رواية جاري سداد الدين الفصل الحادي عشر 11 بقلم دفنا عمر
ثورة تملكتها حين أتت بصحبة زوجها إلى والدتها ..وأدركت ما حدث دون علمها..! فريال سقطت في غيبوبة وانتكست حالتها..!
وخالد المقرب لها، طُعن بسكين وكاد يفقد حياته.. والجانية زوجته.. كيف تطورت الأمور ووصلت لهذا السوء بغياب يومان لا أكثر!أحمد محاولًا تهدئتها:
_ يا هند اهدي وافهمي.. أنتي في الوقت ده اتصلتي قلتي ليمنى إنك لقيتي عصام فقد الوعي وتعبان، وكان لازم تفضلي جمبه.. لو عرفتي كنتي بقيتي في موقف صعب، ولا هتقدري تسيبي جوزك. ولا هتبقى قادرة ماتجيش تطمني وتتابعي اللي بيحصل.. وماكانش وجودك هيحل حاجة، عشان كده خبينا عليكي، والحمد لله الدنيا بقيت افضل، خالد ربنا نجاه وفريال ابتديت تفوق، وطمناها على ابنها، وعايدة طلعت من الموضوع بدون سجن لأنها ماقصدتش تأذي زوجها
هند باكية: بس بردوا مش قادرة اتخيل ابقي بعيدة في أحداث صعبة زي دي..!
ثم ربتت على كفه: ع الأقل كنت دعمتك في المحنة دي يا أحمد، بدال ماشيلت الهم لوحدك!
قبل رأسها مرددًا: كفاية عليكي اللي بتعمليه ياهند، أنتي حياتك الزوجية علي حافة الخطر أصلا بسبب مشاكلنا.. وأنا وعبد الله كنا سوا والحمد لله عدت على خير.. ودورك دلوقت تراعي فريال لأن بعد اللي حصل حالتها ساءت طبعا، وخالد كمان هيحتاح وقت يتعافي، وعبد الله هيراعيه، وانا ويمنى هنكون مع ماما.. وبأذن الله ازمة وهتعدي علينا زي غيرها..!
تفهمت الوضع جيدا، وتحمد الله أن زوحها عندما أتى معها وعلم بتلك الأمور.. ألتمس العذر وتمنى السلامة لخالد وشقيقتها.. وتبادل مع أحمد كلمات المواساه ووافق قبل ذهابه لعمله على مكوثها معهم فترة أخرى حتى تتحسن الأوضاع قليلا..!
--------------------------------------------
في منزل شاهندة!
_ ده أنتي نورتيني يا عايدة.. أنا كنت متأكدة إنك جاية عندي، عشان كده ظبطت البيت وخليته على سنجة عشرة!
عايدة بتوتر لغرابة وضعها ومكوثها عند غريبة تعرفت عليها بظروف قاسية:
أنا مش عارفة اقولك أيه.. بس فعلا مالقيتش مكان اروحه، ولا ليا حد ولا معايا فلوس حتى!
شاهندة بعتاب: والله ازعل منك..أنتي عند أختك مش حد غريب! وهتفضلي عندي لحد ما ربنا يفرجها..!
أومأت برأسها بأرهاق، فهتفت الأخرى: أدخلي خدي حمام دافي ينعشك وانا هحضرلك هدوم نضيفة، وبعدها ريحي جتتك شوية في الأوضة على ما اعملك لقمة تسندك..!
عايدة: كتر خيرك يا شاهندة.. مش عارفة هرد جميلك إزاي، بجد أنتي الحاجة الحلوة الوحيدة اللي حصلتلي في اللي أنا فيه ده!
منحتها ابتسامة ودودة: سيبك من الكلام ده وروحي زي ماقلتلك.. وسيبي كل حاجة للأيام يابنت الناس!
أطاعتها عايدة وغادرت محيطها، بينما ظلت الأخرى تنظر على أثرها بنظرة غائمة متمتمة داخلها:
_ محدش عارف يا بنت الناس، الصدفة اللي جمعتنا دي خير… ولا شر وقعتي فيه وأنتي مش دارية!
________________________________
مرت الأيام والأحداث راكده بين الجميع!
أنتقلت فريال لمنزلها ثم خالد ليكتمل تعافيهما.. وكلًا من أحمد وعبد الله وهند ويمنى يقومون برعاية الجميع، بينما رجاء تهتم بالصغار أولاد خالد مع أطفالها.. والجميع يحتفظ داخله بالتساؤلات التي لا تجد إجابة شافية!
الأم فاطمة التي تشعر بالحدث الجلل بين أبنائها وهم يخفون عنها بابتسامة كاذبة.. لكنها تدري جيدا أن الأحوال ليست على ما يرام بينهم!!
وهند لا تدري سبب وصول الأمر للطعن بسكين من عايدة لزوجها.. وهل الأمر تمتد جذوره لما أكتشفته مؤخرًا بما يخص سرقات زوجات أبناء فريال لوالدتها
أما عبد الله.. مازال يجهل الكثير عن أسباب ما حدث وأدي لتلك النتيجة التي كادت أن تُسلب منه أخيه.. كما يخفى عنه سبب ضيق خاله من زوجته رجاء ورفضه التام أن تشارك برعاية الجدة او والدته فريال، وكأنه لا يستأمنها عليهما..!
ويمنى، التي لم يقص لها زوجها شيء من كل ما مضى ويعزلها تمامًا عن أجواء مشاكله العائلية، وهي لا تجد الفرصة لتحاول الضغط عليه والمعرفة بما تجهل لتُحسن مشاركته الحمل كما يجب!
بينما أحمد.. أزداد على همومه، وضع عايدة زوجة خالد.. أين ذهبت وكيف ستعيش بعيدًا.. وأبنائها كيف سيتعاملون مع غيابها.. وخالد الذي ينوي بمجرد تعافيه أن يطلقها بقسم الشرطة، ويبدو أنه لن يحيد عن قراره! ربما هو لم يخفت غضبه منها خاصتًا أنها حاولت قتله لولا أن أنقذه خالد.. ولكن هناك أسرة تشتت وهو لن يسعد بشيء گ هذا.. يجب أن يُصلح
الأمور بشكل أو بأخر..!
أما فريال! هي الأكثر صخبًا بينهم بما يدور داخلها والأقسى محاسبة ولوم لذاتها.. هي سبب كل ما حدث.. فلم يعد الأمر يحتاح ذكاء لتدري ما كان يجري مع والدتها دون علمها.. كما أنها السبب بخراب بيت خالد، فلو لم تذهب عايدة مكانها ماحدث ما سمعته من أحمد وهو يتشاجر معها..!
كما هي أكيدة أن رجاء لن تسلم من تلك الموجة القادمة لكشف الحقائق..فغضب أحمد منها يفسر الكثير..فالصورة بدت واضحة لها..!
آه يا فريال!
كيف ستعيدي لملمة عقد أسرتك الذي انفرطت حباته على يدكِ وحدك وضاع استقرار الجميع بإقترافك..!
لابد أن أعالج ما أفسدته.. ويعود السلام بين من فقدوه.. وقبل كل شيء.. يجب أن أعترف بعقوقي وأنول مسامحة أمي الحبيبة وأتحمل المسؤلية كاملة
فلن أترك غيري يتحمل آثامي بعد الآن!
________________________________
في منزل شاهندة!
_ كلميني عن نفسك.. أنتي كنتي قلتي ليكي أخت متجوزة وعايشة في السعودية ومابتنزلش غير قليل.. بس معلش في السؤال.. مخلفتيش من المرحوم جوزك خالص؟
_ خلفت بنت، بس………… .
علقت باقي الكلمات بأطراف لسانها، خائفة من استرجاع ذكرى مازالت تحرق قلبها بنار الفقد..!
فقد ابنتها الوحيدة شهد التي ام تكمل عامها السابع وتوفت قبله بأيام معدودة..بحادث وقوعها من أعلى بناية أثناء لعبها مع اقرانها الصغار.. فارقت الحياة فور إصطدامها بالأرض!
قرأت عايدة المعاناة على وجه رفيقتها. فقالت:
أسفة لو فكرتك بحاجة ضايقتك!
طب نغير الموضوع.. أنتي بتشتغلي أيه؟
شاهندة ومازال الألم بتفشى بقسمات وجهها:
في عيادة دكتور، بس شغلي بيكون لوقت متأخر.. عشان ماتقلقيش بعدين أما اغيب بره!
عايدة بتفهم: براحتك.. ثم أصاب الحزن صوتها وهي تتمتم: أنا كمان لازم اشتغل.. مش هينفع اعيش عالة عليكي.. كتر خيرك إنك آوتيني في بيتك!
ومضت عين شاهندة ببريق غامض، وغمغمت بخفوت شديد: مستعجلة ليه! هو في حاجة من غير تمن يا ست الحسن!
عايدة متسائلة: معلش مش سامعاكي بتقولي أيه؟!
شاهندة بنبرة مرحة، تخالف تماما ما كانت عليه:
بقولك خلي موضوع شغلك بعدين.. واهتمي بصحتك بدال وشك اللي اتشفط من كتر الهزلان وكأن عندك ميت سنة..ثم نهضت مستأنفة حديثها :
أنا هقوم اعمل عشا.. زمانك جوعتي!
تركتها لتحضر وجبتهما.. بينما عايدة تتسأل داخلها.. هل وثوقها بشاهندة والمجيء إليها..كان صوابًا؟!.أم باب يتوارى خلفه مآساة جديدة.. وسداد دين لخطاياها بحق أقرب الناس إليها..!!!
_____________________________
_ كفاية يا عبد الله مش قادرة أكل تاني يا ابني!
هتف متوسلًا: يا أمي دي تفاحة مش قادرة تكمليها، عشان خاطري، أنتي علاجك شديد ولازم تتغذي عشان تتعافي بسرعة!
التقطت قطعة أخرى من يده حتى لا تكسر خاطره:
ربنا يرضى عليك يا عبد الله.. أخوك خالد أخد علاجه؟
أجاب: طبعا، وسبته نايم كمان، ماتقلقيش يا ست الكل.. ووصل: أمال خالتي هند فين؟
قالت: بتشوف ماما وهتطمن على عيالها وتيجي!
عبد الله بعد أن اطمئن لتناول والدته ما قدمه:
طيب أنا هديكي علاجك وتنامي شوية، وأنا نص ساعة بس أروح لجدتي اشوفها واخليها تدعيلنا.. واجيب خالتي معايا بدال ما تيجي لوحدها..!
أطرقت رأسها بحزن.. فهل يحق لها طلب دعوات والدتها هي الأخرى.. لا لن تستجري أن تطلبها..!
صاحت قائلة: روح يا عبد الله.. ماتقصرش مع حد يا ابني.. خليك بدالي.. عايزاك تكون بار بجدتك.. لأني للأسف عاجزة اروح حتى ابص في عينيها..!
تعجب من مما تقول، وكأن لحديثها مغزى مبطن!
فتمتم: مالك يا أمي.. ليه حاسس كلامك له معنى غريب كأنك عايزة تعتذري عن حاجة..!
ربتت على كفه برفق: مافيش يا حبيبي، يمكن عشان نفسيتي تعبانة من اللي حصل.. روح أنت اطمن على جدتك، وابقي هات هند معاك!
_____________________________
في منزل الأم فاطمة!
_ وبعدين ياهند.. من الصبح بتستجوبيني، ما أنا قلتلك اللي حصل!
هند بنظرة ثاقبة: مين اللي سرق خاتم ماما يا أحمد؟
أهتزت حدقتاه توترا، حاول إخفاءه سريعًا:
وأنا اعرف منين ياهند، ما انتي قلتي ضاع وانتم بتحموا ماما.. ماعنديش تفسير تاني!
أقتربت منه ومازالت تطالعه بنظرة تحاصره:
أنا عرفت كل حاجة مخبيها يا أحمد! عرفت إن ماما كانت بتتسرق واحنا مش داريانين، رجاء أخدت عباية ماما وباعتها لجارتها أم ياسين.. يعني هي اللي كانت ورى الحاجات المختفية وأنا وأنت كنا محتارين مين بيسرق أمنا.. طعلت رجاء اللي………… .
قاطعها: كمان بتسرق هدومها وتبيعها كمان؟!!
حسبي الله ونعم الوكيل فيهم!
هند بتساؤل: أنت قصدك إن……… .
أحمد بتأكيد: أيوة ياهند.. مش لوحدها.. للأسف، عايدة كمان هي اللي سرقت خاتم ماما.. يعني الأتنين زي بعض نفس البشاعة وقلة الضمير.. ثم أستطرد حديثه ومشهد والدته بذاكرته يفطر قلبه:
أنا لسه مش قادر أنسى نظرة ماما يوم ماجيت لقيت رجاء سايباها لوحدها وسط القذارة ومشغلة التليفزيون ولابسة هدومها الجديدة! وجمبها شنطة فيها صابونها المعقم وحاجات تاني تخصها..!
واما واجهتها بحقيقتها، كلمتني بمنتهى الوقاحة وقالتلي ده حق خدمتي لأمك اللي انتو رميتوها..!
عشان كده مش طايق سيرتها ولا هطمن واختك فريال تحت رحمتها في مرضها.. وده سبب أني طلبت منك أنتي تراعي فريال..!
مصادفة قاسية كانت من نصيبه هو الأخر.. لينال إجابات كل تساؤلاته..ويسمع تلك الحقائق المخجلة عن زوجته وزوجة أخيه.. الكلمات تنهشه گمخالب حادة.. فتنزف روحه دون رحمة!
رجاء! زوجته؟! هكذا فعلت مع جدته التي يعشقها..!
أدخلت عليه هو وصغاره أشياء لا تحل لهم!
ليته ما آتى يطمئن على جدته! ليته ماسمع ما خفى عنه.. ليته ظل أعمى عن تلك الحقائق.. فالآلم شديد! قدماه كأنها تتلاشى ولا مفر من السقوط!
_______________________________
(كان نفسي اطلب منك السماح.. بس عارفة إني بطلب منك المستحيل يا خالد..لكن أنا هطلب منك حاجة واحدة.. وأنت حر تحققها أو لأ.. وفي كل الأحوال مش هلومك.. بلاش ولادنا يتوصموا بذنبي طول العمر )
أعاد قراءة رسالتها مرات ومرات.. فبعد أن قذفها أرضًا وآبى أن يستمع عقله لكلماتها الخادعة.. لم يستطيع الصمود،والتقط ورقتها المهملة، وعلم ما أرادت.. ولأنه لم يتعارض مع رغبته هو الآخر.. فلم يكن ليسمح بأن يوصم أولاده بعارها گ سجينة!
أنقذها من قيد أغلال وجحيم جدران باردة.. ولكن كيف ينقذها من جحيم أكثر إيلامًا..وقد صار وجودها بمحيطه هو وأولاده جريمة لا تغتفر..!
أنتهت عايدة بالنسبة له.. ولم. يبقى تشيع موت علاقتهما.. بورقة. طلاق!
_________________________________
تراقبه منذ أتى.. حالة من التيه والسكون تحتله!
لما ينظر لها بتلك الطريقة؟!هل حدث ما لا تعلمه؟
لا تعرف لما يشعرها قلبها أن الأسوء هو القادم!
تنحنحت هاتفة: مالك يا عبد الله.. حالك مش عاجبني من وقت ماجيت من عند جدتك وانت مش طبيعي.. في حاجة حصلت؟ جدتك فاطمة تعبانة لا سمح الله؟
تسائل بصوت گ الثلج، لا يعكس بركانه الذي يشُب بروحه: بتخافي على جدتي يا رجاء؟ لو جرالها حاجة أكتر هتزعلي عليها؟
رمشت عيناها بتوتر شديد..هناك عاصفة تختفي خلف بروده! فهتفت بتلعثم: ط..طبعا يا عبد الله.. دي دي زي جدتي بالظبط!
بدت قشرته الثلجية تذوب وهو يطالعها بنظرة أكثر قسوة: ليه ماقولتيش مش عايزة اروح لجدتك؟ كنتي قولي إنك مش راضية عن خدمتها، حتى لو زعلت وقتها، بس كنت هحترمك لأنك صارحتيني.. لو اعرف ماكنتش خليتك تروحي!
لو اعرف إنك بتروحي تذلي جدتي وتستقوي عليها وتسرقيها وتبيعي هدومها وتدخلي بيتي حرام.. ماكنتش خليتك تروحي! ليه يارجاء.. ليه؟!!
وواصل بنفس الحزن: وأمي! كنتي بتعملي فيها أيه هي كمان؟! ياااااااه للدرجة دي كنت أعمى وعبيط، بتعذبي اعز الناس على قلبي، وتخدعيني إنك طيبة!
الإنكار هو الغباء بعينه لو سكلته طريقًا معه الآن..!
تعرت صورتها بمرآة عينه، وما عاد هناك معنى للجدال!
اقتربت گ محاولة لتجميل صورتها القبيحة، وقد بدأت دموعها تنهمر بصدق لشبح فقدان زوجها وبيتها الذي لاح بأوضح صوره.. وقرار الفراق تسطره عيناه:
شيطان يا عبد الله اتحكم فيا.. صدقني أنا مش وحشة كده ..صحيح كان لازم أقولك مش عايزة اروح بس أنا خوفت تزعل مني لأني عارفة إنك بتحبها.. وبنفس الوقت كنت مقهورة من أمك اللي بتبعتنا نشيل عنها مسؤليتها، والظروف الضيقة اللي احنا فيها خلتني امد ايدي على حاجتها عشان أوفر قرش لعيالنا.. صدقني يا عبد الله أنا عارفة إني غلطت.. بس سامحني.. هو مين مابيغلطش.. ارجوك أغفرلي وأعاهدك معملش كده تاني واعاملها أحسن معاملة في الدنيا بس سامحني!
لم تحصل منه سوى على نظرة باردة خالية من أي تعاطف أو شفقة.. عبد الله أخذ قراره.. ولن يحيد عنه! أرتمت فجأة تقبل قدميه وهي تتمتم بجنون:
ماتطلقنيش ابوس أيدك.. ماتحرمنيش من عيالي .. وأوعدك ماتشوفش وشي لحد ما تنسى وتسامح.. أخرج وسبني يا عبد الله وهترجع مش هتلاقيني.. أبوس ايدك وحياة ولادنا ..وحياة أي ذكرى حلوة بيني وبينك.. وحياة جدتك وأمك وكل غالي عندك ماتطلقنيش وخليني على ذمتك!!
الأرض لا تُنبت سوى ما زرعناه بأيدينا..!
فإن كان خيرً..سنجني ثماره في ختام أعمارنا..!
وإن كان شرًا.. سنحصده بدموعنا لا محالة!
__________________________
أنتِ طالق!
يمين علق بأطراف لسانه، كاد ينطقه.. رغم توسلها له وهي تركع تحت قدميه تترجى عفوه وتطلب مغادرته ليهدأ مع وعد برحيلها قبل عودته.. ترجته بدموع غزيرة ألا يلفطها من حياته.. وألا يحررها من قيد عصمته إلى الأبد!
فلم يشفع لها عنده ما قالت، ولسانه يتحرك لإطلاق قراره الحاسم بطردها من عالمه وقذفها بيمين طلاقها..!
لولا مداهمة الصغار أبنائه هو وخالد غرفتهما،، ووقوفهم بينهما گ إنذار لعقله ألا يعرض الصغار لمرآى وسماع ما أوشك على قوله!
متسائلا ببراءة طفله الأكبر كرم ذو الست سنوات:
_ مالك يا ماما أنتي وقعتي في الأرض؟!
ثم هرع إليها ظنًا أنها سقطت ارضًا.. وهي صدقًا سقطت! ولكن من عينه هو.. ومن حياته .. إن كان أضطر للمغادرة دون أن يضع النقاط على حروفها.. فالقرار لن يتغير بتأجيل تنفيذه بعض الوقت.. سيُقصيها من حياته..ولن يستأمن مثلها لتكون أمًا لأولاده بعد الآن!
__________________________
أجهد التفكير ذهنه بما آلت إليه حياته !
ومازال لا يصدق ما يحياه.. يتمنى ما حدث لا يكون إلا كابوس سينتهي بإفاقته!
أغمض عيناه ولمحات من ماضيه معها تتدفق لعقله بإلحاح كأنها تخدر ألم روحه.. متذكرًا تفاصيل أول لقاء بينهما وكيف غزت دمائها عروقه كما غزى حبها قلبه فيما بعد!!
……… ........
عايدة: جرى إيه ياجدع أنت.. هتفضل ماشي ورايا كده، ماتشوف حالك يا أخينا..!
خالد: أنا ماشي في الشارع يعني براحتي.. أنما أنتي اللي المفروض ماترجعيش بيتك في وقت متأخر كده لوحدك والشوارع فاضية والدنيا ليل!
عايدة: أما عجايب والله! وانت مالك..كنت اخويا ولا ابويا
تلفت حوله، فوجد نفس الشابين يرصدانهما، متحينين الفرصة للإستفراد بتلك الغاضبة..فقد سمعهم قدرًا يتفقون على تتبعها وإذائها، والمغيبة تقف تجادله، وكل هدفه حمايتها من خطرهما..!
يبدو أن الشابين قررا المهاجمة.. وهما يقتربان، بعينان تنضح مكر وخبث، هاتفًا أحدهما:
أيه يا جدع أنت ..مضايق المزة ليه ماتسيبها في حالها.. ثم رمق عايدة بنظرات متفرسة ووقحة: ماتزعليش يا برنسيسة، هنحميكي منه، وهنوصلك أحنا..!
لكمة قوية سقطت على صدغ من تحدث، فوقع أرضًا
وهمَ رفيقه بالتدخل والزود عن المسجى تحت قدميه.. فأوقفه المضروب بإشارة من يده:
أستني يا رامي.. الأستاذ فاهم غلط!
ثم نهض وانتصب على ساقيه مرددا بابتسامة كريهة:
انت قفشت بسرعة ليه! اللقمة اللي تكفي أتنين تكفي تلاتة! وصاحب إيحاءاته القذرة تلك، نظرة نهمة لجسد عايدة.. التي ارتجفت، وبتلقائية، أحتجبت عن نظراته وراء ظهر خالد الذي غمغم لها بحنق:
كان زماني وصلتك وخلصنا.. بس انتي ماشية ولا دريانه بحاجة.. غبية!
صمتت بعد أن أدركت الصورة على حقيقتها..!
هذا الشخص الذي ظنته يتطفل ويراقبها.. أراد حمايتها من ذاك الشابين.. ارتعشت ودعت ربها أن تنجو من الجميع، الشارع فارغ من المارة، وبيت عمها مازال بعيدا...!
أبعدها خالد برفق.. وشمر عن ساعديه ورمقهم بحدة وتحذير وقد نفرت عروقه أستعدادا لقتالهما.. سيحمي الفتاة لو كلفه الأمر حياته..
تمتم لها: أمشي أنتي وأنا هتصرف معاهم!
أجابت بتلقائية: مش هسيبك. معاهم لوحدك!
هزته كلمتها البسيطة واربكته، فباغته أحدهما بضربة قوية على رأسه، فشعر بدوار شديد، والفتاة تصرخ مستغيثة.. تمالك نفسه سريعا وانتفضت شهامته وآبت رجولته أن يتركها لهما، سينقذها مهما تلقى من أذي!
وبعد مقاتلة عنيفة تغلب عليهما خالد.. وفي المقابل نفذت طاقته والجروح أضعفت جسده اللذي ينزف نتاج طعنة عشوائية من مِدية حادة كانت بحوزة أحد الشابين..فتمتم بضعف: أمشي بقولك، وانا هتصرف!
هزت رأسها برفض تام: مستحيل اسيبك كده، لازم اوصلك لأقرب مشفى، أنت بتنزف.. بطل أنت كلام وامشي معايا..!
الدوار يزداد وأصبح لا يقوى على جدالها أكثر مشي بخطى بطيئة متعثرة..و جسده المنهك يميل يمين ويسار بترنح! وكلما حاولت إسناده، آبى بأشارة من يده.. حتى ظهرت أخيرا سيارة أجرة اقلتهم لأقرب مشفى.. وهناك أحتاج لنقل دم.. فعرضت أن يفحصوها ويتبينوا فصيلتها.. التي تطابقت معه بصدفة عجيبة، فنقلت له دمائها وأنقدته!
بنفس اللحظة التي تتدفق الذكريات إلى عقل خالد
كانت تشاركه إستحضار نفس ذكرى تعارفها الأولى بصدفة إتصال ذهني عجيبة!
لحظة عودتها إلى منزل بعد أن اطمئنت على خالد
واستقبال زوجة العم بتصفيق ساخر:
_ ما لسه بدري ياغندورة.. ياترى جاية منين في انصاص الليالي.. عرفينا إحنا زي أهلك!
تلعثمت بخوف وهتفت بجمل غير مرتبة: كككنت في المستشفى.. بتتتبرع بالدم.. ناس عاكسوني ..وهو انقذني.. أنا…………