفسر سبب وقوفها ثم هربت من امامهما...نظر مؤيد لكاظم طويلا فابتلع الأخير ريقه قائلا...
(يجب ان أذهب أنا ايضا)
و تحت نظرات مؤيد الجامدة تحرك كاظم حيث المصعد ليصل الى طابقه يبتلع هذه المفاجأة الغير محببة...
اخرج مؤيد هاتفه يتصل بهل مجددا لكن الرسالة المسجلة تصله بأنه مغلق...ظهرت أمامه ممرضة كانت معها في غرفة العمليات فنادى عليها متسائلا...
(ألم تنهي دكتورة أريج عمليتها بعد؟!)
جاوبته الممرضة...
(لا دكتور مؤيد لقد انتهت العملية قبل قليل)
ضيق مؤيد عينيه يسألها مجددا...
(لماذا إذًا هاتفها مغلق حتى الآن؟!)
اخبرته الممرضة بما تعرف...
(ربما نسيت ان تفعله فبعد خروجها من غرفة العمليات جاء احد حراس الأمن يخبرها أن هناك حالة تحتاجها بالأسفل)
سؤاله خرج سريعا مدققا و لم يشبع عقله ما سمعه بالمرة...
(أي أسفل هذا الذي نستقبل فيه الحالات؟!)
رفعت الممرضة كتفيها للأعلى قائلة...
(لا أعرف هذا ما حصل أمام عيني)
صرفها لتكمل عملها و تحرك بخطوات سريعة نحو المصعد...في هذه اللحظة يشعر بأن أريج تحت مسؤوليته و عليه معرفة خطواتها ليأمن لها طريقا يسير...
بالأسفل...
تتحرك جوار حارس الأمن بذهن مرهق من عملية ولادة صعبة انهتها للتو...انتبهت الى وجهة الحارس فسألته بدهشة...
(أين هي الحالة؟!)
اشار الحارس للأمام يقول...
(انها في المرآب)
توقفت خطوات أريج فجأة لتنظر له بشك متسائلة بصوت متحفز...
(أي حالة هذه التي تبقى في مرآب المشفى و لماذا تحتاجني أنا خصيصا؟!)
توترت ملامح الحارس ليقول بتلعثم...
(و الله لا أعرف يا دكتورة هم قالوا لي هاتها الى هنا و أنا فعلت...)
انتابها القلق مما تسمع فسألته بصوت متوجس...
(من هم؟!)
(نحن يا دكتورة....)
صوت رخيم أتاها من جسد عضلي ضخم فهمت من حلته الرسمية المشابهة لحلة رفيقه انهما حارسان شخصيان...رأته كيف يصرف حارس المشفى بكلمة واحدة لتبقى هي معهما بمفردهما...قلقة؟! نعم لا تنكر لكنها تشعر بالغضب الشديد من أن هناك من خطط ليوقعها في هذا الفخ الذي لا تعرف ماهيته حتى الآن...تكلمت بعدائية تكبح قلقها بها...
(من أنتما و ماذا تريدان؟!)
تكلم نفس الشخص مجددا بهدوء...
(ليس نحن بل والد الدكتور مؤيد هو من يريدك)
بهتت ملامحها بعدما عرفت هوية من يريدها...والد مؤيد الواقع في محل اعراب حماها يريدها؟!!...و أين كان هو منذ تزوجت و لماذا يترك ابنه و حفيده دون سؤال؟!...اشار الرجل للخلف حيث سيارة سوداء فخمة يقول...
(تفضلي فالسيد ينتظرك في السيارة)
تحركت خلفهما بخطوات رغم خوفها فضولية...من حقها ان تعرف اي شيء عن مؤيد و بالفعل كانت تسعى لتعرف و الآن أتت الفرصة حتى بابها ألا تفتح؟!!...وصلت للسيارة لترى الزجاج الأسود ينزل و يظهر وجه هذا الرجل المألوف...أليس هذا هو نفسه الذي خرج من مكتب مؤيد و نظر لها بطريقة لم تستسيغها؟!!!...حرك اصابعه بحركة شعرتها مهينة كي تنحني الى نافذة السيارة...خطت اليه و برأس مرفوع لا ينحني سألت بصوت واثق....
(نعم؟!!)
وصلها صوته الرخيم بثقة تقسم ان ثقة مؤيد جوارها صفر في خانة اليسار...يتكلم بصرامة متعجرفة منفرة بأمر صدمها للغاية...
(ابتعدي عن طريق مؤيد و اتركِ ابنه فأنتِ في حياتهما مجرد مربية مدفوعة الأجر)
اشتعلت عيناها بغضب لتهتف فيه بتساؤل مندهش من وقاحته...
(ما الذي تتحدث عنه أنت؟!!...من تظن نفسك لتهينني هكذا؟!!...أنا أساعد ابنه من باب الانسانية لا المال!!)
ببرود يتغلب على برود مؤيد قال...
(هذه المثاليات باتت واجهة غير مستخدمة هذه الأيام...أعرف جيدا أنك من عائلة بسيطة تبحث عن المال و ظهور مؤيد في حياتها كان فرصة لن تعوض)
اقتربت من السيارة لتنحني برغبتها الى نافذته تنظر في عينيه بحدقتين محتقرتين لتقول...
(لولا تربية هذه العائلة البسيطة لي لكنت أريتك مقامك الحقيقي الذي لن تغيره أموالك ابدا...)
انفلت غضبه دفعة واحدة ليهتف فيها بحدة...
(اخبرتك لا تدعي المثالية هنا فأنا أعرف جيدا نوعية البشر الذين يعرفهم مؤيد...مجرد حثالة)
اتسعت عيناها و الإهانات تتوالى عليها فتهتاج روحها...صوته الهادر لم يتوقف هنا بل اكمل بأمر ارعبها حقا من قسوة قلبه...
(ستتركين مؤيد و تخرجين من حياته هذا أمر...فلا يهمني سبب زواجكما سواء كان هو أو لأجل ابنه فأخر همي هو هذا الطفل فليمت و سنرتاح جميعا)
ارتعشت شفتاها بعدم تصديق لتسأله بخفوت متألم...
(كيف لك أن تكون أبا؟!!!...كيف تكره حفيدك هكذا؟!!)
ارتفعت عيناه خلفها ليجز على ضروسه قائلا...
(اسأليه هو من يملك الإجابة)
اغلق زجاج نافذة سيارته ليأمر سائقها ان يتحرك و يتركها هي بوجه متيبس من هول ما سمعته منه...التفتت للخلف لترى مؤيد واقفا يتتبع سيارة والده بأعين تشع نفورا...وقفت أمامه متسائلة بصوت مختنق...
(ما الذي يحدث بالضبط من حقي ان اعرف؟!)
نظر لها بجمود يداري مشاعر كثيرة داخله...لقد قلق حقا عليها فتوجه الى غرفة المراقبة في المشفى ليعرف مكانها و حينما وصل بدلا من ان يشعر بالراحة اجتاحه ضيقا يقتله و هو يرى و يسمع ما فعله والده معها...ألا يمنحه الهواء و يقتل من يحاول أن يمنحه له؟!!...اولها ظهره يخبئ كل شيء عنها فهي حبل يائيل الوحيد لو فلت سيغرق ابنه و يموت كما تمنى والده...همس بصوت هادئ
(لدينا حالات تنتظرنا....)
اهتاجت كليا فصرخت به و هي تجذبه من كم معطفه ليلتفت لها...
(هذا التجاهل و البرود لن يوقفني لأعرف كل شيء مؤيد...لن اصمت بعد الآن و قد اصبحت طرفا في حكاية ما... والدك اهانني و اهان عائلتي فلا تسألني الصمت مجددا!!)
أمرها بجمود زادها غضبا...
(لا دخل لك به...دعيه يفعل ما يحلو له)
صرخت به بحدة و قد قررت ان تلاعبه كما يلاعبها بدناءة مستغلة كل شيء لتصل لما تريد...
(إن لم تحكي لي ما يحدث بالضبط سأرحل و أترك ابنك لك...)
لمحت الصدمة تظهر جلية في عينيه فأردفت بنفس الصراخ...
(اخبرني الآن لماذا يفعل والدك كل هذا...لماذا يكره حفيده و يتمنى موته؟!)
بعينين ينضحان ألما صرخ بها بقوة جعلتها تنتفض من صوته...من هيئته...من كارثية ما قال...من هذا الألم في عينه و الذي يؤثر بها
(لأن يائيل ابنا غير شرعي)



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات