رواية تمرد اسيرة القصر الفصل التاسع عشر 19 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل التاسع عشر:
إبتسمت شفتيه بخفوت و هو يتابع تلك الصور العفوية لها .. بريئة .. و ساحرة .. و مشاغبة .. و جميلة .. جدا ...
طالع تلك الصور كثيرا من قبل .. لم تختلف كثيرا عن مرحها و هى طفلة .. نفس الإبتسامة الصافية من القلب .. نفس النظرات الفيروزية الحادة و التى تنم عن ذكائها .. و رفعة حاجبها البغيضة تلك و هى تطالعه بتكبر و غرور ...
إتسعت إبتسامته و هو يطالع شاشة حاسوبه الخاص و الذى إحتفظ به بسره الأكبر .. صور صغيرته غزل ..
و الآن أضاف إليهم صورهما سويا بحفل زفاف رامى و ليال و صورها المشاغبة و الطفولية مع مهاب .. و صور زواجهم بحديقة القصر و رقصتهما المثيرة التى يتمنى أن يعيدها معها مرة أخرى ...
هل يعقل ما مر به حتى الآن .. يتمنى و تتحقق أمنيته المستحيلة و تعود له صغيرته و هو الذى يضيعها من بين يديه مجددا ..
بهتت إبتسامته و هو يقسم شاشة حاسوبه لنصفين .. نفس الصورة .. فى كل شئ ..
هنا و هما صغار و غزل تحتضن دميتها و الذى أهداها إياها تطالع عدسة الكاميرا بسعادة بينما هو يتطلع نحوها بنظرة شمولية تملكية .. و لم لا و هى ملكه هو ..
و هنا و هما بزفاف رامى و غزل تحتضن دميتها الجديدة مهاب و الذى أهداه إليها أيضا و تطالع عدسة الكاميرا .. نفس النظرة السعيدة بينما هو يتطلع نحوها بنظرة أكثر شمولية بفستانها الجمرى و تملكية بشراسة ...
إبتسم بسخرية لاعنا عقله وقتها .. فتلك المغوية كانت تتلاعب به و هو لا يدرى .. لم تدخر جهدا و فازت .. و لكنها أصابت نفسها بمرض لن تشفى منه بحياتها .. عشقه ..
أخرجه من شروده رنين هاتفه .. فحمله و طالع شاشته بتعجب و رد بتوتر :
- عاوز إيه يا إبنى .
صاح به رامى بضيق و هو يضغط بوق سيارته بقوة لتتنحى السيارات التى أمامه و يكمل طريقه بسرعة :
- إنزل بسرعة يا فارس و خلى غزل تشوف ليال كانت بتكلمنى و فجأة سمعت حاجة وقعت و صوتها قطع .
وقف فارس مسرعا و قال بخحل :
- بس .. بس أنا مش فى القصر .
زم رامى شفتيه و قال متعجبا :
- أمال فين .. وسايب عروستك ليه ؟!!
رد فارس بقوة و هو يحمل هاتفه و مفاتيحه منصرفا من شقته الخاصة :
- مش وقته .. أنا هسبقك على هناك .
أجابه رامى بعجز :
- طيب .. بس لو وصلت قبلى طمنى الله يخليك .
أغلق فارس باب شقته و وقف أمام المصعد و أجابه :
- حاضر .
و أغلقا الهاتف .. و رامى يضرب مقود سيارته بقوة فاقدا صبره .. و قلقه على ليال وصل لأقصى مراحله ..
وصلا الإثنان للقصر سويا ..إقترب فارس من رامى المتوتر و قال لتهدئته :
- إهدا هتكون بخير إن شاء الله .
أومأ له رامى برأسه و دلفا القصر مسرعين .. تابع حمزة ركضهم فرفع حاجبيه بتوجس .. و سألهما متعجبا :
- فى إيه يا عم إنت و هو .. بتجروا ليه كده .
لم يجيباه و إنطلقا .. فقال فارس لرامى و هو يستجمع أنفاسه و يشير بيده على طابقه :
- هطلع أجيب غزل و هجيلك .
و تركه و أكمل صعوده راكضا ...
دلف رامى لغرفته مسرعا و وجد ليال مازالت ممددة على الأرض و نشوى بجوارها تحاول إفاقتها .. حملها و وضعها على فراشهما و دثرها و هو يطالع شحوب وجهها الذى مازال محمرا من البكاء .. و خرج مسرعا و صاح بصوت عالى :
- يا فارس .. خلى غزل تيجى بسرعة الله يخليك .
دلف فارس لجناحه و بحث عنها فوجدها تجلس بالشرفة كعادتها بإسدالها و سبحتها .. فصاح بها بغضب من برودها و هدوئها المستفز :
- إنتى مش حاسة بالمصيبة اللى إحنا فيها يا هانم .
وقفت غزل مسرعة و قالت بقلق :
- فى إيه .. و هعرف منين و إنت حابسنى هنا .
زفر بضيق و قال مسرعا بحدة :
- مش وقته تعالى معايا .. ليال الظاهر تعبانة و .... .
لم تمهله وقت لمتابعة حديثه و ركضت مسرعة و إرتطمت به بقوة و توجهت مسرعة ناحية جناح ليال ودلفت غرفتها بقلق ....
فوجدت رامى يجلس بجوارها و هو يستجديها لأن تجيبه فقالت مسرعة و هى تجلس بجوارها على الفراش و تعاين عينيها :
- إخرج بره يا رامى بسرعة .. تعالى ساعدينى يا نشوى .
إقتربت منها نشوى و خرج رامى ممتثلا لأمرها بإرتباك .. مرت دقيقتين و خرجت غزل من الغرفة و وقفت أمامهما و قالت لفارس بجدية :
- فى الدولاب بتاعى هتلاقى شنطة الإسعافات بتاعتى هاتها لو سمحت.
رد فارس مسرعا :
- حاضر .
و ركض على الدرج .. إلتفتت لتعود فوقف رامى أمامها و تسائل بفضول بقلق :
- ليال مالها يا غزل ؟!!
دفعته غزل من صدره و قالت متأففة :
- أووف .. إبعد دلوقتى لو سمحت .
و عادت لغرفة ليال .. عاد فارس أيضا و هو يحمل حقيبة غزل .. فأخذها منه رامى و دلف لغرفته .. و بعد قليل خرج و هو يسب و يلعن .. ضحك فارس ساخرا و قال بمزاح :
- طردتك مش كده .
كتف رامى ذراعيه خلف ظهره و إستند على الحائط بكتفيه و قال بضيق :
- إنت مستحملها إزاى دى .
ضحك فارس بخفوت و هز رأسه بيأس بينما تابع رامى تهكمه قائلا بحدة :
- فهمت أنا إنت سايبلها الدنيا و هربان ليه .
رد فارس مسرعا بحزم قاطع :
- ما تتدخلش فى اللى مالكش فيه .
فسأله رامى بجرأة :
- هى البت دى طلعت مش سليمة و لا إيه .
إتسعت عينى فارس و إستشاطت نظراته و لكمه فى وجهه .. فسقط رامى على الأرض و قد نزف أنفه من آثر تلك اللكمة المفاجأة .. إنحنى فارس ناحيته و رفع سبابته فى وجهه و هو يحدجه بنظرات غاضبة مشتعلة قادرة على إذابة عظامه حيا و قال بصرامة :
- أنا ممكن دلوقتى أقطعلك لسانك .. بس أنا هعمل حساب للدم اللى بيجرى فى عروقنا ده .
وقف رامى منتصبا و هو يزيل تلك الدماء المتدفقة من أنفه و قال معتذرا بخجل :
- أنا آسف .. مش عارف قولت كده إزاى .
فهدر به فارس بعصبية كالطود الأشم :
- ترضاها على مراتك ؟!
طأطأ رامى رأسه بخجل و إقترب منه قائلا بنبرة منكسرة :
- ﻷ طبعا .. بس خوفى على ليال لخبطنى .. مش أكتر و الله .
خرجت غزل من الغرفة و على وجهها إبتسامة مشرقة .. تطلعا إليها الإثنان بتعجب فبادر رامى بالحديث و سألها بقلق :
- ليال مالها يا غزل ؟!
حركت غزل كتفيها بغرور و قالت بفرحة :
- المدام حامل .
فرفع رامى حاجبه بحدة و سألها ببلاهة :
- مدام مين !
ردت غزل و هى منهارة من الضحك قائلة بعملية :
- مدام ليال زوجة حضرتك حامل .. هتبقى أب يا رامى .
إتسعت عينى رامى بفرحة و قبض على ذراعيها و قال بقوة :
- إحلفى .
زادت ضحكاتها و قالت بمداعبة :
- هو أنا سباك واقف قدامك .. قولتلك حامل .
هزها بعنف و قال برجاء :
- إحلفى .. ليال حامل فى إبنى .
جذبه فارس من مؤخرة عنقه بضيق بعدما لامست يديه شيئا يخصه .. وحده .. و قال بتهديد حازم :
- شيل إيدك لقطعهالك .
إنتبه رامى لتمسكه بذراعى غزل .. و تركها مسرعا و أجابه و هو يقفز من فرحته :
- آسف .. أنا .. أنا مش مصدق .. ليال حامل .
ثم إلتفت ناحية فارس و طالعه بنظرات غالبها الدموع و قال بسعادة :
- ليال حامل يا فارس .
إبتسم فارس بسخرية على حالته و إحتضنه قائلا بهدوء :
- مبروك يا أبو حمبوزو .
إبتسمت غزل على مزحته و قالت لرامى بجدية :
- بكرة تاخدها للمستشفى بعد الإمتحان .. لدكتور محمد هو كويس جدا و هترتاح معاه .
إبتعد رامى عن فارس و هو عابسا بوجهه و إلتفت إليها قائلا بضيق :
- دكتور ﻷ .. لو دكتورة ماشى .
تطلعت إليه غزل بإزدراء و قالت بحدة :
- إنت old fasion جدا يا رامى .
أجابها رامى مسرعا :
- مش مهم بس ما تتكشفش على راجل غيرى .
رفعت غزل عيناها بملل و قالت بضيق :
- هو ده اللى همك .
أجابها بإصرار شديد :
- أيوة .. مافيش راجل هيتابعها و لا هيولدها إن شاء الله .. أنا اللى بيجرى فى عروقى ده دم مش مايه .
ضحكت غزل بإستخفاف و قالت بسخرية :
- لا و الله .. طب و دكتور التخدير لما تيجى تولد .. هتجيبه دكتورة ست .. و لا دكتور الأطفال اللى هيطمن على البيبى هو كمان هتخليه ست .
طالعها مطولا قبل أن يجيبها ببرود :
- أيوة .. الطقم كله هيبقى ستات .. ده إحنا أصحاب المستشفى يا .. يا دكتور .
لاحظت غزل دماء خفيفة بجوار أنفه .. فعاينته بقوة و سألته بقلق :
- إيه الدم ده .
أشاح رامى بيده قائلا بإستخفاف :
- مش مهم .. أنا آسف يا غزل .. و شكرا قوى .
و تركها و دلف مسرعا لليال ..زمت غزل شفتيها متعجبة من إعتذاره و قالت بسخرية :
- هو إتجنن ده و لا إيه .
ثم تطلعت لفارس بقوة و قالت ببرود :
- تعالى نبارك لهم و نطلع أوضتنا .
و تركته و دلفت للغرفة ..أخرج يديه من جيبى بنطاله و تبعها و هو يزفر بضيق ..
جلس رامى بجوار ليال التى لم تهدأ دموعها على الفراش .. و ربت على كفها و سألها بقلق :
- بتعيطى ليه دلوقتى المفروض تكونى فرحانة .
ردت غزل موضحة :
- دى لخبطة هرمونات و لازم تتعود يا أبو حمبوزو .
إبتسم فارس على ترديدها لإسم حمبوزو و قال لليال بإبتسامتة هادئة :
- مبروك يا ليال .
رفعت ليال نظراتها المحتدة ناحية فارس و التى كانت تحمل غضبا شديدا و قالت بعصبية :
- حابس غزل فى أوضتها ليه يا فارس .
نزلت كلماتها كالصاعقة على رؤوس الجميع .. و ساد الصمت لثوانى ..حتى إحتضن رامى وجهها بين كفيه و قال لها مهدئا :
- إهدى يا لولو .. دى حياتهم و هما حرين .
إلتفتت برأسها ناحية رامى و قالت بحدة :
- هما حرين إزاى .. بقولك حابس عروسته يوم الصباحية .. هو ده عادى عندكم و لا أنا اللى مش فاهمة حاجة .
هدأها رامى قائلا بقلق و هو يربت على وجنتاها بلطف :
- هشش .. خلاص يا عسلية و هما هيفهمونا .
أجابتها غزل و هى تلف ذراعها حول خصر فارس الذى تعجب من فعلتها و طالعها بطرف عينيه و هى تقول :
- إنتى فاهمة غلط يا ليال .. ده موضوع هزار بينى و بين العوو .
ضحكت ليال ساخرة و قالت بعيون زائغة :
- هزار مش كده .
رفعت غزل عينيها لفارس و طالعته بنظرات ذات مغزى .. فأحاط كتفيها بذراعه و قال مؤكدا :
- مافيش حاجة بينا يا ليال إنتى فاهمة غلط .
لم تحيد ليال بعينيها عن عينى غزل و دموعها ما زالت تسقط و قالت بضيق :
- هزار مش كده .
رفعت غزل عينيها لفارس و طالعته بنظرات ذات مغزى .. فأحاط كتفيها بذراعه و قال مؤكدا :
- مافيش حاجة بينا يا ليال إنتى فاهمة غلط .
لم تحيد ليال بعينيها عن عينى غزل و دموعها ما زالت تسقط و قالت بضيق :
- بتضحكى على مين .. بلاش تمثيل .. أنا دلوقتى متأكدة إن فى مشكلة بينكم .. و كبيرة كمان لأنك قولتى العوو مش فارس .
تأفف رامى من تماديها و قال بضيق :
- إنتى هتعملى فيها المفتش كرومبو .. ريحى دماغك هما أحرار .
و جذب وجهها ناحيته بأنامله و قال بإبتسامة هادئة :
- إفرحى يا لولو بإبننا و بس .
زاد إنهمار دموعها و تشنج ملامحها و قالت بألم :
- عاوزنى أفرح إزاى و أختى لمت هدومها و سابت البيت و مشيت .
وقف رامى متعجبا و قال بغضب :
- بتقولى إيه ؟!
أجابته ليال و هى تدفن وجهها بين راحتيها بحزن :
- ميناس مشيت .. سابتنى و مشيت .
إبتعدت غزل عن فارس و قالت بقوة :
- المفروض ما تزعليش يا ليال .. خروجها كان هيحصل سواء دلوقتى أو باعدين .
ثم تطلعت بفارس بنظرات متصلبة و قالت بعمق :
- هو ما يستاهلش حبها .. و كان لازم تبعد عنه.. حتى لو هتتعذب .. بس هى صح .
وصلت رسالتها لفارس و فهم مغزى كلماتها الموجهه له و أشاح بوجهه بعيدا عنها و قال بغضب :
- و إزاى إحنا ما نعرفش بالكلام ده .
كففت ليال دموعها و قالت بضيق :
- و هو إنت كنت هنا .. علشان تعرف و لا متعرفش .
كظم غيظه بصعوبة و خرج مسرعا تبعه رامى و هو يقول له مهدئا :
- إستنا يا عوو .. نفهم بس الأول .
لم يجبه و ترجل الدرج مسرعا يتبعه رامى .. وقفت ليال و سارت ناحية غزل و طالعتها بقوة و سألتها بهدوء :
- فى إيه بينكم يا غزل .. صارحينى يا حبيبتى .
إبتسمت غزل بسخرية و قالت بإستياء :
- طبعا أول حاجة هاتيجى فى بالك إنى ما كنتش فيرچن .. صح .
هزت ليال رأسها بقوة و قالت بصوت يرتعد :
- أبدا والله .. أنا عارفاكى كويس و عارفة بتخافى ربنا إزاى .
جلست غزل على مقعد ورائها و قالت بفتور :
- كويس إنك عارفة .. لأنى أنا نفسى مش عارفة .
جلست ليال مقابلة لها و إبتسمت رغما عنها بعاطفية و قالت بهدوء متعقل :
- أنا مش عايزة أعرف إيه اللى بينكم .. بس فارس طيب .. هو عصبى و متسرع بس و الله بيحبك .
تنهدت غزل تنهيدة طويلة مثقلة و قالت بقنوط :
- الدنيا دى غريبة جدا .. أوقات نقابل ناس و نحبهم حب سطحى و علاقتنا بيهم تبقى كويسة جدا .. بس لو تعمقنا فى علاقتنا دى و فى حبنا كمان .. بنتوجع قوى و تزيد المشاكل و الخلافات .. ليه ..مش فاهمة !!
خبت إبتسامة ليال و هى تتعمق فى عينيها و كلماتها تدور و تدور برأسها و هى تفكر و بقوة .. ما بداخل تلك الجمجمة الحزينة كصاحبتها ...
غزل تبدو كأنثى الأسد .. ناعمة و متربصة .. حتى أنك لو طالعت وداعتها و هى هادئة و طالعت أقدامها لن تجد بها مخالب شرسة كالتى نراها ظاهرة من العدم بمجرد ما تستعد للإنقضاض على أحدهم .. سواء دفاعا عن النفس .. أو من أجل النجاة بالحياة .. كحق مشروع فى تناول وجبتها .. من أى فريسة ..
إنتبه حمزة لتقدم فارس ناحيته بنظرات مشتعلة غاضبة و جاهزة للإنقضاض عليه .. فإبتلع ريقه بتوجس حتى وقف أمامه .. فقال مسرعا بتعجب :
- ليال مالها يا رجالة .
أجابه رامى مسرعا و هو يتسائل بضيق :
- سيبك من ليال دلوقتى .. فين ميناس .
طأطأ حمزة رأسه بضيق .. و قال بحزن :
- إحنا هنتطلق خلاص .
أصدر فارس صوتا نابيا تعبيرا عن غضبه و قال بصوت موجع فى سخريته :
- ليه إن شاء الله .. مالكش كبير تسأله قبل ما تتصرف يا حيلتها .
إنتبه رامى لشرارات فارس الغاضبة و التى تنذره بالأسوء فوقف أمامه و قال بهدوء :
- إهدا يا فارس مش كده .. عاوزين نفهم .
قبض قبضتيه بقوة كاظما غضبه و قال و جسده ينتفض إنفعالا :
- ما تقوليش أهدا .. لما خلاص قربنا نلاقى علاج لحالته يخليها تسيبه .
لف حمزة بكرسيه و توجه لغرفته قائلا بجفاء :
-خليكوا فى حالكم .. أنا هبقى أكلم الحاج و أعرفه .
و حرك كرسيه ناحية غرفته مسرعا .. إستوقفه رامى قائلا بسعادة :
- ليال حامل يا حمزة .. أنا هبقى أب .
إلتفت حمزة إليه مسرعا و قال بفرحة حقيقية إفتقدها منذ زمن :
- مبروك يا زميلى .. بجد فرحتلك من قلبى .
إبتسم إليه رامى بخفوت و قال بهدوء :
- الله يبارك فيك و يهديك .
تنهد حمزة بألم و قال مازحا :
- عاوزين بقا عروسة للواد مهاب .
وضع رامى يده بجيبه و قال نافيا :
- لا يا عم أنا عاوز ولد مابحبش البنات .
وقف فارس بينهما عاقدا ذراعه أمام صدره و يتابع حوارهما الهادئ و المازح .. تقريبا .. ليرد حمزة على رامى قائلا بضجر :
- و إنت تطول يبقى عندك بنت و تكون حلوة كده زى ليال .
إبتسم رامى بسخرية و قال بريبة :
- لا يا عم أجيب بنت تخلى عينى وسط راسى و أفضل ألف وراها يمين و شمال .
ضرب فارس كفيه ببعضهما و قال ساخرا :
- عليا النعمة مهاب إبنى فيه مخ عنكم .. إنتوا فى إيه و لا فى إيه .. جاتكم الهم .
و تركهم مبتعدا و صعد الدرج مسرعا .. تبعه رامى قائلا بملل :
- إستنى يا عوو .. هو أنا هقضيها جرى وراك كده.
وقف فارس ممتعضا و قال بحزم :
- عاوز إيه ؟!
وقف أمامه و سأله بتوجس متطلعا لقبضته بقلق :
- فى إيه بينك إنت و غزل .. هو إنت لحقت .
زفر فارس بضيق و قال بنبرة ماجنة مطالعا إياه بعينين حادتين النظر :
- و إنت مالك .. خليك فى مراتك الحامل و إنسانى .. تمام .
إستطرد رامى حديثه و قال بتأنى :
- بس يا فارس ل.... .
قاطعه فارس قائلا بحدة آمرة :
- خلى ليلتك تعدى على خير إنت كمان .. و إطلع من نافوخى .
و تركه و إبتعد .. زمت نشوى شفتيها و حركتهما بإمتعاض و قالت بصوت هازئ خفيض :
- أنا قولت عيلة مجنونة .. لأ .. عيلتين مجانين .. لما أرجع أحسن البنات تقلدنى .
مر فارس أولا على جناح ليال و صاح بغزل قائلا :
- غزل .. إنتى هنا .
ردت بصوتها المغوى الساحر :
- أيوة يا حبيبى .. جاية أهه .
حتى و لو بالكذب فسماعه لكلمة حبيبى منها جعلت دقة من دقات قلبه ترتعش فرحة .. إقتربت منه و مرت من جواره و ما أن أصبحت بمحاذاته حتى طالعته بطرف عينيها بقوة .. و تركته و صعدت لجناحها ..
تبعها فارس بوجه ممتعض من نظراتها القوية و التى لم تتأثر بما فعله بها .. لن يتراجع حتى تنهار أمامه و تعترف بخطأها ..
خلعت غزل إسدالها و عادت لعملها على حاسوبها .. أغلق فارس الباب ورائه و دلف للغرفة .. و حمل منشفته ودلف للمرحاض بصمت .. و خرج بعد فترة يبحث عنها فوجدها جالسة على طاولة الطعام و تتناول وجبة غدائها بشراهة .. فإقترب منها و قال ساخرا :
- هو أنا كل ما أشوفك هلاقيكى بتاكلى .. إيه الفجع ده .
لم تعره إهتماما و أكملت تناولها لوجبتها .. فزفر بضيق و صاح بها قائلا بغضب :
- أنا مش بكلمك و لا كلب و بيهوهو .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بلهاث :
- بتإيه .. بتهوهو .. زى البوبى يعنى .
كانت تتحدث و فى فمها طعام .. فشرقت و أخذت تسعل بقوة .. فضحك عليها ضحكة عالية قائلا بتشفى :
- تستاهلى .. علشان تبقى تتريقى عليا .
و ناولها كوبا من الماء و قال بقلق :
- خدى المية دى إشربى .
لم تأخذه منه و شربت من كوبا آخر .. فوضعه بقوة على الطاولة و قال بصوت محتنق:
- أنا غلطان اللى خفت عليكى .
و تركها و دلف للغرفة .. و هو يتجولها بغضب .. لم يرى ببرودها من قبل .. عريس و ترك عروسته ليلة زفافهما ماذا سيحتاج أكثر ليجعلها مقهورة و محطمة أمامه ...
لابد و أن هناك سرا وراء جمودها ذاك .. لم تعشقه .. هز رأسه بقوة نافيا .. لأنه يعلم أنها رغم كونها لعوب و مستهترة إلا إنها تعشقه .. مؤكدا ...
بعد قليل سمع صوت ضحكاتها الرنانة .... فانتبه جيدا .. و إقترب من الباب و إسترق السمع .. فسمعها تقول بنعومة :
- إنت وحشتنى أكتر يا حبيبى ....... هانت يا عمرى و هفضل معاك على طول ....... و أنا كمان بحبك قوى ....... ربنا يخليك ليا ..... خلى بالك من نفسك و ..... .
جذب فارس هاتفها و قال لمحدثها بغضب :
- ألو ... إنت مين يا حيوان إنت .
وسقطت الصفعة ....
هنا توقف سيل الكلمات ..
و إنطلقت من قلبى الآهات ...
و عادت للخلف الساعات ..
إنتهت ..
نعم إنتهت أحلامى الوردية ..
و تحطمت أمواجى البريئة ..
على صخور قلبك العتية ...
و إغتلت بداخلى تلك القطة البرية ...
إرحل ...
فقط إرحل و إتركنى لعذابى ...
لوحدتى ... لآلامى .. لغربتى ..
أو إتركنى أرحل ..
و أنا سأعتنى بنفسى .. بروحى ..
بعقلى .. بقلبى ..
آآآه .. يا قلبى ..
أميل عليك .. و تضمنى و تواسينى ..
أنقذ لأعماقك الدافئة و تحتوينى ..
فقد آن أوان أن تداوى نفسك و تداوينى ...
ببساطة إنها النهاية ..
النهاية ..
إنتفضت واقفة بعدما جذب فارس هاتفها و قال لمحدثها بغضب و عيناه تشع شررا خطيرا :
- ألو ... إنت مين يا حيوان إنت .
لم تتمالك نفسها تلك المرة و جذبت الهاتف منه و قالت بإزدراء من تهكمه على خصوصيتها :
- هات الفون بتاعى .. إنت همجى و متخلف .
كانت إهانتها له الشرارة التى يخرج بها ذلك الغضب الذى ينهشه منذ أيام و هو يهوى بكفه و يصفعها على وجهها بقوة جعلت وجهها يلتف بحدة و ترنحت قليلا .. قبل أن تفطن لما حدث قبل برهة ..
هل صفعها .. تراءت أمام عيناها خيالات لوالدتها و والدها يصفعها حين تعارضه أو تغضبه ...
صرخ قلبها قائلا بألم " أمى .. هل تألمتى هكذا مرارا .. هل شعرتى بذلك الخزى و العجز مرارا .. هل فقدتى جزءا من روحك و كرامتك مع كل صفعة " ...
خرجت من شرودها على صوته الأجش الجاف و هو يهدر بها بعصبية قائلا بشراسة :
- ده إنتى وقحة بشكل .. و لو طولتى لسانك تانى هقصهولك .
و جذب الهاتف من يدها مجددا و هى تنتصب فى وقفتها و قد إرتسم الذهول على وجهها بقوة .. بينما رفع فارس الهاتف على أذنه و قال بصوت مخيف :
- رد يا حيوان .
- مالك بس يا عوو متنرفز ليه .. و ما تزعقش لماما تانى مفهوم .
رفع فارس حاجبيه بتعجب جلى و هو يبتلع ريقه بصعوبة من صدمته بعدما ميزت أذنيه صوت مهاب .. فقال محرجا :
- مهاب ؟!!
أجابه مهاب بمداعبة :
- أيوة يا بابا وحشتنى .
تحولت نظراته لغزل الواقفة و يدها على وجهها و تتحسس مكان صفعته و عيونها تتوعده بقوة و تخبره بأن حسابه قد زاد .. و طفح الكيل .. و قد إمتلأت بحقد يكاد يحرقه ..
أنهى فارس المكالمة مع مهاب قائلا بهدوء :
- و إنت وحشتنى أكتر .. هبقى أكلمك تانى .. سلام يا صاحبى .
- سلام يا بابا .. و بوسيلى ماما .
تنهد فارس مطولا و أجابه بوهن :
- حاضر .
و أغلق الهاتف .. و قذفه على الطاولة و تركها و دلف لغرفتهما هاربا من نظراتها الحادة و الثاقبة كسهم مسموم ... يخترقه بلا توقف ...
إنكمشت ملامح غزل و هى تقاوم ذرف دموعها .. حتى لا ينتبه لضعفها و يتشفى بها ذلك الجلمود الثلجى ..
إنتهى وقت التفكير .. و حان وقت التنفيذ .. لن تتحول لنسخة مجددة من والدتها و تلقى مصيرها المؤلم ..
إنهارت جالسة على أحد الأرائك و هى تسب الرجال أجمعين .. تختلف هيأتهم .. أصواتهم .. شخصياتهم و لكنهم سيظلون صنف همجى متعصب يستغل قوامته فى قهر النساء حتى يزداد شعورهم برجولتهم ...
أخرجها من حقدها و نظراتها الحادة صوت الآذان .. فترائت أمامها صورة والدتها مجددا .. و هى تقوى و تعود لرغبتها بالحياة و المواصلة عن طريق صلاتها .. حاربت أناس أقوى من أى وحش مفترس بصلاتها و جزائها بالنهاية كان الموت .. فقالت غزل بنفسها بتهكم صارخ .. بماذا إستفادت أمى من الصلاة .. و ماذا قدم لها الله مقابلا لإيمانها و حبها له .. إغتالتها آيادى حقيرة و هو يقف ساكنا ...
ليصدح المؤذن قائلا بقوة .. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله .. فإتسعت عيناها ذعرا و رفعت كفها على فمها بصدمة .. ماذا قالت حتى و لو بينها و بين نفسها ..
وقفت مسرعة و توجهت راكضة للمرحاض لتتوضأ .. و هى تستغفر بدموعها ....
وقف فارس فى شرفة غرفته يدخن سيجارا .. إنتظر قدومها لتنفجر به لائمة .. و ساخطة و ربما تتوعده .. و لكنها لم تأتى .. طالت وقفته فدلف للغرفة بتثاقل .. لينفغر فمه ببلاهة ....
وجدها تصلى و قد أطالت بسجودها .. فسئل نفسه بتعجب ما هذا التناقض الغريب بشخصيتها .. ففتاة لعوب مثلها مؤكدا لا تتذكر ربها من الأساس ...
فتسائل بقوة هل هى مذنبة أم مؤمنة .. جلس على مقعدا مجوار له واضعا ساقا فوق الأخرى و هو يتابعها بهدوء .. حتى إنتهت ..
وقفت و خلعت إسدالها بهدوء و قوة إكتسبتها من صلاتها و مناجاتها لربها .. و عادت للفراش بهدوء و إنهمكت بعملها بإهتمام ..و هى تراسل ذلك البروفيسير الأميريكى عن حالة حمزة ...
تطلع إليها فارس بغضب .. فهى لم تصرخ و لم تتذمر فقط تعود لعملها على هذا الشئ البغيض .. إشتد غضبه من برودها ..فوقف مسرعا و حمله من أمامها و قال بإهتياج :
- و الله إنتى و لا عندك دم و لا عندك كرامة .
رفعت عيناها ناحيته و هى تطالعه بنظرات فاترة و قالت بحزم :
- سيب اللاب توب بتاعى لو سمحت .
- ﻷ .
رده كان مقتضب بشكل حازم .. فإبتسمت بسخرية و هزت كتفيها بلا مبالاة و قالت بصوت هازئ بسيط :
- خليهولك .
و طالعت التلفاز و أخذت تتنقل بين قنواته بشرود .. فتمدد على الفراش و قال بتذمر :
- وطى صوت البتاع ده .
فإلتفتت برأسها ناحيته و قالت بضيق :
- نقفله خالص علشان عيونك .. و هسيبلك الأوضة كمان .
وقفت و تطلعت إليه بنظرات لا تحمل أى تعبير .. نظرات ميتة من عينين إغتالهما بإنتقامه الواهى .. و تركت الغرفة و وقفت أمام شرفة الجناح مستندة على إطارها بحزن .. تتأمل الحديقة الخلفية للقصر ..
أضائت عيناها ببريق خاطف بعدما جائتها فكرة شيطانية .. فإستدارت و دلفت للغرفة مرة أخرى تحت أنظاره و إرتدت سترة رياضية و وضعت قبعتها على رأسها .. و خرجت مندفعة بحماس ...
زم شفتيه بتعجب و قطب حاجبيه بشدة من تصرفها الغريب و المريب أيضا ..
فتحت الشرفة و وقفت بداخلها و أخذت تنظر لسور رفيع نوعا ما يربط بين شرفتها و شرفة مجاورة لها خاصة بالممر الذى يؤدى لجناحهما .. فكرت قليلا لو أنها تمكنت من القفز عبر شرفتها و سارت على هذا السور بحذر و وصلت للشرفة الأخرى فيمكنها حينها الهروب ..
- إحنا فى التالت و لو وقعتى من هنا هتتقطم رقبتك و تموتى .. فكرى فى طريقة تانية .. أصل فكرتك دى فاشلة قوى .
لم تتطلع إليه و ظلت على حالتها تفكر فى نسبة نجاح فكرتها الجامحة تلك .. حتى أردف قائلا بنبرة ماجنة :
- هو أنا مش بكلمك .
فقالت له غزل و هى تغمض عينيها ثم فتحتهما دليل على نفاذ صبرها :
- إنت عاوز منى إيه بالظبط .
ثم إستدارت ناحيته و طالعته بقوة و أردفت قائلة بنبرة لئيمة تلائمها للغاية :
- لو عندك مخطط لإنتقامك منى ياريت يبقى محدد لأنى شيفاك مش عارف إنت عاوز إيه .
إنفجر فارس ضاحكا بهيستيرية .. ثم قال من بين ضحكاته بتوعد :
- ده إنتى مسخرة و الله .. بس تعرفى أحسنلك ما تعرفيش أنا ناويلك على إيه .
ضحكت غزل ضحكة رنانة طبعا لتسخر من كلماته و فى عينيها حزن يقتله فهاتين العينان اللاتى كن يطلقن شرارات فيروزية تصيب كل من يراها لتأسره قد إنطفأت شعلتها مهما فعلت لتخفيه .. ثم خفتت ضحكتها و هزت رأسها بيأس و قالت بصوت متغطرسا بإيباء :
- بتصعب عليا جدا .. لأنك لسه ما تعرفنيش .. و ما تعرفش أنا مريت بإيه .. و حصلى إيه .. خلانى مهما عملت مش هتقدر توجعنى.
تنهد بثقل و هو يستمع لكلماتها المتألمة و التى تخفيها وراء قناع القوة الزائف التى ترتديه دائما .. و الذى زادها سحرا .. فسحرها عليه لا يستطيع إنكاره مهما حاول .. لوى شفتيه فى حيرة و قال بنبرة مطاطة مقيتة :
- ذكية .. فكرانى هتأثر بالكلمتين دول و تصعبى عليا .. تبقى بتحلمى صدقينى .
تقوس فمها بإبتسامة ماكرة للغاية .. و سلطت نظراتها الفيروزية عليه و قالت بهمس حارق :
- مش هتلحق تعمل حاجة لأنى هسيبك و همشى .. و بعدها تبقى بتحلم إنت لو شوفت وشى تانى .
رد عليها فارس بتحدى خائف مخفى و هو يعلم أنه من بعدها سيصبح حطام رجل لكنه إقترب منها ليأسر عينيها المتحديتين قائلا بلهجة عنيفة :
- مش هتعرفى تهربى .
تفاجأت غزل من رباطة جأشها و هى ترد عليه بقوة لم تعتدها بنفسها قائلة بصرامة :
- همشى .. و إبقى إفتكر كلامى ده كويس .
مرر أنامله على شفتيها و هو يلتهمهما بعينيه و قال بنبرة متأنية واثقة :
- مش العوو اللى يفرط فى حاجة ملكه .. و إنتى بتاعتى و مش هسمحلك و لا حتى فى أحلامك إنك تبعدى عنى .
لم تتأثر من لمساته المثيرة .. و لا من نظراته المتلهفة نحوها .. فقالت بنبرة صوت مغوية زلزلت العالم من حوله و هى تأسر عينيه بعينيها :
- مش هبعد عنك صدقنى عارف ليه ؟!
رفعت أناملها و لامست صدره بنعومة و أشارت على قلبه ثم عقله و قالت برقة مشاغبة :
- لأنى فى قلبك و عقلك و بتحس بيا و أنا بعيدة عنك يعنى.. بتعشقنى .. عشت بيا و دلوقتى عايش ليا .. أنا ملكتك من زمان قوى .
قاوم إغرائها الذى يجعل أى رجلا سواه صريعا للمساتها و حركة شفتيها المثيرة و انفاسها المسكرة .. و إقترب خطوة و مال نحوها حتى تلامست أنفيهما و قال بعنف :
- ما أنا كمان ملكتك .. و عارف إنك بتعيشى بيا .. و بتتمنى كل ثانية تبقى فى حضنى و أرضى عنك .
إبتعدت عنه غزل قليلا لتحدق مباشرة فى عينيه و قالت بإبتسامة تتألق على شفتيها بإعجاب :
- مغرور .. بس تعرف رغم إنى مش طايقة سجنى و لا سجانى .. بس هتوحشنى قوى .
و تركته و دلفت للداخل بملامح غاضبة و حانقة .. أغمض فارس عينيه و إستند بيديه على سور شرفته .. و سحب نفسا طويلا يهدأ به شوقه لها .. ساعات مجنونة جمعتهما و لكنها لا تفارق مخيلته و هو يتذكرها بكل تفاصيلها .. لم يشعر بما شعره من قبل .. رغم زواجه السابق و لكن رغبته بها و رغبتها به جعلتها ليلة مميزة و شيقة ..
كانت ناعمة و لذيذة كقطعة غزل بنات بيضاء قطنية الملمس و المذاق .. تمناها كثيرا بعدما أصبحت ملكه حرمها على نفسه ...
فتح عيناه و وقف يتطلع أمامه بشرود و هو يتخيل بقلق لو إستطاعت الهروب منه حقا .. بماذا سيشعر .. حتما سيفتقدها..
و الأكيد أنها ستعثر على حب جديد ..هز رأسه بقوة نافيا تلك الفكرة .. لن يحدث لانها ببساطة تعشقه هو .. و لكن ما الذى سيبقيها على حبه .. هل ستبقى على تلك اللحظات الثمينة بينهما .. لا يعتقد ..
إبتسم بسخرية و هو يتساءل بتعجب لماذا يجلد ذاته و هى المخطئة .. هى من تلاعبت به و أوقعته فى شباك عيونها القاتلة و جمالها الساحر ..
غزل الصغيرة ملكه هو و قد تأكد أنه الأول فى حياتها .. فلن يتركها .. و لن يسمح لها .. فقط فترة قصيرة يخضعها إليه كليا و بعد ذلك ينعم معها بحياة يتمناها منذ طفولتهما .
فى المساء إنتبه فارس و غزل المنزوية بشرفة غرفتها على نفسها على صياح الحاج صبرى بالقصر .. وقفت غزل مسرعة و دلفت لغرفتها و إرتدت عبائة منزلية مسرعة .. و فارس ينتظرها ..
لن يتركها بعد الآن خشية أن تنفذ تهديدها و تتركه .. ما أن إنتهت حتى تقدمت ناحية باب جناحهنا و وقفت أمامه منتظرة حتى فتحه لها .. فهبطا الدرج سويا و ما أن إقترب فارس من والده حتى سأله بقلق :
- مالك يا حاج بتزعق ليه .
هدأ صبرى قليلا و إبتسم إبتسامة باهتة و قال بتأسف :
- آسف يا عرسان .. صباحية مباركة .
ردوا سويا :
- الله يبارك فيك .
إنضم إليهم رامى و هو يقول بهدوء :
- منور الدنيا يا حاج .
عقد صبرى حاجبيه بضيق و قال بحدة :
- إزاى مافيش واحد منكم يعرفنى باللى حصل بين ميناس و حمزة .
أجابه رامى مسرعا لتفادى نوبة غضب عمه و الذى يعلمها جيدا و قال بدهاء :
- أصل إحنا إنشغلنا مع ليال شوية .
فسأله صبرى بقلق :
- مالها ليال إنطق .
إستقام رامى فى وقفته و عدل من وضعية رابطة عنق وهمية و قال بثقة و غرور :
- ليال حامل يا عمى .. إبن أخوك جامد برضه من أول شهر جبت جون.
ضحك صبرى عليه و هز رأسه بيأس و قال بفرحة :
- ألف مبروك يا رامى .. يتربى فى عزك يا إبنى و يقوملك مراتك بالسلامة .
أجابه رامى بإبتسامة خفيفة :
- تسلم يا كبير .
تجهم وجه صبرى مرة أخرى و تطلع ناحية حمزة قائلا بشراسة :
- سبت مراتك تخرج من البيت ليه .
ضحك حمزة بسخرية و إستند بمرفقيه على ذراعى كرسيه و هتف مزدريا :
- هى مش مراتى .. و لا عمرها هتكون .. فتبعد عنى أحسن لأنى زهقت من التمثيلية دى بقا .
رد صبرى بضيق من بروده :
- إنت إتجننت .. مش مراتك إزاى يعنى .. أمال كنت حابسها جنبك و بتتحكم فيها ليه.. كنت بتصبحها و تمسيها بعلقة ليه لو مش مراتك .
مرر حمزة أنامله فى شعراته الطويلة يبعدها عن وجهه و قال بحدة :
- علشان ما تفكرش تبص بره و تلاقى اللى ناقصها معايا مع واحد غيرى .
إتسعت عينى الجميع من كلماته الجارحة .. فرفع صبرى يده و صفعه على وجهه بقوة و قال بإزدراء :
- إنت بنى آدم حقير .. و أنا ما عرفتش أربيك .. و هطلقها منك و هجوزها لسيد سيدك يعرف قيمتها و يضلل عليها .. إنت خلاص مت من يوم الحادثة مع مرات أخوك .
و تركه و إبتعد .. أشار فارس لرامى أن يتبع والده .. بينما وقفت غزل أمام حمزة تطالعه بتشفى .. و قالت و عيونها تشع لهبا فيروزيا حارقا من شدة غضبها :
- و الله لخليك تندم على كل كلمة .. و كل مرة آذيتها إيديك القذرة دى.. و كل دمعة نزلت من عنيها بسببك .. و هخليك تتحسر على كل ثانية عدت عليك و هى بعيدة عنك .. هتندم ندم عمرك كله صدقنى .
هرب حمزة من أمامها مسرعا و إلتف بكرسيه و دلف غرفته وصفع ورائه الباب بقوة ..
وقف فارس متابع لكلماتها بتوجس و هو يعلم جيدا أن كل كلمة و كل حرف و كل نفس غاضب خرج منها موجه له هو .. و قد زادت شكوكه فى حتمية تركها له فهو لن يستطيع أسرها إلى مالا نهاية .. حتى أفاقه صفعة باب حمزة بقوة ..
إنتصبت غزل فى وقفتها و حدجت فارس بقوة و وعيد .. و صعدت الدرج لجناحهما.. تاركة خلفها قلبا يأن شوقا إلى أسيرته .. تبعها بقلق و أغلق ورائه الباب و هبط الدرج مسرعا للحاق بوالده و رامى .
أسدل الليل ستائره و غزل تفكر و تخطط لكل خطوة قادمة .. حتى إنتبهت على غزو ذرات عطر فارس لأنفها و الذى يخبرها بعودته ..
تجاهلته تماما و وقفت و حملت منشفتها و فتحت خزانتها و أخرجت منها قميص قطنى للنوم و دلفت للمرحاض ..
إرتمى فارس بجسده على الفراش بإنهاك و هو يتابع تحركاتها بعينيه .. بعد قليل خرجت و هى مازالت تضع منشفتها على شعراتها .. و قد إرتدت قميص قصير باللون الأبيض منسدل من كتف واحد و يظهر الكثير .. تنفس مطولا و هو يحدث نفسه بضيق فهى تنوى قتلة بأزمة قلبية من شدة جمالها ..
مشطت غزل شعراتها الطويلة و عقدتها كذيل حصان .. و وضعت كريمات مرطبة على بشرتها و هو يتابعها برغبة جامحة تنوى الإنقضاض عليها .. إنتهت و وضعت برفانها و خرجت من الغرفة و خطواتها تسحق قلبه تحتها من دلال مشيتها المتعمدة طبعا .. .بقدميها الناعمتين الحافيتين ...
تنفس بصعوبة و هو يضع يده على قلبه الذى إنتفض بشدة و ينذره أنه لم يعد يمتلك صبرا على تلك المغوية .
تطلعت غزل حولها بملل .. و فتحت إحدى الغرف بجناحها فوجدتها غرفة نوم عادية .. أغلقتها و فتحت الأخرى فوجدتها غرفة نوم لطفل من المؤكد أنها غرفة مهاب .. و تأكد حدسها عندما رأت لوح كبير عليه صورهما معا ثلاثتهم ..
وقفت تتطلع للصور بإبتسامة حزينة .. تعلم أنها ستشتاق إليهما كثيرا .. زادت إبتسامتها و هى تتطلع لصورها مع مهاب .. تذكرت حين إلتقطها بهاتفه .. و الأكيد أن فارس طبعها و وضعها على هذا اللوح .. إستوقفتها صورة تجمع ثلاثتهم .. و لكن فارس لم ينظر للكاميرا فقد كان يلتهمها بعينيه يوم زفاف ليال و رامى .. فقالت فى نفسها :
- يا ريتك سألتنى قبل ما تحكم عليا بالإعدام .. يا ريتك وقفت شوية كمان و سمعت باقى كلامى عنك و عن حبى ليك .. عارفة إنك بتحبنى و أنا كمان بحبك قوى .. بس فى حاجة كبيرة إنكسرت بينا و مش هتتصلح تانى .. صحيح أنا إستغليت جمالى كتير مع رجالة قبلك .. بس إنت الوحيد اللى حبيته و الله .
تنفست مطولا و تركت الغرفة و خرجت .. دلفت آخر غرفة فوجدتها غرفة لبيبى صغير .. و يبدو أنها لفتاة .. هل تمنى منها طفلة صغيرة .. تجولت فى الغرفة و هى تتأملها بفرحة .. بمهدها الصغير .. و عرائسهاو دماها الكثيرة .. و ألعابها المبهجة .. حتى وقعت عيناها على صندوق ملفوف كهدية .. تملك منها الفضول و حملته و جلست به على إحدى الأرائك بالغرفة .. و زالت عقدته و نزعت غطائه ..
حتى جحظت عيناها و دارت بها الغرفة من حولها و توقف تنفسها .. و تجمدت مقلتيها .. و كأن الزمن قد توقف بها ..
فقد رأت بالصندوق عروستها القديمة .. حملتها بين يديها و قد عاد بها الزمن لما قبل عشرون عاما .
و كفه يحتضن كفها و يجذبها مسرعا حتى خرجا من بناية رأفة .. جذبت يدها منه قائلة بضيق :
- بتجرى ليه يا فارس .. كده هقع .
قف أمامها و قال بإبتسامته الهادئة :
- عاوز أديكى هدية قبل ما باباكى يجى و ياخدكم .
لمعت عيناها و قالت بتلهف :
- عروسة جديدة صح .
غمز لها بعينه و أوقفها على جانب و قال بتحذير :
- أقفى هنا ما تتحركيش و أنا ثوانى و هرجعلك .
أومأت له برأسها .. فتركها و ركض مسرعا .. و بعد قليل عاد حاملا عروسة بشعرات سوداء و عيون زرقا تشبهها فرفعت ذراعيها ناحيتة بلهف فناولها إياها .. فجذبتها من يديه و طلعت إليها بإعجاب و قالت بفرحة طفولية :
- الله حلوة قوى العروسة دى يا فارس .
فسألها و هو يعبث بجديلتها الناعمة :
- عجبتك يا غزل .
ضمتها لصدرها و قالت بسعادة :
- جميلة قوى .. شكرا .
- أنا فرحان إنها عجبتك .
أشارت له أن يدنو منها قائلة بتذمر :
- إنت طويل قوى .. إنزل علشان أبوسك .
إتسعت إبتسامته و قال بإنصياع :
- حاضر يا ستى .
مال ناحيتها بجسده فقبلته فى وجنته بقوة ..
و إبتعدت عنه و سألته بفضول :
- و إنت فين عروستك .
لامس وجنته بأنامله متحسسا قبلتها و قال ببساطة :
- إنتى عروستى يا غزل .
رفعت رأسها و هى تضحك بصوت عالى و قالت بخجل :
- هههه .. يعنى هبقى عروستك زى ماما و بابا .
ذاب مع ضحكتها البريئة و لملم غرتها و قال بتنهيدة قصيرة :
- أيوة .. لما تكبرى هتجوزك و هنعيش فى القصر .
رفعت حاجبها بتعجب و قالت بفضول :
- و فين القصر ده يا فارس .
جذبها من يدها و سار مندفعا و هو يقول بحزم :
- تعالى معايا علشان تشوفيه .
و قطعا الحارة حتى أصبحا على الطريق .. عبراه سويا و جذبها من يدها و ركضا فى الطريق المؤدى للقصر و صوت ضحكاتها يخترق وجدانه و جديلتيها تطيرا خلفها بنعومة أسرت عينيه .. توقفا أخيرا و قال لها بلهاث :
- هو ده القصر .. عجبك .
طالعته بإعجاب و أجابته بإبتسامة مشتعلة :
- ده حلو قوى .
إلتفتا الإثنان على صياح بعض الأولاد .. فجذبها فارس و أوقفها ورائه و هو يطالع شراراتهم الغاضبة ...
و فى غصون لحظات قامت مشاجرة بينهم و بين فارس .. و تعالى بها صراخ فارس لتألمه من ضرباتهم و هو يتكور على نفسه ضامما جسده متلقفا ضرباتهم بظهره ..
إحتضنت غزل عروستها بذعر كأنها تحتمى بها .. حتى أخرج أحدهم سكينا و قرر أن يضرب بها فارس قاومت خوفها و صرخت و هى تركض لتقف أمامه و ينغرس السكين بكتفها .. صرخت متألمة و سقطت و عروستها مازالت بحضنها .. تتشرب دمائها ..
وضعت غزل يدها على كتفها بألم و كأنها تلقت تلك الطعنة الآن .. لقد تذكرته و ما ساعدها أكثر تلك الصورة لهما و هما طفلين بريئين .. هل إحتفظ بدميتها تلك السنوات الطويلة .. و وضعها بذلك الصندوق كهدية .. فهل نوى أن يهديها إياها ..
رفعت غزل عيناها بملل و قالت بضيق .. يا فارسى المغرور .. حبيبى وصلتنى هديتك متأخرة .. كعادتنا نأتى دائما متأخرين .. وضعتها فى الصندوق مرة أخرى و أعادته لمكانه .. و تمددت على الأريكة شاردة بما حدث معها و مر شريط حياتها أمام عينيها منذ تركته حتى عادت إليه .. و لم تشعر بنفسها و هى تغرق بدوامة الإرهاق و النعاس
إبتسمت شفتيه بخفوت و هو يتابع تلك الصور العفوية لها .. بريئة .. و ساحرة .. و مشاغبة .. و جميلة .. جدا ...
طالع تلك الصور كثيرا من قبل .. لم تختلف كثيرا عن مرحها و هى طفلة .. نفس الإبتسامة الصافية من القلب .. نفس النظرات الفيروزية الحادة و التى تنم عن ذكائها .. و رفعة حاجبها البغيضة تلك و هى تطالعه بتكبر و غرور ...
إتسعت إبتسامته و هو يطالع شاشة حاسوبه الخاص و الذى إحتفظ به بسره الأكبر .. صور صغيرته غزل ..
و الآن أضاف إليهم صورهما سويا بحفل زفاف رامى و ليال و صورها المشاغبة و الطفولية مع مهاب .. و صور زواجهم بحديقة القصر و رقصتهما المثيرة التى يتمنى أن يعيدها معها مرة أخرى ...
هل يعقل ما مر به حتى الآن .. يتمنى و تتحقق أمنيته المستحيلة و تعود له صغيرته و هو الذى يضيعها من بين يديه مجددا ..
بهتت إبتسامته و هو يقسم شاشة حاسوبه لنصفين .. نفس الصورة .. فى كل شئ ..
هنا و هما صغار و غزل تحتضن دميتها و الذى أهداها إياها تطالع عدسة الكاميرا بسعادة بينما هو يتطلع نحوها بنظرة شمولية تملكية .. و لم لا و هى ملكه هو ..
و هنا و هما بزفاف رامى و غزل تحتضن دميتها الجديدة مهاب و الذى أهداه إليها أيضا و تطالع عدسة الكاميرا .. نفس النظرة السعيدة بينما هو يتطلع نحوها بنظرة أكثر شمولية بفستانها الجمرى و تملكية بشراسة ...
إبتسم بسخرية لاعنا عقله وقتها .. فتلك المغوية كانت تتلاعب به و هو لا يدرى .. لم تدخر جهدا و فازت .. و لكنها أصابت نفسها بمرض لن تشفى منه بحياتها .. عشقه ..
أخرجه من شروده رنين هاتفه .. فحمله و طالع شاشته بتعجب و رد بتوتر :
- عاوز إيه يا إبنى .
صاح به رامى بضيق و هو يضغط بوق سيارته بقوة لتتنحى السيارات التى أمامه و يكمل طريقه بسرعة :
- إنزل بسرعة يا فارس و خلى غزل تشوف ليال كانت بتكلمنى و فجأة سمعت حاجة وقعت و صوتها قطع .
وقف فارس مسرعا و قال بخحل :
- بس .. بس أنا مش فى القصر .
زم رامى شفتيه و قال متعجبا :
- أمال فين .. وسايب عروستك ليه ؟!!
رد فارس بقوة و هو يحمل هاتفه و مفاتيحه منصرفا من شقته الخاصة :
- مش وقته .. أنا هسبقك على هناك .
أجابه رامى بعجز :
- طيب .. بس لو وصلت قبلى طمنى الله يخليك .
أغلق فارس باب شقته و وقف أمام المصعد و أجابه :
- حاضر .
و أغلقا الهاتف .. و رامى يضرب مقود سيارته بقوة فاقدا صبره .. و قلقه على ليال وصل لأقصى مراحله ..
وصلا الإثنان للقصر سويا ..إقترب فارس من رامى المتوتر و قال لتهدئته :
- إهدا هتكون بخير إن شاء الله .
أومأ له رامى برأسه و دلفا القصر مسرعين .. تابع حمزة ركضهم فرفع حاجبيه بتوجس .. و سألهما متعجبا :
- فى إيه يا عم إنت و هو .. بتجروا ليه كده .
لم يجيباه و إنطلقا .. فقال فارس لرامى و هو يستجمع أنفاسه و يشير بيده على طابقه :
- هطلع أجيب غزل و هجيلك .
و تركه و أكمل صعوده راكضا ...
دلف رامى لغرفته مسرعا و وجد ليال مازالت ممددة على الأرض و نشوى بجوارها تحاول إفاقتها .. حملها و وضعها على فراشهما و دثرها و هو يطالع شحوب وجهها الذى مازال محمرا من البكاء .. و خرج مسرعا و صاح بصوت عالى :
- يا فارس .. خلى غزل تيجى بسرعة الله يخليك .
دلف فارس لجناحه و بحث عنها فوجدها تجلس بالشرفة كعادتها بإسدالها و سبحتها .. فصاح بها بغضب من برودها و هدوئها المستفز :
- إنتى مش حاسة بالمصيبة اللى إحنا فيها يا هانم .
وقفت غزل مسرعة و قالت بقلق :
- فى إيه .. و هعرف منين و إنت حابسنى هنا .
زفر بضيق و قال مسرعا بحدة :
- مش وقته تعالى معايا .. ليال الظاهر تعبانة و .... .
لم تمهله وقت لمتابعة حديثه و ركضت مسرعة و إرتطمت به بقوة و توجهت مسرعة ناحية جناح ليال ودلفت غرفتها بقلق ....
فوجدت رامى يجلس بجوارها و هو يستجديها لأن تجيبه فقالت مسرعة و هى تجلس بجوارها على الفراش و تعاين عينيها :
- إخرج بره يا رامى بسرعة .. تعالى ساعدينى يا نشوى .
إقتربت منها نشوى و خرج رامى ممتثلا لأمرها بإرتباك .. مرت دقيقتين و خرجت غزل من الغرفة و وقفت أمامهما و قالت لفارس بجدية :
- فى الدولاب بتاعى هتلاقى شنطة الإسعافات بتاعتى هاتها لو سمحت.
رد فارس مسرعا :
- حاضر .
و ركض على الدرج .. إلتفتت لتعود فوقف رامى أمامها و تسائل بفضول بقلق :
- ليال مالها يا غزل ؟!!
دفعته غزل من صدره و قالت متأففة :
- أووف .. إبعد دلوقتى لو سمحت .
و عادت لغرفة ليال .. عاد فارس أيضا و هو يحمل حقيبة غزل .. فأخذها منه رامى و دلف لغرفته .. و بعد قليل خرج و هو يسب و يلعن .. ضحك فارس ساخرا و قال بمزاح :
- طردتك مش كده .
كتف رامى ذراعيه خلف ظهره و إستند على الحائط بكتفيه و قال بضيق :
- إنت مستحملها إزاى دى .
ضحك فارس بخفوت و هز رأسه بيأس بينما تابع رامى تهكمه قائلا بحدة :
- فهمت أنا إنت سايبلها الدنيا و هربان ليه .
رد فارس مسرعا بحزم قاطع :
- ما تتدخلش فى اللى مالكش فيه .
فسأله رامى بجرأة :
- هى البت دى طلعت مش سليمة و لا إيه .
إتسعت عينى فارس و إستشاطت نظراته و لكمه فى وجهه .. فسقط رامى على الأرض و قد نزف أنفه من آثر تلك اللكمة المفاجأة .. إنحنى فارس ناحيته و رفع سبابته فى وجهه و هو يحدجه بنظرات غاضبة مشتعلة قادرة على إذابة عظامه حيا و قال بصرامة :
- أنا ممكن دلوقتى أقطعلك لسانك .. بس أنا هعمل حساب للدم اللى بيجرى فى عروقنا ده .
وقف رامى منتصبا و هو يزيل تلك الدماء المتدفقة من أنفه و قال معتذرا بخجل :
- أنا آسف .. مش عارف قولت كده إزاى .
فهدر به فارس بعصبية كالطود الأشم :
- ترضاها على مراتك ؟!
طأطأ رامى رأسه بخجل و إقترب منه قائلا بنبرة منكسرة :
- ﻷ طبعا .. بس خوفى على ليال لخبطنى .. مش أكتر و الله .
خرجت غزل من الغرفة و على وجهها إبتسامة مشرقة .. تطلعا إليها الإثنان بتعجب فبادر رامى بالحديث و سألها بقلق :
- ليال مالها يا غزل ؟!
حركت غزل كتفيها بغرور و قالت بفرحة :
- المدام حامل .
فرفع رامى حاجبه بحدة و سألها ببلاهة :
- مدام مين !
ردت غزل و هى منهارة من الضحك قائلة بعملية :
- مدام ليال زوجة حضرتك حامل .. هتبقى أب يا رامى .
إتسعت عينى رامى بفرحة و قبض على ذراعيها و قال بقوة :
- إحلفى .
زادت ضحكاتها و قالت بمداعبة :
- هو أنا سباك واقف قدامك .. قولتلك حامل .
هزها بعنف و قال برجاء :
- إحلفى .. ليال حامل فى إبنى .
جذبه فارس من مؤخرة عنقه بضيق بعدما لامست يديه شيئا يخصه .. وحده .. و قال بتهديد حازم :
- شيل إيدك لقطعهالك .
إنتبه رامى لتمسكه بذراعى غزل .. و تركها مسرعا و أجابه و هو يقفز من فرحته :
- آسف .. أنا .. أنا مش مصدق .. ليال حامل .
ثم إلتفت ناحية فارس و طالعه بنظرات غالبها الدموع و قال بسعادة :
- ليال حامل يا فارس .
إبتسم فارس بسخرية على حالته و إحتضنه قائلا بهدوء :
- مبروك يا أبو حمبوزو .
إبتسمت غزل على مزحته و قالت لرامى بجدية :
- بكرة تاخدها للمستشفى بعد الإمتحان .. لدكتور محمد هو كويس جدا و هترتاح معاه .
إبتعد رامى عن فارس و هو عابسا بوجهه و إلتفت إليها قائلا بضيق :
- دكتور ﻷ .. لو دكتورة ماشى .
تطلعت إليه غزل بإزدراء و قالت بحدة :
- إنت old fasion جدا يا رامى .
أجابها رامى مسرعا :
- مش مهم بس ما تتكشفش على راجل غيرى .
رفعت غزل عيناها بملل و قالت بضيق :
- هو ده اللى همك .
أجابها بإصرار شديد :
- أيوة .. مافيش راجل هيتابعها و لا هيولدها إن شاء الله .. أنا اللى بيجرى فى عروقى ده دم مش مايه .
ضحكت غزل بإستخفاف و قالت بسخرية :
- لا و الله .. طب و دكتور التخدير لما تيجى تولد .. هتجيبه دكتورة ست .. و لا دكتور الأطفال اللى هيطمن على البيبى هو كمان هتخليه ست .
طالعها مطولا قبل أن يجيبها ببرود :
- أيوة .. الطقم كله هيبقى ستات .. ده إحنا أصحاب المستشفى يا .. يا دكتور .
لاحظت غزل دماء خفيفة بجوار أنفه .. فعاينته بقوة و سألته بقلق :
- إيه الدم ده .
أشاح رامى بيده قائلا بإستخفاف :
- مش مهم .. أنا آسف يا غزل .. و شكرا قوى .
و تركها و دلف مسرعا لليال ..زمت غزل شفتيها متعجبة من إعتذاره و قالت بسخرية :
- هو إتجنن ده و لا إيه .
ثم تطلعت لفارس بقوة و قالت ببرود :
- تعالى نبارك لهم و نطلع أوضتنا .
و تركته و دلفت للغرفة ..أخرج يديه من جيبى بنطاله و تبعها و هو يزفر بضيق ..
جلس رامى بجوار ليال التى لم تهدأ دموعها على الفراش .. و ربت على كفها و سألها بقلق :
- بتعيطى ليه دلوقتى المفروض تكونى فرحانة .
ردت غزل موضحة :
- دى لخبطة هرمونات و لازم تتعود يا أبو حمبوزو .
إبتسم فارس على ترديدها لإسم حمبوزو و قال لليال بإبتسامتة هادئة :
- مبروك يا ليال .
رفعت ليال نظراتها المحتدة ناحية فارس و التى كانت تحمل غضبا شديدا و قالت بعصبية :
- حابس غزل فى أوضتها ليه يا فارس .
نزلت كلماتها كالصاعقة على رؤوس الجميع .. و ساد الصمت لثوانى ..حتى إحتضن رامى وجهها بين كفيه و قال لها مهدئا :
- إهدى يا لولو .. دى حياتهم و هما حرين .
إلتفتت برأسها ناحية رامى و قالت بحدة :
- هما حرين إزاى .. بقولك حابس عروسته يوم الصباحية .. هو ده عادى عندكم و لا أنا اللى مش فاهمة حاجة .
هدأها رامى قائلا بقلق و هو يربت على وجنتاها بلطف :
- هشش .. خلاص يا عسلية و هما هيفهمونا .
أجابتها غزل و هى تلف ذراعها حول خصر فارس الذى تعجب من فعلتها و طالعها بطرف عينيه و هى تقول :
- إنتى فاهمة غلط يا ليال .. ده موضوع هزار بينى و بين العوو .
ضحكت ليال ساخرة و قالت بعيون زائغة :
- هزار مش كده .
رفعت غزل عينيها لفارس و طالعته بنظرات ذات مغزى .. فأحاط كتفيها بذراعه و قال مؤكدا :
- مافيش حاجة بينا يا ليال إنتى فاهمة غلط .
لم تحيد ليال بعينيها عن عينى غزل و دموعها ما زالت تسقط و قالت بضيق :
- هزار مش كده .
رفعت غزل عينيها لفارس و طالعته بنظرات ذات مغزى .. فأحاط كتفيها بذراعه و قال مؤكدا :
- مافيش حاجة بينا يا ليال إنتى فاهمة غلط .
لم تحيد ليال بعينيها عن عينى غزل و دموعها ما زالت تسقط و قالت بضيق :
- بتضحكى على مين .. بلاش تمثيل .. أنا دلوقتى متأكدة إن فى مشكلة بينكم .. و كبيرة كمان لأنك قولتى العوو مش فارس .
تأفف رامى من تماديها و قال بضيق :
- إنتى هتعملى فيها المفتش كرومبو .. ريحى دماغك هما أحرار .
و جذب وجهها ناحيته بأنامله و قال بإبتسامة هادئة :
- إفرحى يا لولو بإبننا و بس .
زاد إنهمار دموعها و تشنج ملامحها و قالت بألم :
- عاوزنى أفرح إزاى و أختى لمت هدومها و سابت البيت و مشيت .
وقف رامى متعجبا و قال بغضب :
- بتقولى إيه ؟!
أجابته ليال و هى تدفن وجهها بين راحتيها بحزن :
- ميناس مشيت .. سابتنى و مشيت .
إبتعدت غزل عن فارس و قالت بقوة :
- المفروض ما تزعليش يا ليال .. خروجها كان هيحصل سواء دلوقتى أو باعدين .
ثم تطلعت بفارس بنظرات متصلبة و قالت بعمق :
- هو ما يستاهلش حبها .. و كان لازم تبعد عنه.. حتى لو هتتعذب .. بس هى صح .
وصلت رسالتها لفارس و فهم مغزى كلماتها الموجهه له و أشاح بوجهه بعيدا عنها و قال بغضب :
- و إزاى إحنا ما نعرفش بالكلام ده .
كففت ليال دموعها و قالت بضيق :
- و هو إنت كنت هنا .. علشان تعرف و لا متعرفش .
كظم غيظه بصعوبة و خرج مسرعا تبعه رامى و هو يقول له مهدئا :
- إستنا يا عوو .. نفهم بس الأول .
لم يجبه و ترجل الدرج مسرعا يتبعه رامى .. وقفت ليال و سارت ناحية غزل و طالعتها بقوة و سألتها بهدوء :
- فى إيه بينكم يا غزل .. صارحينى يا حبيبتى .
إبتسمت غزل بسخرية و قالت بإستياء :
- طبعا أول حاجة هاتيجى فى بالك إنى ما كنتش فيرچن .. صح .
هزت ليال رأسها بقوة و قالت بصوت يرتعد :
- أبدا والله .. أنا عارفاكى كويس و عارفة بتخافى ربنا إزاى .
جلست غزل على مقعد ورائها و قالت بفتور :
- كويس إنك عارفة .. لأنى أنا نفسى مش عارفة .
جلست ليال مقابلة لها و إبتسمت رغما عنها بعاطفية و قالت بهدوء متعقل :
- أنا مش عايزة أعرف إيه اللى بينكم .. بس فارس طيب .. هو عصبى و متسرع بس و الله بيحبك .
تنهدت غزل تنهيدة طويلة مثقلة و قالت بقنوط :
- الدنيا دى غريبة جدا .. أوقات نقابل ناس و نحبهم حب سطحى و علاقتنا بيهم تبقى كويسة جدا .. بس لو تعمقنا فى علاقتنا دى و فى حبنا كمان .. بنتوجع قوى و تزيد المشاكل و الخلافات .. ليه ..مش فاهمة !!
خبت إبتسامة ليال و هى تتعمق فى عينيها و كلماتها تدور و تدور برأسها و هى تفكر و بقوة .. ما بداخل تلك الجمجمة الحزينة كصاحبتها ...
غزل تبدو كأنثى الأسد .. ناعمة و متربصة .. حتى أنك لو طالعت وداعتها و هى هادئة و طالعت أقدامها لن تجد بها مخالب شرسة كالتى نراها ظاهرة من العدم بمجرد ما تستعد للإنقضاض على أحدهم .. سواء دفاعا عن النفس .. أو من أجل النجاة بالحياة .. كحق مشروع فى تناول وجبتها .. من أى فريسة ..
إنتبه حمزة لتقدم فارس ناحيته بنظرات مشتعلة غاضبة و جاهزة للإنقضاض عليه .. فإبتلع ريقه بتوجس حتى وقف أمامه .. فقال مسرعا بتعجب :
- ليال مالها يا رجالة .
أجابه رامى مسرعا و هو يتسائل بضيق :
- سيبك من ليال دلوقتى .. فين ميناس .
طأطأ حمزة رأسه بضيق .. و قال بحزن :
- إحنا هنتطلق خلاص .
أصدر فارس صوتا نابيا تعبيرا عن غضبه و قال بصوت موجع فى سخريته :
- ليه إن شاء الله .. مالكش كبير تسأله قبل ما تتصرف يا حيلتها .
إنتبه رامى لشرارات فارس الغاضبة و التى تنذره بالأسوء فوقف أمامه و قال بهدوء :
- إهدا يا فارس مش كده .. عاوزين نفهم .
قبض قبضتيه بقوة كاظما غضبه و قال و جسده ينتفض إنفعالا :
- ما تقوليش أهدا .. لما خلاص قربنا نلاقى علاج لحالته يخليها تسيبه .
لف حمزة بكرسيه و توجه لغرفته قائلا بجفاء :
-خليكوا فى حالكم .. أنا هبقى أكلم الحاج و أعرفه .
و حرك كرسيه ناحية غرفته مسرعا .. إستوقفه رامى قائلا بسعادة :
- ليال حامل يا حمزة .. أنا هبقى أب .
إلتفت حمزة إليه مسرعا و قال بفرحة حقيقية إفتقدها منذ زمن :
- مبروك يا زميلى .. بجد فرحتلك من قلبى .
إبتسم إليه رامى بخفوت و قال بهدوء :
- الله يبارك فيك و يهديك .
تنهد حمزة بألم و قال مازحا :
- عاوزين بقا عروسة للواد مهاب .
وضع رامى يده بجيبه و قال نافيا :
- لا يا عم أنا عاوز ولد مابحبش البنات .
وقف فارس بينهما عاقدا ذراعه أمام صدره و يتابع حوارهما الهادئ و المازح .. تقريبا .. ليرد حمزة على رامى قائلا بضجر :
- و إنت تطول يبقى عندك بنت و تكون حلوة كده زى ليال .
إبتسم رامى بسخرية و قال بريبة :
- لا يا عم أجيب بنت تخلى عينى وسط راسى و أفضل ألف وراها يمين و شمال .
ضرب فارس كفيه ببعضهما و قال ساخرا :
- عليا النعمة مهاب إبنى فيه مخ عنكم .. إنتوا فى إيه و لا فى إيه .. جاتكم الهم .
و تركهم مبتعدا و صعد الدرج مسرعا .. تبعه رامى قائلا بملل :
- إستنى يا عوو .. هو أنا هقضيها جرى وراك كده.
وقف فارس ممتعضا و قال بحزم :
- عاوز إيه ؟!
وقف أمامه و سأله بتوجس متطلعا لقبضته بقلق :
- فى إيه بينك إنت و غزل .. هو إنت لحقت .
زفر فارس بضيق و قال بنبرة ماجنة مطالعا إياه بعينين حادتين النظر :
- و إنت مالك .. خليك فى مراتك الحامل و إنسانى .. تمام .
إستطرد رامى حديثه و قال بتأنى :
- بس يا فارس ل.... .
قاطعه فارس قائلا بحدة آمرة :
- خلى ليلتك تعدى على خير إنت كمان .. و إطلع من نافوخى .
و تركه و إبتعد .. زمت نشوى شفتيها و حركتهما بإمتعاض و قالت بصوت هازئ خفيض :
- أنا قولت عيلة مجنونة .. لأ .. عيلتين مجانين .. لما أرجع أحسن البنات تقلدنى .
مر فارس أولا على جناح ليال و صاح بغزل قائلا :
- غزل .. إنتى هنا .
ردت بصوتها المغوى الساحر :
- أيوة يا حبيبى .. جاية أهه .
حتى و لو بالكذب فسماعه لكلمة حبيبى منها جعلت دقة من دقات قلبه ترتعش فرحة .. إقتربت منه و مرت من جواره و ما أن أصبحت بمحاذاته حتى طالعته بطرف عينيها بقوة .. و تركته و صعدت لجناحها ..
تبعها فارس بوجه ممتعض من نظراتها القوية و التى لم تتأثر بما فعله بها .. لن يتراجع حتى تنهار أمامه و تعترف بخطأها ..
خلعت غزل إسدالها و عادت لعملها على حاسوبها .. أغلق فارس الباب ورائه و دلف للغرفة .. و حمل منشفته ودلف للمرحاض بصمت .. و خرج بعد فترة يبحث عنها فوجدها جالسة على طاولة الطعام و تتناول وجبة غدائها بشراهة .. فإقترب منها و قال ساخرا :
- هو أنا كل ما أشوفك هلاقيكى بتاكلى .. إيه الفجع ده .
لم تعره إهتماما و أكملت تناولها لوجبتها .. فزفر بضيق و صاح بها قائلا بغضب :
- أنا مش بكلمك و لا كلب و بيهوهو .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بلهاث :
- بتإيه .. بتهوهو .. زى البوبى يعنى .
كانت تتحدث و فى فمها طعام .. فشرقت و أخذت تسعل بقوة .. فضحك عليها ضحكة عالية قائلا بتشفى :
- تستاهلى .. علشان تبقى تتريقى عليا .
و ناولها كوبا من الماء و قال بقلق :
- خدى المية دى إشربى .
لم تأخذه منه و شربت من كوبا آخر .. فوضعه بقوة على الطاولة و قال بصوت محتنق:
- أنا غلطان اللى خفت عليكى .
و تركها و دلف للغرفة .. و هو يتجولها بغضب .. لم يرى ببرودها من قبل .. عريس و ترك عروسته ليلة زفافهما ماذا سيحتاج أكثر ليجعلها مقهورة و محطمة أمامه ...
لابد و أن هناك سرا وراء جمودها ذاك .. لم تعشقه .. هز رأسه بقوة نافيا .. لأنه يعلم أنها رغم كونها لعوب و مستهترة إلا إنها تعشقه .. مؤكدا ...
بعد قليل سمع صوت ضحكاتها الرنانة .... فانتبه جيدا .. و إقترب من الباب و إسترق السمع .. فسمعها تقول بنعومة :
- إنت وحشتنى أكتر يا حبيبى ....... هانت يا عمرى و هفضل معاك على طول ....... و أنا كمان بحبك قوى ....... ربنا يخليك ليا ..... خلى بالك من نفسك و ..... .
جذب فارس هاتفها و قال لمحدثها بغضب :
- ألو ... إنت مين يا حيوان إنت .
وسقطت الصفعة ....
هنا توقف سيل الكلمات ..
و إنطلقت من قلبى الآهات ...
و عادت للخلف الساعات ..
إنتهت ..
نعم إنتهت أحلامى الوردية ..
و تحطمت أمواجى البريئة ..
على صخور قلبك العتية ...
و إغتلت بداخلى تلك القطة البرية ...
إرحل ...
فقط إرحل و إتركنى لعذابى ...
لوحدتى ... لآلامى .. لغربتى ..
أو إتركنى أرحل ..
و أنا سأعتنى بنفسى .. بروحى ..
بعقلى .. بقلبى ..
آآآه .. يا قلبى ..
أميل عليك .. و تضمنى و تواسينى ..
أنقذ لأعماقك الدافئة و تحتوينى ..
فقد آن أوان أن تداوى نفسك و تداوينى ...
ببساطة إنها النهاية ..
النهاية ..
إنتفضت واقفة بعدما جذب فارس هاتفها و قال لمحدثها بغضب و عيناه تشع شررا خطيرا :
- ألو ... إنت مين يا حيوان إنت .
لم تتمالك نفسها تلك المرة و جذبت الهاتف منه و قالت بإزدراء من تهكمه على خصوصيتها :
- هات الفون بتاعى .. إنت همجى و متخلف .
كانت إهانتها له الشرارة التى يخرج بها ذلك الغضب الذى ينهشه منذ أيام و هو يهوى بكفه و يصفعها على وجهها بقوة جعلت وجهها يلتف بحدة و ترنحت قليلا .. قبل أن تفطن لما حدث قبل برهة ..
هل صفعها .. تراءت أمام عيناها خيالات لوالدتها و والدها يصفعها حين تعارضه أو تغضبه ...
صرخ قلبها قائلا بألم " أمى .. هل تألمتى هكذا مرارا .. هل شعرتى بذلك الخزى و العجز مرارا .. هل فقدتى جزءا من روحك و كرامتك مع كل صفعة " ...
خرجت من شرودها على صوته الأجش الجاف و هو يهدر بها بعصبية قائلا بشراسة :
- ده إنتى وقحة بشكل .. و لو طولتى لسانك تانى هقصهولك .
و جذب الهاتف من يدها مجددا و هى تنتصب فى وقفتها و قد إرتسم الذهول على وجهها بقوة .. بينما رفع فارس الهاتف على أذنه و قال بصوت مخيف :
- رد يا حيوان .
- مالك بس يا عوو متنرفز ليه .. و ما تزعقش لماما تانى مفهوم .
رفع فارس حاجبيه بتعجب جلى و هو يبتلع ريقه بصعوبة من صدمته بعدما ميزت أذنيه صوت مهاب .. فقال محرجا :
- مهاب ؟!!
أجابه مهاب بمداعبة :
- أيوة يا بابا وحشتنى .
تحولت نظراته لغزل الواقفة و يدها على وجهها و تتحسس مكان صفعته و عيونها تتوعده بقوة و تخبره بأن حسابه قد زاد .. و طفح الكيل .. و قد إمتلأت بحقد يكاد يحرقه ..
أنهى فارس المكالمة مع مهاب قائلا بهدوء :
- و إنت وحشتنى أكتر .. هبقى أكلمك تانى .. سلام يا صاحبى .
- سلام يا بابا .. و بوسيلى ماما .
تنهد فارس مطولا و أجابه بوهن :
- حاضر .
و أغلق الهاتف .. و قذفه على الطاولة و تركها و دلف لغرفتهما هاربا من نظراتها الحادة و الثاقبة كسهم مسموم ... يخترقه بلا توقف ...
إنكمشت ملامح غزل و هى تقاوم ذرف دموعها .. حتى لا ينتبه لضعفها و يتشفى بها ذلك الجلمود الثلجى ..
إنتهى وقت التفكير .. و حان وقت التنفيذ .. لن تتحول لنسخة مجددة من والدتها و تلقى مصيرها المؤلم ..
إنهارت جالسة على أحد الأرائك و هى تسب الرجال أجمعين .. تختلف هيأتهم .. أصواتهم .. شخصياتهم و لكنهم سيظلون صنف همجى متعصب يستغل قوامته فى قهر النساء حتى يزداد شعورهم برجولتهم ...
أخرجها من حقدها و نظراتها الحادة صوت الآذان .. فترائت أمامها صورة والدتها مجددا .. و هى تقوى و تعود لرغبتها بالحياة و المواصلة عن طريق صلاتها .. حاربت أناس أقوى من أى وحش مفترس بصلاتها و جزائها بالنهاية كان الموت .. فقالت غزل بنفسها بتهكم صارخ .. بماذا إستفادت أمى من الصلاة .. و ماذا قدم لها الله مقابلا لإيمانها و حبها له .. إغتالتها آيادى حقيرة و هو يقف ساكنا ...
ليصدح المؤذن قائلا بقوة .. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله .. فإتسعت عيناها ذعرا و رفعت كفها على فمها بصدمة .. ماذا قالت حتى و لو بينها و بين نفسها ..
وقفت مسرعة و توجهت راكضة للمرحاض لتتوضأ .. و هى تستغفر بدموعها ....
وقف فارس فى شرفة غرفته يدخن سيجارا .. إنتظر قدومها لتنفجر به لائمة .. و ساخطة و ربما تتوعده .. و لكنها لم تأتى .. طالت وقفته فدلف للغرفة بتثاقل .. لينفغر فمه ببلاهة ....
وجدها تصلى و قد أطالت بسجودها .. فسئل نفسه بتعجب ما هذا التناقض الغريب بشخصيتها .. ففتاة لعوب مثلها مؤكدا لا تتذكر ربها من الأساس ...
فتسائل بقوة هل هى مذنبة أم مؤمنة .. جلس على مقعدا مجوار له واضعا ساقا فوق الأخرى و هو يتابعها بهدوء .. حتى إنتهت ..
وقفت و خلعت إسدالها بهدوء و قوة إكتسبتها من صلاتها و مناجاتها لربها .. و عادت للفراش بهدوء و إنهمكت بعملها بإهتمام ..و هى تراسل ذلك البروفيسير الأميريكى عن حالة حمزة ...
تطلع إليها فارس بغضب .. فهى لم تصرخ و لم تتذمر فقط تعود لعملها على هذا الشئ البغيض .. إشتد غضبه من برودها ..فوقف مسرعا و حمله من أمامها و قال بإهتياج :
- و الله إنتى و لا عندك دم و لا عندك كرامة .
رفعت عيناها ناحيته و هى تطالعه بنظرات فاترة و قالت بحزم :
- سيب اللاب توب بتاعى لو سمحت .
- ﻷ .
رده كان مقتضب بشكل حازم .. فإبتسمت بسخرية و هزت كتفيها بلا مبالاة و قالت بصوت هازئ بسيط :
- خليهولك .
و طالعت التلفاز و أخذت تتنقل بين قنواته بشرود .. فتمدد على الفراش و قال بتذمر :
- وطى صوت البتاع ده .
فإلتفتت برأسها ناحيته و قالت بضيق :
- نقفله خالص علشان عيونك .. و هسيبلك الأوضة كمان .
وقفت و تطلعت إليه بنظرات لا تحمل أى تعبير .. نظرات ميتة من عينين إغتالهما بإنتقامه الواهى .. و تركت الغرفة و وقفت أمام شرفة الجناح مستندة على إطارها بحزن .. تتأمل الحديقة الخلفية للقصر ..
أضائت عيناها ببريق خاطف بعدما جائتها فكرة شيطانية .. فإستدارت و دلفت للغرفة مرة أخرى تحت أنظاره و إرتدت سترة رياضية و وضعت قبعتها على رأسها .. و خرجت مندفعة بحماس ...
زم شفتيه بتعجب و قطب حاجبيه بشدة من تصرفها الغريب و المريب أيضا ..
فتحت الشرفة و وقفت بداخلها و أخذت تنظر لسور رفيع نوعا ما يربط بين شرفتها و شرفة مجاورة لها خاصة بالممر الذى يؤدى لجناحهما .. فكرت قليلا لو أنها تمكنت من القفز عبر شرفتها و سارت على هذا السور بحذر و وصلت للشرفة الأخرى فيمكنها حينها الهروب ..
- إحنا فى التالت و لو وقعتى من هنا هتتقطم رقبتك و تموتى .. فكرى فى طريقة تانية .. أصل فكرتك دى فاشلة قوى .
لم تتطلع إليه و ظلت على حالتها تفكر فى نسبة نجاح فكرتها الجامحة تلك .. حتى أردف قائلا بنبرة ماجنة :
- هو أنا مش بكلمك .
فقالت له غزل و هى تغمض عينيها ثم فتحتهما دليل على نفاذ صبرها :
- إنت عاوز منى إيه بالظبط .
ثم إستدارت ناحيته و طالعته بقوة و أردفت قائلة بنبرة لئيمة تلائمها للغاية :
- لو عندك مخطط لإنتقامك منى ياريت يبقى محدد لأنى شيفاك مش عارف إنت عاوز إيه .
إنفجر فارس ضاحكا بهيستيرية .. ثم قال من بين ضحكاته بتوعد :
- ده إنتى مسخرة و الله .. بس تعرفى أحسنلك ما تعرفيش أنا ناويلك على إيه .
ضحكت غزل ضحكة رنانة طبعا لتسخر من كلماته و فى عينيها حزن يقتله فهاتين العينان اللاتى كن يطلقن شرارات فيروزية تصيب كل من يراها لتأسره قد إنطفأت شعلتها مهما فعلت لتخفيه .. ثم خفتت ضحكتها و هزت رأسها بيأس و قالت بصوت متغطرسا بإيباء :
- بتصعب عليا جدا .. لأنك لسه ما تعرفنيش .. و ما تعرفش أنا مريت بإيه .. و حصلى إيه .. خلانى مهما عملت مش هتقدر توجعنى.
تنهد بثقل و هو يستمع لكلماتها المتألمة و التى تخفيها وراء قناع القوة الزائف التى ترتديه دائما .. و الذى زادها سحرا .. فسحرها عليه لا يستطيع إنكاره مهما حاول .. لوى شفتيه فى حيرة و قال بنبرة مطاطة مقيتة :
- ذكية .. فكرانى هتأثر بالكلمتين دول و تصعبى عليا .. تبقى بتحلمى صدقينى .
تقوس فمها بإبتسامة ماكرة للغاية .. و سلطت نظراتها الفيروزية عليه و قالت بهمس حارق :
- مش هتلحق تعمل حاجة لأنى هسيبك و همشى .. و بعدها تبقى بتحلم إنت لو شوفت وشى تانى .
رد عليها فارس بتحدى خائف مخفى و هو يعلم أنه من بعدها سيصبح حطام رجل لكنه إقترب منها ليأسر عينيها المتحديتين قائلا بلهجة عنيفة :
- مش هتعرفى تهربى .
تفاجأت غزل من رباطة جأشها و هى ترد عليه بقوة لم تعتدها بنفسها قائلة بصرامة :
- همشى .. و إبقى إفتكر كلامى ده كويس .
مرر أنامله على شفتيها و هو يلتهمهما بعينيه و قال بنبرة متأنية واثقة :
- مش العوو اللى يفرط فى حاجة ملكه .. و إنتى بتاعتى و مش هسمحلك و لا حتى فى أحلامك إنك تبعدى عنى .
لم تتأثر من لمساته المثيرة .. و لا من نظراته المتلهفة نحوها .. فقالت بنبرة صوت مغوية زلزلت العالم من حوله و هى تأسر عينيه بعينيها :
- مش هبعد عنك صدقنى عارف ليه ؟!
رفعت أناملها و لامست صدره بنعومة و أشارت على قلبه ثم عقله و قالت برقة مشاغبة :
- لأنى فى قلبك و عقلك و بتحس بيا و أنا بعيدة عنك يعنى.. بتعشقنى .. عشت بيا و دلوقتى عايش ليا .. أنا ملكتك من زمان قوى .
قاوم إغرائها الذى يجعل أى رجلا سواه صريعا للمساتها و حركة شفتيها المثيرة و انفاسها المسكرة .. و إقترب خطوة و مال نحوها حتى تلامست أنفيهما و قال بعنف :
- ما أنا كمان ملكتك .. و عارف إنك بتعيشى بيا .. و بتتمنى كل ثانية تبقى فى حضنى و أرضى عنك .
إبتعدت عنه غزل قليلا لتحدق مباشرة فى عينيه و قالت بإبتسامة تتألق على شفتيها بإعجاب :
- مغرور .. بس تعرف رغم إنى مش طايقة سجنى و لا سجانى .. بس هتوحشنى قوى .
و تركته و دلفت للداخل بملامح غاضبة و حانقة .. أغمض فارس عينيه و إستند بيديه على سور شرفته .. و سحب نفسا طويلا يهدأ به شوقه لها .. ساعات مجنونة جمعتهما و لكنها لا تفارق مخيلته و هو يتذكرها بكل تفاصيلها .. لم يشعر بما شعره من قبل .. رغم زواجه السابق و لكن رغبته بها و رغبتها به جعلتها ليلة مميزة و شيقة ..
كانت ناعمة و لذيذة كقطعة غزل بنات بيضاء قطنية الملمس و المذاق .. تمناها كثيرا بعدما أصبحت ملكه حرمها على نفسه ...
فتح عيناه و وقف يتطلع أمامه بشرود و هو يتخيل بقلق لو إستطاعت الهروب منه حقا .. بماذا سيشعر .. حتما سيفتقدها..
و الأكيد أنها ستعثر على حب جديد ..هز رأسه بقوة نافيا تلك الفكرة .. لن يحدث لانها ببساطة تعشقه هو .. و لكن ما الذى سيبقيها على حبه .. هل ستبقى على تلك اللحظات الثمينة بينهما .. لا يعتقد ..
إبتسم بسخرية و هو يتساءل بتعجب لماذا يجلد ذاته و هى المخطئة .. هى من تلاعبت به و أوقعته فى شباك عيونها القاتلة و جمالها الساحر ..
غزل الصغيرة ملكه هو و قد تأكد أنه الأول فى حياتها .. فلن يتركها .. و لن يسمح لها .. فقط فترة قصيرة يخضعها إليه كليا و بعد ذلك ينعم معها بحياة يتمناها منذ طفولتهما .
فى المساء إنتبه فارس و غزل المنزوية بشرفة غرفتها على نفسها على صياح الحاج صبرى بالقصر .. وقفت غزل مسرعة و دلفت لغرفتها و إرتدت عبائة منزلية مسرعة .. و فارس ينتظرها ..
لن يتركها بعد الآن خشية أن تنفذ تهديدها و تتركه .. ما أن إنتهت حتى تقدمت ناحية باب جناحهنا و وقفت أمامه منتظرة حتى فتحه لها .. فهبطا الدرج سويا و ما أن إقترب فارس من والده حتى سأله بقلق :
- مالك يا حاج بتزعق ليه .
هدأ صبرى قليلا و إبتسم إبتسامة باهتة و قال بتأسف :
- آسف يا عرسان .. صباحية مباركة .
ردوا سويا :
- الله يبارك فيك .
إنضم إليهم رامى و هو يقول بهدوء :
- منور الدنيا يا حاج .
عقد صبرى حاجبيه بضيق و قال بحدة :
- إزاى مافيش واحد منكم يعرفنى باللى حصل بين ميناس و حمزة .
أجابه رامى مسرعا لتفادى نوبة غضب عمه و الذى يعلمها جيدا و قال بدهاء :
- أصل إحنا إنشغلنا مع ليال شوية .
فسأله صبرى بقلق :
- مالها ليال إنطق .
إستقام رامى فى وقفته و عدل من وضعية رابطة عنق وهمية و قال بثقة و غرور :
- ليال حامل يا عمى .. إبن أخوك جامد برضه من أول شهر جبت جون.
ضحك صبرى عليه و هز رأسه بيأس و قال بفرحة :
- ألف مبروك يا رامى .. يتربى فى عزك يا إبنى و يقوملك مراتك بالسلامة .
أجابه رامى بإبتسامة خفيفة :
- تسلم يا كبير .
تجهم وجه صبرى مرة أخرى و تطلع ناحية حمزة قائلا بشراسة :
- سبت مراتك تخرج من البيت ليه .
ضحك حمزة بسخرية و إستند بمرفقيه على ذراعى كرسيه و هتف مزدريا :
- هى مش مراتى .. و لا عمرها هتكون .. فتبعد عنى أحسن لأنى زهقت من التمثيلية دى بقا .
رد صبرى بضيق من بروده :
- إنت إتجننت .. مش مراتك إزاى يعنى .. أمال كنت حابسها جنبك و بتتحكم فيها ليه.. كنت بتصبحها و تمسيها بعلقة ليه لو مش مراتك .
مرر حمزة أنامله فى شعراته الطويلة يبعدها عن وجهه و قال بحدة :
- علشان ما تفكرش تبص بره و تلاقى اللى ناقصها معايا مع واحد غيرى .
إتسعت عينى الجميع من كلماته الجارحة .. فرفع صبرى يده و صفعه على وجهه بقوة و قال بإزدراء :
- إنت بنى آدم حقير .. و أنا ما عرفتش أربيك .. و هطلقها منك و هجوزها لسيد سيدك يعرف قيمتها و يضلل عليها .. إنت خلاص مت من يوم الحادثة مع مرات أخوك .
و تركه و إبتعد .. أشار فارس لرامى أن يتبع والده .. بينما وقفت غزل أمام حمزة تطالعه بتشفى .. و قالت و عيونها تشع لهبا فيروزيا حارقا من شدة غضبها :
- و الله لخليك تندم على كل كلمة .. و كل مرة آذيتها إيديك القذرة دى.. و كل دمعة نزلت من عنيها بسببك .. و هخليك تتحسر على كل ثانية عدت عليك و هى بعيدة عنك .. هتندم ندم عمرك كله صدقنى .
هرب حمزة من أمامها مسرعا و إلتف بكرسيه و دلف غرفته وصفع ورائه الباب بقوة ..
وقف فارس متابع لكلماتها بتوجس و هو يعلم جيدا أن كل كلمة و كل حرف و كل نفس غاضب خرج منها موجه له هو .. و قد زادت شكوكه فى حتمية تركها له فهو لن يستطيع أسرها إلى مالا نهاية .. حتى أفاقه صفعة باب حمزة بقوة ..
إنتصبت غزل فى وقفتها و حدجت فارس بقوة و وعيد .. و صعدت الدرج لجناحهما.. تاركة خلفها قلبا يأن شوقا إلى أسيرته .. تبعها بقلق و أغلق ورائه الباب و هبط الدرج مسرعا للحاق بوالده و رامى .
أسدل الليل ستائره و غزل تفكر و تخطط لكل خطوة قادمة .. حتى إنتبهت على غزو ذرات عطر فارس لأنفها و الذى يخبرها بعودته ..
تجاهلته تماما و وقفت و حملت منشفتها و فتحت خزانتها و أخرجت منها قميص قطنى للنوم و دلفت للمرحاض ..
إرتمى فارس بجسده على الفراش بإنهاك و هو يتابع تحركاتها بعينيه .. بعد قليل خرجت و هى مازالت تضع منشفتها على شعراتها .. و قد إرتدت قميص قصير باللون الأبيض منسدل من كتف واحد و يظهر الكثير .. تنفس مطولا و هو يحدث نفسه بضيق فهى تنوى قتلة بأزمة قلبية من شدة جمالها ..
مشطت غزل شعراتها الطويلة و عقدتها كذيل حصان .. و وضعت كريمات مرطبة على بشرتها و هو يتابعها برغبة جامحة تنوى الإنقضاض عليها .. إنتهت و وضعت برفانها و خرجت من الغرفة و خطواتها تسحق قلبه تحتها من دلال مشيتها المتعمدة طبعا .. .بقدميها الناعمتين الحافيتين ...
تنفس بصعوبة و هو يضع يده على قلبه الذى إنتفض بشدة و ينذره أنه لم يعد يمتلك صبرا على تلك المغوية .
تطلعت غزل حولها بملل .. و فتحت إحدى الغرف بجناحها فوجدتها غرفة نوم عادية .. أغلقتها و فتحت الأخرى فوجدتها غرفة نوم لطفل من المؤكد أنها غرفة مهاب .. و تأكد حدسها عندما رأت لوح كبير عليه صورهما معا ثلاثتهم ..
وقفت تتطلع للصور بإبتسامة حزينة .. تعلم أنها ستشتاق إليهما كثيرا .. زادت إبتسامتها و هى تتطلع لصورها مع مهاب .. تذكرت حين إلتقطها بهاتفه .. و الأكيد أن فارس طبعها و وضعها على هذا اللوح .. إستوقفتها صورة تجمع ثلاثتهم .. و لكن فارس لم ينظر للكاميرا فقد كان يلتهمها بعينيه يوم زفاف ليال و رامى .. فقالت فى نفسها :
- يا ريتك سألتنى قبل ما تحكم عليا بالإعدام .. يا ريتك وقفت شوية كمان و سمعت باقى كلامى عنك و عن حبى ليك .. عارفة إنك بتحبنى و أنا كمان بحبك قوى .. بس فى حاجة كبيرة إنكسرت بينا و مش هتتصلح تانى .. صحيح أنا إستغليت جمالى كتير مع رجالة قبلك .. بس إنت الوحيد اللى حبيته و الله .
تنفست مطولا و تركت الغرفة و خرجت .. دلفت آخر غرفة فوجدتها غرفة لبيبى صغير .. و يبدو أنها لفتاة .. هل تمنى منها طفلة صغيرة .. تجولت فى الغرفة و هى تتأملها بفرحة .. بمهدها الصغير .. و عرائسهاو دماها الكثيرة .. و ألعابها المبهجة .. حتى وقعت عيناها على صندوق ملفوف كهدية .. تملك منها الفضول و حملته و جلست به على إحدى الأرائك بالغرفة .. و زالت عقدته و نزعت غطائه ..
حتى جحظت عيناها و دارت بها الغرفة من حولها و توقف تنفسها .. و تجمدت مقلتيها .. و كأن الزمن قد توقف بها ..
فقد رأت بالصندوق عروستها القديمة .. حملتها بين يديها و قد عاد بها الزمن لما قبل عشرون عاما .
و كفه يحتضن كفها و يجذبها مسرعا حتى خرجا من بناية رأفة .. جذبت يدها منه قائلة بضيق :
- بتجرى ليه يا فارس .. كده هقع .
قف أمامها و قال بإبتسامته الهادئة :
- عاوز أديكى هدية قبل ما باباكى يجى و ياخدكم .
لمعت عيناها و قالت بتلهف :
- عروسة جديدة صح .
غمز لها بعينه و أوقفها على جانب و قال بتحذير :
- أقفى هنا ما تتحركيش و أنا ثوانى و هرجعلك .
أومأت له برأسها .. فتركها و ركض مسرعا .. و بعد قليل عاد حاملا عروسة بشعرات سوداء و عيون زرقا تشبهها فرفعت ذراعيها ناحيتة بلهف فناولها إياها .. فجذبتها من يديه و طلعت إليها بإعجاب و قالت بفرحة طفولية :
- الله حلوة قوى العروسة دى يا فارس .
فسألها و هو يعبث بجديلتها الناعمة :
- عجبتك يا غزل .
ضمتها لصدرها و قالت بسعادة :
- جميلة قوى .. شكرا .
- أنا فرحان إنها عجبتك .
أشارت له أن يدنو منها قائلة بتذمر :
- إنت طويل قوى .. إنزل علشان أبوسك .
إتسعت إبتسامته و قال بإنصياع :
- حاضر يا ستى .
مال ناحيتها بجسده فقبلته فى وجنته بقوة ..
و إبتعدت عنه و سألته بفضول :
- و إنت فين عروستك .
لامس وجنته بأنامله متحسسا قبلتها و قال ببساطة :
- إنتى عروستى يا غزل .
رفعت رأسها و هى تضحك بصوت عالى و قالت بخجل :
- هههه .. يعنى هبقى عروستك زى ماما و بابا .
ذاب مع ضحكتها البريئة و لملم غرتها و قال بتنهيدة قصيرة :
- أيوة .. لما تكبرى هتجوزك و هنعيش فى القصر .
رفعت حاجبها بتعجب و قالت بفضول :
- و فين القصر ده يا فارس .
جذبها من يدها و سار مندفعا و هو يقول بحزم :
- تعالى معايا علشان تشوفيه .
و قطعا الحارة حتى أصبحا على الطريق .. عبراه سويا و جذبها من يدها و ركضا فى الطريق المؤدى للقصر و صوت ضحكاتها يخترق وجدانه و جديلتيها تطيرا خلفها بنعومة أسرت عينيه .. توقفا أخيرا و قال لها بلهاث :
- هو ده القصر .. عجبك .
طالعته بإعجاب و أجابته بإبتسامة مشتعلة :
- ده حلو قوى .
إلتفتا الإثنان على صياح بعض الأولاد .. فجذبها فارس و أوقفها ورائه و هو يطالع شراراتهم الغاضبة ...
و فى غصون لحظات قامت مشاجرة بينهم و بين فارس .. و تعالى بها صراخ فارس لتألمه من ضرباتهم و هو يتكور على نفسه ضامما جسده متلقفا ضرباتهم بظهره ..
إحتضنت غزل عروستها بذعر كأنها تحتمى بها .. حتى أخرج أحدهم سكينا و قرر أن يضرب بها فارس قاومت خوفها و صرخت و هى تركض لتقف أمامه و ينغرس السكين بكتفها .. صرخت متألمة و سقطت و عروستها مازالت بحضنها .. تتشرب دمائها ..
وضعت غزل يدها على كتفها بألم و كأنها تلقت تلك الطعنة الآن .. لقد تذكرته و ما ساعدها أكثر تلك الصورة لهما و هما طفلين بريئين .. هل إحتفظ بدميتها تلك السنوات الطويلة .. و وضعها بذلك الصندوق كهدية .. فهل نوى أن يهديها إياها ..
رفعت غزل عيناها بملل و قالت بضيق .. يا فارسى المغرور .. حبيبى وصلتنى هديتك متأخرة .. كعادتنا نأتى دائما متأخرين .. وضعتها فى الصندوق مرة أخرى و أعادته لمكانه .. و تمددت على الأريكة شاردة بما حدث معها و مر شريط حياتها أمام عينيها منذ تركته حتى عادت إليه .. و لم تشعر بنفسها و هى تغرق بدوامة الإرهاق و النعاس