رواية شمس إلياس الفصل الخامس عشر 15 والاخير بقلم عبدالرحمن الرداد
الفصل الخامس عشر (الأخير)
بقلم عبدالرحمن الرداد
*************************************
النهاية ما هي إلا بداية جديدة
*************************************
تبعته «إيلين» التي ترجلت من السيارة وسارت تجاه «إلياس» قبل أن تمسك بذراعه. انتقل بصر «كرم» إليها قبل أن تجحظ عيناه بصدمة ليقول بعدم تصديق:
- دورا؟
ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم بينما شعر «إلياس» بوجود شيء ما لذلك غير مجرى الحديث وأردف بابتسامة:
- اعرفك بإيلين مراتي، إحنا كتبنا الكتاب بس لسة متجوزناش ولا عملنا فرح
رسم ابتسامة على وجهه وردد بهدوء:
- ألف مبروك يا ابن عمي، ربنا يتمم على خير إن شاء الله
ربت على كتفه ليقول بابتسامة:
- الله يبارك فيك
في تلك اللحظة تقدمت «سما» التي رددت بابتسامة:
- مش معقولة يا إلياس أول ما اشوفك تكون خناقة بينا
ضحك «إلياس» وردد مازحًا:
- أنا كل ما افتكر الخناقة دي اضحك والله، اديني جبت معايا مراد اللي مسكتي في خناقه
على الجانب الآخر كان يجلس «مراد» في السيارة يتابع من بعيد ما يحدث وأثناء متابعته وجدها تتقدم تجاه صديقه فضيق ما بين حاجبيه وحاول التركيز وهو يقول بتعجب:
- ايه ده هي دي سما ولا أنا بيتهيألي؟ وه دي هي فعلا، يلاهوي لو اللي في بالي صح
في تلك اللحظة ترجل من السيارة وسار تجاههم بتردد ليلتفت «إلياس» قائلًا:
- أهو ياريتنا جيبنا سيرة مليون جنيه
وصل «مراد» إليهم وبدل نظراته بينهما ليقول بصدمة:
- اوعوا تقولوا إنكم ولاد عم إلياس؟!
ضحك «كرم» وأردف بابتسامة:
- لا هنقول يا باشا، نحن كذلك شوفت الصدف
بينما قالت «سما» ضاحكة:
- مش معقولة والله الصدفة دي، نورت الإسكندرية ياعم مراد، اوعى تكون لسة زعلان من اللي حصل امبارح
رفع كتفيه وقال بابتسامة:
- لا زعلان ايه ما إحنا اتصالحنا خلاص
في تلك اللحظة اقترب «سليم» منهم وهتف بنبرة تحمل التكبر:
- ما توسع أنت واختك يا كرم خلونا نتكلم مع الوافد الجديد
هنا انتبه «إلياس» له وتقدم خطوتين تجاهه قبل أن يقول بابتسامة ساخرة:
- لا وأنت الصادق يا سليم وافد قديم رجع بيته مش جديد، ده مش أول لقاء بينا، فاكر أول لقاء كان فين؟
عبثت ملامحه ووضع يده على رقبته وهو يتذكر ما فعله معه في القاهرة.
"قــبــل أســبــوعــيــن"
لم يستطع «إلياس» تمالك غضبه واندفع تجاهه كالأسد الذي وجد فريسته، قبض بيده اليمنى على رقبته ودفعه بقوة إلى الخلف وهو يقول بتهديد صريح:
- الأشكال اللي تقرف دي ممكن تدفنك مكانك ومحدش هيقدر يدافع عنك حتى أبوك اللي واقف قصادك ده، والمنطقة اللي بتقول عليها زبالة دي ممكن متخرجش منها تاني ولو خرجت مش هتبقى خارج على رجلك فاحترم نفسك ومتقولش كلام أنت مش قده، امين؟
هنا اقترب «مراد» على الفور وحاول الفض بينهما وهو يقول:
- فيه ايه يا إلياس اهدى وسيبه دول بردو ضيوف في منطقتنا
رمقه هذا الشاب بخوف شديد بينما اقترب والده ليقول بأسف واضح:
- أنا آسف يابني، سيبه معلش
نظر له بابتسامة واسعة وردد بإصرار شديد:
- مش هسيبه يمشي على رجله غير لما يتأسف على اللي قاله
هنا صاح هذا الشاب بغضب:
- أنت شكلك اتجننت اتأسف لمين!
شدد من قبضته على رقبته وهدر فيه بصوت غاضب:
- اقسم بالله لو ما اتأسفت على اللي قولته ما هسيبك تمشي على رجلك
حاول «مراد» التدخل إلا أن «إلياس» هتف بصوت مرتفع:
- استنى أنت يا مراد
لم يجد هذا الشاب مفر من يديه فهو في منطقة مشبوهة كما يشبهها هو ويجب عليه فعل ما بوسعه ليخرج سالمًا من هنا لذلك هز رأسه وقال بصوت مبحوح:
- أنا آسف
وضع يده اليسرى خلف أذنه وردد بتساؤل:
- قول تاني كدا بتقول ايه؟ سمعني
عاد جملته مرة أخرى بهدوء:
- أنا آسف
هنا تركه «إلياس» فرحل على الفور هو ووالده من أمامه ليبقى هو يتابعهما بنظراته النارية فوجودهما الآن اشعل بداخله نار الانتقام، الانتقام لماضيه الذي كان أشبه بالجحيم.
"الوقــت الحــالــي"
اتسعت ابتسامة «إلياس» وأردف بنبرة تحمل التهديد:
- ولا اكنها امبارح يا جدع، لسة حاسس برقبتك في ايدي
حاول رسم ابتسامة هو الآخر ليجيبه بهدوء:
- ساعتها مرضتش اكلمك علشان أنت في منطقتك بس
ضحك بصوت مرتفع على ما قاله قبل أن يقول بتحدي:
- صدقني يا سليم لو في بيتك نفسه مش منطقتك هعمل نفس اللي عملته وأنت هيبقى رد فعلك نفس رد الفعل وهتخاف، نكمل حوارنا بعدين علشان اشوف بقية الصحبة يا ابن.. يابن عمي
ابتعد «سليم» الذي امتلأ قلبه بالخوف من ابن عمه العائد فهو اعتقد في البداية أنه لن يكون بتلك الشخصية لكنه وجد شخصًا مختلفًا تماما عن الذي رسمه في عقله فمعيشته الصعبة جعلت منه رجلا متماسكًا لا يعرف معنى الخوف.
تقدم «إلياس» وأشار إلى «هاني» الذي قال بابتسامة واسعة:
- أيوة أنا هاني يا إلياس
صافحه بابتسامة لكنه لم يظهر تحمسه القوي له كما فعل مع «كرم» وقال بهدوء:
- لما مشيت كنت لسة أنت عندك سنتين وطفل مش فاهم حاجة، ملحقتش اعرفك كويس
ضحك وربت على كتفه ليقول بحماس:
- متقلقش الفترة الجاية هنعرف بعض وهنقعد مع بعض وآخر روقان
انتقل ببصره إلى «مريم» التي قالت على الفور:
- أيوة أنا مريم اللي كانت بتضربك وأنت صغير وتقول عليك إلياس الوحش
لم يتمالك نفسه وضحك على ما قالته قبل أن يقول بابتسامة:
- هعديهالك بس علشان كنتي صغيرة ومش فاهمة حاجة
ضحكت بصوت مرتفع وأردفت مازحة:
- خلاص بقى قلبك ابيض
جاء أخيرا إلى الجزء الصعب وهو مصافحة أعمامه، تقدم بعد أن تحولت تعابير وجهه تمامًا من الابتسام إلى التجهم والغضب، وصل إلى عمه «مرزوق» الذي فرد ذراعه ليصافحه فلامس «إلياس» أصابعه كشكل صوري لمصافحته ليقول الأول:
- نورت بيتك يا إلياس
رسم ابتسامة مزيفة على وجهه وردد بهدوء:
- عارف
تحرك خطوتين وصافح «بكار» بنفس الطريقة وهو يقول:
- رشيدة باشا
ضيق ما بين حاجبيه ليقول بعدم فهم:
- مش فاهم يا إلياس؟
ابتسم وقال بهدوء:
- بسلم عليك
تحرك حتى وصل إلى «جمال» وردد قائلًا:
- الدنيا صغيرة أوي، شوفت من أسبوعين كنت لسة بتخانق معاك في الشارع عندي وضربت ابنك ودلوقتي تطلع عمي
رسم ابتسامة مزيفة على وجهه ليقول:
- مكنتش اعرف إنك إلياس وإلا كنت خدتك في حضني مش اتخانقت معاك
ارتفع صوت ضحكه وردد قائلًا:
- لا يا راجل، ألا صحيح أنت وسليم كنتوا بتعملوا ايه في المنطقة عندي؟
ظهر الخوف والتوتر على وجهه وهو يجيبه بتردد:
- كنا، كنا بنقابل حد علشان شغل وكدا
وضع كلتا يديه في جيب بنطاله وقال بنبرة ذات معنى:
- تخيل ياسر صاحبي مات في نفس اليوم، كان نفسي اعرفك عليه كنت هتحبه أوي بس للأسف اتقتل، اقسم بالله اللي عمل فيه كدا لأخليه يعيش العذاب قبل ما يموت
اتسعت حدقتاه بخوف شديد ووضع يده على رقبته بتوتر شديد بعد أن زاغت عينيه في كل مكان. في تلك اللحظة تدخل «مرزوق» الذي قال على الفور:
- هنفضل كدا كتير ولا ايه، تعالى سلم على مراتات أعمامك يا إلياس علشان نتغدى أنا جعان جدا
مالت «سما» على شقيقها وقالت بصوت هامس:
- مرات إلياس شبه دورا بالظبط، أنا افتكرتها هي
نظر تجاهها وقال بشرود:
- ده مش شبه! ده تطابق، أنا لغاية دلوقتي مش مصدق
- ولا أنا الصراحة، مش يمكن تكون قريبة دورا؟
رفع أحد حاجبيه ونظر إليها ليقول باعتراض:
- يابنتي دي من القاهرة ودورا من هنا إزاي قرايب! مش ناقصة غباء، يلا يلا علشان قطط بطني بتنونو
تركها وتحرك إلى الداخل بينما التفتت هي لتجد «مراد» يضع كلتا يديه في جيب بنطاله وينظر إلى جهة المسبح، اقتربت منه ورددت بابتسامة:
- سرحان فيه ايه يا عم مراد
انتبه ونظر إليها قبل أن يجيبها بابتسامة:
- لا متفاجئ بس، كنت بشوف القصور والأماكن دي في الأفلام بس
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بابتسامة هادئة:
- الحاجة في أولها بتولد انبهار وإعجاب شديد لكن بعد كدا بتنفر منها، اسألني أنا
رفع أحد حاجبيه ونظر إليها باهتمام قائلًا:
- عايزة تقولي إنك بتنفري من الجمال ده كله؟
هزت رأسها بالإيجاب وواجهته قائلة:
- أنا بالنسبة ليا من وأنا صغيرة وأنا نفسي اعيش في مزرعة ويكون ليا بيت صغنن فيها واصحى كل يوم اتطمن على المزرعة دي واخدمها علشان تبقى جميلة طول الوقت، لكن جو القصور والفلل ده ممل على فكرة
ابتسم لتفكريها وطريقتها البسيطة وأردف بنبرة تحمل الانبهار:
- بصراحة فاجئتيني بكلامك ده، اينعم أنا منبهر بالمكان بس ده ميمنعش إني عيشت اجمل أوقات حياتي في شقتي الصغيرة مع أمي، ده غير إن المكان هنا هادي أوي وأنا كل يوم لازم اجر شكل حد في الحارة واعمل خناقة
ضحكت على ما قاله وأردفت بتساؤل:
- أنت تعرف إلياس من امتى
تنفس بأريحية قبل أن يُجيب على سؤالها:
- ياااه من وهو عنده عشر سنين، كان لسة جاي القاهرة وحد ساعده يسكن في الشقة اللي قصادنا، كان في سني واتعرفت عليه وقضينا 18 سنة مع بعض، كنا اكتر من صحاب واخوات، كنا سند لبعض وقت الشدة، إلياس قلبه ابيض وجدع وبيحب الخير لأي حد بس الدنيا جت عليه شوية
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت بتساؤل:
- جت عليه من أنهي اتجاه؟ قصدك بموت والده ووالدته يعني؟
حرك رأسه بمعنى لا وأردف بغموض:
- مش الحدث نفسه لكن السبب اللي عمل الحدث، بصي هو أنتي مش هتفهمي قصدي بس سامحيني مش هقدر اقولك الحقيقة بالظبط، يمكن هو في يوم يتكلم ويحكيلك بس ساعتها اعتقد ممكن متتقبليش
رفعت أحد حاجبيها ورددت بحيرة:
- ايه الغموض ده، على العموم يا خبر بفلوس
ابتسم وقال مازحًا:
- بقولك ايه اكيد فيه وليمة لأستقبال إلياس، أنا كلاب بطني بتهوهو
ارتفع صوت ضحكها وأردفت بمرح:
- على فكرة أنت فيك شبه كبير أوي من كرم أخويا، يلا بينا الأكل زمانه جهز جوا
على الجانب الآخر جلس «إلياس» على سفرة الطعام وعلى يمينه «إيلين» التي كانت صامتة ولا تتحدث مع أحد بينما أسرع «كرم» وجلس على يساره وهو يقول بابتسامة:
- بقولك ايه أنا هقعد جنبك، مش هتصدق أنا فرحان قد ايه النهاردة
ابتسم «إلياس» وربت على كتفه قائلًا:
- لسة زي ما أنت قلبك أبيض يا كرم
في تلك اللحظة صاح «مرزوق» بصوت مرتفع:
- الأكل يا سارة
تقدم طاقم كامل من الخدم ليضع الطعام وسط تعجب «إلياس» وما إن انتهوا من وضع الطعام حتى ردد بسخرية:
- ياترا الأكل حد عامله هاك ولا secure يا بشوات
فهم أعمامه ما يرمي إليه فهو يلمح بأن الأكل مسموم كما فعلوا مع والده سابقًا، شعروا بالخوف قليلًا وردد «مرزوق» بابتسامة مزيفة:
- secure طبعا يا إلياس
ضحك وهو يبدل نظراته بينهم وقال بهدوء:
- عارف بس بقلب الذكريات
بدأوا في تناول الطعام وسط حديثهم المستمر إلى أن تحدث «سليم» قائلًا:
- بس تصدق يا إلياس شكلك طبع من المنطقة اللي كنت عايش فيها
كان يقصد الإهانة فرد «إلياس» بابتسامة:
- عارف، شكلي بقى راجل على عكس ناس تانية كتير
لم يتمالك «مراد» نفسه وانفجر في الضحك بينما ردد «سليم» بغضب:
- بتضحك على ايه ياعم أنت
هنا رفع «إلياس» صوته وقال بتحدي:
- في بيته ويضحك زي ما هو عايز، هو كان سالف الضحكة منك ولا كنت بتصرف عليه
في تلك اللحظة ضحك «كرم» قبل أن يميل عليه ليقول بصوت غير مسموع:
- جدع والله ربيه، سليم ده متكبر بطريقة مستفزة، مش هينفع معاه غيرك
ضحك هو الآخر وردد:
- اتقل عليا وأنا هروقهولك
مال «مراد» على «سما» وأردف بابتسامة:
- ابن عمك ده رخم
ضحكت وحركت رأسها بالإيجاب لتؤكد على ما قاله:
- فعلا هو رخم ومستفز، فكك منه ومتركزش معاه
رفع كتفيه وقال بهدوء:
- اركز معاه ليه ده حتى وشه شبه قفاه
قطع تلك الأحاديث الجانبية سؤال «اسماء» زوجة «مرزوق» لـ «إلياس»:
- قدرت إزاي تعيش السنين دي كلها بعيد عن بيتك ومن غير حتى راس مال ولو بسيط؟ خصوصا إن سنك كان صغير
ابتسم ابتسامة هادئة وعاد بظهره إلى الخلف ليجيب على سؤالها بثقة:
- ربنا كان معايا في كل خطوة، ربنا وقفلي ولاد الحلال اللي يساعدوني وأنا كملت لوحدي، اشتغلت في سني الصغير ده وتعبت علشان اقدر اعيش واقف على رجلي، اتعلمت حاجات كتير اوي منها إني اعتمد على نفسي ومخافش، ده غير إيلين اللي وجودها جنبي كان بيديني الطاقة وبيخليني أعافر
هنا رددت مريم قائلة بانبهار:
- لا بصراحة يا إلياس شابو، اللي أنت عملته ده صعب أي حد يعمله، إنك تقف على رجلك وتشتغل وتعتمد على نفسك وأنت في السن ده، بجد شابو
ابتسم لتقول «إيلين» بثقة:
- إلياس طول عمره قوي ومفيش حاجة تقدر تكسره، بجد اللي زيه قليلين في الحياة، ربنا يديمه وينصره على اللي بيفكر يقدم الشر ليه
في تلك اللحظة تحدث «بكار» الذي نظر إليها ليقول بحيرة:
- لغاية دلوقتي مش قادر اصدق الشبه اللي بينك وبين دورا
ضيقت نظراتها ورددت بتساؤل:
- آه صح مين دورا دي
أشارت إلى «كرم» وتابعت:
- أول ما وصلت نطق اسمها بردو، هو أنا شبهها أوي كدا؟
نهض «إلياس» من مكانه ليغير مجرى الحديث ورفع صوته قائلًا:
- الحمدلله شبعت، خلصتي أكل يا إيلي؟
هزت رأسها بالإيجاب ونهضت هي الأخرى من مكانها لتقول بابتسامة:
- أيوة خلصت، استنى خدني معاك اغسل ايدي
بالفعل رحل هو وهي بينما مال «بكار» على «مرزوق» وقال بهدوء:
- عرفت نقطة ضعف إلياس
في تلك اللحظة ابتسم وردد بصوت غير مسموع:
- إيلين مراته
ضحك هو الآخر وهز رأسه بالإيجاب قائلًا:
- بالظبط، مهمتك بقى تجيب تاريخها كله علشان نعرف هنعمل ايه
ضيق نظراته وقال بعدم رضا:
- مش باخد أوامر من حد يا بكار، أنا هعمل ده من نفسي مش مستني تقولي واتعدل بقى قبل ما حد ياخد باله
اقترب «سليم» من والده وأردف بابتسامة:
- بس بصراحة كدا البت بتاعة إلياس دي داخلة دماغي، بعد ما نخلص عليه تخصني
رفع أحد حاجبيه وأردف بعدم رضا:
- دي شحاتة وملهاش قيمة تخصك ايه!
ضحك بصوت مسموع قبل أن يهمس في أذنه:
- مش المعنى اللي فهمته يا بابا، اقصد تخصني من ناحية تانية
- آه فهمت، لا براحتك اعمل ما بدالك بس دلوقتي تهمد خالص لغاية ما نعمل اللي في دماغنا الأول
***
اقترب منها وردد بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد:
- خلي بالك يا إيلين، اوعي تاخدي حاجة من حد لو عزم عليكي ولو بلبانة حتى، أوعي تبعدي عني وخليكي معظم الوقت جنبي لأن إحنا دلوقتي في بيت التعابين، اعمامي تعابين متحركة
حركت رأسها بالإيجاب وأردفت بهدوء:
- حاضر حاضر متقلقش
عاد هو وهي إلى حيث يجلسون وردد «إلياس» بصوت مرتفع:
- بقولك ايه يا مرزوق باشا، أنا عايز انقل إيلين لمدرسة هنا في الإسكندرية، اعتبرها أول خدمة اطلبها منك
ابتسم «مرزوق» وقال بترحيب:
- بس كدا أنت تؤمر، من بكرا تكون في مدرستها الجديدة وكمان دروسها في اقوى سنتر هنا
هنا نظرت «سما» إليها ورددت بتساؤل:
- أنتي بجد لسة في مدرسة يا إيلين
ابتسمت وحركت رأسها بالإيجاب لتجيبها:
- أيوة في تالتة ثانوي، ادعيلي بقى علشان السنة دي صعبة جدا وحاسة إني مخنوقة وخايفة
نهضت على الفور وتحركت لتجلس بجوارها قبل أن تقول بحب:
- متقلقيش خالص دي سنة زي أي سنة وبعدين التوتر والخوف هيتعب الواحد على الفاضي، الكليات كلها واحد المهم إحنا هنعمل ايه جوا الكلية دي، هنجتهد إزاي علشان نثبت نفسنا، بصي أنا حد زمان قالي حكمة، قالي خشي كلية الحمير بس خليكي أحسن حمارة، فهمتي قصدي؟
حركت رأسها بالإيجاب ورددت بابتسامة:
- فهمت، تصدقي كلامك ريحني شوية، شكلنا هنكون صحاب
ربتت على يدها وأردفت بابتسامة حب:
- ده شرف ليا يا إيلي إني أكون صاحبتك يا قمر
هنا اقتربت منهما «مريم» التي رددت بابتسامة:
- لا أنا كدا هغير بقى، أنا عايزة انضم لشلة الصحوبية
ضحكوا جميعا بينما نظر تجاههم «إلياس» الذي لم يستطع منع ابتسامته فهو رغم قدومه إلى النار لكنه بعد رؤيته لـ «إيلين» وهي تتحدث مع بنات أعمامه شعر بالفرحة فهي لم يكن لها أصدقاء يوما ما.
رفع «هاني» صوته موجها سؤاله إلى «إلياس» حيث قال بابتسامة:
- بعد ما رجعت واستقريت هنا يا إلياس، ايه نوع البيزنس اللي هتعمله؟ هل هترجع شركة والدك من تاني ولا ايه!
وضع «إلياس» قدما فوق الأخرى وابتسم وهو يجيبه:
- شركة بابا الله يرحمه هجددها بس هغير النشاط طبعا، هخليها شركة خاصة بالبرمجة والسيكيورتي وكدا
هنا انتبهت «سما» ورددت بتعجب:
- أنا سمعت كلمة برمجة؟ أنت بتفهم في البرمجة يا إلياس بجد؟!
حرك رأسه بالإيجاب وأجاب على سؤالها:
- أيوة طبعا وبفهم في الهاكينج، ياسر صاحبي الله يرحمه علمني كل حاجة عن البرمجة لغاية ما بقيت بالمستوى اللي أنا فيه
كان يقصد بجملته الأخيرة أن يجذب انتباه «جمال» فهو يعرف أنه من قتل صديقه وكان بصحبته ابنه «سليم».
"قبل يومين"
فتح شاشة الحاسوب الخاص به ودلف إلى سجل تسجيلات هاتف صديقه الراحل ليستمع إلى ما حدث معه وبالفعل استمع إلى كل شيء منذ البداية وحتى مقتله، استمع لصوت عمه وصوت «سليم» وهم ينادون بعض بعد تنفيذهم لجريمتهم وأكد على شكه هو حضورهما إلى الشارع الذي يقطن به في هذا اليوم.
وقف بعد أن سيطر الغضب عليه وكور قبضة يده وظل يضغط عليها بقوة قائلًا:
- الحساب تقل أوي، اقسم بالله زي ما قهرتوني على أبويا وصاحبي لأقهركم على كل حاجة في حياتكم، اقسم بالله لأندمكوا واحد واحد
"عودة إلى الوقت الحالي"
رفعت «سما» حاجبيها وقالت بانبهار شديد:
- وااو، أنا مش مصدقة، حلو أوي خليك ثابت على مبدأك بقى علشان شكل بينا شغل كتير الفترة الجاية، محسوبتك مهندسة برمجة وكمبيوتر وشغلي على السيكيوريتي، بشوف كل الثغرات اللي ممكن الهكر يخترق منها واعمل برنامج يمنعها شوفت الصدف
ابتسم وقال مازحًا:
- لا ده كدا اجرب اخترق نظامك بقى أما اشوف أنتي شاطرة ولا لا
- أمين، الأيام بيننا يا ابن عمي
استمر الحديث بينهم جميعًا حتى وقت متأخر من الليل وبعد هذا الوقت رحلوا جميعهم بينما سار «إلياس» في هذا القصر وهو يسترجع ذكريات الماضي، قد تغير الكثير في هذا القصر لكنه يتذكر كل ركن به، ظل يتحرك في كل مكان وهو يتخيل والده ووالدته حوله، تمنى لو استمر مع عائلته في هذا المنزل ولا يتفرقون لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
تنفس بهدوء ثم اتجه إلى صديقه وردد بتعب:
- بص يا سيدي اختار أوضة من القصر الكبير ده كله وتبقى بتاعتك
نهض من مكانه وردد مازحًا:
- ناولني أوضة فيها سرير وأنا راضي، أنا شايفك اتنين قصادي من كتر ما أنا عايز أنام
ضحك قبل أن يلتفت وهو يشير بيده:
- أمشي علطول أول يمين يقابلك فيه أوضة اقتحمها ونام
- خلصانة يا أبو الصحاب
انتهى وصعد إلى الطابق الثاني ثم توجه إلى غرفة «إيلين»، طرق الباب بخفة فلم تجيب مما جعله يفتح الباب بهدوء ليتفاجئ بأنها نائمة، ابتسم وتقدم إلى الداخل قبل أن يرفع الغطاء ويضعه فوقها، مال وقبل رأسها ومسح بيده على شعرها قبل أن يعتدل ليعود إلى غرفته. عاد إلى الغرفة وبدل ملابسه سريعا ثم ذهب ليتوضأ وعاد ليصلي العشاء وما إن انتهى حتى ألقى بجسده على الفراش. ثوانٍ قليلة كانت كافية ليغرق هو الآخر في النوم.. نوم عميق.
دقائق قليلة كانت كافية لأن يرى هذا الحلم الغريب حيث كانت «إيلين» تخرج يدها من غرفة مظلمة وتصرخ بصوت مرتفع:
- الحقني يا إلياس
ركض هو تجاه تلك الغرفة لينقذها لكنه كلما اقترب ابتعدت تلك الغرفة أكثر مما جعله يتوقف ويصرخ هو الآخر:
- استحملي يا إيلين أنا جايلك
صرخت تلك الصرخة المدوية التي استيقظ على إثرها:
- إلياااااس
اعتدل في جلسته وهو يتنفس بصعوبة بعد رؤيته لهذا الكابوس المخيف، أخذ يتنفس حتى هدأت أنفاسه قليلا وفي تلك اللحظة نهض من فراشه لكي يطمئن على صغيرته وبالفعل اتجه إلى غرفتها قبل أن يفتح الباب بهدوء. دلف إلى الداخل فلم يجدها في فراشها مما جعله يضيق ما بين حاجبيه وهو يقول بحيرة:
- راحت فين دي؟
خرج من الغرفة وقبل أن يخطو خطوة أخري استمع إلى صوت صراخها بالأسفل:
- الحقني يا إلياس
وكأن هذا الكابوس يتحقق الآن في تلك اللحظة، دب الرعب بداخل قلبه وهرول على الفور إلى الأسفل لكي ينقذ صغيرته، ثوانٍ قليلة جدا وكان بالأسفل ليرى هذا المشهد، كان هذا الشاب يقيد «إيلين» من الخلف وبيده الأخرى كان يضع مطواه على رقبتها، هنا رفع إلياس كلتا يديه في الهواء وردد بنبرة تحمل الخوف:
- سيبها، أنت مين؟
ابتسم وقال بلا مبالاة:
- أنا حرامي كنت جاي أقلب القصر الجميل ده وفجأة لقيت القطة دي قصادي، أنا مستعد اسيبها بس أهرب من هنا ومحدش يجي ورايا
حرك رأسه بالإيجاب وردد بهدوء:
- سيبها ومحدش هيكلمك، هديك فلوس كمان
ضحك على ما قاله وردد بسخرية:
- فلوس ايه اللي تديهاني وأنا جاي اسرق بيتك، أنت بتهزر صح؟
هنا تسلل «مراد» من خلف هذا اللص وهذا ما بث الطمأنينة بداخل قلب «إلياس» الذي قال بابتسامة:
- براحتك، كان اوفر وخلص خلاص
في تلك اللحظة رفع «مراد» عصا خشبية ضخمة وضرب هذا اللص على رأسه من الخلف ليفقد وعيه في الحال.
ركضت «إيلين» لتحضن «إلياس» الذي مسح على رأسها وردد:
- أنتي كويسة؟
هزت رأسها بالإيجاب وأردفت:
- أيوة
ابتعد عنها ونظر إلى صديقه ليقول بابتسامة:
- تسلم ايدك يا صاحبـ ...
لم يكمل جملته ففي تلك اللحظة ارتفع صوت خروج رصاصة، سيطر الصمت على الجميع والتفت «إلياس» لصغيرته ليجد الرصاصة قد استقرت في جسدها.
اتسعت حدقتاه وصرخ بصوت مرتفع:
- إيلين!
نظر «مراد» حوله بصدمة ليعرف مصدر تلك الرصاصة ليجد شاب مقنع يتراجع بظهره بعد أن نفذ مهمته وركض إلى الأعلى بداخل المنزل، لم يصدق ما حدث وألقى العصا الخشبية من يده وركض بأقصى سرعة خلفه.
كادت أن تسقط أرضًا بعد أن خرجت الدماء من جسدها لكنه التقطها بيديه وضمها لصدره قبل أن يجلس على الأرض وهي معه، ابعد رأسها قليلا عنه وضم وجهها بين كفيه ليقول بنبرة تحمل الصدمة:
- أنتي كويسة يا إيلين؟ كويسة صح؟
ابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب لتجيبه بهدوء:
- كويسة متخافش يا إلياس
انهمرت عبرة من عينيه وأردف:
- حاسة بحاجة؟
حركت رأسها مرة أخرى لتجيبه:
- لا مش حاسة بحاجة، أنا هبقى كويسة صح؟
هز رأسه عدة مرات بالإيجاب ليجيب بابتسامة من بين دموعه:
- هتبقي كويسة إن شاء الله، خليكي بس قوية واستحملي وأنا هكلم الإسعاف
وضع يده التي كانت ترتجف من فعل الصدمة بجيب بنطاله وأخرج هاتفه ثم قام بطلب الإسعاف وأبلغهم العنوان قبل أن يلقي بهاتفه على الأرض ويمسك يدها التي تفاجئ ببرودتها إلى حد كبير، رفعها وقبلها ثم مال ليقبل رأسها فرددت هي بقلق واضح:
- أنت بتترعش كدا ليه يا إلياس؟
حاول رسم ابتسامة على وجهه وقال بعينان دامعتان:
- علشان خايف عليكي يا إيلين
في تلك اللحظة بدأت تشعر بألم الرصاصة ففي البداية كانت لا تشعر بشيء والآن تبدل الحال، شعرت بثقل أنفاسها فرددت هي الأخرى بخوف بعد أن هربت عبرة من عينيها:
- أنا هموت يا إلياس؟
أسرع وقبل رأسها مرة أخرى قبل أن يقول:
- بعد الشر عنك يا حبيبتي، أنتي هتبقي بخير
حركت رأسها بصعوبة قبل أن تقول:
- لا يا إلياس، أنا مش قادرة اتنفس، حاسة إن روحي بتتسحب مني
زاد بكائها وتابعت:
- أنا خايفة اموت يا إلياس، خايفة متسيبنيش
ارتجف جسده بقوة فحاول أن يسيطر عليه وهو يقول:
- مش هسيبك يا إيلين، استحملي علشان خاطري الإسعاف في الطريق، أنا اللي عملت فيكي كدا، مكانش لازم اجيبك هنا بأيدي
رددت بضعف وصوت متقطع:
- متقولش كدا يا إلياس، طريقنا واحد من البداية، وأنا لسة مولودة كنت واخدني في حضنك، خايفة تكون دي النهاية واموت في حضنك بردو
- متتكلميش يا إيلين، بالله عليكي ما تتكلمي، متتعبيش نفسك خالص
شعرت أن نهايتها قد حانت لذلك تحدثت بكلماتها الأخيرة:
- أنا بموت يا إلياس، سامحني مش هعرف اكمل الطريق معـ...اك، خلي با...لك من نفسك
انهمرت دموعها بشدة وتابعت:
- كان نفسي افرحك واخش هنـ..دسة، أنا بحبك أوي يا إلياس، بحبـ...ك أكتر من نفسي
لم يتمالك نفسه وانفجر في البكاء وهو يقول:
- وأنا بحبك أوي يا إيلين، أنتي بنتي، علشان خاطري متبعديش عني، أنتي الشمس اللي نورت حياتي وخلتني اشوف، أنتي شـ
قاطعته لتكمل هي جملته المفضلة:
- شمس إلياس
وفي تلك اللحظة انقطعت أنفاسها وأغلقت عينيها لتعلن عن رحيلها.
جحظت عينيه وهزها برفق وقد سيطرت الصدمة عليه بالكامل:
- إيلين؟
لم يتلقى أي رد فعل فهزها بقوة:
- شهد قومي علشان خاطري، لا ما أنتي مش هتسيبيني لوحدي، إزاي أصلا تسيبيني؟ اتكلمي بقى خلصي أنتي عارفة إني عصبي ومش فايق للعب العيال ده
بدأ أخيرا استيعاب ما حدث وصرخ صرخة مدوية في المكان اهتز على إثرها القصر بأكمله، انفجر في البكاء وصرخ بصوت مرتفع:
- إيلين! إيلين ماتت يا مراد، إيلين سابتني لوحدي
مال عليها وضم رأسها بين كفيه لتتساقط دموعه على وجهها وتابع باكيًا:
- ليه يا إيلين، ليه يا حبيبتي تسيبيني؟ اااه
*تمت*