رواية ست قوارير الفصل الثالث عشر 13 بقلم امينة محمد
الفصل الثالث عشر من |ست قوارير|
|عودة للوطن|
في هذه المدينة لا أحد يسأل من كنت؛ الجميع مشغول بمن يتظاهر بنسخته الجديدة التي لربما تكون جانية.. أو ضحية
نرتدي وجوهًا إضافية
وأحيانًا نرتدي حياة كاملة
لكن ليس لنبدو أفضل
بل لنخفي ما لم نعد قادرين على حمله
ونتخذ الهروب سبيلًا فذلك الهروب لا يُلغينا
هو فقط يجعلنا أقل وضوحًا لأنفسنا.
نحن لا ننسى
نحن فقط نؤجل المواجهة
إلى أن تأتي لحظة بسيطة جدًا
ننظر فيها لأنفسنا قليلًا أو ربما أكثر من اللازم
فنكتشف أن الاسم الجديد
لا يعرفنا
وأن القديم
ما زال ينتظر أن نلتفت..
لنتواجه
عاد الجميع لموطنه وإن كانوا في نفس البلاد لكن الموطن الحقيقي هو الأهل، هو القرب والونس، هو العائلة والأصدقاء، الإخوة أيضًا..
أخذوا عطلة ليعودوا جميعًا للقاهرة ليرتاحوا قليلًا من ضغط العمل السابق وضغط الظروف على قلوبهم في الآونة الأخيرة..
في إحدى القصور الكبيرة
كان الصمت في ردهات القصر سيد المكان، حيث كان رائد يجلس أمام والده"مراد العزمي" الرجل الذي لا يتحرك إلا والعدسات تلاحقه، معروفًا بل نجم ساطع في عالم الإعلام.
كان مراد يقلب أوراقًا خص استثمارات الساحل لأجل الإعلان عنه في عالم الوسط الفني، صوته الرخيم يقطع السكون:
"السعدون بدأوا يحسوا بإن بساط النفوذ بيتسحب من تحتهم يا رائد.. متبقاش لقمة سهلة لتميم وفيصل"
_"إحنا في مكان وهما في مكان يا بابا، حضرتك بينك وبين أبوهم مشكلة قديمة مش هندخلها حاليًا في شغلنا، كدا كدا محدش فيهم بيتكلم عن الحوارات دي، والنفوذ تخصهم ملناش دعوة"
كان يرغب في أن يكون بلا تسلطات وبلا أوامر يتبعها ليعيش بسبب والده
افعل، لا تفعل
خاصم، صالح
لا تقل، بل قُل!
كره ذلك بحق
نطق مراد بصوته الرخيم الذي يحمل نبرة أمر مغلفة بهدوء خبيث:
"عزيز السعدون مش شخص سهل، بس ولاده هما نقطة ضعفه.. سمعت إن ابنه وقع من طوله في الشغل؟"
عدل رائد من وضعية ساعته وجسده، وشعر بلمحة من الضيق تمر في صدره..
هو فقط تذكر وجه سجى المذعور وهي تركض خلف تميم لكنه أجاب ببرود:
"تعب مفاجئ يا بابا، ضغط الشغل والجو في الساحل، بس الموضوع تحت السيطرة، والمكتب الفني عندنا شغال على سحب العمالة اللي السعدون بيعتمدوا عليها في التأسيس"
رفع مراد رفع عينيه عن الجهاز، حيث كان يوجه لابنه نظرة حادة تخترق دفاعاته:
"أنا مش عايز تحت السيطرة أنا عايز امتلاك، المشروع ده هو بوابتنا عشان نقفل ملف المقاولات في المنطقة دي لحسابنا، ورائد.. متبقاش لقمة سهلة لفيصل السعدون.. الولد ده بيفكر بالمسطرة، ومبيغلطش"
في هذه اللحظة انفتح باب المكتب بهدوء لم يصدر عنه أي صوت ثم دخلت تلك السيدة دخلت، كانت تتحرك بخفة مذهلة، ترتدي فستانًا بسيطًا من الحرير الأسود يبرز قوامها المتناسق ووقارها الذي لا يتناسب مع امرأة في سنها.
لم تكن مجرد زوجة أب لرائد، بل كانت هي روح هذا البيت وشخص سلب روح والده ليكون لها فقط.
كانت ملامحها هادئة بشكل مريب، وعيناها تحملان بريقًا غامضاً، كأنها خلف هذا القناع الأرستقراطي تخفي عالمًا كاملاً من الحطام.
وضعت "هنا" صينية فضية صغيرة عليها فنجان قهوة مراد وبعض الماء، وتحركت نحو رائد بابتسامة خافتة تلك الابتسامة التي لا تظهر أسنانها، بل تكتفي برسم منحنى رقيق على وجهها:
"قهوتك يا مراد.."
قالتها بصوت هادئ وموزون ثم التفتت لرائد:
"حمدلله على سلامتك يا رائد، البيت كان فاضي من غيرك.. الساحل أخدك مننا كتير ولا الشغل بقى"
قام رائد واقفًا احترامًا لها، وفي نبرته تقدير حقيقي:
"شكرًا يا طنط هنا.. تعبتك.. فعلاً الشغل كان ضاغط المرة دي، بس خلاص اجازة كام يوم اهو"
همهمت مبتسمة:
"ربنا يوفقك ياحبيبي ان شاء الله.. هسيبكم تكملوا شغلكم"
ثم اتجهت "هنا" بجانب النافذة، تنظر للنيل، بينما كان مراد يستكمل حديثه عن النفوذ والإعلام وكيف سيستخدم قنواته لتشويه سمعة شركات السعدون في المستقبل، حين نطق مراد اسم "يوسف" في سياق حديثه عن مهندس قديم يحاول عرقلة بعض الأوراق القانونية في الأرض المجاورة، حينها توجهت أنظار "هنا" وهي تعبث بقلادتها الذهبية.
كانت حركة طفيفة، رعشة لم تستمر لأكثر من ثانية، لكنها شعرت بأن الهواء في الغرفة أصبح فجأة شحيحًا..
هي تعرف جيدًا من ذلك الرجل
فقد كان سببًا في حزن زوجها لفترة من الفترات حتى كادت تخسره وتخسر كل شيء..
لم تلتفت ولم تشارك في الحديث، بل ظلت شاخصة ببصرها نحو الأفق، كأنها تحاول استعادة أنفاسها دون أن يشعر مراد أو رائد بشيء.
كانت "هنا" أو تلك السيدة الغامضة بارعة في إخفاء أثر العاصفة بداخلها.. لذلك حاولت الانسحاب:
"مراد.. هسيبكم تكملوا كلامكم في الشغل"
قالتها وهي تنسحب بذات الخفة، وقبل أن تخرج التفتت لرائد مرة أخرى:
"هتتعشى معانا النهاردة، العشا جاهز يا حبيبي ومعمول حسابك، متبقاش تتأخر عليه.. الجسم محتاج راحة عشان يقدر يكمل متدوسش على نفسك في الشغل"
خرجت وأغلقت الباب خلفها، ليظل رائد ينظر للباب لثوانٍ، مستغربًا هذا الهدوء الذي تفرضه هذه المرأة على كل مكان تتواجد فيه.
هو في الحقيقة لا يكرهها لأن والده تزوجها وهو ربما في الخامسة عشر من عمره، وكبرت معهما بعدما ماتت أمه، ولم يجد منها أسلوبًا سيئًا أو حتى شيء يضايقه، كانت تهتم به دومًا بذات الهدوء..
وبسحر خفي لا يعرف من أين تأتي به
فهو يعلم أنه ذات السحر الذي فرضته على والده فتزوجها.
بينما عاد مراد ليوجه له التعليمات القاسية، غير مدركين أن "هنا" التي غادرت الغرفة الآن، كانت تسند يدها على الحائط في الردهة الخارجية، تحاول منع قلبها من القفز من صدرها لسبب مازال مجهول..
ــــــــــــــــ
ولجتْ إليه سريعًا حيث لم تنتظر صدى دقتِها الوحيدة على الباب لتسمع إذنًا بالدخول، بل اقتحمت سكون غرفته بلهفةٍ لم تترك له مجالًا لترتيب ملامحه المتعبة.
كان فيصل يقف أمام خزانته المفتوحة، يخرج بعض قمصانه بملامح باردة صامتة.
"إيه حصل لتميم؟ هو ليه جاي تعبان كدا؟"
سألت وصوتها يرتجف بقلقٍ لم تحاول مواراته.
لم يلتفت إليها ظل يحدق في رداءٍ بين يديه، ورد بنبرةٍ هادئة لكنها تحمل وخزًا خفيًا:
"القلق ده في منه على تميم بس؟ يعني مافيش منه عليا في مرة لو راجع تعبان؟"
توقفت نور في منتصف الغرفة وبدت للحظة وكأنها لم تفهم مغزى سؤاله، فأجابت بعفويةٍ قتلت بداخله شيئًا لم تسمع صرخته:
"بس أنت عمرك ما تعبت!"
سقطت جملتها عليه كحجرٍ ثقيل في بئرٍ عميق، يعلم أن أخته لا تقصد القسوة، بل هي ترى فيه الجبل الذي لا تهزه الرياح، لكنه لم يدرك أن إتقانه لدور الدرع قد جعلهم يعتقدون أنه صُنع من فولاذ، لا من لحمٍ ودم.
لم يعرفوا أن خلف هذا الثبات، هناك ساعات طويلة من الليل يقضيها في عراكٍ مع صداعٍ ينهش صدغيه بلا رحمة، وأن تلك الومضات من الحرارة التي تجتاح جسده أحيانًا يواجهها وحيدًا، يبتلع أنفاسه الحارقة خلف أبوابٍ مغلقة، ليخرج إليهم في الصباح بوجهٍ مغسول بالبرود، متظاهرًا بأن كل شيء على ما يرام.
رد بهدوء محاولاً استعادة القناع الذي كاد أن ينزلق:
"عندك حق يا ستي، عمومًا تميم أخوكِ قرر يعمل بطل، وينقذ بنتين معانا في الشغل من فار دخل أوضتهم.. وأنتِ طبعًا عارفة إنه عنده فوبيا من الحشرات"
تنهدت بنوع من الارتياح الممزوج بالقلق، واقتربت خطوة لتسند يدها على طرف المكتب:
"مكنش راضي يكلمني وقلقت أوي عليه.. أنا بخاف عليك برضه على فكرة، يارب تكون كويس علطول"
أومأ لها برأسه فقط، إيماءة مقتضبة كانت كفيلة بإنهاء الحديث بالنسبة له، لم تكن الكلمات تسعفه، أو ربما خشي إن نطق أن يفضح صوته ما يحاول إخفاءه.
ظلت نور واقفة لثوانٍ تراقب ظهره المتصلب، ثم انسحبت بهدوء كما دخلت، تاركة وراءها صمتًا أكثر ثقلًا
بمجرد أن استقر صدى إغلاق الباب، أفلت فيصل القميص من يده ليقع على الأرض بإهمال لم يعتده، تراخت كتفاه فجأة، وكأن الجاذبية تذكرت أخيرًا أنها تؤثر في جسده أيضًا
تحرك ببطء نحو المرآة الكبيرة المعلقة في ركن الغرفة ووقف أمامها، فلم يرَ "فيصل السعدون" القوي الذي يرتعد له العمال، بل رأى رجلًا غريبًا بعينين غائرتين يكسوهما الإرهاق، وشحوبًا يحاول الهروب من تحت جلده.
وضع يده على جبهته فكانت ساخنة حرارة مكتومة تعبر عن احتراقٍ داخلي لا يراه أحد.
نظر لصورته طويلًا وحدث نفسه بصمت مرير:
"إلى متى؟"
كان يشعر بوطأة الأمان الذي يوفره للجميع، أمانٌ يدفع ثمنه من صحته، ومن قدرته على أن يكون إنسانًا عاديًا يملك حق الشكوى.
أدرك في تلك اللحظة أن أصعب أنواع الوحدة ليست غياب البشر، لكنها تلك التي تكون فيها محاطًا بالجميع، ومع ذلك لا يراك أحدٌ منهم على حقيقتك.. يكتفون بتمثال القوة الذي نحته هو بيديه، ويتركونه يتأكل من الداخل تحت وطأة الصدأ والوجع.
أغمض عينيه بقوة، محاولًا طرد صورة تميم الضعيف، وصورة والده المترصد، وصورة نفسه الممزقة.
سحب نفسًا طويلًا ومؤلمًا، ثم انحنى ليلتقط القميص من الأرض، ليعود مرة أخرى لترتيب كل شيء بدقة.. فالقناع يجب أن يظل مكانه، والبيت يحتاج لجبلٍ يسنده، حتى لو كان هذا الجبل يتفتت من الداخل بصمت.
ـــــــــــــــــــــــــ
جلس ماجد بين عائلته بعد أيام شاقة في عمله يستعيد معهم طاقته، كان يشتاق بحق لتلك الصغيرة التي تقفز الآن لتستقر بين أحضانه.
آيلا بالنسبة له ليست مجرد ابنة أخت، بل هي المرفأ الذي يرسو فيه كلما عصفت به الدنيا، فقد اعتاد على رؤيتها دومًا كمصدر للراحة والأمان الذي لم يعد متواجدًا في هذا العالم المليء بالزيف.
"أنت حبيبي ياخالو"
همست بها وهي تدفن وجهها في عنقه، فابتسم ماجد من قلبه وقبلها على خدها قائلًا:
"وأنتِ حبيبة خالو يا آيلا والله"
فشاكسته الصغيرة بعينيها اللامعتين:
"يعني هتفضل مع آيلا علطول؟"
أومأ برأسه بيقين:
"طبعًا طبعًا"
هنا قالت آيلا بفصاحة لا تليق أبدًا بعمرها الصغير:
"خلاص يبقى هنمشي العروسة اللي ماما جيباها عشان تفضل معايا ياخالو!"
"بنت.. عيب"
نهرتها أمها ليلى بحدة مصطنعة، ثم التفتت نحو أخيها بفضول لم تستطع كبحه:
"مقولتش يا ماجد برضو تفاصيل عن حوار نورهان؟ إيه حصل تاني"
تنهد ماجد بعمق ونظر لأمه سهير التي أكملت على حديث ابنتها بقلق:
"مبقتش فاهمة بجد هي دي إيه، تِعبانة ولا إيه؟ هي راجعة بعد كل ده عشان إيه ولا فاكرة إيه؟"
أخذ ماجد نفسًا طويلًا وقال بجمود:
"أنا شخصيًا مش عارف هي بتفكر في إيه، بس هي فاكرة إنها راجعة قوية بشغلها المسروق كله مني وفاكرة إنها هتقدر تدوس عليا، بس عادي خلوها تلعب.. هي واحدة ست لا راحت ولا جت وخاينة كمان، والطبع غلاب، يوم ما هتحاول مع حد هيقطمها قطمة قوية"
"أوعى تديها فرصة يا ماجد"
حذرته أمه بنبرة خائفة فرد عليها بثقة:
"أنا مش عيل يا أمي عشان أرجع أديها فرصة، اللي لدغني مرة بيطلع من حياتي فورًا"
هنا تدخلت ليلى وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة:
"طب بمناسبة الفرص.. مش هتشوف العروسة اللي قولتلك عليها؟"
ضحك ماجد بمرارة ونظر لليلى قائلًا:
"والله عارف إنك بتفركي عشان تقولي الكلمتين دول"
ثم عاد لمداعبة آيلا هربًا من إلحاح أخته:
"هي أمك بتجيب البنات دول منين؟ واقعة عليهم في أنهي بقعة من هذه الأرض!"
مجددًا صرخت الصغيرة بضحكة رنانة:
"هذه الأرض بتاعتي أنا وخالو بس!"
سألها ماجد بابتسامة واسعة:
"إيه رأيك نحتل العالم؟"
أومأت برأسها سريعًا موافقة، هي لا تفهم تمامًا ما يقوله، لكن فكرة أن تكون معه في مغامرة خاصة أعجبتها كثيرًا.
في تلك اللحظة اهتز هاتفه برسالة فأمسكه بآلية متوقعًا خبرًا وقد كان بالفعل من العمل، لكنه وجد محادثة تسبيح السابقة تلوح في الأفق، لتسيطر على عقله فجأة.
كيف ومتى أصبحت تشغل حيزًا بهذا الحجم؟
لا يعلم
لكنه صدقًا يفكر بها بكثرة في فترات هدوئه.
فتح المحادثة وبدأ يكتب بتركيز شديد:
"عاملة إيه وعيلتك بخير؟ الواحد ارتاح من الشغل بس اتعود على فنجان القهوة اللي بنشربه الصبح أول ما نبدأ اليوم"
كان يكتب الرسالة بينما هناك عيون صغيرة تتابع حركة أصابعه بدقة وتقرأ بتهجٍ بطيء ما قاله، وهو لم ينتبه لشدة انغماسه في كلماته.. حتى فضحته آيلا حين صرخت فجأة:
"فـ.. نـ.. جـ.. ان.. قهوة!"
انتبه ماجد لها بعدما أنهت جملتها تزامنًا مع ضغطه على زر الإرسال، ليرفع بصره ويجد الجميع ينظر له بذهول، بما فيهم والده الذي ترك جريدته أخيرًا واهتم بالنظر إليه.
تبًا...
حاول أن يصحح فهمهم بارتباك واضح:
"مهندسة معايا.. مفيش حاجة.. شغل يعني"
ثم نظر لآيلا بغيظ محبب:
"يابنت المفضوحة فضحتيني"
ضحكت الصغيرة وركضت تختبئ خلف الأريكة حين مثّل أنه سينقض عليها، لكنه استغل انشغالهم ليغادر سريعًا لغرفته هربًا من سيل الأسئلة.
تبًا مجددًا..
وصله الرد سريعًا:
"كلنا بخير.. وأنت وعيلتك!"
انتظر لثوانٍ مترقبًا تعليقها على الجزء الآخر من الرسالة، فكتب لها:
"بخير الحمد لله"
حينها وصله ردها الذي جعله يتنفس الصعداء:
"وأنا كمان قهوة الصبح هتوحشني خلال اليومين الجايين دول"
لم يدرك ماجد كيف اندفعت أصابعه لتكتب:
"عشان معايا ولا عشان اتعودتي؟"
أرسلها وانتظر إجابتها على أحر من الجمر، ولاحظ أنها تأخرت في الرد كثيرًا، فشعر ببعض الندم وحاول تصحيح ما اقترفه بمهنية مصطنعة:
"وحشتني بصراحة العادة الجميلة دي، إن شاء الله تكوني معايا في مشاريع أكتر لأنك مهندسة شاطرة"
حدث نفسه بسخرية..
تبًا لك يا ماجد لست مراهقًا لتتصرف هكذا"
"عشان معاك"
وصلت الإجابة قصيرة ومباشرة، لتجعل ابتسامته تتوسع على ثغره بشكل لم يعهده منذ زمن، وشعر برغبة مفاجئة وعارمة في العودة للعمل عاجلاً، فقط ليشرب معها تلك القهوة مرة أخرى.
أغلق ماجد هاتفه ووضعه جانبًا وهو يتنفس بعمق، كان يشعر بخوف غريب يمتزج بلذة الاكتشاف؛ خوف من أن يفتح قلبه مجددًا لشخص قد يكسره كما فعلت نورهان، ولذة في أن يجد أخيرًا من يفهمه دون كلمات، من تشاركه هدوء الصباح وصخب العمل
همس لنفسه في سكون الغرفة:
"المرة دي مختلفة يا ماجد.. المرة دي مفيهاش تمثيل"
كانت تسبيح تتسلل إلى مسامات حياته ببطء، تمامًا كفنجان قهوة الصباح الذي لا يمكنه بدء يومه بدونه.
وكان رده على تلك الرسالة:
"وهنشربها دايمًا سوا، أصل العادة مش في القهوة.. العادة هتكون مع الشخص اللي هشرب معاه قهوة"
ـــــــــــــ
جلس في غرفته وحده، لا يرغب برؤية شخص إطلاقًا، هو فقط هنا يود الانفراد بنفسه وبمشاعره التي سيبدأ بجلدها كعادته كلما شعر بالضعف
مسكين الفتى يجلد نفسه مرارًا وتكرارًا على شيء حدث فقط ليشعر أن الأمر هكذا هو الأفضل لحاله، لا يعلم أنه سيقتل نفسه في مرة بكل ذلك الجلد والقسوة، وكأنه يعاقب قلبه على مجرد النبض.
كان يمسك هاتفه بين يده لا يفعل شيء سوى أنه يرى فيديوهات عبثية لا تمت للواقع بصلة ولا حتى لعقله، يحاول الهروب من صور الماضي التي تهاجمه، حتى ظهرت رسالة من الأعلى منها هي.. "السنيورة".
"عامل إيه؟ بقيت كويس دلوقتي؟"
تنهد ينظر قليلًا للرسالة، ثم تذكر كل لحظة بينها وبين رائد، في الحقيقة حاله هكذا من الغيرة التي تملكته من الأيام الماضية، تلك الغيرة التي لم يطلبها ولم يرحب بها.
كيف ومتى ولماذا حدث كل هذا؟
هو ساعدها ليعوضها...نعم
لكنه أيضًا من اللحظة الأولى كان ينجذب لها انجذابًا لم يستطع تفسيره، هي سطحية الرؤية أحيانًا، لكنه كان يرى داخلها جيدًا، ويحاول أن يجعلها ترى داخله بحقيقته الكاملة، بعيدًا عن قناع "تميم السعدون" القوي.
تنفس الصعداء يجيب فقط عن سؤالها ويحاول أن يوقف اللعين عقله:
"الحمدلله كويس، تسلمي"
نعم هكذا برسمية فقط دون الاكتراث لأي شيء ودون حتى التفكير بما حدث بينها وبين رائد، لن يجبرها بأي شكل لكن داخله يتآكل ببطء. لمَ كل شيء وعكسه يسكن قلبه الآن؟
وجد رسالة أخرى منها:
"أنا بجد آسفة عاللي حصل، مكنتش أقصد ولا أتمنى يحصلك كدا.. حاسة بتأنيب ضمير ناحيتك، كان المفروض ننادي حد هو يطلع الفار أحسن من اللي حصل ده"
ابتسم بمرارة وسخرية من نفسه
على أي شيء تافه كهذا تعتذر؟
هو تقتله الآلاف من المشاعر القاتلة بالأساس وليس هذا الموقف الصغير.
لا تعلم أن الفوبيا التي أصابته أمامها كانت أهون بكثير من فوبيا فقدان مكانته في قلبها لصالح رائد.
لذلك رد باختصار مجددًا:
"بسيطة"
نعم هو لا يقوى بعد الآن
فقط أنهى الحديث قبل أن يضعف أكثر.
أما عندها حينما وجدت هكذا رسالة مختصرة منه، تنهدت بعمق وظلت تفكر فيما حدث، سجى فقط بريئة على هذه الدنيا، وسطحيتها تكاد تقتلها، لم تدرك أن كلمة "بسيطة" خرجت من بين ثنايا روح متعبة تمامًا، وأن صمته خلف الشاشة أبلغ من أي كلام.
ألقى تميم الهاتف بعيدًا عنه، وكأنه يحاول التخلص من عبء ثقيلًا، أغمض عينيه بقوة ليرى وجهها من جديد، ملامحها القلقة، ثم صورة رائد وهو يقف بجانبها بكامل ثقته المستفزة.
شعر بضيق يخنق أنفاسه، فقام ووقف أمام النافذة يراقب سكون الليل وسأل نفسه بمرارة:
"إنت بتعمل في نفسك كدا ليه؟ ليه رابط حياتك بحد مش شايف غير القشرة اللي برا؟
كان يعلم أن انجذابه لها ليس مجرد شفقة، بل هو احتياج لروح تشبهه في الضياع، لكن غروره كان يمنعه من الاعتراف بأن "تميم" القوي، صاحب النفوذ، يحتاج لـ "سجى" السطحية لكي يشعر بأنه إنسان حقيقي..
قبض يده بقوة على حافة النافذة، وهو يشعر بالغيرة تنهش صدره نهشًا، كان يلوم نفسه لأنه لم يكن البطل الذي تمنته، ولأنه في اللحظة التي احتاجت فيها لسند، ظهر هو بمظهر الضعيف، حتى برغم معرفته أنها لم تطلبه.
جلد ذاته من جديد، فكر في رائد وفي نظراته المتحدية، وشعر أن كل ما بناه من هيبة ينهار أمام نظرة واحدة من سجى.
كان يعلم أن الطريق إليها طويل، وأن ذلك الوغد رائد ليس الخصم الوحيد، بل عقله وقلبه المتناقضان هما العدو الأول.
عاد لفراشه يستلقي بتعب بعد ليلة طويلة من جلد الذات، ثم نام تميم تلك الليلة وهو يدرك أن كلمة "بسيطة" التي كتبها، كانت أكبر كذبة قالها في حياته، وأن القادم لن يكون بسيطًا على الإطلاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت سجى من غرفتها نحو الدفء الذي جمع بينها وبين عائلتها دومًا، هي ووالدها وإخوتها، لم يكن لها غيرهم ولن يكن بالأساس، فهم حصنها المنيع في عالم لا يرحم.
توجهت لتجلس جوار سجود، بينما كانت الغرفة تضج بحياة هادئة؛ هذه منشغلة بهاتفها، وتلك تتابع التلفاز بشرود، وأخرى أمامها دفتر تدون فيه خواطرها، إلا سلسبيل التي كانت تحتضن كتبها بتركيز عالٍ فهي في عنق زجاجة الثانوية العامة.
وأخيرًا حينما خرج يوسف وتسبيح من المطبخ يحملان العصير والتسليات الخاصة بسهرة الليلة، تبدلت ملامح الغرفة؛ تركت كل واحدة منهن ما بيدها ليتجمعن كالفراشات حول والدهن الحبيب، الذي كان يمثل لهن الأرض والسماء.
"أيوا يا چو يا عسل أنت، بسهراتك التحفة دي"
قالتها سلسبيل بمزاح ليقهقه يوسف ويمسكها من أذنها بخفة قائلًا:
"بس يا بت يا صايعة أنتِ، اقعدي يلا عشان هنقعد شوية وتقومي تركزي في مذاكرتك"
جلسن حوله، فوزع نظراته الأبوية الحانية بين سجى وتسبيح، وقال بصوت يملؤه الحنين:
"البيت كان ناقصكم يا بناتي، كنت بنام كل ليلة في قلق عليكم، كل مكان في البيت كان بيسأل عنكم"
ابتسمت تسبيح تجيبه وهي ترتب الأكواب أمامهم:
"حقك عليا يا بابا والله، بس أنت عارف إننا لازم نخرج بقى ونشتغل، إحنا كبرنا واتخرجنا ونزلنا سوق العمل، ولازم نثبت نفسنا"
"أوعدنا يا رب باللحظات دي"
نطقت البقية في نفس واحد، حيث كانت ترتيل وسجود وأفنان وسلسبيل ما زلن في مراحل الدراسة المختلفة.
ابتسم لهن يوسف، ثم وجه بصره نحو تسبيح وسجى، وبدأ يتحدث بنبرة تحمل نصحًا مبطنًا:
"المهم إنكم تحققوا اللي نفسكم فيه، بس متخليهوش يأثر على حياتكم الشخصية، ولا يأثر على اللي ناويين تبنوه.. الشغل مش كل حاجة، لازم تركزوا في حياتكم برضو، وتاخدوا بالكم من صحتكم، عشان لما تتجوزوا تبقوا قادرين تفتحوا بيوت وتشيلوا مسؤولية.. الحياة مش مجرد شغل وجري عالطرق وننسى نفسنا"
نطقت أفنان بغيظٍ وهي تقشر بعض المكسرات:
"نفسنا والله يا بابا نلبس سوارية ونفرح، بس البركة في تسبيح، قافلة المحضر بالشمع الأحمر"
_"دي تسبيح مبتعملش حاجة غير حزب كره الرجالة، مع إن والله التروما مش من الرجالة"
قالتها سجود بعفوية تامة لم تقصد بها شيئًا، لكن الكلمة وقعت مُحدثة صمت؛ صمتت الألسن فجأة واتجهت الأنظار نحوها، خيم توتر ثقيل للحظات، حتى تنحنحت سجى تحاول لم الشتات وترتيب الحديث حتى لا تنتهي الليلة بمزاج سيء:
"الراجل الصح يجي حياتها بس، ونقول يلا فورًا.. تسبيح مش كارهة، تسبيح بتحذر منهم بس"
تنهد يوسف، وكأنه يفتح صندوقًا مغلقًا من الأمنيات وقال لتسبيح:
"طب لو جبت عريس متوافقيش؟ كتير والله طالب إيدك وناس كويسة أنا عارفهم، بس أنا برفض عشان عارف إنك رافضة ومش عايز أضغط عليكي"
هزت رأسها لوالدها بصدق وقالت بتنهيدة خرجت من أعماقها:
"قولتلك يا بابا لما يجي الشخص المناسب هتلاقي كل حاجة بتتسهل عشانه، مش بقولك هروح أتعرف على واحد ولا أتجر ورا واحد، بس أنا عايزة أختار صح، عايزة أجيب أب كويس زيك لولادي، حد يسندني مش يكسرني"
ربت يوسف على شعرها بحنانٍ فائق، ونظر لسجى التي كانت تتابع الحوار بصمت وقار قائلًا:
"والحلوة؟"
"مالي يا بابا؟"
سألته ببلاهة وتلقائية ليمد يده الأخرى ويربت على شعرها كما يربت على قطة صغيرة بخوف ظاهر:
"بخاف عليكِ من الناس يا سجى، محدش فاهمك قدي، بخاف حد يخدعك يا حبيبتي بكلمتين حلوين وأنتِ قلبك أبيض"
ضمت سجى شفتيها بتفكير، ثم رسمت على وجهها تلك الابتسامة التي تخفي خلفها الكثير، وقالت بثقة مصطنعة لتهدئة روعه:
"متقلقش يا حبيبي.. سايب وراك بنت بـ 100 راجل، محدش يقدر يخدعني أبدًا، أنا اتعلمت منك ومن الدنيا كتير"
_" يارب ياحبيبتي ان شاء الله، وأنا فضهرك متقلقيش"
قالها فأقتربت تحتضنه ثم تبعتها واحدة فالأخرى حتى تجمعن الستة في حضنه، هو لم يكسب شيء من الدنيا سواهن وعناقهن!
بعد انفضاض السهرة وقفت سجى أمام مرآة غرفتها، كانت كلمات والدها تتردد في أذنيها كصدى لا ينقطع
"محدش فاهمك قدي"..
كانت تعلم أن والدها محق، وأن العالم خارج جدران هذا البيت ليس بريئًا مثلها، تذكرت رائد، وتذكرت تميم.. شعرت بتشتت غريب ينهش عقلها.
هل هي حقًا بـ 100 راجل كما قالت؟ أم أنها مجرد قشرة خارجية تحاول حماية هشاشتها الداخلية؟
أمسكت هاتفها كانت تريد محادثة أحدهم "رائد"، لكنها ترددت:
"الناس بتخدع يا سجى"
تذكرت تحذير والدها، ونظرت لنفسها في المرآة بصدقٍ مرير.
كانت تعلم أن سطحيتها ليست جهلًا، بل هي محاولة منها لعيش الحياة دون تعقيدات، لكن الدنيا كانت تصر على تعقيدها.
نزعت الابتسامة عن وجهها وظهر التعب واضحًا في عينيها. "لازم أختار صح"؛ همست لنفسها وهي تتذكر كلمات تسبيح.
كانت تشعر بأن هناك معركة قادمة، وأن قلبها قد بدأ بالفعل يميل لجهة لا تعرف عواقبها، ثم جلست على طرف سريرها، وحدثت نفسها بيقين غريب:
"لو في حد هيقدر يوصل لقلبي، لازم يكون شبه بابا في حنيته، ومش هيفرق معايا هو مين، المهم يحميني من غدر الدنيا اللي بابا خايف منه"
تنهدت بعمق، وأغمضت عينيها وهي تتمنى أن تظل تلك الطفلة المدللة في نظر والدها، بعيدًا عن خديعة الرجال وتجارب الحياة القاسية التي بدأت تدق بابها بقوة، مدركة أن "بـ 100 راجل" هي جملة تقال للطمأنة، لكن في داخلها امرأة رقيقة تبحث عن الأمان فقط.
ـــــــــــــــــــــــــ
هذا الرجل الذي يعلم كل طرق الهلاك، وأي طريق هلاك يذهب له، وبقدمه وقلبه الذي صَدِئ من القسوة، ذاهبٌ نحو هذا الطريق بكامل إرادته.
كان فيصل يقف اليوم في تلك الشقة التي تفوح منها رائحة "التورط"، شقة تجمع بينه وبين ميار وبين بعض صديقاتها الشهود، وصديق مقرب له من الشركة، استدعاه ليشهد على هذا العقد الذي يربطهما.. لم يكن سوى عقد عرفي كما خطط، لكنه تنازل قليلًا ونفذ لها شرط وجود الشهود ليوهمها بالأمان.
تنهدت صديقة ميار وهي تلملم حقيبتها استعدادًا للرحيل:
"مبروك يا ميار يا حبيبتي، مبروك يا أستاذ فيصل، ربنا يسعدكم"
هز رأسه فقط، لم تخرج منه كلمة واحدة، ظل يستند بظهره للخلف يطالع الجميع بنظرته الصقرية تلك التي لا تقرأ منها سوى الجمود.
نعم نفذ ما برأسه وتزوجها لشهوة لديه تجاهها، لجاذبية مغناطيسية لم يختبرها من قبل.
لم يكن يعلم أن امرأة ستجذبه بهذا الشكل المَرَضي، وهو الذي لم يُرفض يومًا من امرأة، ولم يسعَ يومًا خلف رضا واحدة منهن، لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا؛ هو منجذب بشكل كامل لتلك الفتاة المدعوة ميار، انجذابًا يتجاوز كونه مجرد نزوة عابرة، بل هو استحواذ تام.
تحرك الجميع وذهبوا، أغلق الباب خلفهم ليعلن بداية سجنٍ جديد، توجه فيصل نحو المطبخ الذي يفتح بـ "بار" على الصالة، أخرج كأسًا وزجاجة بدأت ميار تراقبها بريبة وهي تقترب منه بخطوات مترددة.
"فيها كحول دي؟"
سألته بنبرة خافتة، فهز رأسه بالنفي وهو يصب السائل الداكن قائلًا ببرود:
"لسه موصلتش لمرحلة الفُجر دي، متخافيش"
أخرج علبة سجائره، أشعل واحدة ونفث دخانها في الهواء، ثم نظر إليها بعينين ضيقتين وسألها:
"مقولتليش.. أهلك عرفوا ولا حصل إيه؟"
هزت رأسها بالنفي السريع، وكأن السؤال لمس وترًا حساسًا بداخلها:
"لا طبعًا، بس قايلالهم إني هيبقى فيه أيام كتير هكون عند صاحبتي أقرب من الشركة، عشان الفترة الجاية شغل كتير ومحتاجة أوفر وقت المواصلات"
صمتت لثوانٍ، كانت تتلاعب بأطراف أصابعها بارتباك، ثم أكملت بسؤال ينم عن سذاجة قاتلة:
"مش أنت هتكلمهم قريب زي ما قولتلي صح؟ عشان الموضوع يبقى رسمي قدام الكل؟"
هز رأسه فقط، إيماءة غامضة لم تحمل أي وعد حقيقي، كان ينظر إليها ويحدث نفسه معتوهة.. تعتقد حقًا أنني سأتواصل معهم من الأساس؟
هو لا يهتم بأهلها أبدًا، ولا بمن هم، ولم يسأل يومًا عن جذورها، فكل ما يهمه هو الثمرة التي قطفها الآن وأغلق عليها الأبواب.
تحرك فيصل من مكانه، وضع الكأس على الطاولة واقترب منها ببطء، مما جعلها تتراجع خطوة للخلف حتى اصطدمت بحافة الأريكة.
وضع يده على وجنتها، ملمس يده كان باردًا كبرود قلبه، بينما كانت عيناه تشتعلان بنار لا تفهمها هي.
"ميار.. ركزي في اللي إحنا فيه دلوقتي، الأهل والناس والشكليات دي بتضيع الوقت، وإحنا وقتنا غالي، مش كدا؟"
قالها بنبرة رخيمة جعلت قشعريرة تسري في جسدها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"بس يا فيصل أنا وثقت فيك، والعقد ده.."
قاطعها بوضع إصبعه على شفتيها:
"العقد ده أثبتلك إني عايزك، وده كفاية جدًا دلوقتي، متخليش الأوهام تسيطر عليكي، أنتِ هنا معايا وده هو الواقع الوحيد"
كانت ميار تنظر إليه بضياع، تشعر أنها ملكت العالم بوجودها معه، وفي نفس الوقت تشعر أنها خسرت نفسها تمامًا، لم تكن تعلم أن فيصل لا يرى فيها سوى انتصار جديد لغروره، وأن هذا العقد العرفي ليس سوى قيد يمنحه حق الامتلاك دون حق الحماية.
دخلت ميار الغرفة لتغير ثيابها، وظل فيصل واقفًا في الصالة، يراقب دخان سيجارته وهو يتصاعد، كان يشعر بانتشاء غريب، انتشاء الصياد الذي أطبق فكه على الفريسة الأجمل.
لكن في زاوية مظلمة من عقله، كان هناك صوت يسأله: "وبعدين؟"
خرجت ميار مرتدية ثوبًا أبيضًا بسيطًا، بدت فيه كضحية تزف لمقصلة وهي تبتسم، اقتربت منه وجلست جواره وضعت رأسها على كتفه وقالت بهمس:
"أنا بجد فرحانة يا فيصل، رغم كل الخوف اللي جوايا بس حاسة إني بدأت حياة جديدة"
لم يربت على شعرها، ولم يضمها إليه بحنان الأزواج، بل ظل يحدق في الفراغ وقال بجمود:
"الحياة الجديدة بتبدأ لما ننسى القديمة تمامًا يا ميار، لو فضلتي تفكري في أهلك وفي الناس، عمرك ما هتعيشي اللحظة دي"
رفعت رأسها لتنظر إليه، صُدمت بمدى قسوة ملامحه في لحظة كان يجب أن تكون قمة الرومانسية:
"أنت ليه بتتكلم كدا؟ وكأنك مش عايزني أفكر في أي حاجة غيرك؟"
ابتسم ابتسامة باهتة، ابتسامة لم تصل لعينيه أبدًا، وقال وهو يميل نحو أذنها:
"لأنك فعلاً مش لازم تشوفي ولا تسمعي ولا تفكري في حد غيري.. أنتِ بقيتي بتاعتي يا ميار، تمامًا، وبالقانون اللي أنا اخترته"
شعرت ميار ببرودة مفاجئة، أدركت في تلك اللحظة أنها لم تتزوج رجلًا، بل استسلمت لسجان بارع؛ سجان يعرف كيف يجعل القضبان تبدو كأنها أحضان دافئة.
سكتت ولم تنطق، واكتفت بالنظر إلى الدخان الذي يملأ الغرفة، مدركة أن حياتها القديمة احترقت تمامًا كسيجارة فيصل، ولن يتبقى منها سوى الرماد أبدًا، حيث ذهبت خلفه في تلك الموجة التي لا عودة منها بعد اليوم
ــــــــــــــ
يتبع
الرابع عشر من هنا