📁 آخر الروايات

رواية لقياك لي المأوي الفصل العشرين 20 بقلم اية احمد

رواية لقياك لي المأوي الفصل العشرين 20 بقلم اية احمد



الفصل العشرون


توقفت خطواتها البطيئة أمام السور الحديدي الصدئ المطل على البحر...رفعت كفها تستند به عليه بينما الأخير يتقبض على ورقة بيضاء بداخله...رفعت بصرها للبحر تتطلع فيه بصمت مطبق...انفاس مهتزة تهرب من رئتيها بارتجاف يوازي نظرة عينيها المصعوقة و الخائفة...ظلت فترة طويلة كما هي تناظر البحر بموجه الهائج و كأنه يعاني معها كارثية ما عرفته للتو...لحظات طوال مضت حتى تحركت يدها الى حقيبتها تلتقط منها هاتفها و تتصل به...عليه ان يعرف و ان يفي بعهده معها...عليه فعل هذا و إلا لا خلاص لها!!...
(داغر أريد رؤيتك ضروري في شقتنا)
في بيت السمري...
أغلق الهاتف معها موافقا على مقابلتها بشق الأنفس...فعقله ما عاد يستوعب ما عرفه قبل قليل من ابن عمه...لقد تغيب طيلة الاسبوع الماضي بحثا عن الشابين كحاله مؤخرا ليضمن صمتهما بنفسه و ابتعاده عن قبضة الشرطة لكنه فشل و كأنهما مكعب ملح ذاب في الماء...و الخبر الأشد وطأة هو ما سمعه قبل قليل ابن المراكبي تزوج الدكتورة!!!!
(ماذا ستفعل يا داغر؟!)
صوت حكيم القريب من أذنه اخرجه من دوامة عميقة معتمة...رفع بصره له بتيهٍ يسأله بعدم تصديق
(هل أنت متأكد من خبر زواج كرم بالدكتورة حكيم؟)
فلتت ضحكة ساخرة من حكيم يقول...
(أنزل و لف شوارع الحي و اسأل اصغر طفل يقابلك سيخبرك أن كرم تزوج منها)
اسودت ملامح داغر بشرٍ رغم تيه افكاره...زاد معدل تنفسه بصورة مخيفة فكل اوراق اللعبة تبعثرت بل احترقت و صارت رمادا لا قيمة له...صوت حكيم تسلل له مجددا يسأله...
(ما هي خطوتك مع ابنة عبد الصبور؟!)
ابتلع داغر ريقه بتفكير فهدير باتت لا قيمة لها في مخططه...لكنها الوحيدة التي وقفت جواره الأيام الماضية...قربها منه بات شيئا يخصه وحده و للعجب يستنفر ان يُمنح قربها هذا لغيره...صوت حكيم عاود التسلل مجددا
(لماذا صمت؟!!...هل اعجبتك الفتاة داغر و تريدها لك؟!...هل ستتخلى عن مخططك بهذه السهولة؟!!!)
ابعد داغر عينيه عن ابن عمه يقول باقتضاب...
(لا شيء يثنيني عن الانتقام من عائلة المراكبي)
ربت حكيم فوق كتفه بقوة يقول...
(هذا هو الكلام السليم يا ابن السمري...و الآن دعنا نستغل ما تبقى معنا من ورق)
ضيق داغر عينيه متسائلا بعدم فهم...
(أي ورق هذا الذي تبقى؟!)
ابتعد حكيم عنه ليقف قبالته قائلا بصوت منتشي...
(لا يا داغر لم اعتد عليك غبيا...لدينا العديد من الاوراق التي ستحقق غرضك كاملا)
اتسعت ابتسامته الخبيثة ليكمل...
(مثلا صور الدكتورة و التي بالتأكيد ستعلو قيمتها الآن بعدما اصبحت زوجة كرم...و هناك الحلوة ابنة عبد الصبور المتزوجة عرفيا منك...تخيل معي لو انتشر خبر زواجكما للعلن سنضع وقتها رأس سليمان ارضا)
تغضنت ملامح داغر بالضيق الغير مبرر له هو نفسه...فقاطع كلام حكيم بشدة
(نحي هدير جانبا الآن حكيم لأنني لن استفيد ما اردته كما لو كانت زوجة كرم...و الصور لأخر مرة سأقولها اخرجها من رأسك لأن ظهورها سيورطني مع الشرطة)
فلتت ضحكة متهكمة من حكيم ليقول بعدها...
(في كل مرة لا اريد التسرع في حكمي عليك لكنك في كل مرة تثبت انك اضعف من مجابهة ابناء المراكبي...كرم يسبب لك عقدة منذ الصغر و لا يزال داغر)
جن جنون داغر بعدما لفظ حكيم كلامه الجارح لشخصه...لم يشعر بنفسه و هو يكور قبضته ليضرب بها حكيم بقسوة في وجهه... يضرب مخلصا نفسه من متاهات دخل بها بإرادته و الآن ضل الطريق...لم يبتعد عنه إلا عندما ظهر سلطان يكبل كف داغر و يزيحه بعيدا عن أخيه...وقف داغر بصدر ينهت قائلا بكلمات متقطعة لاهثة بينما عيناه مسلطتان على عيني حكيم الذي نزفت شفتاه...
(كررها حكيم مجددا لأقتلك بيدي)
حجب سلطان جسد اخيه ليواجه هو داغر بطلته القابضة للروح قائلا بصوت لا يبرز ما خفي في بواطن روحه...
(و أنت لا تغتر بقوتك داغر و تذكر نحن اثنان بينما أنت واحد)
احتدت نظرة داغر بشدة فاكمل سلطان بهدوء مقيت...
(إن كان حكيم يساعدك فهذا لا يعني أنه تحت اشارتك وقتما تشاء...و ان كنت غرا لا يفقه من الانتقام ابجديته لا تلومه هو بل لُم نفسك...يا ابن العم)
زاغت عينا داغر بقلة حيلة و ضياع...ماذا الآن عليه ان يفعل...لقد كسر عرائس ابن المراكبي بالفعل لكن لماذا لا يقوى على التشهير بهما...كرم يتفوق عليه مجددا يسيطر مجددا...رفع بصره لابني عمه بينما انفاسه تحترق بغضب...تحكم في صوته المهدد رغم تأرجح تفكيره فقال...
(سيريكم داغر كيف يكون الانتقام و وقتها الزما جحوركما لأنني لن ارحم احد...يا ابن عمي)
تحرك قاصدا باب البيت ليخرج منه بعقل مشتت و روح غاضبة...عليه ان يصل لحل يمكنه من انهاء عائلة المراكبي...لا لم ينسى سنوات عمره في السجن و لن ينسى...هدير وقفت جواره و ماذا بها لقد فعلتها لأنها غبية وثقت بشخص مثله...يجب أن يعود لنفسه التي لا تتردد قبل الاقتناص من احدهم و سيفعل...ان هربت دكتورة الحي من تحت قبضتيه الآن سيهتم بشأن هدير حتى يرتب لزوجة كرم الحقيقية انتقاما مزدوج يليق بما فعلته ماضيا و حاضرا...
بعد نصف ساعة...
سمعت صوت المفتاح فتأهبت حواسها لتقف مبتعدة عن طاولة الطعام و تهرول ناحية الباب تستقبله...دلف بوجه محتقن و غضب مرتسم فوق ملامح روحه قبل وجهه...لم يقل حرفا واحدا بل تخطاها ليتحرك للداخل حتى جلس امام طاولة الطعام...تبعت خطواته بخطوات مترنحة و قلب مقبوض برعب...جلست جواره و همت بقول شيء ما لكن سؤاله قاطعها ليصيبها بالغباء...
(لماذا لم يتزوجك كرم؟!)
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم تهمهم بتيهٍ...
(ماذا تعني داغر ما شأن كرم بي أنا؟!)
احمرت عيناه بحقد ليقبض بقسوة فوق ذراعها و ينظر داخل عينيها بعينيه المخيفتين قائلا بهدير...
(ألم تعرفي بعد أن سليمان ارادك زوجة لابنه؟!...أم انك كنت ذكية كفاية لتلمحي رغبة كرم في الزواج من الدكتورة فوجدت ان تقبلين زواجا سريا فرصة لك)
اغرورقت عيناها بدموع متوجعة من قبضته و من كلماته الغير مرتبة و التي لم تستوعب منها اي شيء...تأوهت بضعف لتبكي بصوت مسموع بينما تقول...
(لا افهم ما تقوله داغر حقا لا أفهم اي شيء و أعتقد أن زواجنا تم دون رغبتي...أنا هنا اليوم لأخبرك عن شيء هام للغاية)
افلتها ليبعد وجهه عنها بحدة بعدما لمح دموعها اللعينة...صوت بكائها يصله فيلجمه و يخرسه بينما هي تعاند ضعفها لتهمس بخفوت باكٍ...
(داغر أنا في ورطة كبيرة...مصيبة تأكدت منها اليوم)
لم يمنح كلامها اهمية بل ظل على جلسته مبتعدا بوجهه عنها حتى افضت عن المزيد الذي جعله يتشنج في جلسته شاعرا ان الكون كله يتآمر ضده...
(أنا حامل داغر)
التفت وجهه لها كالطلقة يمرر نظراته فوق ملامحها الباكية مهمها بصدمة...
(ماذا؟!!!)
اطرقت برأسها يعلو نشيجها برثاء لما آل اليه حالها معه...تكلمت برجاء كبير نابع من ثقتها الواهية به و حبه الذي حكى عنه مرارا لها...
(يجب ان نسرع في اعلان زواجنا داغر...يجب ان تفي بوعدك لي)
صوتها الباكي تداخل مع صوت حكيم في رأسه ليزيد من تيه تفكيره أكثر...اشاح بوجهه بعيدا عنها و قد تكررت جملة حكيم التي انتقصت من شأنه في روحه فجعلته يغلي...وقف فتبعته عيناها الحمراوان بأمل وأده هو في لحظته حينما قال بهدوء شديد...
(هذه غلطتك هدير فتحملي عواقبها وحدك)
انتفضت خلاياها بهلع رهيب لتسرع و تقف تتشبث بذراعه متسائلة بهستيرية...
(ما الذي تعنيه داغر...هل تتخلى عني و عن ابنك...هل ترفض اشهار زواجنا للعلن كما وعدتني؟!!!)
سحب ذراعه من تحت كفها بحدة ليقول...
(لم أقل لك احملي مني كما لم اجبرك على الزواج...كله حدث برغبتك هدير تصرفي وحدك)
انحصرت انفاسها بصدمة جلية لتراقب وقفته بأعين متسعة تعاني التشوش...دموعها تتساقط و نبضها يخفت و عقلها يؤكد انها في خطر...وجهه الذي اصبح في مجال رؤيتها حينما مال اليها تنظر له برجاء و توسل أن يفي بعهده لكنه بدل وفاءه بكلمات اثارت رغبة التقيؤ بداخلها...
(لا تنكري انك استمتعت برفقتي كما استمتعت انا هدير)
فلتت الكلمة من بين شفتيها بوهن...
(رفقة!!!!)
ابتعد عنها يكمل بنفس اسلوب الحديث الملتوي لتتوه في تفكيرها غير عابئ بحجم الكارثة التي حلت بها...
(كنت سأفي بعهدي و اتزوجك علنا لكنني اكتشفت للتو ان عروس البحر الملاك ليست سوى فتاة تركض خلف المال...حينما عرفت ان كرم لا يرغبها لهثت خلف داغر لكن داغر لا يقبل ان يكون بديلا)
هزت رأسها نفيا ببكاء مرير تقول...
(انا لست كذلك اقسم لك داغر...ارجوك لا تتركني و انا في هذا الوضع...و اذا احببت ان تطلقني فلتفعل لكن اعقد علي رسميا بين الناس احفظ لي سمعتي و شرف ابي ارجوك...هل هذا جزاء ثقتي بك؟!!!)
هدر فيها بحدة آلمتها...
(لا أحد يضع داغر أمام الأمر الواقع يا ابنة عبد الصبور...أنت من حمل و أنت من سيُخلص نفسه بنفسه)
ضيقت عينيها الباكية بعدم فهم ما لبث ان تحول لصدمة كبيرة حينما قال...
(تخلصي منه قبل أن تكبر بطنك فأنا لم أعد أريدك)
صرخت بصوت كسير تتمسك بذراعه تتوسله ببكاء يقطع نياط القلب...
(لا داغر ارجوك لا تفعلها بي بعدما اجبرتني على زواجك)
ازاحها يقول بجمود حط على روحه فلا ينكر انه في هذه اللحظة لا يريد فعل هذا بها لكنه عاد لينتقم و لن يتراجع...
(ابتعدي عن طريقي هدير)
بهتت ملامحها بجزع تنظر له بأعين التهبت من فرط البكاء...لم يتحمل مزيد من التشتت او الخروج عن طريق خطته لذا ابتعد عنها مشيحا بنظره حتى وصل الى باب الشقة يخرج منه سريعا متحاشيا صوت بكاءها...
راقبت الباب الذي اغلقه بوجه تلبد...عيناها حانتا منهما نظرة الى بطنها من خلف عباءتها لتهمس بصوت مقهور مرتعد...
(يا للمصيبة...لمن ألجأ أنا؟!!)
تهاوت على الكرسي خلفها تبكي بصوت دامي...تعتصر بقبضتها بطنها و عقلها يعرض لها صورا من المستقبل القريب جدا حال عرف الجميع عن زواجها و حملها...اغمضت عينيها تنتحب بصوت مسموع...ماذا قال هو عن كرم؟! هل فكر بها كرم كزوجة حقا؟! إذًا لماذا لم يتخذ خطوته اليها بل ذهب بها الى الدكتورة!!...يا ليتها عرفت انها في بال سليمان لابنه يا ليتها لم تصدق داغر و لو للحظة يا ليتها لم تخشى فضيحة كانت بريئة منها حينها أما الآن جلبت لنفسها فضيحة شاركت بها...وصفها بالملاك بكل قسوة و هي فعلا كذلك هي مجرد ملاك تدنس حينما وطأ جنته...لم تكن جنة هدير بل كانت نارا احرقتك!!!

دلفت من الشرفة بعدما أشرق الصباح و بدأ أهل الحي يملئون الشارع...لقد رحل كرم بعد صلاة الفجر في رحلة صيده...تاركا إياها هنا بمفردها في بيت عائلته الذي لا تعرف فيه أحد...زفرت زفرة متوترة خوفا من الاختلاط بهم غير شعورها المرهق نحوهم بالذنب...نزعت وشاحها تضعه فوق السرير الذي جلست عليه تفكر مليا كيف ستقضي اسبوعا كاملا حبيسة هذه الغرفة...وجوده كان مؤنسا رغم حرجها منه حتى دخول أمه لهما لجلب الطعام كانت تتخطاه معه...دوما هو متصدر الصورة و هي محتمية به خلفا...تنهدت بصوت مسموع تدعو ان ينتهي الاسبوع قبل ان يبدأ...امتطت بجسدها تأخذ هاتفها من جوار السرير تنظر في ساعته لتجدها السابعة و النصف صباحا...الوقت لا يزال باكرا جدا لمهاتفة أريج...وضعت هاتفها مكانه مجددا ثم استقامت تتوجه الى الخزانة تفتحها و تلتقط منها منامة جديدة و تتحرك الى الحمام لتغتسل عل الوقت يذوب منه القليل...
بعد دقائق...
قد انهت حمامها و مشطت شعرها لتعاود التقاط الهاتف من جديد و تحاول مهاتفة أريج...الصوت المسجل بأن الهاتف مغلق أثار رعبها عليها لذا لم تفكر لثانيتين قبل أن تقرر الاتصال بديما علها تريحها هي...
(صباح الخير ديما كيف حالك؟)
وصلها صوت ديما المرح تجيب بنشاط...
(صباح الورد يا عروس انا بخير و سأكون افضل حالا حينما تجدون لي عريسا اتزوجه)
ابتسمت غسق بدفء لتجلس على السرير و تقول بصوت حنون...
(لا تتعجلي و سيأتي هو بمفرده و أراهن انكِ حينها ستهربين منه أنتِ)
صاحت ديما بتعجب كبير...
(أهرب منه!!!...هل انا معتوهة يا ابنتي فقط دلوني عليه لأتزوجه و أصبح ربة منزل مثالية)
فلتت ضحكة من غسق خافتة لتقول بدهشة...
(ستتخلين عن عملك!!... ربما سأصدق ما وصلني و أن ابن عمك المتعجرف يعذبك عن طريق العمل)
حمل صوت ديما الارهاق و التعب لتتقمص دور البكاء قائلة...
(انه يستعبد طاقم العمل كله يا غسق...من أصغر عامل حتى أكبر طبيب)
وصل بها حديث ديما الى حيث تريد فلملمت بسمتها لتسألها بترقب قلق...
(صحيح ديما أحاول الاتصال بأريج منذ أيام و هاتفها مغلق هل ترينها في المشفى فبالي منشغلا عليها)
تلعثمت ديما بصورة ملحوظة لترد سؤال غسق بسؤال آخر...
(ألم تعرفي بعد ما حدث؟!)
انقبض قلب غسق بخوف فسارعت بالنطق بكلماتها التي خرجت كتكرار لسؤال ديما...
(ماذا حدث؟!!)
طال صمت ديما حتى سمعت غسق انفاسها المتوترة فهتفت بجزع...
(هل أريج ليست بخير؟!!)
اسرعت ديما تجيب بعدما تلمست خوف صديقتها...
(اصبحت الآن بخير)
ابتلعت غسق ريقها بتوتر تقطب ما بين حاجبيها بعدم فهم و تسأل...
(ماذا تعني؟!!)
زفرت ديما لتقول بهدوء تمتص عبره صدمة غسق الأكيدة من حدوثها...
(لقد تعرضت أريج لحادث)
انتفضت غسق من فوق السرير تلهث بينما تتشبث بكلتا يديها بالهاتف فوق أذنها تهتف بعدم تصديق...
(يا الهي!!! حادث كيف و متى حدث؟!!)
حاوطت ديما خوف غسق بنفس الهدوء كي لا تخرج الأخيرة عن شعورها...
(اهدئي غسق اقسم لك كل شيء بخير الآن...لقد تعرضت لحادث في المشفى في ثاني يوم عرسك لكن الحمد لله اصابتها لم تكن خطيرة و خرجت من المشفى بعدها بأيام و حاليا هي في اجازة مرضية)
اتسعت عينا غسق بذهول لتهمس بعدم استيعاب...
(كل هذا حدث و لا أعرف!!... لماذا لم يخبرني أحدكم؟!)
تنهدت ديما ببطء تقول...
(و الله ظننتها عرفتك بما حدث لها لذا صمت أنا...ثم بالله عليك لم ارد مهاتفتك هذه الأيام لأنك عروس لا يجدر بنا ازعاجك و تريدين مني ان اهاتفك لأفجعك بحادث أريج!!)
حكت غسق جبهتها بأصابع ترتعش لتهمس بخفوت متوتر...
(لا بأس ديما...هل هي بخير حقا؟)
وصلها صوت ديما المؤكد...
(نعم بألف خير لا تقلقي حبيبتي و لا تحزني منها إذا لم تخبرك كانت تخشى ان تفسد فرحتك بالتأكيد)
هزت غسق رأسها بتفهم لتصاحبه بالقول...
(حسنا حبيبتي عملا موفقا و سأحاول أنا الوصول لها لأطمئن عليها)
انزلت الهاتف عن أذنها و قلبها لا يزال غير مطمئنا على صديقتها...زفرت زفرة مرتعشة و عقلها يرسم لها مئات السيناريوهات لبشاعة الحادث الذي تعرضت له أريج...يجب ان تطمئن عليها لكن كيف و هي تغلق هاتفها و لا تعرف ما السبب...يجب ان تراها بعينيها ليرتاح قلبها...تحركت في الغرفة تفكر جديا في زيارة أريج لكنها ستواجه صعوبات عديدة فهي عروس لم يمضِ على عرسها سوى أسبوعا...غير انها تتوتر من معاملة من يسكن خارج هذه الغرفة و لا تعرف كيف ستكون ردود افعالهم لطلبها هذا...ضاق صدرها من كثرة التفكير و قلة حيلتها فزفرت مجددا بقنوط تحرك بصرها في كل الاتجاهات...حتى توقف هناك عند المشجب المجاور للخزانة حيث سترة منامته التي نزعها قبل ساعات ليبدلها بقميص قديم و سروال جينز لا يقل عنه قِدما...عيناها ثبتتا عليها لفترة و كأنها هنا تخبرها بأنه دوما معها حينما تضيق بها الدنيا...قضمت شفتيها بتفكير لم يطل لتعيد بعده رفع هاتفها الى اذنها تتصل به دون تردد...
في المركب...
على عكس عادته تعلقت عيناه بأيوب الشارد بوجوم شديد بدلا من ان تتعلقا بالبحر ككل مرة...صديقه به شيء مختلف منذ تزوج و قد ظن ان بعد زواجه سينسى و يتهيأ لحياة جديدة وافق عليها فبعد كل شيء زوجته لا ذنب لها...تحرك متجها نحوه حتى اقترب منه فتنبه له أيوب و قد رفع رأسه اليه لكن رنين هاتف كرم اوقف حركته ليضيق عينيه بتعجب فلا أحد يهاتفه حينما يكون في البحر و خصيصا عند بدء رحلته كالآن...دس يده في جيبه يخرج هاتفه و ينظر به فيعلو نبض قلبه بمشاعر كثيرة تغلب فيها القلق على العشق...اولى جانب جسده لأيوب و فتح الخط يقول بصوت مترقب ملهوف...
(غسق ماذا هناك؟!!)
شعر أيوب بالقلق فرغما عنه تأهبت حواسه لحديث صديقه مع زوجته...كل ما يدور في عقله الآن هل كُشف امرهما؟!!!... انتبه لصوت كرم الآمر بهتاف عالٍ بعض الشيء لكنه يعرفه جيدا فعلو صوته هنا لا يعني الصرامة بل يعني انه يتفتت من القلق عليها...
(غسق اهدئي قليلا و تكلمي ببطء كي أفهم ماذا حدث و من اصيب!!)
تخصر في وقفته يداري لهفته عليها و هي تهمس بصوتها المهتز داخل مسمعه فيتغلغل صوتها لأعماقه...لحظات منحها فيهم ما تريد من حسن الانصات لتنفك كفه من فوق خصره و تلين ملامحه قليلا فيقول...
(لا حول و لا قوة إلا بالله متى اصيبت و كيف هي الآن؟!)
فهم أيوب أن الأمر مختلف عما ظنه فوقف ليتحرك مبتعدا مانحا صديقه حرية الحديث مع زوجته...تابعه كرم بعينيه يتحرك الى الجانب الآخر من المركب بينما يستمع الى غسق...حينما اختفى ايوب من مجال نظره التفت يستند على سور المركب الحديدي قائلا...
(نحمد الله انها بخير الآن لا تخافي فصديقتك اخبرتك انها تركت المشفى بحالة جيدة)
صوتها وصله راجيا حينما قالت...
(أريد زيارتها لأطمئن عليها)
تنهد بهدوء مقدرا خوفها على صديقتها الطبيبة...هو نفسه يشعر بالحزن لما اصابها فبعد موقفها مع غسق يوم حادثها و هو يحمل جميلها في عنقه...رد بهدوء شديد و كأنه يحدث طفلة صغيرة...
(أنت عروس لم يمر سوى اسبوعا على زفافك و لا يصح خروجك من البيت بعد هذا الوقت القصير و زوجك ليس معك ايضا)
انفاسها المهتزة القريبة جدا منه تحثه على اغماض عينيه و التنعم بها...انتبه لصوتها الخافت و هي تقول بنبرة يائسة مهددة بالبكاء...
(أعرف كل هذا لكن...انها أريج)
رفع رأسه عاليا يناظر السماء فقال بهدوء مهادنا اياها...
(و انا ايضا اعرف انها غالية عندك...انا لا امانع زيارتك لها و لكن هناك اصولا فُرض علينا اتباعها)
صمتت كما صمت هو فشعر بقلبه ينخلع من مكانه حينما ضربت شهقتها الناعمة أذنه لتقول...
(انا قلقة عليها جدا كما انها تغلق هاتفها و لا اجد طريقة اتوصل لها بها...)
انزل رأسه بسرعة و ابتعد عن السور يقول بصوت حنون...
(لا تبكين و اهدئي...سأعود بعد اسبوع ان شاء الله و أول شيء افعله هو أخذك لزيارتها هل هذا يرضيكِ؟)
وصله صوتها المتلهف باقتراح خرج من بين انفاسها المرتعشة كطوق نجاة...
(ما رأيك أن يأخذني أبي اليها؟!)
احنى رأسه و عاد يتخصر مجددا قائلا بحنان شديد...
(لا يصح حتى هو سيرفض فعل هذا...الناس لن تصمت لو رأوا والدك يأخذك من بيت زوجك بعد اسبوع زواج و لا واحد منهم سيهتم ليعرف ان العروس تقوم بزيارة مريضة!)
همسها الناعم بعفوية متوسلة ألجمه...
(ارجوك كرم...ارجوك)
في هذه اللحظة لم يتمالك نفسه ليغمض عينيه متنعما بهذا السحر الناعم الذي منحه الله اياه حينما جعلها زوجته...طال صمته دون قصد حتى سمعها تقول بصوت عاد للعقلانية بعدما ركنت الاستجداء جانبا...
(لا بأس لقد تحملت معي فوق طاقتك كثيرا...رحلة سالمة)
كادت تغلق الخط لكنه ناداها بسرعة قائلا...
(انتظري و لا تغلقي)
تنفس بعمق ليكمل...
(أنتِ زوجتي و لك علي حقوقا يجب ان امنحها لك فلا تعطي لخيالك مساحة تفكير و لو صغيرة بأنني مجبرا لفعل أي شيء يخصك...و بخصوص صديقتك سأتصرف)
همهمة مودعة وصلته منها ليغلق بعدها الخط و ينظر مليا الى هاتفه في يده ليهمس بخفوت...
(ضيقة عقل دوما أنتِ يا غسق...لست مجبرا يا بنت بل عاشقا يهيم بك و يريد راحتك حتى لو على تعبه هو)
في الجانب الآخر من المركب...
شاردا في زرقة البحر حوله يعيد لقاءه بها بعد مناداتها بفلك كل لحظة...كانت عادية للغاية لم تظهر له اي ضيق بعدما عاد ليقضي ليلة خاوية كعادته معها...ينامان فوق نفس الفراش ينأى بنفسه بعيدا عنها خوفا من ان يظلمها بقربه الخالي من المشاعر... لكنه هكذا ألا يظلمها؟!!!... زفر زفرة متعبة للغاية يرفع كفيه و يحيط بهما عنقه من الخلف رافعا بصره للأعلى يناجي ربه كي يعينه على ما هو به... ما كان يخشاه ها هو يحدث و مودة باتت ذنبه الملفوف حول عنقه...همهم بصوت تعب من كثرة التفكير و الترقب...
(اللهم دلني على الخير لأجلها هي يا رب...اشعر بذنبها يطوقني فلا اقوى على التنفس...ارجوك كن لي عونا كي لا اظلمها و سامحني لما فعلته بها لكنك تعلم انه دون قصدي و خارج عن ارادتي...و الله خارج عن ارادتي)
نكس رأسه بعدها بصمت يتنفس بصورة متسارعة...يستعيد كل لحظة مرت عليه مع مودة...كم مرة كسر بخاطرها و خطف فرحتها ليدهسها بمُر ما يعيشه و لا تفقهه هي...الفتاة تبدو قبلته بكل روحها كزوج و استعدت لتكمل معه حياتها فما باله لا يزال قلبه يفكر في فلك و التي يعلم خير العلم انها الآن تنعم في احضان غيره بكل إرادتها...دفن رأسه بين ركبتيه اللتين رفعهما لينهي هذا العذاب المسمى بالتفكير...يحتاج ان يعيد صياغة صورة حياته مع مودة و هذا ما سيحاول بكل جهده ان يفعله حينما يعود...
بخطوات ساهمة نزلت الدرج تتوجه بآلية نحو باب البقالة المتواجد داخل البيت...وصلت الى عتبته و قبل ان تخطو سمعت صوت امرأة ما مع أم ايوب فشعرت بالحرج من الظهور امامها الآن...ابتسمت بمرارة ساخرة فهي لا تزال عروسا و لم تتعرف على أحد هنا بعد...ارهفت السمع لصوت المرأة الصاخب مع حماتها حينما قالت...
(و الله يا أم أيوب كدت اشد شعري غيظا منها...الفتاة تتبجح على حماتها أمامي دون خشية او حياء!!)
شهقت أم ايوب بصدمة لتقول...
(عيني عليها أم كمال و على حالها...هل لأنها طيبة و تمرر الكثير لزوجة ابنها تستغل هذه الفتاة هذا!!)
تشدقت أم عيد بنزق تقول...
(آه يا أم أيوب فتيات هذه الأيام غيرنا حينما كنا في نفس سنهن)
هزت أم أيوب رأسها موافقة لتردف...
(هذا كله يرجع لتربية اهلهن لهن فبسم الله ما شاء الله زوجة أيوب ابني كالبلسم ينشرح الصدر لها)
احمرت مودة خجلا من اطراء ام ايوب لها فشعرت بالحرج من التنصت أكثر...تحركت لتبتعد عن باب البقالة الداخلي لكن أم عيد التقطتها بعينيها خصيصا مع هذا اللون الملفت لعباءتها...صاحت المرأة ببسمة اظهرت اسنانها المتكسرة...
(ابن الحلال عند ذكره يبين...ها هي عروس أيوب تعالِ حبيبتي لا تخجلي مني أنا أم عيد)
التفتت أم أيوب تنظر الى مودة التي كبلها الحرج فتضحك ببشاشة و تدعوها للدخول...دلفت مودة بوجنتي حمراوين تسبل اهدابها مستمعة لمدح ام عيد لها...
(بسم الله قمر في ليلة تمامه...هل تخبئينها عن الحي يا ام ايوب خوفا من العين؟!)
تمسكت ام ايوب بكتفي مودة تقربها منها ببسمة سعيدة لتناغش ام عيد قائلة...
(من يحق له رؤيتها هو ابني فقط...كما ان ايوب يغار عليها من الهواء فظهورها هكذا صعب قليلا)
تغضنت ملامح مودة بالحزن الشديد لعدم صحة أي كلمة من كلمات حماتها... أيوب لا يعرفها حتى يغار عليها...رمشت لمرات متتالية كي تمنع دمعة متألمة من الهطول...اصغت لحديث ام عيد التي قالت..
(لو أردتم اخفائها عن الحي بأسره لن تخفى على ام عيد التي تعرف كل شخص هنا منذ ولدته أمه و حتى اليوم...الحي كله من كبيره لصغيره يقبع هنا)
تتبعت عينا مودة اصبع المرأة و هي تؤشر على رأسها عندما نطقت جملتها الأخيرة...ضيقت عينيها بتفكير بينما تتفحص أم عيد جيدا و بعدما رست على بر لما نوته ابتسمت بحياء تقول...
(خالتي هلا وصفتي طريقة عمل الشراب الذي صنعته قبل يومين لعمي رجب)
تفحصت ام ايوب وجه مودة لتسألها بترقب...
(لمَ حبيبتي؟!)
استرسلت مودة في كذبتها الصغيرة فقالت بنبرة خافتة...
(اشعر بإعياء منذ استيقظت و بطني يؤلمني قليلا)
ارتعشت بسمة كبيرة على ثغر ام ايوب و عيناها التقطتا بطن مودة بأمل كبير لتهمس بنبرة سعيدة...
(سأصنعه لك أنا حبيبتي حالا اجلسي أنتِ هنا و لا تتحركي كثيرا)
اجلستها ام ايوب على الكرسي الخشبي المتواجد في البقالة لتمضي للداخل سريعا بينما تتمتم...
(اللهم اجعلها بشارة خير ليفرح قلبي)
تابعت مودة اختفاء حماتها لتتوجه بنظراتها الى ام عيد التي بدأت الحديث دون دعوة...
(يبدو سنسمع خبر سعيد قريبا...اهتمي بصحتك و لا تحملي الاشياء الثقيلة و بعدما تتأكد البشارة لا تعلنوا الخبر سريعا انتظري حتى يستقر كل شيء...هذه الاشياء تُحسد)
صبغت مودة بسمة فوق ثغرها تجاري حديث أم عيد فقالت...
(هل تعرفين كل الناس هنا حقا؟)
شمخت أم عيد في وقفتها لتقول باعتداد...
(بالطبع اعرفهم كلهم)
سحبت مودة نفسا عميقا لتعود برأسها للخلف تراقب الاجواء قبل ان تصل ام ايوب...التفتت للمرأة تسألها بصوت خافت متردد و مرتعب من الإجابة...
(هل لو سألتك عن أي شخص ستعرفينه؟!)
اومأت أم عيد بتأكيد جعل مودة تلقي سؤالها دفعة واحدة...
(تعرفين واحدة اسمها فلك؟!)
بهتت ملامح ام عيد بينما تناظر مودة بتفحص اثار التعجب في روحها...ضيقت ام عيد عينيها لتسأل مودة
(لماذا؟!)
قضمت مودة شفتيها المرتعشتين لتهمس بكذبة جديدة...
(سمعت اسمها من أكثر من امرأة هنا في البقالة فدفعني الفضول لأعرف قصتها)
تنهدت ام عيد و نظرتها الثاقبة توضح لمودة انها لم تصدق كذبتها لكنها قالت بهدوء شعرته مودة تحذير اكثر منه نصيحة...
(لا تسألي عن شيء إن وضح لك اتعب قلبك)
تقبضت كفي مودة على عباءتها لتبتلع ريقها بوجل و تسأل بصوت متخوف...
(و ما دخل قلبي في معرفة قصتها؟!)
هزت ام عيد رأسها مجددا لتقول بصوت موبخ...
(لا اعرف ماذا سمعتي عنها لكن ما اعرفه ان الافصاح عن المزيد عنها لن يجلب لك سوى المتاعب لذا لا تفكري بها مطلقا و اهتمي بحياتك مع زوجك وحافظي عليها)
وصلت ام ايوب الى البقالة تحمل قدح من الشراب الساخن فوصلها صوت ام عيد...
(سأذهب أنا يا ام ايوب...خذي كنتك للداخل فوقوفها هنا سيء عليها)
اومأت أم ايوب لها تودعها حتى اختفت من امامها...مدت يدها بالقدح الى مودة المتماسكة بكل قوتها كي لا تبكي...حديث هذه المرأة اشعل دواخلها و لم يطفئها...هل هناك ما جمع بين ايوب و فلك هذه؟!..
(مودة حبيبتي خذي اشربي هذا و اصعدي غرفتك لترتاحي...و لا تتعبي نفسك هذه الأيام لربما اصابت ظنوني و كنت حامل)
نظرت لها مودة نظرة أسف دامعة لتحمل منها القدح و تقرر ان تنهي كذبتها ها هنا...فبعد كل شيء ام ايوب لا تستحق منها فرحة كاذبة...
(سلمت يداك خالتي لكن...لا يوجد حمل لقد انتهت دورتي الشهرية قبل ايام)
عم الحزن على روح ام ايوب فطفح على ملامحها مما اوجع قلب مودة أكثر...لكنها رسمت بسمة مشجعة لتتمسك بيد مودة و تقول بأمل لا يتبدد..
(لا بأس حبيبتي ان لم يحدث الآن سيكتبه الله لكما فيما بعد...هيا كي ترتاحي ما دام تشعرين بالتعب)
مالت مودة باعتذار غير منطوق تقبل وجنة ام ايوب و تحمل القدح متوجهة الى شقتها في الأعلى لتصارع غياهب تفكيرها ككل يوم...و حينما وصلت وضعت القدح فوق طاولة الطعام تلتقط هاتفها من عليها و تتصل بأختها...فور سماع صوتها المرح فرت دمعة ساخنة من عين مودة لتهمس بصوت متعب...
(مسرة أنا متعبة)
تبدلت لهجة مسرة للترقب القلق فسألت اختها بتوجس...
(مما حبيبتي احكي لي ما بك؟!)
جلست مودة على كرسي طاولة الطعام تهمس ببكاء خافت...
(أيوب....يرهق قلبي معه)
صمتت مسرة بتفكير لتسأل بعدها...
(هل يسيء التعامل معك...احكي مودة لأنه لو حدث منه ما يؤذيك لن نسكت و أبي لن يسكت)
وضعت مودة يدها فوق جبهتها تمسح عرقها بارتعاش و تهمس...
(أنا لا افهمه مسرة لا افهم هل اعجبه أم لا...كل شيء حولي يتعبني عقلي مرهق من كثرة التفكير)
تنهدت مسرة لتقول بهدوء...
(ربما أنتِ تفهمينه بشكل خاطئ فلا تنسي انه غير زمان لقد كبر و تغير)
سحبت مودة نفسا مرتعشا و لم تقوَ على الرد...فوصلها صوت مسرة المقترح
(ما رأيك أن توضحي معه الأمور)
همهمت مودة بخفوت...
(كيف؟!)
قالت مسرة بيسر في محاولة منها لإزاحة حزن اختها و قلقها...ألا يكفي انها بعيدة عنهم في مدينة غريبة بمفردها..
(تحدثي معه عن شعورك بلا تزييف و اخبريه ان هذا يضايقك و هذا لا تحبينه...صارحي زوجك مودة بما يقلقك و لا تخشي شيئا حبيبتي لكن ان تبقي متأرجحة بين لهيب افكارك فهذا لن يفيد)
هزت مودة رأسها بموافقة لتغلق الخط مع اختها...مواجهة صريحة هذا ما تحتاجه مع ايوب فقط لتفهم من هي في حياته و ماذا تعني له...و الأهم من هي فلك التي تسربلت حروف اسمها من بين شفتيه بسهولة حميمية تتمنى فقط لو ينطق اسمها هي بها؟!..

في المساء...
تحركت في الغرفة ذهابا و إيابا و الهاتف فوق اذنها تحاول جاهدة ان يلتقط اشارة واحدة تؤكد حبل التواصل مع أريج...بعدما تعبت القته بحنق فوق السرير و توجهت ناحية الشرفة المفتوحة على وسعها...الستائر البيضاء تتراقص بحرية بفعل نسائم الليل الباردة و المحملة بتيارات البحر القريب...تلامس وجهها المرهق بنعومة جعلتها تغلق عينيها و تتخلى عن تجاعيد جبهتها...تنفست بهدوء و كل ما بها يضج بأمل أن تسمع خيرا عن صديقتها قريبا...سمعت صوت الطرقات على الباب فعقدت حاجبيها بتعجب...الوقت اصبح بعد العشاء و منذ تزوجت لا أحد يقترب من غرفتها في هذا الوقت...ابتعدت عن الشرفة متوجهة الى الباب و عقلها يرجح انه لربما لأن كرم ليس هنا فلا حرج من دق بابها الآن...تمسكت بمقبض الباب تسحب نفسا كبيرا ثم ترسم بسمة صغيرة و تفتحه...قابلتها هبه بوجه مبتسم طيب تقول بحرج بعدما رمقتها بتفحص..
(ألم تجهزي بعد؟!)
حافظت على بسمتها لتضيق عينيها و تتساءل بعدم فهم...
(لأي شيء اتجهز؟!)
قطبت هبه ما بين حاجبيها تهمهم بصوت متعجب...
(لزيارة صديقتك المريضة!)
اتسعت عينا غسق بعدم فهم تام لتعاود السؤال...
(من أين تعرفين بشأن صديقتي المريضة؟!)
ابتسمت هبه برقة تقول...
(يبدو أنك اخر من  يعلم...لقد هاتف كرم أبي الحاج بعد صلاة العصر يخبره بأهمية زيارتك لصديقتك المريضة و بعدما وافق أبي الحاج أوصى صالح و أنا كي نوصلك و نعود معا)
تلاشت بسمة غسق لتتجمد ملامحها بذهول كبير فتهمس بعدم تصديق...
(هل فعل كرم هذا و لماذا لم يخبرني؟!... و هل وافق والده هكذا بسهولة؟!)
اردفت هبه ببشاشة مؤكدة...
(بالتأكيد انقطعت التغطية ففي رحلات الصيد نفقد التواصل معه دوما... الأمر ليس سهلا كما تظنين فأبي الحاج لم يوافق في البداية و لكن كرم أصر عليه و أكد ضرورة ذهابك بلا تأجيل)
اهتزت انفاس غسق بقوة دون شعور منها...ظنته فرض أمره بألا تذهب و انتهى الأمر...لكنه كان يحاول اقناع والده برغبتها...انتبهت لصوت هبه الرقيق...
(هيا تجهزي يا دكتورة فأنا و صالح جاهزين)
اومأت لها بنظرات غير مصدقة لتغلق الباب استعدادا لتتجهز...اسرعت الخطى الى هاتفها تلتقطه و تتصل به...هاتفه المغلق جعلها تزمجر بغضب حقيقي هل كل من تهاتفهم سيكون هذا الصوت المسجل الرد عليها؟!...زفرت بقنوط تفكر في خطوة الخروج من هنا اليهم...في الواقع الآن يتفاقم بداخلها شعور بالحرج منهم جميعا و بالأخص هو...كرم
تجهزت سريعا و قد خرجت لأول مرة من غرفتها هنا...تحركت متجهة الى صالة البيت و حينما وصلت تلكأت خطواتها بتوتر...كلهم متواجدين ينتظرونها و على ملامحهم الاستياء...ابتلعت ريقها بتردد فكل رغبتها ان تلتفت للخلف و تعود الى غرفة كرم لتحتمي بها حتى يعود...صوت صالح الهادئ حثها على المضي قدما اليهم...
(هيا يا دكتورة كي لا نتأخر)
اومأت له بنظرة محرجة و استكملت خطواتها حتى توقفت عند صفية...شامخة في وقفتها معتدة بنفسها تتفحصها مليا باهتمام رغم نظرة الضيق في عينيها...ابعدت غسق نظراتها عنها ثم همست بتبرير لما يحدث...
(آسفة جدا لطلبي و توقيته الذي لا يصح لكنها صديقتي المقربة و التي احتوتني في أصعب مواقف حياتي...ليس سهلا أن اسمع بأنها اصيبت في حادث و لا اطمئن عليها)
تدخلت سهر بعصبية زائدة تقول...
(الناس في الشارع لا يعرفون كل هذا و إن لمحكِ أحدهم لن تصمت الألسن خصوصا و إنها طالتكِ من قبل)
اشتعلت عينا غسق في نظرة غاضبة ترمق بها سهر...أن يؤشر الناس على جروح روحك باستهانة و صلف لهو مؤلم أكثر من هذه الجروح نفسها...توترت الاجواء بعد جملة سهر الملغمة لتقطع غسق هي هذا التوتر حينما تماسكت كليا لتقف ندا لها قائلة بهدوء ينافي نظرتها المتقدة...
(كيف طالتني لا أفهم؟!!)
ابتسمت سهر بخبث لتستكمل حديثها خصيصا ان صمت الجميع اوحى لها بأنهم موافقون على ما تفعله...
(ألا تعرفين ما قيل و انتشر عنكِ بين أهل الحي؟!)
زادت وتيرة تنفس غسق و ذكرى الحادث تهدد بالعودة اليها...لا لن تسقط أسيرة لها مجددا لقد تعبت من تجديد شعور الألم... ستبحث في عقلها عن أي ذكرى غيرها... ذكرى تمنحها القوة كي لا تفشي سرها للغير... و قد ومضت واحدة داخل عقلها الآن لمن هي الذكرى؟!... تتضح شيئا فشيء تكاد تكتمل انها له لكرم... ليست ذكرى بل اكثر كلهم يتوالون عليها ليمنحونها الدعم... تقبضت فوق كفها تتحكم في ردود افعالها لتقول بثقة كبيرة...
(لو أن ناشره يملك من الشجاعة و الحق ما يكفي لوصلني ما افتعله)
تلونت ملامح سهر بالغيظ من قوتها التي تثقل كفة ان ما ذيع ليس سوى افتراء...شمخت غسق برأسها لتصدر صورة مكررة من وقفة صفية و تقول بصلابة مهددة...
(لا يوجد شيء أكثر تفاهة من أن يسلم المرء آذانه للناس... كما انني لن اتهاون في اي شيء يمس اسمي و اسم زوجي...انا هنا لأحفظه له في غيابه و اقطع ألسنة من يتطاول على زوجة كرم المراكبي)
نظرة عين خاطفة حملت تباريح الرضا تبادلها سليمان مع زوجته...انتبها لغسق التي توجهت تقف أمامهما لتقول بنبرة شديدة الأدب...
(أعرف أن ما اطلبه منكما صعب و لا يليق بعروس حديثة العهد لكن حقا احتاج الاطمئنان عليها ارجوكما)
تكلم سليمان بهدوء مهيب...
(لقد اوضح كرم الصورة و قد منحتك القبول ابنتي)
ابتسمت بشكر له تهمس...
(شكرا لك عمي)
و قبل ان تخطو حيث يقف صالح و هبه اوقفتها يد صفية التي لامست حجابها تعدله بينما تقول قرب أذنها بصوت لا يسمعه غير غسق...
(دائما قفي في ظهر زوجك هكذا و لا تهتمي بالقيل و القال...هو ايضا يدافع عنك و عن حقوقك باستماته جعلت سليمان يوافق على أمر كخروجك في هذا التوقيت)
ابتعدت عنها تبتسم بشموخ ليعلو صوتها حينما قالت...
(صالح سيهتم بكل شيء اذهبي لتطمئني على صديقتك يا زوجة كرم)
هذا اللقب دفع بداخلها شعور بالعزة...و كأن صفية منحتها كنية القوة في كلمتين...اومأت برأسها موافقة لتتوجه حيث الباب بعدما سبقها صالح للأسفل يجهز سيارته...
بعد خروجها احتدت نبرة سهر بغيظ من كل الصلاحيات التي تُمنح لغسق لتقول...
(غدا سينتشر خبر خروج العروس من دون عريسها و سيرتنا ستصبح على كل لسان!)
صوت سليمان صدر موبخا بحزم...
(إن حدث و تجرأ احدهم على قول كلمة واحدة عن زوجة ابني سيطولني أنا العيب لا أنتِ سهر فأصمتي و لا تُسمعيني كلاما يثير غضبي)
لملمت سهر غضبها لتهمس بصوت فتته الغيظ...
(لا تؤاخذني يا أبي الحاج لم أقصد اغضابك بل قلبي على كرم و سيرته)
تدخلت صفية تنهي حديث زوجة ابنها الغير مستساغ خصيصا و ان حديثها هكذا يعد تعديل على قرار سليمان و كأنها تقولها بلا قول "لقد اخطأت"..
(انتهينا سهر الى غرفتك حتى يعود زوجك من الميناء)
زفرت بصوت مكتوم لتتحرك الى غرفتها بخطوات عصبية...هز سليمان رأسه برفض لما يصدر من زوجة ابنه ليقول..
(لا حول و لا قوة إلا بالله...لا بد أن اتحدث مع خالد ليقوم زوجته و إلا ستصبح حياته لا تطاق)
ربتت صفية على ذراعه تقول بتعقل...
(خالد يحكم غضبه قبل عقله أخشى أن يؤذيها إن فهم من حديثك انك متضايق منها...دعها لي أنا أعرف كيف اسيطر عليها لا تخف)
حوقل سليمان مجددا ليقول بجدية...
(انها تغار من زوجة كرم و قبلها تغار من زوجة صالح غير غيرتها من ابنتاي لا أفهم كيف تتعايش مع سواد نفسها هذا!!)
تنهدت صفية تقول بحزن...
(خالد كان يستحق من هي أفضل لكنه النصيب...لولا طلبه للزواج بها قبل سنوات لكنت زوجته زينة بنات الحي...لله الأمر من قبل و من بعد)
نفضت من رأسها الحزن لتقول ببسمة صغيرة تحاول تغير تفكير زوجها و تبديل ضيقه...
(تعجبني زوجة كرم و حمايتها لاسمه...هذه ثاني مرة اسمعها فيها بأذني تدافع عنه)
هز سليمان رأسه ليقول بإعجاب...
(البنت صاحبة روح أبية لن تصمت عن الحق...)
ضحكت صفية ضحكة رائقة تقول...
(و الحب ايضا...البنت تبدو تحب ابني حتى و ان كانت لا تعرف بعد)
ابتسم سليمان لصورة زوجته الحلوة أمامه بهذه البسمة الجميلة ليتساءل..
(لا تعرف؟!!)
هزت صفية رأسها بتأكيد تقول...
(حدسي لا يكذب ابدا يا سليمان البنت وافقت على ابني بعقلها لا بقلبها و هذا ما شعرته طيلة الأيام الماضية...لكن كرم موجودا في مكان ما بداخلها تتلمس طريقها اليه لتعرفه)
بالأسفل...
ركبت في الكرسي الخلفي بينما صالح اتخذ مقعده امام عجلة القيادة و جواره هبه التي التفتت لها تقول ببسمة حلوة...
(لا تنزعجي من سهر انها هكذا دوما)
تغضنت ملامح غسق بالنفور لتقول بنبرة توضح خلالها قوة شخصيتها...
(أنا لا اقبل المساس بكرامتي...في المرات القليلة التي جمعتني بها و انا اشعر بأنني غير مرحب بي بالنسبة لها)
تدخل صالح ليقول بهدوء...
(لا أحد يمتلك حق الترحيب بك غير والداي و زوجك و هم اكثر من مرحبين بك يا دكتورة...زوجة خالد هكذا هي طباعها صعبة المعشر)
صمتت غسق بضيق لتمتد يد هبه بعفوية تتمسك بكفها و تقول ببشاشة...
(لا يصح ان تحزن العروس...و الله سهر لا تقصدك انها تعاملني بطريقة لا تحتمل لكنني اتغافل عنها احتراما لأبي الحاج و أمي الحاجة و صالح)
عقدت غسق ما بين حاجبيها تسأل بدهشة...
(على أي اساس تتعالى هكذا؟!)
ردت هبه ببساطة اوضحت لغسق طيب نفسها...
(انها هكذا...هداها الله)
أدار صالح محرك السيارة بعدما نجحت هبه في رسم بسمة على ثغر زوجة أخيه الصغير...ملاكه الطيب يداوي الجراح دوما فكم يأمل أن يداوي جراح روحها الله حينما يمنحها طفلا تستحقه...
بعد قليل...
توقفت سيارة صالح عند بيت أريج...التفت بوجهه الى غسق يقول ببسمة صغيرة...
(لقد وصلنا يا دكتورة تفضلي)
اومأت له غسق لتفتح بابها و تخرج من السيارة منتظرة نزولهما...عقدت ما بين حاجبيها تسألهما حينما لم يتزحزحا من مكانهما...
(ألن تصعدا معي؟!)
ضحكت هبه تقول بمحبة...
(لا يصح أن نزور ناس لا يعرفوننا من دون ميعاد)
ضيقت غسق عينيها تسأل مجددا بتعجب...
(و هل ستبقيان في السيارة حتى انهي زيارتي؟!)
تكلم صالح ببشاشة مرحة...
(لا سأستغل زيارتك لأستعيد أيام خطبتنا و خروجنا حينها)
تضرجت وجنتا هبه بخجل بينما غسق ابتسمت براحة كبيرة لهذا الثنائي...انهما سلسان متحابان يدخلان القلب سريعا...اومأت برأسها تقول ببسمة متفهمة
(حسنا سأهاتفك حينما انتهي...استمتعا)
تابعها صالح حتى ولجت بيت صديقتها ليلتفت بجسده الى زوجته يسألها بمشاغبة مداعبة...
(الى أين اختطفك يا هبة من الله لي؟!)
ابتسمت بخجل تناظره بحب كبير جعل قلبه يرفرف بين جانبيه ليعيد تشغيل محرك السيارة...سيسرق من الوقت بضع ساعات يهنئ فيها مع محبوبته...
بالأعلى...
ضربت جرس الشقة و وقفت تنتظر حتى يُفتح لها الباب...لحظات و طل وجه والدة أريج الذي داهمته الصدمة حينما عرفت هوية الطارق...ابتسمت غسق بتفهم تقول
(السلام عليكم خالتي كيف حالكِ...هل أريج هنا؟!)
ضيقت والدة أريج عينيها بعدم تصديق لتومئ برأسها هامسة...
(نعم ابنتي تفضلي..)
دلفت غسق بحرج من نظرات أم صديقتها الموترة...لقد صدمها قبول أهل كرم خروجها بهذا الشكل و لكن مما فهمته فكرم يتمتع بصلاحيات عديدة و لكونها زوجته مُنحت اياها بطيب خاطر...صوت والدة أريج صدح مناديا على ابنتها بينما تقول...
(تعالِ ابنتي اجلسي هنا حتى تأتي أريج)
تحركت غسق ناحية الأريكة لتجلس هناك...لحظات و خرجت أريج من غرفتها تقول بتعجب...
(لماذا تنادين أمي و من كان بالباب؟!... هل هو....غ...غسق!!!!)
وقفت غسق سريعا من مجلسها تتفحص أريج بخوف و قلق تهمس بأعين تأثرت بحامل ذراع أريج...
(أريج حبيبتي كيف أنتِ الآن و لماذا لم تخبريني بما حدث؟!...كدت أجن و أنا أفكر في غيابك الغريب هذا!)
اتجهت أريج الى غسق بمعالم تشابه معالم والدتها من صدمة...وقفت قبالتها تنظر لوجهها الحزين و عينيها الدامعة ثم تتجول حولهن ثلاثتهن بتساؤل...
(كيف خرجتي بعد اسبوع من عرسك و أين زوجك؟!)
تأهبت حواس والدة أريج لتعرف كيف وصلت العروس الى هنا بمفردها...أردفت غسق بنبرة ممتنة
(لقد هاتفت ديما و حكت لي ما اصابك و لأن كرم في عمله استئذن والده كي آتي اليك و قد اوصلني أخاه الكبير و زوجته)
اتسعت عينا أريج لتهمس بدهشة...
(كرم وافق على خروجك بمفردك بعد اسبوع زواج؟!)
اومأت غسق بتأكيد تقول...
(نعم لأنه يعرف أنك غالية عندي و لا استطيع تأجيل رؤيتك بعد ما عرفته)
صمتت أريج تنظر الى صديقتها بينما لسان حالها يردد بيقين...
(بل لأنك أنتِ الغالية عنده يا غسق يُتيح لك ما لا يُتاح)
لكنها استبدلت حديث روحها ببسمة حانية تمد ذراعها السليم الى غسق قائلة...
(أنا بخير حبيبتي لا تخافي كان حادثا بسيطا الحمد لله...تعالِ الى غرفتي لتأخذي راحتك أكثر)
التفتت تطلب من أمها بحبور...
(أمي هلا أعددتِ لغسق كوب عصير من فضلك)
هزت والدتها رأسها بموافقة لتتابع دخول ابنتها و صديقتها الى الغرفة...همهمت بصوت مندهش
(و الله لن يوافق رجل على خروج زوجته بعد اسبوع زواج إلا إذا كان مجنونا أو مدلها بحبها...العقبى لك يا أريج يا ابنة بطني حتى تلين رأسك و توافقين على مديرك في المشفى)
بداخل غرفة أريج...
(طلب يدك للزواج و بهذه الطريقة؟!!!...و عنده ابن أيضا و الله لا أصدق)
استراحت أريج على ظهر كرسي مكتبها تحدث صديقتها التي جلست على سريرها بغضب مما حدث لها...
(أرأيتِ معتوه مثله من قبل؟!...جاء يأمرني أن أتزوجه و أصبح مربية لدى ابنه)
تحفزت ملامح غسق لتسألها بفضول...
(ديما لم تخبرني من قبل عن اقاربها و المرة الوحيدة التي رأيته بها كنا في خطبة اخيها و لم يسعفها الوقت لتعرفني عليه أكثر...ما هي حالة ابنه يا ترى التي تدفعه لفعل هذا؟!)
تقدمت أريج بجسدها من مكتبها تستند بذراعها السليم عليه و تهمس بحزن دفين...
(كل ما أعرفه انه يعاني من حالة نفسية مستعصية و قد دفعته لفقد التواصل مع العالم الخارجي...كما قال لي المتعجرف انه تأثر بي أنا دونا عن الجميع!)
تنهدت بأعين متألمة لحاله فقالت...
(الولد جميل جدا يا غسق و كأنه طفل هرب من اسطورة خيالية...حاله يوجع قلبي بشدة و كلي مستعد ليساعده لكن ليس بزواج والده المعتوه هذا)
دققت غسق النظر الى أريج لتسألها بصورة مترقبة..
(إذًا ما هي خطوتك التالية؟!)
ابعدت أريج عينيها عن عيني غسق لتسقط مجددا في بئر تفكيرها...الصغير دوما يشغل عقلها و لا تعرف كيف تساعده حقا...زفرت ببطء تهمس بقلة حيلة
(لا أعرف غسق...بت لا أعرف كيف اتصرف و والداي يلحان بصورة مستمرة علي لأتزوجه لدرجة أنني أفكر جديا في ترك العمل في المشفى)
اتسعت عينا غسق بعدم تصديق تقول...
(تتركين عملك لأجل عرض زواج؟!... بالتأكيد هناك طرق كثيرة لتتخلصي منه غير الاستغناء عن عملك!)
عادت أريج بوجهها تنظر لغسق ببسمة صغيرة تود معها تبديل الموضوع لغيره فتساءلت...
(دعينا من البغيض و مشفاه و لتخبريني الآن كيف هي الحياة في بيت كرم و معاملة أهله لك...هل خروجك الليلة كان سهلا؟!)
شردت غسق في الفراغ امامها تفكر جديا كيف تمكن كرم من اقناعهم بخروجها...همهمت بصوت خافت و كأنها تهمس لنفسها
(كرم يعاملني بكرمٍ لم أره من قبل و كأنه شخص غير الذي ظننته طيلة سنوات...اسبوعا واحدا ما قضيته معه لكنه جاد عليا بالكثير دون أن يتكلم دون أن يتفاخر بمنحه لي...كل شيء يفعله معي يقصد به دعمي حتى و ان قلت كلماته و ان فشلت في فك غموض نظراته)
صمتت لترفع يدها و تضعها فوق صدرها تكمل بنفس الخفوت...
(لكن هنا يدرك...روحي دون تفسير تجيد قراءة روحه لا ادري كيف لكنه...كما لو كان له صورة ما بداخلي غير مكتملة و ها هي تكتمل!!)
التمعت عينا أريج بتأثر خصوصا مع هذه النبرة في صوت غسق...كغريق تيقن من موته و سلم أمره للنهاية لكنه لم يكن يعرف ان هناك يد ستمسك به...راقبت بسمة غسق الصغيرة حينما رفعت وجهها لها لتقول بدموع محتجزة في عينيها...
(متيقنة من أن والده وافق بعد صعوبة على خروجي خصوصا مع ملامح الاستياء التي قابلوني بها الليلة...اعتقد تحمل تقريعا من والده ليجعلني أخرج...تحمله لأجلي مجددا!)
احتوتها نظرات أريج الحنونة لتبتسم لها بمؤازرة ثم تهمس بصوت دافئ..
(يُنزل الله مع بلاءه رحمة و كرم رحمةً من الله لك)
في هذه اللحظة و بعد هذه الكلمات لا تعرف غسق لمَ انتفض خافقها...انتفاضة صغيرة لكنها مؤثرة...و كأن هناك طيفا عابرا ربت على قلبها ثم رحل...طيفٌ يجيد المنح بطيب خاطر...
تداعب مياه البحر قدمها الحافية فتفلت منها ضحكات صغيرة تدغدغ قلبه المحب لها...تمسك بيدها يسير جوارها بعدما نزع حذائه و رفع ساق بنطاله...يناظر وجهها البهي المتبسم ليقول بحب...
(ذكريني بأن نعيد هذا الوقت مجددا)
التفتت له تهمس بصوت سعيد...
(علينا شكر الدكتورة على هذه الفرصة)
توقف صالح فتوقفت معه ليجذبها من يدها حتى استكانت قرب صدره...ابعدت نظراتها عنه بخجل تهمس بحرج...
(صالح ماذا سيقولون الناس عنا؟!)
رفع كفه يضعه فوق خصرها و يقربها اكثر منه مبتسما ببشاشة و هامسا بحب...
(سيقولون انني رجل يعشق زوجته)
مال يقبل جبهتها و يبتعد عن وجهها بينما هي تمنحه نظراتها الغارقة في بحر قراره صالح...داعب وجنتها بإبهامه قائلا بأسف...
(أعرف أنني اقصر في حقك كثيرا لكنك تدركين ان العمل لا يتركنا نتنفس حتى)
هزت رأسها توقفه عن الاسترسال هامسة ببسمتها الطيبة...
(لا تقل هذا يا صالح...يكفيني أنك تعود ليلا تضمني اليك و تحادثني رغم كونك متعبا من يوم عمل طويل...يكفي انك تلاحظ حزني و تسألني ما بي...يكفيني انفاسك التي تدفئ فراشي)
اتسعت بسمته ليداعب خصرها المتمسك به بنعومة هامسا...
(لا حرمني الله منك يا عيون صالح و قلبه)
تمتمت خلفه بتمني مستميت...
(و لا حرمني منك و لا حرمنا نعمة الابناء)
تنفس بحزن كبير عليها لكنه قال ببشاشة...
(قلبي يخبرني انه قريبا سأحمل ابني منك يا هبه...نحن لا نقصر و دكتورتك تطمئنا دوما فلندع الأمر لله و ما كتبه لنا خيرا و نحن راضيان به)
اومأت برأسها موافقة و روحها تهفو لتتحقق هذه الأمنية التي طالت...
رنين هاتفه جعله يفلت خصرها ليخرجه...وجد اسم غسق عليه فقال متبسما
(انهت الدكتورة زيارتها هيا دعينا نذهب اليها)
وافقته ليتحركا متوازيين الى السيارة المصفوفة قرب الشاطئ...تحدثت هبه بتساؤل مندهش
(لماذا لا تريد ان تخبرني كيف اقنع كرم أبي الحاج)
ضحك صالح بصوت مسموع يتذكر مهاتفة كرم لوالدهم بعد صلاة العصر ليخبره ان زوجته تود زيارة صديقتها المريضة...و كيف تحمل كرم توبيخا غليظا نادرا من والدهم و رفضا قاطعا...لا يتذكر كم كانت مدة الاتصال حقا لكنه لن ينسى تحمل كرم ما سمعه من والده و صبره على التقريع و يكأنه ابن السابعة عشر ليس رجلا متزوجا...وصلا معا للسيارة يفتح لها الباب قائلا..
(هذه اسرار يا هبه لا يصح ان نفشيها)
ضيقت عينيها تسأله بتعجب...
(اية اسرار!!!)
ضحك غامزا لها ثم قال...
(الولد عاشق يا هبه)
ابتسمت بحب متفهمة رغبة صالح في عدم الحديث...بالتأكيد نال كرم غضب سليمان و صالح لا يريد لمكانة أخيه ان تهتز حتى امامها...همهمت بدعاء محب...
(اسعدهما الله و رزقهما الذرية الصالحة)
اغلق صالح باب السيارة بعدما أجلسها بداخلها متحركا الى بابه لكنه توقف حينما لمح هذه الشابة التي تركب سيارة أجرة...لقد كانت هدير أم يتوهم هو و لو هي ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت المتأخر؟!...طالت وقفته فسألته هبه ما به...فتح باب السيارة يجلس قائلا...
(خُيل لي انني رأيت هدير ابنة العم عبد الصبور)
قطبت ما بين حاجبيها تقول بتأكيد...
(و ما الذي يأتي بها الى هنا و في هذه الساعة بالتأكيد فتاة تشبهها)
شغل صالح المحرك مهمها بصوت خافت و عقل منشغل...
(ربما...)
بعد منتصف الليل...
مسطحة فوق السرير تتمسك بحبة المهدأ بين اصابعها تؤرجحها امام عينيها منذ ما يزيد عن ربع ساعة...تحاول بكل طاقتها ان تتخلى عنها لكن النوم يزهدها كالعادة...و ان غفت تسقط في دوامة الذكرى المؤلمة... رنين هاتفها رحمها من كثرة التفكير فالتقطته بوجه متعجب من هوية المتصل في هذا الوقت...لكنها اعتدلت بسرعة حينما لمحت اسمه عليه...لقد حاولت مرارا الوصول اليه لكن التغطية تعاندها...فتحت الخط سريعا ليصلها صوته الهادئ المختلط بحركة الامواج حوله...
(هل ايقظتك؟!)
جاوبته بصوت خافت...
(لا لم أنم بعد)
و كأنه يفهم علتها بل و يحتويها بطريقة تثير دهشتها حينما قال...
(التفكير عدو لا يرحم فأقتلِه قبل أن يغلبك)
وصله سؤالها المستنكر...
(كيف لك معرفة دواخلي بهذه البساطة؟!)
صمت لفترة جعلتها متأهبة لمعرفة الرد لكنه بدل جوابه بسؤال بسيط...
(كيف حال صديقتك هل هي بخير؟)
تنهدت بنزق من تهربه لتقول..
(نعم الحمد لله اطمأننت عليها)
عاود يسألها بحمائية وصلتها بسهولة...
(هل ضايقك احد في البيت قبل او بعد الزيارة؟!)
همهمت بصوت متفهم...
(لا...لكنني اعذرهم فالتوقيت و الطلب كانا غريبين)
اسرعت بجملتها التالية تقول...
(لم تجب على سؤالي كرم؟!)
صمته طال اكثر و هو يناظر السماء فوقه مباشرة و البحر على امتداد بصره يلتحم بنهايتها...بماذا يجيب و كيف يخبرها بأنها كلها قطعة منه...قطعة ظل يتضرع خفية ان تكون ملك يمينه و ان يصح ظنه ان الله خلقها له و خلقه لها...انزل بصره من السماء لأرضية المركب يقول بهدوء...
(لم يكن سهلا معرفة دواخلك...الأمر كلفني عمرا طويلا..)
صمت ليمنح لنفسه حرية الحديث فهمست روحه التي تعشقها بصدق...
(و قلبا كاملا...)
تداخل صوتها ليحتل بوح روحه فيبتسم على حديثها الذي لونته بعض الحيوية و هي تتهكم...
(بالطبع ستعرف كل شيء عني ألم تكن تراقبني لسنوات!)
(لم أكن اراقبك...كنت اتبع نبض قلبي فقط)
جملته الثانية كانت سرية بداخل ضلوعه كسابقتها...استمع لحديثها و الذي قصت له فيه عن محور الزيارة لتختمها بالقول الشاكر...
(لقد ساعدتني كثيرا اليوم رغم انك بعيد و تحملت رفض أهلك و ربما غضبهم لأجلي...شكرا لك من قلبي)
وصلها رده بصوت أجش هادئ...
(سلم الله لي هذا القلب و حفظه من الحزن و الهم)
الجمتها جملته التي قد تكون عادية لكنها وقعت بوقع مختلف داخلها وقع الزمها الصمت...نادى لها بنفس البحة الهادئة...
(غسق...)
همهمت بصوت مترقب لكنه يبدو تراجع عن قول ما يريد...دلك عنقه من الخلف يتأنى في الكلام عن حبوبها المهدئة فلا بد من مناقشة الأمر وجها لوجه...
(انتبهِ لنفسك حتى اعود)
نظرت في غرفته تراقب كل شيء بها...لا تشعر بأنه بعيد بل هو هنا ربما لأنها غرفته أو لأنه ترك بصمته حينما منحها اسمه...أو ما لم تصل لتفسير له بأنه داخلها هي بصورة ما...كأنه كان متواجد طوال الوقت لكنها كانت تجهل هذا...قالت بصدق عفوي...
(لكنك هنا كرم في كل شيء حولي)
تحرك كف يده من خلف عنقه لصدره يهدأ من هذا العنفوان الجامح المتسبب به قلبه...يدق بل يضرب خلف ضلوعه بصورة عنيفة...تمكن من الحفاظ على نبرة صوته لكن بحته ارتعشت دون قصد حينما ربت على قلبه قائلا...
(و أنت هنا دائما و ابدا...)
جملته كانت مبهمة لها فضيقت عينيها تسأله بعدم فهم...
(أنا أين لم افهم؟!)
ابعد كفه عن قلبه يبتسم بدفء مهمها...
(فلترتاحي قليلا الوقت تأخر...تصبحين على خير)
اغلق هاتفه ليضعه جواره على أرضية المركب...بسمته لا تزال فوق ثغره و عيناه تناظرا السماء بلمعة جديدة عليهما...لمعة تكافح لتدحدح حقيقة ما مرت به غسق.. ... تجاهد لتتمسك بيدها و تنتشلها من بشاعة ما حصل... تعاند كرامة رجل و ترسم لعشقه قصة جديدة... قصة يقترب فيها منها و يلتحم معها كروحٍ واحدة...خياله المكبل منذ سنوات خانه لوهلة يتخيل غسق بين ذراعيه يخبرها عن عشقه بحرية تامة...زفر نفسا مرتعشا ثم تسطح على الأرضية يضع ذراعيه أسفل رأسه مهمهما...
(فليساعدك الله يا كرم حينما تعود لها)

بعد أسبوع....
نظرت الى نفسها بحرج في المرآة بهذه العباءة الملائمة للمناسبات و التي اختارتها صفية لها...هي لم تعتد على ارتداء العباءات لكنها مجبرة هنا على فعلها فكلهم يعيشون معا و لا يصح ان تخرج بمنامتها للخارج...اليوم سيعود كرم من رحلة صيده و عليها استقباله معهم كما شرحت لها صفية...مر اسبوعان على زواجها و تعتقد قد حان الوقت لتختلط بهم في حياة يومية طبيعية و يبدو ستبدأ اليوم...سمعت صوت جلبتهم من الخارج فعرفت انه وصل...توجهت الى الباب تفتحه بقلب متوجس منهم جميعا...
وصلت الى الصالة لتجده بين احضان والدته...راق لها رؤيته يُعامل كطفل مدلل من والدته فدفعتها صورتهما لأن تبتسم بعفوية...و قد التقطت عيناه بسمتها دون قصد فلم يكن يعرف انها ستستقبله معهم...خرج من بين احضان صفية يقبلها بحب واضح بينما عيناه لا تبرحا غسق لوهلة...تتبعت صفية نظراته لتعرف أين ترسو و قد فطنت روحها بأي مرفأ هي...ابتسمت لغسق تمد كفها قائلة ببسمة متسعة...
(تعالِ ابنتي)
تقدمت منهما بنفس البسمة الصغيرة لتقف امام كرم جوار صفية...وضعت صفية كفها خلف ظهر غسق تمنحها خلاله الدعم حينما لمحت في ملامحها التوتر...قالت غسق بصوت مهتز بينما تنظر لكرم..
(حمدا لله على سلامتك كرم)
اقترب منها بحذر متخوفا من رد فعلها...انه قميص الصيد الذي وصفته من قبل بالمقرف...و في لحظة خاطفة لم تكن في حسبانها مال يقبل اعلى رأسها ببسمة سريعة قائلا بهدوء بينما يبتعد...
(سلمك الله من الشر)
تجمدت بتشوش متوتر من قبلته امام اسرته كلها فأسبلت اهدابها للأسفل...تكلمت صفية تزيل الحرج عنها بنبرة عادية.
(ادخل بني ارتح قليلا حتى يحين موعد الغداء)
اومأ كرم موافقا ليتحرك تجاه غرفته...لكنه توقف حينما سمع غسق تقول...
(كيف اساعدكم في اعداد الطعام؟)
ابتسمت صفية تقول بينما تربت على ظهر غسق...
(لا تزالين عروسا لن تدلفي المطبخ الآن حبيبتي...ادخلي مع زوجك لتساعديه حتى ننهي كل شيء)
جادلتها غسق برفق لكن صفية تمسكت برأيها حتى رضخت غسق...تحركت خلف كرم حتى باب الغرفة فتوقف هو ينظر خلف كتفها مما جعلها تتعجب...و قبل ان تسأله تكلم بجدية...
(انتظري هنا سأدخل اولا)
ضيقت عينيها متسائلة بعدم فهم...
(و لمَ؟!)
ناظرها نظرة قرأت منها العتاب ربما كما فهمت فقراءة نظراته تحتاج قدرة فائقة...ثم تمسك بطرفي قميصه يقول بتأنيب ساخر...
(تتعلق رائحة الاسماك في ملابسي و تصبح...مقرفة)
لفها الحرج بجناحيه فأبعدت عينيها عنه...لم تكن تتوقع أن وقع جملتها كان صعبا هكذا و انه لم ينسَها...ابتلعت ريقها بحزن على كل ما تركته في روحه من جروح خلفتها كلماتها الغير مقصودة أو ربما قصدت بعضها لفكرتها الماضية عنه...حسمت امرها بأن تعتذر و لكن بطريقة اكثر عملية من كلمة "آسفة"...تمسكت بعباءتها ترفعها قليلا عن الأرض و تسبقه للداخل تحت نظراته المتتبعة...ناظرته من الداخل لتقول بهدوء...
(أدخل كرم...إذا سمحت)
دلف بجهل لنيتها فتحركت لتغلق الباب و تقف أمامه قائلة بنبرة أسف...
(ليست مقرفة بل تشبه يود البحر)
ابتسمت بسمة مرتعشة لتنظر الى عينيه المتسعتين بصورة طفيفة و تهمس...
(تسرعت في حكمي وقتها...كحالي معك دوما)
مدت يدها اليه تقول برجاء لامسه في صميمه...
(هاته لي)
عقد ما بين حاجبيه يتساءل بترقب مندهش...
(القميص؟!...)
هزت رأسها بنعم جعلته يشعر بالمتعة حقا...نقاش ربما يظهر تافه للغاية لكن ان يجريه معها هي فيا له من حديث!...وجهه تجهم ليسألها بتعجب مصطنع
(لماذا تريدينه؟!)
حركت كتفيها تقول ببساطة شديدة...
(لأنه متسخ و علي غسله )
رفع حاجبيه عاليا يردد بدهشة حقيقية...
(تغسلينه!!!)
هزت رأسها مجددا تكمل بنفس البساطة...
(نعم... أم سنتركه لوالدتك تغسله لك و انا هنا ألست زوجتك؟!)
داعبت كلمتها حواسه فابتسم برفق ينزع قميصه و يمده لها بطيب خاطر...اخذته و تحركت الى الحمام تقول
(جهز ملابسك سأحضر لك الحمام و...)
امسك ذراعها يوقفها عن الحركة...ينظر في عينيها فيلمح شعورين متناقضين بداخلها لم يقوَ على تفسيرهما فقال متضايقا لأجلها...
(سأفعلها لنفسي لست مجبورة لفعل كل هذا فلا أحد معنا...أم انك تعتقدين ان هذه التصرفات ردا للجميل؟!)
ارتسمت الدهشة على ملامحها فقالت بصدق...
(ليس هكذا ابدا...نحن نعيش معا كزوجين علينا مساعدة بعضنا البعض ما بها لا أفهم؟!)
خفتت نبرتها لتهمس بألم...
(ثم هذه التصرفات لو تقيدت بها عمرا كاملا كما تظن لن اوفي معروفك معي ابدا)
قربها اليه كثيرا متأثرا بما تقول مدافعا عن زواجه بها قائلا...
(ليس معروفا يا غسق كم مرة سأقولها الرجال لا يتزوجون شفقة...اقسم بالذي خلقني لو عاد بي الزمان ألف مرة سأفعل نفس الشيء)
تحركت يده الى ذقنها يرفعه اليه و يتوه بين ليل عينيها متشربا كل ما به من حلاوة فيهمس...
( سأتزوجك لتحملين اسم كرم المراكبي لنهاية العمر...ليعيش و يموت و أنتِ امرأته)
اهتزت حدقتاها من حرارة حروفه المنبعثة من أعماق نفسه...ابتعدت عنه بحركة سريعة فأفلتها متحكما في مشاعره بصعوبة...الوقوف أمامها ضعف و النظر الى عينيها عذاب و الهمس بحروف حبها نار لن تبرد سوى بريها بكلمة واحدة من شفتيها تمنحه الحق ليبوح و يخبرها عن عشقه الدفين لها...
نظرت اليه طويلا لتقول بعدها بتأكيد...
(لولا ما حدث لي لم يكن ليجمعنا طريق يا كرم...كنت ستتزوج من فتاة تستحق حمل اسمك)
تغضنت ملامحه بالرفض ليقطع حديثها ها هنا...
(لا يوجد من تستحق هذا غيرك...أنتِ نصيبي و أنا نصيبك مهما كانت الطريقة...منذ أودع الله في كل منا روحه كتبكِ لي...لي أنا غسق)
تركها متحركا الى الحمام يغلقه خلفه ببعض الخشونة...بينما هي تناظر الباب المغلق و تتلمس قميصه بين كفيها دون وعي...
**************
في بيت أيوب...
استقبلته أم أيوب بالترحاب الحار توزع قبلاتها و احضانها عليه...ربت فوق ظهرها بحنان يقول بمرح...
(أحب أيام الصيد لأنها تمنحني هذا الدلال)
ابعدته وجيدة عنها تضربه بخفة فوق كتفه تقول بتوبيخ...
(يا ناكر الجميل)
ضحك بخفة يقترب و يلثم وجهها بينما يقول بمحبة...
(لا حرمني الله منك يا أم أيوب و منحك الصحة و العافية لأتدلل كما يحلو لي)
ضحكت وجيدة عاليا بسعادة مستشعرة استرجاع روح أيوب القديمة المرحة...قلبها يخبرها ان رحلة الصيد هذه اتخذها أيوب منفذا ليفهم ماذا يريد من حياته...اقتربت منه تقول ببشاشة...
(أصعد لزوجتك بني و ارتح في سريرك فغداء اليوم سأصنعه أنا لنجتمع كأسرة واحدة)
كان مرهقا متعبا للغاية بسبب رحلة الصيد التي كثفوا بها جهودهم جميعا مراعاة لكرم و زواجه الحديث...نظر الى نفسه بملابسه الرثة و جسده الغير نظيف ليقول برفض لم يقصد منه سوى ألا تراه زوجته بهذه الصورة غير انه يود ان يتحدث معها بشأنهما و الآن هو لا يستطيع ان يرفع اصبعه حتى...
(لا أريد أن تراني مودة الآن يا أم أيوب...سأدخل غرفتي القديمة استحم و انام)
توقفت خطواتها على السلم و كلماته تطعنها كسكاكين قاسية...لا يود رؤيتها و يقولها صراحةً لأمه!!!...ارتعشت شفتا مودة و قد آلمها قلبها بشدة لتسرع و تعاود الاختباء في شقتها...الليلة يجب ان تضع النقط فوق الحروف لتعرف أي حياة تعيشها هي...يكفي هذا الوجع الكبير القابع في قلبها..
ارتفع حاجبا أم ايوب تقول بعدم فهم...
(هل تتحرج من زوجتك يا معدول؟!)
شاكسها بمرح رغم ان حديثه كان صادقا للغاية...
(كما يجب عليها ان تتزين و تظهر في اجمل صورة لي علي ان افعل المثل هذا حقها)
احتوته أمه بحنان بين ذراعيها و كلامه هذا يريحها...لقد نسي فلك و بات يسعى الى زوجته...بينما هو تعلقت عيناه بالسلم و بداخله نية لا رجعة فيها سيصلح كل شيء لأجل هذه البنت قبل نفسه...في هذه اللحظة ود لو يراها ليتأكد من ان اسم فلك الذي هرب من تفكيره الى شفتيه حقا لم يؤثر بها او يدفع بها الشكوك... لكنه لو  يعلم انها كانت هنا للتو و قد كُسر قلبها أشد انكسار...
بعد صلاة العصر بيت المراكبي...
اجتمعت اسرة سليمان في لقاء يتجدد كل رحلة صيد...جمعتهم اخافت غسق المتوترة منذ الصباح...لقد تركها كرم قبل قليل ليخرج الى والده الذي طلبه ليتشاور معه بشأن رحلته...وضعت حجابها فوق رأسها تحكم لفه جيدا و تتوجه الى الباب لتخرج و تنخرط مع عائلة جديدة اصبحت فردا منهم...فور فتحها للباب ظهر كرم امامها يقول..
(جيد انك جاهزة كنت سأدخل لك)
سألته بتوجس...
(هل هناك خطبا ما؟)
وضع يده خلف ظهرها يحثها على التحرك قائلا...
(لا تجزعي...الجميع تواجد و لا ينقصنا غيرك)
تنفست بصورة سريعة حينما وصلا الى الصالة و انتقلت أعين الكل اليهما...رحب بها الجميع بحفاوة كبيرة بددت جزء من ترددها و ارخت بعضا من اعصابها المشدودة و التي عاودت لوضع الشد بعد جملة سهر...
(هيا يا جماعة لقد تجهز الطعام)
وققت كما وقف الجميع و تحركت مع كرم الذي حاوط خصرها بصورة كبيرة و كأنه يدعمها...جلسوا منتظرين قدوم سليمان من غرفته...لحظات مرت تناظر فيها الاطباق بقلق كبير...من طبخهم و من نقلهم من المطبخ الى هنا و كيف كانت يداه و هو يفعل كل هذا يا الهي...اغمضت عينيها متحاشية النظر و قاطعة دبر التفكير...اجفلت على سخونة انفاسه التي لفحت جانب وجهها و صوته يتسلل بنبرة حانية لمحت بها المرح...
(أمي من أعدت كل الطعام لقد طلبت منها هذا)
رفعت له عينيها تسأله بدهشة...
(طلبت منها ان تطهو بنفسها و كيف بررت لها طلبك؟!)
وضع يده خلف كرسيها يقترب بوجهه منها هامسا بانشداه لهذا الملكوت البديع الذي خلقه الله لها و مثلّه في عينين ساحرتين...
(اشتهي طعام أمي هذا كان المبرر)
هذه ثاني مرة تراه بها يتدلل كطفل صغير!!...رغم هذه الرجولة التي تنضح من معالم وجهه و صفاته حتى اقل حركاته فيبدو كصغير حينما يرى والدته...طالت نظرتها له فضيق عينيه هامسا بتساؤل...
(هل ستأكلين أم أطعمك أنا كيوم صباحيتك؟)
غصبا تخيلت ما يقوله مشهدا مجسما امامها...يطعمها بينما الجميع يرمقونهما بنظرات متعجبة من جنونهما...ابتسمت بسمة صغيرة لتخيلها ثم اشاحت وجهها بعيدا عنه تنظر الى طبقها في صمت...ابعد ذراعه عن كرسيها يتمسك بالملعقة و يمدها لها قائلا بدفء مختلط بالمزح...
(فليحفظ الله لي هذه البسمة الحلوة...خذي انها نظيفة و معقمة)
التقطت منه الملعقة دون ان ترفع وجهها اليه حرجا من طريقة حديثه معها...لكنها قطبت ما بين حاجبيها باستنكار حينما صدح صوت سهر الساخر...
(اعذرانا يا عرسان اجبرناكما على الخروج من غرفتكما و تناول الطعام معنا...اخبرت أمي الحاجة كي نُدخل لكم الطعام ككل يوم لكنها اصرت على مشاركتكما لنا و ها انتما الآن تتهامسان بصمت مكبلان بتواجدنا)
ارتفعت الرؤوس عن الاطباق تناظر سهر بتعجب من فجاجتها...انها لا تحترم تواجد زوجي قمر و فاطمة حتى...رفع كرم بصره من طبقه ليوجهه لها بوجه قاسي الملامح غاضب المحيا...نظرته لها تخبرها انها تعدت كل الخطوط و لكن ألا تعرف هي بأنها تعدتهم...لقد اشعلتها بنيران الغيرة نظرات كرم لزوجته و همهمتهما لتختمها غسق ببسمة خجولة و كأنه داعبها بألطف الكلمات...كادت قمر ان ترد لها الصاع صاعين لكنها تكبلت بقدوم والدهم فصمتت احتراما تتلظى بنيران الغضب و تتوعد بأن تعلمها الأدب بعد جلسة الطعام...لكنها التفتت بأعين غير مصدقة كحال الجميع حينما تكلمت غسق بهدوء شديد و كأن ما قيل لم يقال...
(يا الله لقد سقطت ذبابة في طبقك سهر فلتسكبيه و تعدي طبقا آخر لك، الذباب يحمل فوق اقدامه ملايين من البكتريا...و نصيحتي لك لا تنظري الى أحد و تتبعي افعاله حتى لو بدافع الفضول لأن وقتها ستخسرين كحال خسارتك لهذا الطعام)
جلس سليمان يمنع هذه البسمة الملحة من الظهور لكن ابنته قمر فشلت و خرجت ضحكتها مسموعة لتقول لسهر...
(اسمعي نصائح الدكتورة يا سهر)
جزت سهر فوق ضروسها بحدة لتتقبض كفاها فوق طبقها و تقف مبتعدة الى المطبخ...
مضى معظم وقت تناول الطعام بسلامة عدا نظرات سهر الحاقدة و المتوزعة عليهم جميعا...تعودت غسق لحد كبير عليهم خصيصا الاستماع لحديث سليمان و ابنائه عن العمل...يتحدثون بفخر كبير عن حرفتهم المتواضعة في وجهة نظرها...كادت تضع ملعقتها جانبا معلنة انها أكلت كثيرا و قد حان وقت التوقف...لكن يد كرم امتدت ليضع في طبقها جزءا من سمكة لا تعرفها قائلا...
(تذوقي هذا النوع سيعجبك)
همست له بحرج...
(لقد شبعت حقا)
نظر لها نظرة جهلت معناها ليحمل باقي السمكة و يأكل منها قائلا...
(كما تشائين لكن عليك معرفة أنك الخاسرة فهذا النوع شحيح التواجد و محظوظ من يصطاده)
التفت لها يتكلم ببساطة متلذذة...
(و طعمها لا يضاهيه طعم)
كم وجه يحمل كرم...هل هو الشهم الشجاع...أم الابن البار و طفل امه المدلل...ام مجرد شاب مشاكس...كم وجه تبقى بعد لتعرفه به لتغير صورته المظلومة التي رسمتها لسنوات ليكتمل بداخلها و يضيء من هذا المكان الخفي و التي تجهل اين وضعت خريطته فتاهت منها لتتوه هي في ظلمة روحها كي تصل اليه...تحركت ملعقتها الى طبقها ثانيةً تقطع جزءا من اللحم و تتناوله ببطء مستكشف...اتسعت عيناها من مذاقه اللذيذ لتهمس له...
(كم هو لذيذ! ...)
احتوتها عيناه بحنان سعيد لكونه تمكن من اقناعها بتذوقه فقال...
(بالصحة و العافية)
تدخل صوت بسام ابن قمر ليجعل كرم يلتفت له...
(خالي أريد تناول هذه السمكة ايضا)
حمل كرم قطعة كبيرة من السمكة يطعم ابن اخته الجالس جواره قائلا بمرح...
(كُل يا بطل و اخبرني كيف الطعم)
تذوقها بسام ليصدر صوتا حماسيا جعل الجميع يضحك عاليا...وصل كرم صوت مازن ابن خالد يقول...
(و أنا ايضا عمي)
فعل كرم معه المثل يطعمه في فمه و يتوجه الى رزان ابنة اخته قائلا...
(و حلوتي ستتذوق ايضا)
لكن الصغيرة رفضت تقول بتذمر...
(لن اتذوق حتى اجلس جوار العروس)
ضحك كرم بخفة بينما اندهشت غسق من مطلبها تسألها...
(تودين الجلوس جواري أنا؟!)
هزت رزان رأسها بنعم تؤشر على ابن خالها الجالس جوار غسق...
(لكن مازن لا يريد تبديل كرسيه معي)
ابتسمت غسق تسألها...
( و لمَ تودين الجلوس جواري؟!)
فسرت الصغيرة اهمية مطلبها...
(حتى اخبر صديقاتي في المدرسة انني جلست جوار العروس)
نهرت قمر ابنتها لتوضح لغسق الأمر...
(لا تتعجبي يا دكتورة فالبنات يتفاخرن امام صديقاتهن حينما يحضرن عرس ما...من منهن ابتسمت لها العروس او راقصتها العروس و هكذا)
هزت غسق رأسها تفهما لتؤشر الى الصغيرة بدعوة دافئة...
(تعالِ رزان لتجلسي فوق حجري)
اتسعت بسمة رزان لتترك كرسيها و تسرع الى غسق تقفز فوق حجرها...حملتها غسق تضمها اليها قائلة...
(فلتخبري صديقاتك انك جلستي فوق حجر العروس ليس جوارها فقط اتفقنا)
ناظر الجميع غسق بشكر و حب بسبب جبرها لخاطر رزان و عدم تسفيه الأمر...قطعت فاطمة مرحهم حينما قررت الاعلان عن مفاجأتها فنادت لكرم بخجل...
(و أنا يا كرم ألا يوجد نصيبا من السمكة لابني؟!)
بين دهشة الجميع و استيعابهم البطيء للأمر وقف و توجه كرم اليها يجذبها برفق من ذراعها يسألها بلهفة...
(أنتِ حامل؟!)
اومأت له بخجل تهمس...
(نعم في شهري الثاني)
ضمها كرم اليه بقوة يقول بصوت متأثر...
(فليأتي هو بالسلامة لأصطاد له ما يشتهي و يريد)
ربتت فاطمة فوق ظهر اخيها حتى تسلل صوت قمر المعاتب...
(شهران يا فاطمة و لا نعرف هل اتفقتما أنتِ و حسام على الاخفاء!!)
تكلم حسام الملجم بدهشته منذ سمع الخبر...
(و الله يا أم بسام مثلي مثلكم لم اعرف سوى الآن)
تحركت فاطمة تقف خلف كرسي زوجها قائلة...
(لا تلومي حسام يا قمر أنا من أراد أن يفاجئ الجميع فلم أجد فرصة انسب من هذه لأعرفكم)
مسحت صفية طرف عينيها من دموعها المتأثرة لتقول....
(لا تثقلي عليها يا قمر...مبارك حبيبتي فليكمل الله حملك على خير و يجعله هينا و يقر عينيك برؤية ابنك)
تمتم الجميع بالدعاء لفاطمة بسعادة حقيقية إلا سهر التي همست بحقد...
(ما هذه السرعة انها متزوجة من أشهر فقط)
عاود كرم ليجلس جوار غسق على كرسيه يستمع لصوت فاطمة التي تجيب على اسئلة والدتهم...
(نعم أمي لقد رشحت غسق لي صديقتها لأتابع معها لكنها اصيبت في حادث و قريبا ستعود للعمل)
تخشبت اصابع سهر فوق الطاولة تنظر الى غسق بوجه متوتر تسألها بترقب...
(هل صديقتك دكتورة نسائية؟!)
اومأت لها غسق بهدوء ضرب سهر في مقتل فتركها تتفتت في مجلسها تناظرهم بنظرات سوداء...
(هل سيأتي طفلا صغيرا ليلعب معنا؟!)
سؤال بسام الفضولي جعل فاطمة تبتسم خجلا قائلة...
(نعم ان شاء الله...)
ضم حسام كف فاطمة الذي أسره فوق فخذه منذ جلست جواره بعدما فجرت مفاجأتها...لولا تواجدهم بين اهلها و احترامه لوالده و اخوتها لضمها اليه طويلا و تحسس بطنها بأصابع مرتعشة يستشعر نبض جنينه معها ثم يقبلها قدر ما يشاء...
(هل سيكون ولدا؟!)
هذه المرة السؤال كان من رزان التي احتلت الخيبة ملامحها فوق حجر غسق...ربتت غسق فوق شعرها بينما جاوبتها فاطمة ببسمة سعيدة....
(لا نعرف بعد يا رزان ربما ولد و ربما بنت)
هتفت رزان بضيق...
(لكنه ان كان ولدا سيصبح هكذا ثلاثة أولاد و أنا بنت وحيدة...اريدها بنت لتلعب معي بالدمى!)
صاح بسام و مازن في نفس واحد...
(لا سيكون ولدا!)
لتجابههما رزان من فوق حجر العروس...
(لا بنت...هذا ظلم اريدها بنت)
ضحك سليمان بنفس راضية ليقول لحفيدته...
(فلتدعك منهم يا حبيبة جدك فأنتِ المدللة الوحيدة هنا)
شابكت رزان ذراعيها حول بطنها تنكس رأسها بحزن شاعرة ان بسام و مازن تفوقا عليها...داعبتها غسق برفق حنون جعل كرم يتتبعهما بأعين تشع دفئا...رفعت رزان وجهها الى غسق تقول بتساؤل طفولي...
(ألست عروسا؟!...يعني ستجلبين لنا طفلا مثل خالتي؟!...فلتكن بنتا لأجلي)
ابتلعت غسق ريقها بحرج كبير بعدما وصلها تمتمة الجميع بالدعاء لها بالذرية الصالحة...بينما تسمرت عينا كرم فوق بطنها المختفي خلف عباءتها الواسعة بقلب يعصف بجنون...هل سيمنحه الله منها اطفالا...هل غسق ستحمل جزءا منه يوما...آه كم يحترق شوقا لتحمل ابنه ...انتبه لكلمتها الخافتة التي وعدت بها ابنة اخته ليتفحص ملامحها الخجولة...
(إن شاء الله)
تمتمت روحه خلفها بتمني كبير في هذا اليوم الذي يبدو له بعيدا جدا لكنه حتما سيأتي...يوم تهبه عن طيب خاطر ما يتوق له....
مساءً شقة أيوب...
تركت الفرشاة فوق طاولة الزينة بعدما انهت تمشيط شعرها...تنظر لنفسها مليا عبر المرآة تدقق النظر في كل أنش من جسدها بداخل هذه المنامة الحريرية ذات القميص الخفيف ذو الحملات الرفيعة و بنطاله القصير الواصل حتى فوق ركبتها تاركا الحرية لبشرتها الخمرية أن تتلألأ بلمعان مشرق...تنهدت بتعب مترقب لدخوله عليها فلقد مر وقت الغداء عند أم أيوب بسلاسة...كان مختلفا منفتحا أكثر مبتسما و مرحا لكن كل هذا مع والديه فقط...شعرت انه ينحيها جانبا او يتجاهلها!!... كل شيء يصدر منه يجعلها تتيقن أن العيب بها و ما اصعبه شعور خصيصا حينما تحوم حولهما روحا ثالثة تُسمى فلك و تحمل مئات علامات الاستفهام...انتبهت الى حركة مقبض الباب فوقفت تتأهب للقائه...بداخلها تتساءل هل غياب اسبوع أثر به و اشتاق اليها أم لا..
دلف أيوب الغرفة ليتوقف للحظة عند رؤيتها...منامتها الحريرية باللون الوردي الفاتح تناسب لون بشرتها كثيرا...يشعر و كأنه يراها لأول مرة ربما لأنه وعد نفسه أن يستفيق لأجلها أم هي أثرت به قبلا لكنه كان منشغلا عنها لدرجة لم يفهم هذا...أغلق الباب برفق يبتسم بسمة صغيرة شعرتها هي مصطنعة قائلا...
(مساء الخير...ظننتك نمتي!)
تشابكت اصابع كفيها معا تضغط عليهم بقوة و تهمس بصوت اصابه الارتعاش...
(الوقت لم يتأخر بعد لأنام... كنت أنتظرك)
راقب حمرة خديها رغم ضيق ملامحها فزفر زفرة مثقلة...حسنا سيتخذ خطوة جدية في علاقتهما لأجلها لكن حقها عليه أن تعرف ان يعتذر على الأقل و هو اليوم مستنفذ القوى ليناقش شيئا هاما كهذا معها...عليه ان يكون جاهزا ليحتويها إذا جرحها ما سيخبرها به لكنه يود ان يخبرها فعلا ليساعدا بعضهما على المضي قدما...إن اجتمع بها الليلة سيشعر انه مجرد خسيس نالها دون رغبتها عليه ان يسمعها منها هي انها موافقة على تحمله كي يستقر و ينسى من جرحته قبلها...تنحنح بحرج يقول بصوت خافت...
(مودة أنا...الليلة حقا مرهقا كما أنه...يجب ان اناقش معك شيئا هاما...يخصنا)
خفت بريق عينيها بعدما وصلها كلمة الرفض منه و ما بعده لم تفقهه...أي ذل هذا الذي تعيشه معه...انها ترخص نفسها مرارا حتى و ان كان زوجها فلها كرامة ايضا...كرامة برع هو في دهسها كل مرة...ارتعشت شفتاها بضعف تخبأ وجهها عنه للأسفل...ضايقه حالها كثيرا و ود لو يُفهمها الآن علته لكنه سيظلمها لو بخس حق اعتذاره لها في وسط ارهاقه...توجه الى الحمام يختفي من امامها لكن سؤالها الذي وصله جمده كليا...
(من فلك يا أيوب؟!)
التفت بأعين آسفة محطمة ليهاله منظرها امامه...تقف كمن يوشك ان يفقد وعيه تتشبث بقميص منامتها و تناظره بأعين خيم الدمع عليهما...ابتلع ريقه ببطء متيقنا ان الوقت حان لتعرف...تكلم بصوت مهتز يعاني خيانة فلك و ذنبا عظيما ارتكبه في حق مودة...
(فلك...كانت فتاة احببتها)
الصفعة الأولى نزلت كسياط حارق فوق قلبها...ايوب احب فتاة أخرى...اغمضت عينيها لتسيل دموعها بحسرة على نفسها....اصطكت اسنانها لتخرج حروفها تعاني برد نابع من فقد قلب حبيبها...
(أين هي لماذا لم تتزوجها و تزوجتني أنا؟!)
اوجعه ان يعود لذكرى ترك فلك له...اوجعه قلبه على حاله و حال هذه المسكينة التي تقف ترتعش امامها و تبكي في صمت...تقبضت كفه جواره قائلا...
(تزوجت رجلا آخر بعدما...تركتني)
اختنق بمر الحقيقة فتوقف و لم يعد يقوى على الحديث...حثته هي بصوت يلفظ انفاسه الأخيرة
(فتزوجتني أنت انتقاما منها!!)
رفع وجهه سريعا لها لتظهر لها عيناه الدامعتان بينما يقول بنفي صادق...
(لا و الله لم أفعل هذا...كنتِ اختيار أم أيوب لي)
الصفعة الثانية كسكين حاد انغرس في خافقها فأوقفه للحظات...معلقا بين الموت و الحياة و لا يدري أحان وقت الرحيل أم سيأتي من ينعشه ليعيش...هي ليست اختياره بل اختيار أمه...أيوب لا يعرفها لا يتذكرها بالمرة...
(كنت مجرد عروس مقترحة بالنسبة لك...عروس في قائمة تحوي غيرها كان من الوارد اختيارها أو رفضها)
كلماتها تخرج بصعوبة تعاني الألم و الانكسار... ابعدت يديها عن قميص منامتها تداري ارتعاشهما بفركهما معا...عيناها تزيغان هنا و هناك بتيهٍ اشعره بفداحة ما فعله...رفعت له عينيها الباكيتين تسأله بصوت ينخر روحه...
(كنت مجرد بديلا لحبيبة خدعتك؟!!!)
تحركت حركات هوجاء امامه لتتوقف عند السرير تنظر له و كأنها تتذكر شئيا ما...اشارت عليه بأيد ترتعش تقول بصوت منتحب...
(هل ليلة عرس صديقك كنت تراني هي؟!...)
اتسعت عينا أيوب بارتياع يقول بسرعة نافيا...
(استغفر الله العظيم ما الذي تتفوهين به الآن؟!!!)
علا صوتها بصورة ملحوظة تقول ببكاء ينخر في روحيهما معا...
(اقول ما شعرت به أيوب ما اوصلته لي...كنت مجبرا في كل مرة تلمسني بها...كنت مبرمجا و كأنك تؤدي واجبك...كنت تقتلني ببرود تصرفاتك و تترك الف سؤال في عقلي يرعبني...إلا تلك المرة بادرت انت فيها عاملتني بطريقة مختلفة راغبة و بعدها ناديتني باسمها...اسمها الذي انساب من بين شفتيك بوقع خاص للغاية و حميمية لم اعرفها منك!!)
رغم ان ما تقوله هاله بقوة الا ان حالتها المنفلتة امامه هالته اكثر بكثير...ود لو يهرول اليها يضمها اليه معتذرا مبررا نادما عما فعله لكنها تحركت الى خزانة الملابس بهستيرية تفتحها و تخرج محتوياتها تلقيها ارضا بينما تصرخ ببكاء مرير...
(جعلتني اظن ان العيب بي انني لم ارضيك كزوجة...فلترى كل هذه القمصان التي جربتها ليل نهار لأرى نفسي بعينك فيها)
انهت ما تفعله لتتوجه الى مرآة طاولة الزنية تضرب بكفها بحدة عليها صارخة...
(اسأل هذه المرآة كم قميص بدلت أمامها...كم سؤال سألتها...كم مرة وقفت امامها انظر لنفسي بانتقاص سببه انت...فلتسألها عن دموعي التي خانتني في كل مرة تلمسني و تهرب بعدها...عن رعبي و خوفي و تيه حالي...فلتسألها ايوب)
توقفت فجأة عما تفعله و انحنت تضم نفسها بذراعيها تبكي بصوت مسموع تحت نظراته المصعوقة تهمهم...
(أو لتخبرها أنني بخير و لا عيب بي و ان العيب في قلبك أنت...قلبك الذي ظننته لي أنا بغبائي و لكني لم أكن اعرف انه ملك لأخرى!)
زاد صوت بكائها لتقول بنفس كسيرة...
(حتى ذكرياتنا محتها بيدك من عقلك و قلبك...محوت مودة الماضي و اذللت مودة الحاضر)
اقترب منها بخطوات مترنحة مما سمعه ...لقد خرب روحها و قلل من شأنها...ظلمها ظلما بينا و ارتكب ذنب التف حول عنقه للأبد...همس بصوت مترقب كي لا يثيرها مجددا...
(مودة اقسم بالله لم اكن اقصد ان يحدث كل هذا...كنت سأخبرك بشأنها لكنك...)
قاطعته بسؤال دامي...
(ما ذنبي انا في كل هذا؟!)
حالتها الرثة أمامه تلهب عينيه بشدة...يتمسك بكل قوة كي لا يبكي ندما على حالها...جاوبها بصوت مهتز نادم...
(ذنبك الوحيد هي...انني احببتها قبلك)
صرخت به بانفعال مجروح...
(لكنك عرفتني أنا قبلها... كان لك معي حياة و ذكريات)
علا صوته قليلا ينفث هذا الثقل فوق قلبه...
(هذه الأيام لا اذكرها مودة غصبا عني تلاشت و لا أعرف كيف تتذكرينها!!)
ناظرته بدموع تنسكب حسرة على حياتها الماضية و الحالية لتهمس بينما تشد فوق قماش منامتها...
(و كيف لي أن أمحو أياما نُقشت في جدار روحي؟!!)
غطت وجهها بيديها تبكي بحرقة قلبها الكسير...اغمض عينيه بوجع لأجلها فتقدم منها يلامس ذراعيها يقربها اليه ليضمها...ابتعدت عنه تنفض كفيه و تهرول ناحية كومة الملابس المبعثرة على الأرض تصرخ به آمرة...
(لا تلمسني مجددا...لا يحق لك لمسي ابدا)
في هذه اللحظة شعرت بغيرتها على نفسها...بأنها تقف عارية امام رجل غريب عنها لا يحق له رؤيتها...مالت تنبش في ملابسها حتى استقرت يدها على جلباب التقطته ترتديه بأيد مرتعشة و دموع لا تتوقف...تحركت الى الخزانة مجددا تفتح درجها السفلي و تستخرج حقيبة السفر تضعها ارضا و تجلس على عاقبيها تضع ملابسها بعشوائية داخلها...
اتسعت عينا ايوب بصدمة فتوجه نحوها يجذبها من ذراعيها حتى استقامت تواجهه بوجه بالي الملامح دامي العينين فيسألها بتوجس...
(ما الذي تفعلينه؟!)
سالت دموعها بينما تقول بصوت تعب من كثرة الصراخ...
(سأعود الى أبي هناك مكاني الصحيح...طلقني أيوب)
انقبض قلبه من طلبها فضغط على ذراعيها يقول بصوت تائه شابه الرجاء...
(ما الذي تتفوهين به مودة؟!... أعرف انني ارتكبت في حقك ذنبا و ان قلبي لا يزال يعاني بسبب اخرى لكنني و ليشهد الله ارتضيتك زوجة لي و اريد ان اكمل معك حياتي)
عيناها حطتا على قلبه تهمس بوجع...
(جسد بلا قلب أيوب...انت معي جسد بلا قلب و انا لن ارضى لنفسي بأن أكون لك مجرد جسد يسد احتياجك او ترى خلاله من تريد)
صرخ بها بحدة...
(أنا اخاف الله يا مودة فلا تجعلي ظنك السيء هذا يسيطر على تفكيرك...و الله لم المسك سوى و انا مدرك انك زوجتي و لا أحد آخر)
نكست رأسها امامه فلانت قبضته على ذراعيها كما لانت نبرته...
(دعينا نتريث و نعطي لأنفسنا فرصة جديدة... احتاجك معي مودة في حياتي فلا تتركيني...ساعديني كي اتخلص من علة قلبي و انسى من نسيني...اقسم بالله قلبي يعاني)
و من خراب ما تعيشه بعدما انهدم قصر حبها فوق رأسها بقي هناك خافقا يعاند و يدق خلسة لأجله...هذه النظرة الذليلة في عينيه توجعها رغم كل شيء...تحكي لها عن ألمه و جرحه النازف...تؤكد لها أن فلك تركت ارض قلبه قاحلة و نصيبها هي ان تسكنها بعدها...لكنها خاوية اليدين مقفرة العقل لا تملك سوى خافق ذليل بحبه فهل ستقوى على تخطي كل هذا به فقط؟!...
دموعها تجري مدرارا فوق بشرتها التي انهكتها حقيقة الاعتراف فتكلمت بصوت مبحوح يعاني...
(ليتني لم أعرفك يوما أيوب كنت رحمت قلبي من هذا الذل و الوجع)
افلتت نفسها من بين يديه تهرول خارج الغرفة ببكاء يمزقهما...تحرك خلفها بقلق عليه و خوفا بألا توافق و تبقى معه...كلمة طلاق التي خرجت منها ارعبته...لا يريد تدمير حياته معها لأنه ببساطة يريدها زوجة...ربما من دون قلب او مشاعر حاليا لكنه سيسعى ليحسن معاملتها و ربما في طريق حياتهما معا ينسى فلك تماما...ربما!!
تتبعها حتى ولجت الى الغرفة التالية تغلق بابها بإحكام...توقف عنده بقلب يتألم و روح تشعر بالذنب... استمع الى بكائها و صوتها يصله ليلهب روحه...لامس الباب بيده لتنفلت دمعته غصبا بينما يهمس بوجع حقيقي لأجلها...
(أنتِ ذنبي أنا فليساعدني الله لأكفر عنه)



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات