رواية حتي اقتل بسمة تمردك كامله وحصريه بقلم مريم غريب
حتي أقتل بسمة تمردك*
الشخصيات:
بطلا الرواية هما (عز الدين نصار / داليا عبد المجيد ).
"عمر نصار / عبير نصار" أشقاء "عز الدين".
"خالد نصار" من أبناء عمومتهم.
"كاميليا فهمي" والدة عز الدين عمر و عبير.
"ياسمين عبد المجيد"شقيقة "داليا" و باقي الشخصيات مع توالي الأحداث ...
الحلقة "1" :
كان الحمام معبأ بالبخار المائي عندما خطت "داليا" بقدمها في الوسط تجاه المرآة التي أخذت مكانا صغيرا لا بأس به بقاعة الحمام البسيط ..
وقفت "داليا" أمام المرآة تنظر إلي نفسها و تتأمل تفاصيلها ، فكرت لم تعط مظهرها الخارجي أي إهتمام من قبل قط !
و لكنها فاجأت نفسها اليوم و في تلك اللحظة بالأخص و راحت تدرس بدقة تقاطيع وجهها و جسدها البض المائل إلي الأحمرار و الذي تناثرت عليه قطرات الماء أثر إستحمامها ..
مدت يدها إلي وجه المرآة و نزحت ذلك التشويب البخاري الذي كان يحجب عنها رؤية نفسها بوضوح ، ثم حدقت بوجهها جيدا ، كان لون بشرتها عسليا و لون عينيها الواسعتين يتموج وفقا لمزاجها فمن الأخضر يوما إلي لون ضبابي كلون الدخان يوما أخر ، تملك عيناها قوة ساحرة تجهل"داليا" وجودها حتي الأن ، و كان شعرها كستنائيا طويلا حريريا و كثيفا عقصته"داليا"في تلك اللحظة إلي الوراء بعيدا عن جانبي وجهها كي تتمعن ملامحها أكثر ..
وجدت أن مظهرها برئ يدل علي الضعف فتسرب القلق إلي قلبها ، عليها أن تقوم بإنقاذ الموقف فإن لم تتصرف سريعا ستخسر كل شيء لأن تلك الوظيفة التي سوف تتقدم لها غدا تعني لها و لعائلتها الصغيرة كل شيء و لو خسرتها ستتحطم آمالهم ..
تناولت"داليا"منشفتها الكبيرة و لفت بها جسدها ثم هرعت سريعا إلي غرفتها .. وقفت "داليا"أمام خزانتها تتأمل محتوياتها و ملابسها في عدم رضا ، شعرت بإنها تحتاج لشراء ملابس اذا تم قبولها في تلك الوظيفة .. ذكرت نفسها أن مدخراتها القليلة التي وضعتها جانبا لمصروفات المنزل و علاج والدتها التي أصابها الشلل الرباعي و أيضا مصروفات شقيقتها التي إلتحقت منذ عامين إلي كلية الطب ..
وجدت أنه لا يجب أن تهدر تلك المدخرات البسيطة علي شراء الملابس .. لذا أقفلت خزانتها بيأس و إستسلام ثم جلست علي فراشها متخاذلة
سمعت في تلك اللحظة طرقات علي باب غرفتها فأذنت بالدخول قائلة:
-ادخلي يا ياسمين.
دلفت الشقيقة الشابة بمرح إلي غرفة"داليا"وقد علت وجهها إبتسامة خفيفة فيما تطلعت إليها"داليا"بتساؤل قائلة حينما شاهدت دفاتر الدراسة بكلتا يديها:
-إيه ده ! .. انتي لسا جاية دلوقتي ؟ اتأخرتي كده ليه أنا كنت بحسبك وصلتي من بدري.
-أه أه يا أختي لو تعرفي إللي حصلي انهاردة يا دودو.
قالت"ياسمين"ذلك و هي تنزع معطفها الأحمر الصغير المصنوع من الجلد و تلقيه تعبة علي فراش أختها بينما سألتها"داليا"بقلق:
-إيه حصلك إيه ؟ اتكلمي قوليلي في إيه حد عملك حاجة ؟؟
قهقهت"ياسمين"بمرح و هي تلهو بسلسلة مفاتيحها قائلة:
-ماتقلقيش كده يا دودو اطمني محدش عملي حاجة و محدش يقدر يعملي حاجة اساسا.
-اومال إيه اللي حصل طيب و اتأخرتي ليه ؟؟
قالت"داليا"بنفاذ صبر بينما فسرت"ياسمين":
-ما أنا هقولك بس اهدي انتي الاول.
-طيب هديت .. اتكلمي بقي !
تنهدت"ياسمين"ثم عادت تقص عليها الأتي:
بعد إنتهاء محاضراتها الجامعية ذهبت برفقة صديقاتها إلي وسط ساحة الحرم الجامعي ، و ما أن خطت برقة أمام تلك السيارة الفارهة التي إستند إليها شاب ذو وجه شرقي جذاب و عينان بنيتان حجبتهما تلك النظارة الشمسية الأنيقة حتي جذبت إنتباهه ليس لجمالها ، فهي ليست صاخبة أجمل إطلالة بالجامعة و لكن كان تجاهلها سبب إهتمامه بها ، فنظرة"ياسمين"إليه كانت تختلف عن بقية الفتيات اللواتي ما أن يتجمعن حوله حتي يتملقونه و يمتدحونه من جميع الجهات و كأنه نجم مشهور ..
-حاسس ان القمر نزل من السما في عز الضهر و عدا من جانبي دلوقتي.
لم ترد"ياسمين"علي إطرأه و لا علي إبتسامته الجذابة الدافئة بالمثل بل وجهت إليه نظرة عادية لا بل باردة ..
لأنه يعرف من ملابسها و هيئتها أنها فتاة بسيطة من الطبقة الوسطي و ربما أعتقد إنه قادر علي إستمالتها بسهولة ، كان يتأملها بتفحص بالغ مع إنها كانت تمثل البساطة بعينيها فيما لو قيست بالفتيات الأخريات ..
عند أخر نظرة وجهتها إليه أبتسم لها رافعا حاجبه بطريقة توحي بإنه لم يلق طوال حياته مقاومة من أي فتاة و لذلك أسرع إلي القول بوقاحة هذة المرة و هو ينظر أسفل قدمها:
-ما هو انا معذور بردو يا قمر انتي .. مستحيل اشوف الجمال ده كله و اسكت.
تجاهلته للمرة الثانية فعاد يقول:
-يا عيني يا عيني .. علي الخلخال إللي بيرن بين رجلك ياريتني كنت مكانه.
عندها فقط إلتفتت إليه و قالت بحدة و قد إرتفع صوتها بقدر جذب إنتباه الحاضريين و البعديين:
-طب خد بالك بقي يا حلو و فتح .. في نفس الرجل دي تحت الخلخال في جذمة تقوم بالواجب معاك.
إتسعت حدقتاه بذهول فقال:
-انتي ! .. الكلام ده ليا ؟!
-و مين غيرك هنا سافل و مش متربي ؟؟
-عمر !
قالتها فتاة جاءت لتوها ما أن لاحظت ذلك النزاع ثم تابعت:
-تاني ؟ انت مش هتبطل تصرفاتك دي اللي بتجبلك الاهانات كل شوية ايه مش هتتغير ابدا ؟!
رمقتها"ياسمين"بإزدراء .. كانت أنيقة في كل شيء و لكن ملابسها ... !
بينما هتف الشاب بإنفعال حازم:
-يارا ! .. اسكتي انتي خالص.
-لأ.
صرخت الفتاة ثم تابعت:
-لأ مش هسكت المشهد ده تقريبا بيتكرر كل يوم و انت مابتحسش و لا بيهمك مشاعري.
ثم توجهت بالحديث إلي"ياسمين"فقالت ببحدةو انتي يا حلوة ياللي فرحانة بصوتك العالي .. خلاص خلصنا كفاية دراما.
ثم أكملت بنظرة إعتلاء ساخرة:
-هو اكيد مش مركز في حاجة انهاردة عشان يبصلك و يغازلك انتي .. ده غير انه دايما بيلازمني انا و بيرمي الباقيين اللي زيك .. خليكي متاكدة انه ماكنش يقصد و خليكي متاكدة بردو اني مش ممكن اسمحله يقصد .. انا مابحبش حد ياخد مني حاجة.
و قبل أن ترد"ياسمين"لتلك الشعثاء الصاع صاعين قبض الشاب علي معصمها و قال بصوت أجش:
-حاجة ايه يا بت هو انا كيس شيبسي ؟ .. و بعدين قلتلك اخرسي انتي.
و قبل أن يتوجه بحرف أخر لـ "ياسمين" تجمع رجال الأمن و بعض الشباب من حوله ..
حدث شد و جذب بينه و ببنهم حتي تطور الأمر بهم فتحولت ساحة الحرم الجامعي إلي ميدان من العراك ... !
-يا نهار اسود ! .. و الولد ده حصله ايه ؟!
هتفت"داليا"بذعر متسائلة بينما جلجلت ضحكة شقيقتها بمرح فقالت:
-بيقولوا كان مبتسم و هما بيغسلوه ههههههه و انا مالي يا ستي بيهم انا سيبتهم يعجنوا في بعض بس بما انه كان لوحده ممكن اقولك انهم سكعوه علقة محترمة يستاهل بني ادم حيوان ههههه.
-بتهزري حضرتك ؟! .. بتهزري و انتي اساسا اللي غلطانة .. لابسة خلخال يا ياسمين ؟!
-و ماله يا داليا عادي دي موضة.
-موضة ! .. اولا احنا ناس علي اد حالنا عمرنا ما مشينا علي الموضة اللي بتتكلمي عليها دي لان ظروفنا ماتسمحش ثانيا حتي لو كانت ظروفنا تسمح فأخلاقنا عمرها ما كانت هتسمح .. اوكيه تمام انتي جربتي و شفتي النتيجة حصلت خناقة انهاردة في الجامعة بسببك .. لو كنتي محترمة ماكنش حصل اللي حصل ده يا ياسمين.
هتفت"داليا"أخر كلماتها بإنفعال حانق فإمتصت"ياسمين"حنقها عندما قالت بلطف:
-طيب يا داليا .. انا اسفة يا ستي و الله انتي عندك حق و انا غلطانة بس احيانا الانسان بيتغلب عليه فضوله و يجرب حاجات مش معتادة.
-و جربتي ؟ .. ادي نتيجة تجربتك.
-يووه .. خلاص بقي يا دودو قلت اسفة.
أجبرتها شقيقتها علي الإبتسام عندما نظرت إليها بإستكانة و ضعف مصطنع فقالت:
-طيب .. خلاص .. يلا روحي غيري هدومك و شوفي ماما و اديها الدوا علي ما احضر الغدا.
-ماشي يا عسل انت .. بس اه قوليلي صحيح .. عملتي ايه في موضوع الوظيفة اياها ؟؟
-اهو .. عندي بكرة انترفيو ادعيلي بقي.
-ان شاء الله ربنا هيوفقك يا دودو.
ثم ربتت علي كتفها و غادرت الغرفة .. فتنهدت"داليا"بضيق و ألقت بنفسها علي الفراش ، شعرت برغبة قوية في البكاء ، منذ وفاة والدها و هي تكد و تتعب من أجل إعالة أسرتها الصغيرة .. و قد أثقل الحمل كاهلها و أتعبها ..
ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة لتتخلص من دموعها لكن الدموع جرت علي خديها سريعة غزيرة و حارة ... !
*****************************************************************************
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف"عز الدين"إلي الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل إفتتاح إحدي فروع مجموعة شركاته ..
أسرع"عز الدين"إلي غرفته ثم دلف إلي الحمام مباشرة بعدما خلع سترته و فك ربطة عنقه و الأزرار الثلاث العليا من قميصه بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات ، ثم فتح صنبور المياه أخذا بكفه بعض القطرات الساخنة و مسح بها علي وجهه و شعره .. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفهه يتعالي بنغمته الصاخبة ، تجاهله للحظات إلي أن ينتهي حتي إنقطع تماما فعاد إلي الغرفة لامع البشرة و لا يزال شعره مبللا ..
وضع المنشفة علي ظهر الكرسي ثم شرع بلبس ساعة يده ثم إتجه نحو هاتفهه ليجد شقيقه يعاود الإتصال مرة أخري فأجاب بصوت حازم قوي:
-اهلا يا باشا .. اخيرا حنيت علينا !
ثم سأله بصوت أجش:
-كنت فين يا عمر ؟؟
فأجاب شقيقه ببرود و ضجر:
-ايه يا عز مالك ؟.. ما تهدي عليا كده في ايه ؟؟
-و الله ! .. مش عارف في ايه يا استاذ ؟.. بكلمك بقالي يومين و حضرتك يا إما قافل موبايلك أو مابتردش .. و الهانم اختك فين هي كمان ؟ بقي دي تعليماتي اللي قلت عليها تتنفذ في غيابي ؟ يعني لما احب اطمن علي سيادتكوا اتصرف ازاي مثلا ؟ .. ما ترد ياخويا ساكت ليه ؟؟
-يوووه يا عز و انا مالي انا يا اخي متعصب عليا انا ليه ؟ ماتكلمها هي و تطمن عليها ماتركزش معايا انا بقي مابقتش طفل يعني.
-تصدق انك بني ادم عديم الفايدة و المسؤولية .. و رحمة ابوك لما ارجعلك .. هظبتك يا عمر.
-ايه هظبتك دي شايفني اريال و بعد ...
و قبل أن ينبس بحرف أخر أغلق الخط بوجهه و هو يسب و يلعن و يتوعد له فيما كان يبحث عن رقم شقيقته بقائمة الإتصالات حتي وجده ..
فأجري الإتصال بها .. ليأتي صوتها بعد لحظات:
-الووو.
قالتها بغنج و قد بدا علي صوتها أثار النعاس فأعادها صوت أخيها الغاضب إلي رشدها:
-مساء الخير يا هانم .. و لا نقول صباح الخير بما ان حضرتك لسا نايمة لحد دلوقتي ؟؟
أجابته متعلثمة:
-أاا .. ع عع عز عز الدين .. صصباح الخير يا حبيبي ازيك؟؟
-صباح الخير ! .. احنا بقينا العصر يا حبيبتي .. و الله دي بقت حاجة كويسة خالص يا ست عبير .. اغيب عن البيت كام يوم فتاخدي راحتك اوي كده انتي و البيه التاني .. ماشي.
لفظ أخر كلماته بتوعد فبدا التوتر علي صوت شقيقته:
-يا عز اهدي بس مافيش حاجة حصلت تستاهل كل ده.
-لما ارجع اكيد هاشوفلي حل معاكوا .. سلام يا هانم و ماتنسيش تكملي نومك.
قال كلماته الأخيرة ساخرا و هو يغلق الخط بوجهها ثم إستلقي علي الفراش بثقله واضعا يديه خلف رأسه ثم أغمض عيناه بكسل و إرهاق ليقفظ الماضي كله أمام عينيه ، ليمر كل ما حدث بحياته في ومضات سريعة بمخيلته .. هجر أمه ، وفاة أبيه ، نضوجه المبكر ، و كل شيء .. منذ ستة عشر عام عندما رحلت عنهم والدته النجمة السينيمائية "كاميليا فهمي"و تركت المنزل الزوجي بعدما تعرفت إلي رجلا ذا قيمة في عالم السينيما صانع أفلام .. فأسلمته نفسها من أجل تحقيق الشهرة و لم تكتفي بل و ذهبت معه ضاربة بمصير أبنائها الثلاث عرض الحائط
فكان جزائها هو الطلاق من زوجها والد أبنائها"فريد نصار" .. كان "عز الدين"في السادسة عشر عندما إنفصلا والديه و كان له شقيق يصغره بخمس سنوات و شقيقة أخري كانت طفلة وقتما ذهبت أمهم من حياتهم بلا رجعة فيما كانت تسعي إلي الشهرة و إثارة دهشة الرجال متكئة بذلك علي جمالها الأخاذ و الذي هو كل ما تملكه ميراثها الوحيد ..
و لم يمر وقت طويل أيضا حتي توفي"فريد نصار" .. فكان نصيب"عز الدين"بإعتباره الوريث الأكبر أن يظل إلي جانب أشقائه يرعاهم و يستكمل مسيرة والده في العمل مما جعله ينضجسرع مما يجب .. و حتي الأن لم يغفر لأمه فعلتها رغم توسلاتها و مراسلاتها المتواصلة بالسماح لها برؤيته و أشقائه ، لم يغفر لها أبدا بل يمقتها و يرفضها ، يكن لها كره عظيم و كأنه لم يولد من رحمها .. بسببها أصبح يمقت إلي جانبها كل أصناف النساء ، إن كل ذرة من كيانه ترفض العطف علي أي أنثي
أصبح مستبد قاس للغاية .. من جهته يعتقد أن النساء يستخدمن جمالهن لإدارة الرجال حسب أهوائهن كما فعلت أمه ، فإمرأة جميلة مثلها قادرة علي تحويل رجل جبار إلي صبي بلا إرادة .. لذا إنعدمت ثقته في النساء و لكن حياته لم تكن خالية من وجودهن فيها طوال هذه السنوات فهو بلغ منذ أشهر إثنان و ثلاثون عاما .. و لكنه مفرط الذكاء ، بالطبع أنه يتمتع بصحبتهن كثيرا في بعض الأحيان إلا أنه لا يستسلم لأية إمرأة بل إنه يبتسم لهن بإزدراء بعينيه الذهبتين البراقتين ما أن ينتهي منهن ثم يدير ظهره و يرحل ..
هو لا يحب النساء .. بل يمتع نفسه بهن عندما يحلو له ، فهو ذو براعة مشهورة في إصطيادهن و لكنه لا يحترمهن أبدا متذكرا دائما أمه اللعوب و الجذابه إلي حد كبير التي تخلت عن زوجها و أبنائها من أجل أغراض وضيعة
افاق من شروده حينما سمع طرق عنيف علي باب غرفته ، قفز من موضعه بغضب و خطي بعصبية نحو الباب حتي وصل إليه و جذب مقبض الباب بقوة ليزداد غضبا عندما وقف وجها لوجه أمام"خالد"إبن عمه ..
-ايه يا عز انت كنت نايم و لا ايه ؟ هو ده ينفع بردو انت مش عارف ان ورانا طيارة بعد ساعتين؟؟
قال ذلك و هو يتمطي بتعب و كأنه كان واقفا هناك منذ مدة طويلة بينما رمقه"عز الدين"بغيظ ثم قال بحنق:
-عارف لو كان حد غيرك خبط عليا بالطريقة دي كنت عملت فيه ايه ؟ .. فزعتني يا بني ادم.
ثم إستدار و عاد إلي الغرفة تتآكله عصبيته ، ببنما أغلق"خالد"الباب و تبعه إلي الداخل قائلا:
-مالك يا عز الدين ؟.. عصبي كده ليه في حاجة حصلت ؟؟
ألقي"عز الدين"بنفسه فوق الأريكة بتعب ثم تنهد بثقل و هو ينظر إليه قائلا:
-تعبان .. تعبان يا خالد و اخواتي تعبني اكتر مش عارف اعمل معاهم ايه ؟؟
جلس"خالد"بجانبه ثم سأله بلطف:
-مالهم بس ؟ مضايقينك في ايه ؟؟
-البيه .. الباشا .. المحروس.
-مين ده ؟ عمر ؟؟
-هو في غيره !
-ماله طيب ؟؟
-الدكتور بتاعه اللي في الجامعة اتصل بيا من شوية و بلغني بخبر رفده من الكلية.
-يا نهار اسود .. اترفد ! ليه عمل ايه ؟؟
-اتعرض لبنت في الجامعة و ضرب شلة صايعة كمان و لما جه الأمن يتدخل مسك فيهم هما كمان و نزل في واحد منهم ضرب لحد ما كان هيخلص في إيده .. عملي فتوة حضرته.
قال جملته الأخير بإنفعال غاضب فهدئه"خالد"قائلا:
-طيب بس بس اهدا .. اهدا كلها كام ساعة و هنرجع مصر .. المهم انت كلمته يعني ؟؟
-اه كلمته من شوية بس ماقولتلوش اني عرفت حاجة.
صمت لثوان ثم تابع بتوعد:
-و رحمة ابويا لهفرجه .. مش هسيبه و لو فضل علي كده و ديني لكون طرده من البيت و مالوش عندي حاجة و يبقي يوريني شطارته.
-خلاص بقي يا عز قلتلك اهدا و هنتصرف معاه
ثم تابع متسائلا:
-هو ده بقي كل اللي مضايقك ؟ حوار عمر ؟؟
إبتسم بسخرية ثم قال:
-و هو مافيش غيره بيغلط ؟ .. و الهانم الصغيرة.
-عبير ! .. عملت ايه هي كمان ؟؟
حدق"عز الدين"به في غضب ثم قال:
-ما هو حضرتك لو راجل ..
قاطعه"خالد"مسرعا:
-ال ال ال طب ليه الغلط ده بس ؟؟
-بس اسكت خالص شكلي كنت غلطان لما وافقت علي خطوبتكوا.
-ليه بس انا عملت ايه طيب ؟؟
تنهد"عز الدين"بضيق ثم قال:
-شوف يا خالد .. انا لما وافقت اجوزك اختي مافكرتش الا في حاجة واحدة بس.
فسأله"خالد"بإصغاء:
-ايه هي دي ؟؟
-اولا انت ابن عمها يعني هتحافظ عليها و عمرك ما هتفرط فيها.
-و ثانيا ؟؟
-ثانيا بقي عشان انا خلاص تعبت من و هي طفلة لحد انهاردة شايل همها و كل يوم بيزيد قلقي عليها الشغل باعدني عنها و مش عارف اتابعها كويس لا عارف هي بتقضي نهارها ازاي و لا حتي ليلها ازاي و سبع البرومبة اللي معاها في البيت بني ادم عديم المسؤولية و مابعتمدش عليه في حاجة .. كنت فاكرك انت بقي اللي ممكن تشيل عني حملها شوية بس واضح اني كنت غلطان.
-يا عز بتقول كده ليه بس ؟ ربنا يعلم انا بحبها و بخاف عليها اد ايه و انت شخصيا عارف انا بحب عبير ازاي .. بس اختك راسها ناشفة و عنيدة و انا لو شديت عليها هتزعل مني و انا مابحبش ازعلها فبسيبها براحتها و اهو كلها سنة تخلص كليتها و هنتجوز و هتكون من وقتها يا سيدي مسؤوليتي انا لوحدي.
-انت حمار يا خالد ! .. ايه اللي انت بتقوله ده ؟ .. ايه راسها ناشفة و مابحبش ازعلها و بسيبها براحتها دي ؟ انت مش راجل يابني و لا ايه ؟!
-لأ راجل طبعا.
-مش باين .. شوق مش انا اخوها ؟.. انا بقي بقولك شد عليها براحتك انشالله تعقدها في عيشتها احسن ما تبوظ مننا و هي مدلعة و انت عارف و والله دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية و انا بقولك نا بعمل اللي عليا و بحافظلها علي فلوسها هي و الافندي التاني فمش هتكون غلطتي نهائي لو حصلها حاجة هتبقي انت و هي المسؤولين قدامي.
إندفع الكلام من فم"خالد"بعصبية فقال:
-ليه يعني كل ده يا عز ؟ .. اختك متربية علي فكرة و كل اللي انت بتفكر فيه ده مالوش وجود الا في دماغك و بس .. و كل ده بسبب عقدتك القديمة بس لازم تفهم يا عز الدين عبير مش طنط كاميليا سامع ؟؟
كان وجه "عز الدين"متجهم هادئ بينما كان يتأجج غضبا في صمت بداخله فيما إنتبه"خالد"إلي ما قاله فكبت إنفعاله و قد صدمته أقواله فأسرع يعتذر منه حيث قال بلطف مرتبك:
-أاا .. أنا .. أنا اسف يا عز .. ماكنش قصدي اقول اي حاجة من دي بس ..
قاطعه"عز الدين"في حزم بحركة من يده ثم قال:
-بتعتذر علي ايه ؟.. ماتعتذرش خالص انت ماقولتش حاجة غلط .. كلامك كله صخ و الناس كلها لسا فاكرة فضيحتنا.
ثم صمت قليلا و تابع بعنف شرس:
-اد ايه بلوم بابا انه طلقها و بس .. لو ماكنتش صغير وقتها كنت اتصرفت انا و عملت اللي كان لازم يتعمل.
لانت نبرة"خالد"كثيرا و هو يحدثه:
-انا مقدر صدمتك يا عز .. و عارف انها لسا معلمة جواك و هتفضل معلمة .. لكن ده مش مبرر يخليك شكاك اوي كده.
ساد الصمت قليلا فقطعه"خالد":
-طيب .. انا نازل اعمل check out و هستتاك تحت في اللوبي متتأخرش بقي.
أومأ"عز الدين"رأسه في هدوء و هو يحدق أمامه في اللاشيء بينما غادر"خالد"الغرفة تاركا أياه وحده مع ظنونه و أفكاره .. !
***************************************************************************************************
وقفت أمام مرآتها .. ألقت نظرة أخيرة علي نفسها فتنهدت بسعادة راضية عن مظهرها المثير و ملابسها الفادحة التي و لابد و أن تدير رؤوس معظم الرجال لها ثم خرجت من غرفتها ..
إجتازت مسافة قصيرة بالرواق العلوي و قبل أن تهبط الدرج سمعت صوت غريب آت من داخل حجرة شقيقها ، توقفت للحظة ثم إستدارت و ذهبت لتتفقد الأمر بنفسها و من دون إستأذان فتحت باب الحجرة و طلت برأسها لللامام ثم جالت بنظرها بإرجاء المكان حتي شاهدت أخيها مستلقي علي فراشه غارقا في النوم ، وجهه شاحب اللون به كدمات بسيطة ، شهقت من الصدمة و توجهت مسرعة نحو النوافذ لتزيح الستائر جانبا ليغمر ضؤ الشمس الغرفة و ينيرها بينما أزعجه الضؤ الخافت الذي سرت آشعته إلي الغرفة فتململ في فراشه بضيق قبل أن يفتح عينيه و عندما رآها أمامه حملق فيها بغضب ثم صاح بعصبية:
-انتي ! .. بت انتي انا مش قلتلك مليون مرة تخبطي قبل ما تدخلي عليا اوضتي ثم دخلتي ليه اصلا و كمان بتضايقيني اكتر و بتفتحي الستاير ؟! و ربنا لولا اني تعبان كنت قمت كسرتك.
إعتادت شقيقته علي تلك الوقاحة التي دائما ما تبدر منه فتجاهلت إهانته قائلة:
-اولا انا مادخلتش الا لما سمعتك بتقول آه او حاجة زي كده دخلت اطمن عليك مش اكتر بس شكلي كنت غلطانة اصلا .. ثانيا بقي انا لو كنت خبطت علي حضرتك عمرك ما كنت هتقوم و لا حتي كنت هترد كالعادة بس بما انك رديت عليا باسلوبك المعتاد ده خلاص انا اطمنت كده انك قرد مافكش حاجة .. بس ايه اللي في وشك ده يا عموري ؟ مين اللي روقك كده ؟؟
إرتفع"عمر"بجذعه ساندا ظهره إلي حائط فراشه و إرتكز علي مرفقه فسقطت الأغطية حتي وسطه حيث بدا صدره العاري فيما قال لها بإستنكار متهكم:
-مين ده يا بت اللي يعرف يروقني ؟! .. دي اصابات خفيفة زي ما انتي شايفة مجرد خرابيش عايزة تشوفي اللي اتروقوا بجد كنتي تيجي الحامعة انهاردة الصبح.
-و ايه اللي حصل في الجامعة انهاردة الصبح ؟؟
-ابدا و لا حاجة .. اتخانقت مع شلة عيال كده و واحد من الامن حب يتدخل فأخد نصيبه هو كمان.
جلجلت بإذنه ضحكة شقيقته المرحة الصاخبة بينما سألته:
-و بعدين يعني ؟ .. بعد كل ده ايه اللي حصل ؟؟
-مافيش .. روحنا علي مكتب العميد فكتبلي جواب فصل قمت مقطعه قدامه و مشيت ماعرفش بقي عمل إيه مع الباقي.
شهقت"عبير"بصدمة قائلة:
-يا نهار اسود .. اترفدت يا عمر ! .. دي هتبقي ليلة سودة لو اخوك عرف.
-مايعرف يعني هيعملي ايه انتي فاكراني عيل صغير هيحرمني من المصروف و لا هيعلقني من رجلي في السقف.
-يابني الصياعة دي مش هتنفعك قدامه ابقي استلقي وعدك بقي .. شفت اخرت تصرفاتك الطايشة ؟؟
تأفف قائلا:
-بقولك ايه يا بت .. غوري من قدامي دلوقتي مش عايز اسمع حرف زيادة يلا امشي.
أومأت رأسها قائلة:
-ماشي ياخويا ماشية .. استمتع بقي بوقتك او باللي فاضل من وقتك قبل ما يرجع عز الدين.
ثم إلتفتت و قبل أن تذهب إستوقفها قائلا:
-استني هنا يا بت .. رايحة فين كده بالهدوم دي ؟؟
إستدارت مرة أخري لتكون في مواجهته ثم قالت:
-رايحة party في بيت لينا صحبتي ايه ؟؟
برقت عيناه بإبتسامة خبيثة ثم قال:
-لينا ! .. البت الشقرا ام شعر كيرلي دي ؟؟
-ايوه ياخويا هي.
-طيب ما تاخديني معاكي .. من زمان و انا نفسي اتعرف.
ضحكت بقوة قائلة:
-ياخويا اقعد علي جنب .. هتيجي معايا ازاي و هتتعرف ازاي و انت مشلفط كده هههههه ؟؟
في ثانية إختفت إبتسامته بينما إستمرت تضحك فأمسك بوسادته و قذفها بها فصرخت راكضة إلي الخارج ... !
*********************************************************************************************************
أسدل الليل ستاره حين إنقضت الطائرة ذات اللون الفضي في مدرج مطار القاهرة الدولي .. وصل"عز الدين"أخيرا إلي الأراضي المصرية ..
بعد أن أنهي كافة الأجراءات بالمطار غادر برفقة"خالد" .. إستقلا السيارة معا قام بتوصيل "خالد"أولا ثم توجه إلي منزله .. علي بوابتا ذلك القصر الفاخر توقف"عز الدين"بسيارته الفارهة حتي إنفتحت له الأبواب فإنخرف بالسيارة إلي اليسار و سار مسافة قصيرة حتي توقف تماما ، دخل"عز الدين" منزله إجتاز بهو طويل أرضه رخامية بيضاء مضاء بمصابيح و ثريات برونزية مصقولة بإناقة بين الركائز و الأعمدة الفخمة التي تتوسطها مرايا كبيرة محفورة بداخل الحائط موضوعة علي الأثاث العاجي الضخم ، و في وسط القاعة الكبيرة التي تكفي للإستضافة حشد عظيم وقف و هتف بإسم أحد الخدم .. لم تمر لحظات حتي أتت بنت متوسطة في العمر ترتدي يذلة العمل البيضاء .. إنحنت أمام"عز الدين"لتحييه ثم قالت:
-حمدلله علي السلامة يا بيه.
إبتسم"عز الدين" إبتسامة لم تصل إلي عينيه ثم قال:
-الله يسلمك يا فاطمة .. عاملة ايه ؟؟
-الحمدلله يا بيه بخير.
-طيب كويس .. اومال فين عمر و عبير ؟؟
-عمر بيه رجع من الضهر و لسا في اوضته و باين نايم .. و الست عبير خرجت من بدري و لسا مارجعتش.
ثم صمتت قليلا و سألته:
-تخب احضرلك العشا ؟؟
-لالا يا فاطمة .. روحي انتي نامي انا اكلت في الطيارة.
أومأن الفتاة برأسها ثم إنسحبت بهدوء .. بينما شعر"عز الدين"بألم في رأسه كان يود أن ينتظر أخته و لكن غلبه الألم كثيرا فصعد إلي غرفته ليستريح ... !
****************************************************************************************************
أستيقظت"داليا"في الصباح التالي متأخرة .. قامت منتفضة من فراشها تركض إلي حجرة الجلوس لتنظر في الساعة المعلقة هناك .. لقد تأخرت في النوم كثيرا أسرعت إلي غرفتها و بدلت ملابسها بسرعة غادرت المنزل علي عجل و سارعت بإستيقاف سيارة أجرة ، أخبرت السائق بالمكان الذي تقصده .. دقائق و كانت أمام مقر الشركة ، أعجبها المكان كثيرا لرقيه و تأثيثه الأكثر رقيا ، عندما دخلت إلي الشركة كانت السماعات المنتشرة في جوانب السقف تبث موسيقي هادئة متناغمة متوافقة مع الديكور الداخلي .. ساعدتها تلك الأجواء في إستعادت حيويتها ..
كانت هناك فتاة ذات مظهر أنيق خلف مكتب الإستقبال ، حدثتها بصوت خافت و أعطتها إستمارة لتملأها ..
لم تكن"داليا"متأخرة كثيرا .. يوجد ثلاث أو أربع فتيات في إنتظار المقابلة الشخصية ، أخذت"داليا"الإستمارة و جلست علي أحد المقاعد الوثيرة الموزعة في قاعة الإستقبال ، أسندتها إلي منضدة صغيرة بجوارها و بحثت في حقيبة يدها عن قلم و عيناها علي الأخربات .. واحدة فقط لفتت نظرها بملابسها الأنيقة الأخريات لم تري فيهن منافسا محتملا ، كن إما صغيرات جدا أو كبيرات جدا ..
نظرت إلي الإستمارة فوجدتها مليئة بعشرات الأسئلة عن مؤهلاتها و خبراتها و عن بياناتها الشخصية و كذلك عن أحلامها و أفكارها و طموحاتها و نظرتها للمستقبل و مدي رغبتها في الإستقلال و إنشاء عمل يخصها .. لم نكن قد رأت شيئا كهذا من قبل .. لم تملأ أساسا إستمارة سيرة ذاتية كهذه في أي عمل تقدمت له من قبل ، و في ذروة تركيزها سمعت صوتا يقول:
-......... !!
يتبع .
الشخصيات:
بطلا الرواية هما (عز الدين نصار / داليا عبد المجيد ).
"عمر نصار / عبير نصار" أشقاء "عز الدين".
"خالد نصار" من أبناء عمومتهم.
"كاميليا فهمي" والدة عز الدين عمر و عبير.
"ياسمين عبد المجيد"شقيقة "داليا" و باقي الشخصيات مع توالي الأحداث ...
الحلقة "1" :
كان الحمام معبأ بالبخار المائي عندما خطت "داليا" بقدمها في الوسط تجاه المرآة التي أخذت مكانا صغيرا لا بأس به بقاعة الحمام البسيط ..
وقفت "داليا" أمام المرآة تنظر إلي نفسها و تتأمل تفاصيلها ، فكرت لم تعط مظهرها الخارجي أي إهتمام من قبل قط !
و لكنها فاجأت نفسها اليوم و في تلك اللحظة بالأخص و راحت تدرس بدقة تقاطيع وجهها و جسدها البض المائل إلي الأحمرار و الذي تناثرت عليه قطرات الماء أثر إستحمامها ..
مدت يدها إلي وجه المرآة و نزحت ذلك التشويب البخاري الذي كان يحجب عنها رؤية نفسها بوضوح ، ثم حدقت بوجهها جيدا ، كان لون بشرتها عسليا و لون عينيها الواسعتين يتموج وفقا لمزاجها فمن الأخضر يوما إلي لون ضبابي كلون الدخان يوما أخر ، تملك عيناها قوة ساحرة تجهل"داليا" وجودها حتي الأن ، و كان شعرها كستنائيا طويلا حريريا و كثيفا عقصته"داليا"في تلك اللحظة إلي الوراء بعيدا عن جانبي وجهها كي تتمعن ملامحها أكثر ..
وجدت أن مظهرها برئ يدل علي الضعف فتسرب القلق إلي قلبها ، عليها أن تقوم بإنقاذ الموقف فإن لم تتصرف سريعا ستخسر كل شيء لأن تلك الوظيفة التي سوف تتقدم لها غدا تعني لها و لعائلتها الصغيرة كل شيء و لو خسرتها ستتحطم آمالهم ..
تناولت"داليا"منشفتها الكبيرة و لفت بها جسدها ثم هرعت سريعا إلي غرفتها .. وقفت "داليا"أمام خزانتها تتأمل محتوياتها و ملابسها في عدم رضا ، شعرت بإنها تحتاج لشراء ملابس اذا تم قبولها في تلك الوظيفة .. ذكرت نفسها أن مدخراتها القليلة التي وضعتها جانبا لمصروفات المنزل و علاج والدتها التي أصابها الشلل الرباعي و أيضا مصروفات شقيقتها التي إلتحقت منذ عامين إلي كلية الطب ..
وجدت أنه لا يجب أن تهدر تلك المدخرات البسيطة علي شراء الملابس .. لذا أقفلت خزانتها بيأس و إستسلام ثم جلست علي فراشها متخاذلة
سمعت في تلك اللحظة طرقات علي باب غرفتها فأذنت بالدخول قائلة:
-ادخلي يا ياسمين.
دلفت الشقيقة الشابة بمرح إلي غرفة"داليا"وقد علت وجهها إبتسامة خفيفة فيما تطلعت إليها"داليا"بتساؤل قائلة حينما شاهدت دفاتر الدراسة بكلتا يديها:
-إيه ده ! .. انتي لسا جاية دلوقتي ؟ اتأخرتي كده ليه أنا كنت بحسبك وصلتي من بدري.
-أه أه يا أختي لو تعرفي إللي حصلي انهاردة يا دودو.
قالت"ياسمين"ذلك و هي تنزع معطفها الأحمر الصغير المصنوع من الجلد و تلقيه تعبة علي فراش أختها بينما سألتها"داليا"بقلق:
-إيه حصلك إيه ؟ اتكلمي قوليلي في إيه حد عملك حاجة ؟؟
قهقهت"ياسمين"بمرح و هي تلهو بسلسلة مفاتيحها قائلة:
-ماتقلقيش كده يا دودو اطمني محدش عملي حاجة و محدش يقدر يعملي حاجة اساسا.
-اومال إيه اللي حصل طيب و اتأخرتي ليه ؟؟
قالت"داليا"بنفاذ صبر بينما فسرت"ياسمين":
-ما أنا هقولك بس اهدي انتي الاول.
-طيب هديت .. اتكلمي بقي !
تنهدت"ياسمين"ثم عادت تقص عليها الأتي:
بعد إنتهاء محاضراتها الجامعية ذهبت برفقة صديقاتها إلي وسط ساحة الحرم الجامعي ، و ما أن خطت برقة أمام تلك السيارة الفارهة التي إستند إليها شاب ذو وجه شرقي جذاب و عينان بنيتان حجبتهما تلك النظارة الشمسية الأنيقة حتي جذبت إنتباهه ليس لجمالها ، فهي ليست صاخبة أجمل إطلالة بالجامعة و لكن كان تجاهلها سبب إهتمامه بها ، فنظرة"ياسمين"إليه كانت تختلف عن بقية الفتيات اللواتي ما أن يتجمعن حوله حتي يتملقونه و يمتدحونه من جميع الجهات و كأنه نجم مشهور ..
-حاسس ان القمر نزل من السما في عز الضهر و عدا من جانبي دلوقتي.
لم ترد"ياسمين"علي إطرأه و لا علي إبتسامته الجذابة الدافئة بالمثل بل وجهت إليه نظرة عادية لا بل باردة ..
لأنه يعرف من ملابسها و هيئتها أنها فتاة بسيطة من الطبقة الوسطي و ربما أعتقد إنه قادر علي إستمالتها بسهولة ، كان يتأملها بتفحص بالغ مع إنها كانت تمثل البساطة بعينيها فيما لو قيست بالفتيات الأخريات ..
عند أخر نظرة وجهتها إليه أبتسم لها رافعا حاجبه بطريقة توحي بإنه لم يلق طوال حياته مقاومة من أي فتاة و لذلك أسرع إلي القول بوقاحة هذة المرة و هو ينظر أسفل قدمها:
-ما هو انا معذور بردو يا قمر انتي .. مستحيل اشوف الجمال ده كله و اسكت.
تجاهلته للمرة الثانية فعاد يقول:
-يا عيني يا عيني .. علي الخلخال إللي بيرن بين رجلك ياريتني كنت مكانه.
عندها فقط إلتفتت إليه و قالت بحدة و قد إرتفع صوتها بقدر جذب إنتباه الحاضريين و البعديين:
-طب خد بالك بقي يا حلو و فتح .. في نفس الرجل دي تحت الخلخال في جذمة تقوم بالواجب معاك.
إتسعت حدقتاه بذهول فقال:
-انتي ! .. الكلام ده ليا ؟!
-و مين غيرك هنا سافل و مش متربي ؟؟
-عمر !
قالتها فتاة جاءت لتوها ما أن لاحظت ذلك النزاع ثم تابعت:
-تاني ؟ انت مش هتبطل تصرفاتك دي اللي بتجبلك الاهانات كل شوية ايه مش هتتغير ابدا ؟!
رمقتها"ياسمين"بإزدراء .. كانت أنيقة في كل شيء و لكن ملابسها ... !
بينما هتف الشاب بإنفعال حازم:
-يارا ! .. اسكتي انتي خالص.
-لأ.
صرخت الفتاة ثم تابعت:
-لأ مش هسكت المشهد ده تقريبا بيتكرر كل يوم و انت مابتحسش و لا بيهمك مشاعري.
ثم توجهت بالحديث إلي"ياسمين"فقالت ببحدةو انتي يا حلوة ياللي فرحانة بصوتك العالي .. خلاص خلصنا كفاية دراما.
ثم أكملت بنظرة إعتلاء ساخرة:
-هو اكيد مش مركز في حاجة انهاردة عشان يبصلك و يغازلك انتي .. ده غير انه دايما بيلازمني انا و بيرمي الباقيين اللي زيك .. خليكي متاكدة انه ماكنش يقصد و خليكي متاكدة بردو اني مش ممكن اسمحله يقصد .. انا مابحبش حد ياخد مني حاجة.
و قبل أن ترد"ياسمين"لتلك الشعثاء الصاع صاعين قبض الشاب علي معصمها و قال بصوت أجش:
-حاجة ايه يا بت هو انا كيس شيبسي ؟ .. و بعدين قلتلك اخرسي انتي.
و قبل أن يتوجه بحرف أخر لـ "ياسمين" تجمع رجال الأمن و بعض الشباب من حوله ..
حدث شد و جذب بينه و ببنهم حتي تطور الأمر بهم فتحولت ساحة الحرم الجامعي إلي ميدان من العراك ... !
-يا نهار اسود ! .. و الولد ده حصله ايه ؟!
هتفت"داليا"بذعر متسائلة بينما جلجلت ضحكة شقيقتها بمرح فقالت:
-بيقولوا كان مبتسم و هما بيغسلوه ههههههه و انا مالي يا ستي بيهم انا سيبتهم يعجنوا في بعض بس بما انه كان لوحده ممكن اقولك انهم سكعوه علقة محترمة يستاهل بني ادم حيوان ههههه.
-بتهزري حضرتك ؟! .. بتهزري و انتي اساسا اللي غلطانة .. لابسة خلخال يا ياسمين ؟!
-و ماله يا داليا عادي دي موضة.
-موضة ! .. اولا احنا ناس علي اد حالنا عمرنا ما مشينا علي الموضة اللي بتتكلمي عليها دي لان ظروفنا ماتسمحش ثانيا حتي لو كانت ظروفنا تسمح فأخلاقنا عمرها ما كانت هتسمح .. اوكيه تمام انتي جربتي و شفتي النتيجة حصلت خناقة انهاردة في الجامعة بسببك .. لو كنتي محترمة ماكنش حصل اللي حصل ده يا ياسمين.
هتفت"داليا"أخر كلماتها بإنفعال حانق فإمتصت"ياسمين"حنقها عندما قالت بلطف:
-طيب يا داليا .. انا اسفة يا ستي و الله انتي عندك حق و انا غلطانة بس احيانا الانسان بيتغلب عليه فضوله و يجرب حاجات مش معتادة.
-و جربتي ؟ .. ادي نتيجة تجربتك.
-يووه .. خلاص بقي يا دودو قلت اسفة.
أجبرتها شقيقتها علي الإبتسام عندما نظرت إليها بإستكانة و ضعف مصطنع فقالت:
-طيب .. خلاص .. يلا روحي غيري هدومك و شوفي ماما و اديها الدوا علي ما احضر الغدا.
-ماشي يا عسل انت .. بس اه قوليلي صحيح .. عملتي ايه في موضوع الوظيفة اياها ؟؟
-اهو .. عندي بكرة انترفيو ادعيلي بقي.
-ان شاء الله ربنا هيوفقك يا دودو.
ثم ربتت علي كتفها و غادرت الغرفة .. فتنهدت"داليا"بضيق و ألقت بنفسها علي الفراش ، شعرت برغبة قوية في البكاء ، منذ وفاة والدها و هي تكد و تتعب من أجل إعالة أسرتها الصغيرة .. و قد أثقل الحمل كاهلها و أتعبها ..
ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة لتتخلص من دموعها لكن الدموع جرت علي خديها سريعة غزيرة و حارة ... !
*****************************************************************************
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف"عز الدين"إلي الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل إفتتاح إحدي فروع مجموعة شركاته ..
أسرع"عز الدين"إلي غرفته ثم دلف إلي الحمام مباشرة بعدما خلع سترته و فك ربطة عنقه و الأزرار الثلاث العليا من قميصه بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات ، ثم فتح صنبور المياه أخذا بكفه بعض القطرات الساخنة و مسح بها علي وجهه و شعره .. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفهه يتعالي بنغمته الصاخبة ، تجاهله للحظات إلي أن ينتهي حتي إنقطع تماما فعاد إلي الغرفة لامع البشرة و لا يزال شعره مبللا ..
وضع المنشفة علي ظهر الكرسي ثم شرع بلبس ساعة يده ثم إتجه نحو هاتفهه ليجد شقيقه يعاود الإتصال مرة أخري فأجاب بصوت حازم قوي:
-اهلا يا باشا .. اخيرا حنيت علينا !
ثم سأله بصوت أجش:
-كنت فين يا عمر ؟؟
فأجاب شقيقه ببرود و ضجر:
-ايه يا عز مالك ؟.. ما تهدي عليا كده في ايه ؟؟
-و الله ! .. مش عارف في ايه يا استاذ ؟.. بكلمك بقالي يومين و حضرتك يا إما قافل موبايلك أو مابتردش .. و الهانم اختك فين هي كمان ؟ بقي دي تعليماتي اللي قلت عليها تتنفذ في غيابي ؟ يعني لما احب اطمن علي سيادتكوا اتصرف ازاي مثلا ؟ .. ما ترد ياخويا ساكت ليه ؟؟
-يوووه يا عز و انا مالي انا يا اخي متعصب عليا انا ليه ؟ ماتكلمها هي و تطمن عليها ماتركزش معايا انا بقي مابقتش طفل يعني.
-تصدق انك بني ادم عديم الفايدة و المسؤولية .. و رحمة ابوك لما ارجعلك .. هظبتك يا عمر.
-ايه هظبتك دي شايفني اريال و بعد ...
و قبل أن ينبس بحرف أخر أغلق الخط بوجهه و هو يسب و يلعن و يتوعد له فيما كان يبحث عن رقم شقيقته بقائمة الإتصالات حتي وجده ..
فأجري الإتصال بها .. ليأتي صوتها بعد لحظات:
-الووو.
قالتها بغنج و قد بدا علي صوتها أثار النعاس فأعادها صوت أخيها الغاضب إلي رشدها:
-مساء الخير يا هانم .. و لا نقول صباح الخير بما ان حضرتك لسا نايمة لحد دلوقتي ؟؟
أجابته متعلثمة:
-أاا .. ع عع عز عز الدين .. صصباح الخير يا حبيبي ازيك؟؟
-صباح الخير ! .. احنا بقينا العصر يا حبيبتي .. و الله دي بقت حاجة كويسة خالص يا ست عبير .. اغيب عن البيت كام يوم فتاخدي راحتك اوي كده انتي و البيه التاني .. ماشي.
لفظ أخر كلماته بتوعد فبدا التوتر علي صوت شقيقته:
-يا عز اهدي بس مافيش حاجة حصلت تستاهل كل ده.
-لما ارجع اكيد هاشوفلي حل معاكوا .. سلام يا هانم و ماتنسيش تكملي نومك.
قال كلماته الأخيرة ساخرا و هو يغلق الخط بوجهها ثم إستلقي علي الفراش بثقله واضعا يديه خلف رأسه ثم أغمض عيناه بكسل و إرهاق ليقفظ الماضي كله أمام عينيه ، ليمر كل ما حدث بحياته في ومضات سريعة بمخيلته .. هجر أمه ، وفاة أبيه ، نضوجه المبكر ، و كل شيء .. منذ ستة عشر عام عندما رحلت عنهم والدته النجمة السينيمائية "كاميليا فهمي"و تركت المنزل الزوجي بعدما تعرفت إلي رجلا ذا قيمة في عالم السينيما صانع أفلام .. فأسلمته نفسها من أجل تحقيق الشهرة و لم تكتفي بل و ذهبت معه ضاربة بمصير أبنائها الثلاث عرض الحائط
فكان جزائها هو الطلاق من زوجها والد أبنائها"فريد نصار" .. كان "عز الدين"في السادسة عشر عندما إنفصلا والديه و كان له شقيق يصغره بخمس سنوات و شقيقة أخري كانت طفلة وقتما ذهبت أمهم من حياتهم بلا رجعة فيما كانت تسعي إلي الشهرة و إثارة دهشة الرجال متكئة بذلك علي جمالها الأخاذ و الذي هو كل ما تملكه ميراثها الوحيد ..
و لم يمر وقت طويل أيضا حتي توفي"فريد نصار" .. فكان نصيب"عز الدين"بإعتباره الوريث الأكبر أن يظل إلي جانب أشقائه يرعاهم و يستكمل مسيرة والده في العمل مما جعله ينضجسرع مما يجب .. و حتي الأن لم يغفر لأمه فعلتها رغم توسلاتها و مراسلاتها المتواصلة بالسماح لها برؤيته و أشقائه ، لم يغفر لها أبدا بل يمقتها و يرفضها ، يكن لها كره عظيم و كأنه لم يولد من رحمها .. بسببها أصبح يمقت إلي جانبها كل أصناف النساء ، إن كل ذرة من كيانه ترفض العطف علي أي أنثي
أصبح مستبد قاس للغاية .. من جهته يعتقد أن النساء يستخدمن جمالهن لإدارة الرجال حسب أهوائهن كما فعلت أمه ، فإمرأة جميلة مثلها قادرة علي تحويل رجل جبار إلي صبي بلا إرادة .. لذا إنعدمت ثقته في النساء و لكن حياته لم تكن خالية من وجودهن فيها طوال هذه السنوات فهو بلغ منذ أشهر إثنان و ثلاثون عاما .. و لكنه مفرط الذكاء ، بالطبع أنه يتمتع بصحبتهن كثيرا في بعض الأحيان إلا أنه لا يستسلم لأية إمرأة بل إنه يبتسم لهن بإزدراء بعينيه الذهبتين البراقتين ما أن ينتهي منهن ثم يدير ظهره و يرحل ..
هو لا يحب النساء .. بل يمتع نفسه بهن عندما يحلو له ، فهو ذو براعة مشهورة في إصطيادهن و لكنه لا يحترمهن أبدا متذكرا دائما أمه اللعوب و الجذابه إلي حد كبير التي تخلت عن زوجها و أبنائها من أجل أغراض وضيعة
افاق من شروده حينما سمع طرق عنيف علي باب غرفته ، قفز من موضعه بغضب و خطي بعصبية نحو الباب حتي وصل إليه و جذب مقبض الباب بقوة ليزداد غضبا عندما وقف وجها لوجه أمام"خالد"إبن عمه ..
-ايه يا عز انت كنت نايم و لا ايه ؟ هو ده ينفع بردو انت مش عارف ان ورانا طيارة بعد ساعتين؟؟
قال ذلك و هو يتمطي بتعب و كأنه كان واقفا هناك منذ مدة طويلة بينما رمقه"عز الدين"بغيظ ثم قال بحنق:
-عارف لو كان حد غيرك خبط عليا بالطريقة دي كنت عملت فيه ايه ؟ .. فزعتني يا بني ادم.
ثم إستدار و عاد إلي الغرفة تتآكله عصبيته ، ببنما أغلق"خالد"الباب و تبعه إلي الداخل قائلا:
-مالك يا عز الدين ؟.. عصبي كده ليه في حاجة حصلت ؟؟
ألقي"عز الدين"بنفسه فوق الأريكة بتعب ثم تنهد بثقل و هو ينظر إليه قائلا:
-تعبان .. تعبان يا خالد و اخواتي تعبني اكتر مش عارف اعمل معاهم ايه ؟؟
جلس"خالد"بجانبه ثم سأله بلطف:
-مالهم بس ؟ مضايقينك في ايه ؟؟
-البيه .. الباشا .. المحروس.
-مين ده ؟ عمر ؟؟
-هو في غيره !
-ماله طيب ؟؟
-الدكتور بتاعه اللي في الجامعة اتصل بيا من شوية و بلغني بخبر رفده من الكلية.
-يا نهار اسود .. اترفد ! ليه عمل ايه ؟؟
-اتعرض لبنت في الجامعة و ضرب شلة صايعة كمان و لما جه الأمن يتدخل مسك فيهم هما كمان و نزل في واحد منهم ضرب لحد ما كان هيخلص في إيده .. عملي فتوة حضرته.
قال جملته الأخير بإنفعال غاضب فهدئه"خالد"قائلا:
-طيب بس بس اهدا .. اهدا كلها كام ساعة و هنرجع مصر .. المهم انت كلمته يعني ؟؟
-اه كلمته من شوية بس ماقولتلوش اني عرفت حاجة.
صمت لثوان ثم تابع بتوعد:
-و رحمة ابويا لهفرجه .. مش هسيبه و لو فضل علي كده و ديني لكون طرده من البيت و مالوش عندي حاجة و يبقي يوريني شطارته.
-خلاص بقي يا عز قلتلك اهدا و هنتصرف معاه
ثم تابع متسائلا:
-هو ده بقي كل اللي مضايقك ؟ حوار عمر ؟؟
إبتسم بسخرية ثم قال:
-و هو مافيش غيره بيغلط ؟ .. و الهانم الصغيرة.
-عبير ! .. عملت ايه هي كمان ؟؟
حدق"عز الدين"به في غضب ثم قال:
-ما هو حضرتك لو راجل ..
قاطعه"خالد"مسرعا:
-ال ال ال طب ليه الغلط ده بس ؟؟
-بس اسكت خالص شكلي كنت غلطان لما وافقت علي خطوبتكوا.
-ليه بس انا عملت ايه طيب ؟؟
تنهد"عز الدين"بضيق ثم قال:
-شوف يا خالد .. انا لما وافقت اجوزك اختي مافكرتش الا في حاجة واحدة بس.
فسأله"خالد"بإصغاء:
-ايه هي دي ؟؟
-اولا انت ابن عمها يعني هتحافظ عليها و عمرك ما هتفرط فيها.
-و ثانيا ؟؟
-ثانيا بقي عشان انا خلاص تعبت من و هي طفلة لحد انهاردة شايل همها و كل يوم بيزيد قلقي عليها الشغل باعدني عنها و مش عارف اتابعها كويس لا عارف هي بتقضي نهارها ازاي و لا حتي ليلها ازاي و سبع البرومبة اللي معاها في البيت بني ادم عديم المسؤولية و مابعتمدش عليه في حاجة .. كنت فاكرك انت بقي اللي ممكن تشيل عني حملها شوية بس واضح اني كنت غلطان.
-يا عز بتقول كده ليه بس ؟ ربنا يعلم انا بحبها و بخاف عليها اد ايه و انت شخصيا عارف انا بحب عبير ازاي .. بس اختك راسها ناشفة و عنيدة و انا لو شديت عليها هتزعل مني و انا مابحبش ازعلها فبسيبها براحتها و اهو كلها سنة تخلص كليتها و هنتجوز و هتكون من وقتها يا سيدي مسؤوليتي انا لوحدي.
-انت حمار يا خالد ! .. ايه اللي انت بتقوله ده ؟ .. ايه راسها ناشفة و مابحبش ازعلها و بسيبها براحتها دي ؟ انت مش راجل يابني و لا ايه ؟!
-لأ راجل طبعا.
-مش باين .. شوق مش انا اخوها ؟.. انا بقي بقولك شد عليها براحتك انشالله تعقدها في عيشتها احسن ما تبوظ مننا و هي مدلعة و انت عارف و والله دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية و انا بقولك نا بعمل اللي عليا و بحافظلها علي فلوسها هي و الافندي التاني فمش هتكون غلطتي نهائي لو حصلها حاجة هتبقي انت و هي المسؤولين قدامي.
إندفع الكلام من فم"خالد"بعصبية فقال:
-ليه يعني كل ده يا عز ؟ .. اختك متربية علي فكرة و كل اللي انت بتفكر فيه ده مالوش وجود الا في دماغك و بس .. و كل ده بسبب عقدتك القديمة بس لازم تفهم يا عز الدين عبير مش طنط كاميليا سامع ؟؟
كان وجه "عز الدين"متجهم هادئ بينما كان يتأجج غضبا في صمت بداخله فيما إنتبه"خالد"إلي ما قاله فكبت إنفعاله و قد صدمته أقواله فأسرع يعتذر منه حيث قال بلطف مرتبك:
-أاا .. أنا .. أنا اسف يا عز .. ماكنش قصدي اقول اي حاجة من دي بس ..
قاطعه"عز الدين"في حزم بحركة من يده ثم قال:
-بتعتذر علي ايه ؟.. ماتعتذرش خالص انت ماقولتش حاجة غلط .. كلامك كله صخ و الناس كلها لسا فاكرة فضيحتنا.
ثم صمت قليلا و تابع بعنف شرس:
-اد ايه بلوم بابا انه طلقها و بس .. لو ماكنتش صغير وقتها كنت اتصرفت انا و عملت اللي كان لازم يتعمل.
لانت نبرة"خالد"كثيرا و هو يحدثه:
-انا مقدر صدمتك يا عز .. و عارف انها لسا معلمة جواك و هتفضل معلمة .. لكن ده مش مبرر يخليك شكاك اوي كده.
ساد الصمت قليلا فقطعه"خالد":
-طيب .. انا نازل اعمل check out و هستتاك تحت في اللوبي متتأخرش بقي.
أومأ"عز الدين"رأسه في هدوء و هو يحدق أمامه في اللاشيء بينما غادر"خالد"الغرفة تاركا أياه وحده مع ظنونه و أفكاره .. !
***************************************************************************************************
وقفت أمام مرآتها .. ألقت نظرة أخيرة علي نفسها فتنهدت بسعادة راضية عن مظهرها المثير و ملابسها الفادحة التي و لابد و أن تدير رؤوس معظم الرجال لها ثم خرجت من غرفتها ..
إجتازت مسافة قصيرة بالرواق العلوي و قبل أن تهبط الدرج سمعت صوت غريب آت من داخل حجرة شقيقها ، توقفت للحظة ثم إستدارت و ذهبت لتتفقد الأمر بنفسها و من دون إستأذان فتحت باب الحجرة و طلت برأسها لللامام ثم جالت بنظرها بإرجاء المكان حتي شاهدت أخيها مستلقي علي فراشه غارقا في النوم ، وجهه شاحب اللون به كدمات بسيطة ، شهقت من الصدمة و توجهت مسرعة نحو النوافذ لتزيح الستائر جانبا ليغمر ضؤ الشمس الغرفة و ينيرها بينما أزعجه الضؤ الخافت الذي سرت آشعته إلي الغرفة فتململ في فراشه بضيق قبل أن يفتح عينيه و عندما رآها أمامه حملق فيها بغضب ثم صاح بعصبية:
-انتي ! .. بت انتي انا مش قلتلك مليون مرة تخبطي قبل ما تدخلي عليا اوضتي ثم دخلتي ليه اصلا و كمان بتضايقيني اكتر و بتفتحي الستاير ؟! و ربنا لولا اني تعبان كنت قمت كسرتك.
إعتادت شقيقته علي تلك الوقاحة التي دائما ما تبدر منه فتجاهلت إهانته قائلة:
-اولا انا مادخلتش الا لما سمعتك بتقول آه او حاجة زي كده دخلت اطمن عليك مش اكتر بس شكلي كنت غلطانة اصلا .. ثانيا بقي انا لو كنت خبطت علي حضرتك عمرك ما كنت هتقوم و لا حتي كنت هترد كالعادة بس بما انك رديت عليا باسلوبك المعتاد ده خلاص انا اطمنت كده انك قرد مافكش حاجة .. بس ايه اللي في وشك ده يا عموري ؟ مين اللي روقك كده ؟؟
إرتفع"عمر"بجذعه ساندا ظهره إلي حائط فراشه و إرتكز علي مرفقه فسقطت الأغطية حتي وسطه حيث بدا صدره العاري فيما قال لها بإستنكار متهكم:
-مين ده يا بت اللي يعرف يروقني ؟! .. دي اصابات خفيفة زي ما انتي شايفة مجرد خرابيش عايزة تشوفي اللي اتروقوا بجد كنتي تيجي الحامعة انهاردة الصبح.
-و ايه اللي حصل في الجامعة انهاردة الصبح ؟؟
-ابدا و لا حاجة .. اتخانقت مع شلة عيال كده و واحد من الامن حب يتدخل فأخد نصيبه هو كمان.
جلجلت بإذنه ضحكة شقيقته المرحة الصاخبة بينما سألته:
-و بعدين يعني ؟ .. بعد كل ده ايه اللي حصل ؟؟
-مافيش .. روحنا علي مكتب العميد فكتبلي جواب فصل قمت مقطعه قدامه و مشيت ماعرفش بقي عمل إيه مع الباقي.
شهقت"عبير"بصدمة قائلة:
-يا نهار اسود .. اترفدت يا عمر ! .. دي هتبقي ليلة سودة لو اخوك عرف.
-مايعرف يعني هيعملي ايه انتي فاكراني عيل صغير هيحرمني من المصروف و لا هيعلقني من رجلي في السقف.
-يابني الصياعة دي مش هتنفعك قدامه ابقي استلقي وعدك بقي .. شفت اخرت تصرفاتك الطايشة ؟؟
تأفف قائلا:
-بقولك ايه يا بت .. غوري من قدامي دلوقتي مش عايز اسمع حرف زيادة يلا امشي.
أومأت رأسها قائلة:
-ماشي ياخويا ماشية .. استمتع بقي بوقتك او باللي فاضل من وقتك قبل ما يرجع عز الدين.
ثم إلتفتت و قبل أن تذهب إستوقفها قائلا:
-استني هنا يا بت .. رايحة فين كده بالهدوم دي ؟؟
إستدارت مرة أخري لتكون في مواجهته ثم قالت:
-رايحة party في بيت لينا صحبتي ايه ؟؟
برقت عيناه بإبتسامة خبيثة ثم قال:
-لينا ! .. البت الشقرا ام شعر كيرلي دي ؟؟
-ايوه ياخويا هي.
-طيب ما تاخديني معاكي .. من زمان و انا نفسي اتعرف.
ضحكت بقوة قائلة:
-ياخويا اقعد علي جنب .. هتيجي معايا ازاي و هتتعرف ازاي و انت مشلفط كده هههههه ؟؟
في ثانية إختفت إبتسامته بينما إستمرت تضحك فأمسك بوسادته و قذفها بها فصرخت راكضة إلي الخارج ... !
*********************************************************************************************************
أسدل الليل ستاره حين إنقضت الطائرة ذات اللون الفضي في مدرج مطار القاهرة الدولي .. وصل"عز الدين"أخيرا إلي الأراضي المصرية ..
بعد أن أنهي كافة الأجراءات بالمطار غادر برفقة"خالد" .. إستقلا السيارة معا قام بتوصيل "خالد"أولا ثم توجه إلي منزله .. علي بوابتا ذلك القصر الفاخر توقف"عز الدين"بسيارته الفارهة حتي إنفتحت له الأبواب فإنخرف بالسيارة إلي اليسار و سار مسافة قصيرة حتي توقف تماما ، دخل"عز الدين" منزله إجتاز بهو طويل أرضه رخامية بيضاء مضاء بمصابيح و ثريات برونزية مصقولة بإناقة بين الركائز و الأعمدة الفخمة التي تتوسطها مرايا كبيرة محفورة بداخل الحائط موضوعة علي الأثاث العاجي الضخم ، و في وسط القاعة الكبيرة التي تكفي للإستضافة حشد عظيم وقف و هتف بإسم أحد الخدم .. لم تمر لحظات حتي أتت بنت متوسطة في العمر ترتدي يذلة العمل البيضاء .. إنحنت أمام"عز الدين"لتحييه ثم قالت:
-حمدلله علي السلامة يا بيه.
إبتسم"عز الدين" إبتسامة لم تصل إلي عينيه ثم قال:
-الله يسلمك يا فاطمة .. عاملة ايه ؟؟
-الحمدلله يا بيه بخير.
-طيب كويس .. اومال فين عمر و عبير ؟؟
-عمر بيه رجع من الضهر و لسا في اوضته و باين نايم .. و الست عبير خرجت من بدري و لسا مارجعتش.
ثم صمتت قليلا و سألته:
-تخب احضرلك العشا ؟؟
-لالا يا فاطمة .. روحي انتي نامي انا اكلت في الطيارة.
أومأن الفتاة برأسها ثم إنسحبت بهدوء .. بينما شعر"عز الدين"بألم في رأسه كان يود أن ينتظر أخته و لكن غلبه الألم كثيرا فصعد إلي غرفته ليستريح ... !
****************************************************************************************************
أستيقظت"داليا"في الصباح التالي متأخرة .. قامت منتفضة من فراشها تركض إلي حجرة الجلوس لتنظر في الساعة المعلقة هناك .. لقد تأخرت في النوم كثيرا أسرعت إلي غرفتها و بدلت ملابسها بسرعة غادرت المنزل علي عجل و سارعت بإستيقاف سيارة أجرة ، أخبرت السائق بالمكان الذي تقصده .. دقائق و كانت أمام مقر الشركة ، أعجبها المكان كثيرا لرقيه و تأثيثه الأكثر رقيا ، عندما دخلت إلي الشركة كانت السماعات المنتشرة في جوانب السقف تبث موسيقي هادئة متناغمة متوافقة مع الديكور الداخلي .. ساعدتها تلك الأجواء في إستعادت حيويتها ..
كانت هناك فتاة ذات مظهر أنيق خلف مكتب الإستقبال ، حدثتها بصوت خافت و أعطتها إستمارة لتملأها ..
لم تكن"داليا"متأخرة كثيرا .. يوجد ثلاث أو أربع فتيات في إنتظار المقابلة الشخصية ، أخذت"داليا"الإستمارة و جلست علي أحد المقاعد الوثيرة الموزعة في قاعة الإستقبال ، أسندتها إلي منضدة صغيرة بجوارها و بحثت في حقيبة يدها عن قلم و عيناها علي الأخربات .. واحدة فقط لفتت نظرها بملابسها الأنيقة الأخريات لم تري فيهن منافسا محتملا ، كن إما صغيرات جدا أو كبيرات جدا ..
نظرت إلي الإستمارة فوجدتها مليئة بعشرات الأسئلة عن مؤهلاتها و خبراتها و عن بياناتها الشخصية و كذلك عن أحلامها و أفكارها و طموحاتها و نظرتها للمستقبل و مدي رغبتها في الإستقلال و إنشاء عمل يخصها .. لم نكن قد رأت شيئا كهذا من قبل .. لم تملأ أساسا إستمارة سيرة ذاتية كهذه في أي عمل تقدمت له من قبل ، و في ذروة تركيزها سمعت صوتا يقول:
-......... !!
يتبع .
