رواية الجرم الاكبر الفصل الثامن 8 بقلم دفنا عمر
الفصل الثامن
-------------
بعد مرور عام!
ألحقني يا مروان، شكلي هولد!
أستغاثة زوجته ملك انتزعته من غفوته فزعًا من آنينها المتألم ونهض ومازال تركيزه غائب يدور حول نفسه هاتفًا : الدكتور.. التليفون.. فين التليفون؟!
ملك وهي تصرخ: بسرعة يا مروان ألحقني!
………………………
في ممر إحدى المستشفيات المتخصصة بالولادة!
يملأ مروان الأرض مجيئًا وأيابًا والقلق يأكله على زوجته وطفلهما المنتظر.. يدعوا الله داخله بتضرع أن يرزق بطفل سليم معافى بخلقة تامة، وأن تسلم زوجته من كل شر..!
دقائق أخرى مضت، ووصل لمسامعه صوت بكاء صغيره.. فضحك بعين دامعة فرحةً برزق الله وهديته الغالية، وما أن ظهر الطبيب، حتى هرع إليه متسائلا:
طمني يا دكتور، مراتي وأبني عاملين أيه؟
الطبيب بابتسامة هادئة: مدام ملك زي الفل وشوية هتفوق وتكلمها بنفسك، أما الطفل بخير جدا ما شاء الله وزي القمر، ربنا يباركلك فيه! ياترى هتسميه أيه؟
أجابه مروان والفرحة تنضح من وجهه: يامن بإذن الله.. أنا ووالدته اختارنا الاسم سوا..!
الطبيب: أسم جميل جدا، مبارك عليك يامن، ويتربى في عزك وفي خيرك إن شاء الله!
___________________________
حمد لله على سلامتك يا حبيبتي!
تمتمت ملك بوهن: الله يسلمك ياحبيبي! هو طالع شبه مين؟
أجابها بحب: طالع زي القمر.. أطن عرفتي كده شبه مين!
ابتسمت برضا: عرفت.. طالع شبك أنت!
ضحك بخفوت: يابكاشة، هو انا زي القمر.. أنا قمر بالستر.. طالعلك انتي يا قلبي!
ضحكت بضعف. وتسائلت: عرفت اخواتي اني ولدت؟
قال: لأ محدش عرف لسه ولا غسان ومراته، لقيت الوقت متأخر، وقلت اطمن عليكم الأول والصبح اتصل بيهم ابشرهم!
وافقته بإيماءة وأجفانها تثقل من أثر البنج: عندك حق!..فدثرها بالغطاء أمرًا لها أن تغلق عيناها وتنام
وأنه سيظل جوارها.. وبالفعل استجابت رغمًا عنها للسقوط بغفوتها.. وظل مروان يتأملها شاكرا لربه على سلامتها هي ويامن الصغير..الآن أصبح لديه عائلة صغيرة، سيفعل كل ما في وسعه لإسعادهما..!
____________________________
يلا يا حسناء هنتأخر على سبوع يامن..ومروان وملك وهيزعلوا..!
أتت وهي تجذب كريم هاتفة: خلاص اهو يا حبيبي، اعمل أيه كريم اللي اخرني على ما جهزته!
ابتسم بحنان وهو يطالع الصغير: لو عشان كيمو يبقي سماح المرة دي على التأخير.. هات أيدك يابطل!
كريم: عمو غسان هو انا ينفع أبقى اشيل يامن ابن عمو مروان!
غسان: هو لسه صغير أوي ومش صح تشيله، بس أنا هساعدك تشيله وانا ماسكه معاك.. أيه رأيك؟
كريم بفرح: موافق!
نظر غسان لحسناء هاتفا: عقبال ما ماما تشد حيلها وتجيب واحد زيه ونلعب معاه انا وانت براحتنا يا كيمو!
حسناء: مستعجل على ايه بس يا غيسو، احنا لسه مش كملنا سنم متجوزين!
اجابها: لا ياحبيبتي انا عايز منك ولاد كتير، لأنه رابط أقوى بنا، وكمان عشان كريم يبقاله اخوات!
كريم مؤيدا: أيوة يا ماما، أنا عايز أخ زي يامن العب معاه انا وعمو!
رمقت صغيرها بنظرة شاردة غائمة، فقاطع شرودها غسان:
_ أيييه يا سونا فينك، بقولك يلا ننزل اتأخرنا.. !
قالت بتوتر: معلش ماسمعتش. يلا بينا..!
………………… .
وسط حضور اشقاء ملك بعائلاتهم،ورفيقتها سمر،و "غسان" وزوجته حسناء، أحتفل الجميع بمولد الصغير "يامن" مباركين، ومقدمين هداياهم!
__________________________
_ يعني هنروح بكرة النادي زي ما وعدتيني؟
ملست سمر على وجنة شقيقها حاتم هاتفة:
طبعا يا تومي وهعملك كيك الشيكولاتة اللي بتحبه ونقضي اليوم كله في النادي!
عانقها بفرح متأملًا نزهة ممتعة بصحبة شقيقته!
وتمتم: أنا بحب عمو مروان أوي لأنه اشتركلي في النادي الجميل ده واتعرفت منه على أصحاب كتير..صحيح هما مش في نفس مدرستي، بس بقدر اشوفهم في النادي وبنلعب سوا هناك..!
منحته ابتسامة هادئة، وبقلبها تمتن لهذا الرجل الذي يفيض عليها بكرمه واخلاقه وطيبته رغم ما فعلت معه.. لا تصدق أن هناك بشرًا أمثال مروان بكل هذا القدر من التسامح.. غفر لها فعلتها المشينة حين تسببت بضياع معرضه، ووقف جوارها وتكفل بعلاج حاتم حتى تعافت قدمه تمامًا..ولم ينضب جوده لهذا الحد فقط.. بل فاجأها بعضوية لها هي وشقيقها بإحدى النوادي الراقية كي يتثنى لهما المجيء مع ملك زوجته والتمتع بتلك الرفاهية، كما أصر أن تعود إلى العمل معه كما كانت مسؤلة عن قسم المحاسبة، حاولت الاعتراض والرفض.. هي تخجل من إغداقه عليها بكل تلك الرعاية، ولكن لم تعطيها ملك صديقتها فرصة للرفض قط! ورضخت أخيرًا لقبول ما قدمه مروان! ولأنها لا تملك سوى دعوة صادقة، فسخرت دعوات تنبع من صميم قلبها لهذا الرجل، بألا يقع يومًا في مأزق.. وألا يصيبه ابتلاء وأن يحفظ زوجته وطفله الوليد يامن..
وبيوم عطلتها، استعدت للذهاب ومعها كل ما يلزم بتلك النزهة! وبالفعل وصلا إلى النادي، وتقابل حاتم مع رفاقه وصدحت ضحكاتهما وهما يلهوان أمامها.. فصارت سمر تتأمله وتتابعه بحنان.. فشقيقها هو كل ما لديها ولا تحلم سوى أن توفق برعايته، هو لها يُعد طفلها وليس شقيق..!
وعلى مسافة ليست بعيدة بصوب أخر، يراقبها أحدهم، متأملًا وجهها الهاديء محللًا نظراتها بشغف لصغيرها الذي خمن أنه طفلها، حيث التقاها مرتين، أول مرة حين أتي لأخذ شقيقته من النادي، وأوشكت سيارته أن تصدمها دون قصد، فاعتذر سريعا وتقبلت هي اعتذاره بأيماءة هادئة دون غضب، معترفة بعبورها هي أمامه وهي شاردة! اما المرة الثانية، حين وجدها جالسة وحيدة بطاولة قريبة من موقع جلوسه وكان منتظرًا شقيقته لتأتي.. فغادرت الفتاه النادي مع صغيرها وغفلت عن هاتفها على الطاولة، وبعد نصف الساعة عادت تبحث عن الهاتف، فاستغل هو الفرصة ليحادثها ويُعلمها أن الهاتف معه، وأنه انتظر عودتها، فلم تعطيه مجالًا للحديث، وأخذت منه هاتفها وشكرته ثم ذهبت.. ولم تعلم انه قد حصل على رقمها في الخفاء ولا يعرف سببًا لهذا التصرف الغريب عليه.. شيء داخله جعله ينقر ارقامه على شاشتها وما أن رآي هاتفه يضيء برقمها حتى احتفظ به، ثم محاه من السجلات لديها كي يطمس أثار فعلته الصبيانية! ولأنه لا يعرف لها إسمًا سجلها لديه بلقب "اللوحة الحزينة" هذا ما استشفه من ملامحها وتعبيرات وجهها وهو يراقبها.. !
_ فارس.. بسألك هتطلب الفطار امتى أنا جعت أوي!
أفاق من شروده على صوت شقيقته مريم تحدثه، فهتف: حاضر يا روما..شوفي عايزة تاكلي أيه انتي وديدو ثم أشار بيده للنادل المار من أمامه. ليخبره ما استقروا عليه من وجبات إفطار خفيفة.!
_______________________
واقفة تعد طعام الغداء، فوصل لسمعها صوت غسان الغاضب يُنهر كريم بقسوة ويُعنفه، ويصاحب صوته بكاء صغيرها، فتدفقت دماء ساخنة بعروقها واتجهت إليه گ الإعصار تُلقي عليه حمم غضبها المتسرعة هاتفة بنبرة شديدة القوة:
_ أنت ازاي بتزعق لابني كده ياغسان، ماعاش ولا كان اللي يزعله ويبكيه وانا عايشة على ……………………!
قاطعها غسان وهو يلتهم المسافة الفاصلة بينهما، مقتربًا منها حيث هي واقفة، موجهًا وجهها باتجاه زاوية لا تقع عليها عيناها، وما ان ابصرت ما يقصده، حتى أختفى كل أثر للغضب وتبدل بخزي وخجل شديد من ذاتها..! حيث وجدت بعض أسلاك الكهرباء منفلتة من إطارها البلاستيكي، فأيقنت أن كريم عبث بها وكان على وشك أذية نفسه، وعلى مايبدو أن غسان أتى وشاهد فعلته، فنهره خوفًا عليه.. وليس قسوة منه كما ظنت وحكمت دون بينة!!
فعادت إليه بنظرها تستجدي مسامحته على تسرعها بفهم الموقف، وتطلق من مقلتيها اعتذارً..فلم تجد في صفحة وجهه سوى عبوس وشفتاه مطبقتا بصمت!
ثم غادر من أمامها، ومن المنزل بأكمله دون انتظار طعام الغداء ك المعتاد بين ثلاثتهم!
أخطأت وتسرعت وظلمت زوجها الحنون، لأجل سوء ظن.. كان يحب عليها تقصي الأمر قبل أغصابه هكذا.. كيف تراضيه وتكفر عن ذنبها؟!!!
لم تشعر سوى بدموع حارقة تزحف على وجنتيها
وقلبها ينفطر لغضب زوجها وحبيبها غسان..!
_________________________
_ يامن حبيبي عامل أيه ياصغنن؟!
ابتسمت ملك وهي تدخل يد الصغير برفق شديد بكم "السالوبتة الزرقاء" هاتفة: حبيبك مش بينيمني أنا وابوه ليل نهار، ياريت تشيلي مسؤليته معايا!
هتفت سمر وهي تداعب بإصبعها فم الصغير: وحياتك أما يكبر شوية هبقي اخده منك واخليه ينام في حضني مع حاتم!
_ ماشي خليكي فاكره كلامك، صحيح تومي عامل ايه؟
_ الحمد لله بخير، وفرحان اوي من وقت ما استاذ مروان اشتركله في النادي بتاعكم، وهو بيستنى يوم الجمعة بفارغ الصبر، واتصاحب هناك على ولد من سنه بيحبه اوي"
ووصلت بنبرة ممتنة: أنا مش عارفة اشكر استاذ مروان على ايه ولا أيه ياملك، أنا لو ليا اخ ماكانش عمل معايا انا واخويا اللي عمله، بجد انتي تستاهليه وهو يستاهلك، ربنا يسعدكم ويحفظ لكم يامن!
ربتت ملك على كتفيها مردد بحب حقيقي:
انتي اختي يا سمورة، ومروان اعتبريه فعلا اخوكي اللي هيسلمك لعريسك في يوم من الأيام!
_ لا أنسي عريسي دي، أنا مش عايزة اتجوز، كل اللي بتمناه أربي حاتم اخويا تربية كويسة، وماخليهوش يحتاج حاجة ولا يحتاج لحد في الدنيا..!
_ صدقيني عشان حبك لأخوكي ده ربنا هيرزقك. بحد يليق بقلبك الطيب ده يا سمر، أنا واثقة إن الدنيا مخبيالك خير كتير..!
_ تسلمي ياملوكة، سيبك بقى من مستقبلي، واحكيلي عن حياتك انتي ومروان شوية، واخواتك عاملين ايه معاكي، بيسألوا ولا بيغيبوا عنك. زي الأول؟
_ الحمد لله يا سمر أنا ربنا كرمني بزوج اكتر من اللي كنت بتمناه ومهما حكيت مش هعطيه حقه، أما اخواتي من وقت ما مروان عرفهم حادث اختطافي، وهما اتغيروا خالص مابيعديش يوم غير بيتصلوا
وواصلت مازحة: ودلوقت ياستي انا اتركنت علي الرف وبقى كل اهتمامهم بيامن وصحة يامن!
سمر مازحة: طبعا يابنتي حبيبي له هيبة ولازم ياخد منك الاهتمام والدلع كله، حبيب قلبي ده!
_ عقبالك ياسمورتي وتجيبلي بنوته حلوة لابني، وتسميها "حلا"..انا عايزة ده يكون اسم مرات ابني!
ضحكت سمر: انتي كمان سمتيها؟؟ طب ياريت تقولي كمان اسم ابوها لو ينفع يعني
_ اتريقي اتريقي..احمدي ربنا إني هاخد بنتك!
_ ومين قالك أني موافقة تاخدي بنتي اصلا!
_ خلاص خليها تبور جمبك!
_ فشر ده كفاية إنها بنتي عشان عرسانها يكونوا طوابير على الباب..!
صمتا يطالعا بعضهما، ثم انفجرت سمر وملك ضحكًا، علي جدالهم على امر مازال في علم الغيب، وذهبت بعد أن تواعدا على اللقاء في النادي بعطلة أخر الأسبوع!
_______________________
_ أنتي هتروحي النادي بكرة يا روما؟
_ أيوة عشان إياد يا سيدي له أصحاب بيقابلهم يوم الجمعة بالذات!
_ خلاص أنا هكون معاكم هوصلكم وافطر معاكم، واسيبكم وارجع اخدكم اما تخلصوا..!
_ ده أيه الرضا ده كله يا أستاذ فارس، أنا كنت بتحايل عليك تيجي ومش بترضى، أيه اللي جد اعترف!
_ ولا حاجة، ولا مش عايزاني اجي معاكوا خلاص بلاش
_ لالالا موافقة طبعا.. هو انا اطول يوصلني زينة الشباب كلها
_ أيوة كده اتعدلي
رمقته برهة وهتفت: بس أكيد مافيش حاجة تقولها؟
_ بصي عشان أكون واضح، مافيش حاجة معينة اقدر اقولها دلوقت لأن انا نفسي مش فاهم حاجة، بس اوعدك أول ما تتضح الرؤية جوايا، هتكوني اول واحده احكيلها..!
ابتسمت بحنان: وانا منتظراك ياحبيبي!
_________________
في صباح العطلة!
_ ينفع يامروان نعدي ناخد سمر من البيت بدال ماتروح النادي مواصلات؟
أجابها وهو يجهز سيارته: طبعا احنا رايحين مكان واحد، اتصلي عرفيها تستنى لحد ما نعدي عليها، وبالفعل اجرت ملك اتصالها بصديقتها كي تنتظر مجيئهم إليها.. !
…………………… .
بعد أن عبرا جميعهم بوابة النادي الرئيسية!
ملك: بقولكم ايه روحوا انتوا وأنا هغير ليامن البامبرز في الحمام واحصلكم!
مروان: وليه ماعملتيش ده في البيت؟
اجابت: والله غيرتله وحميته بس هو ياعيني مش بيتحمل حتى نقطة مية في البامبرز بتاعه وبيفضل يعيط، ابنك طالع جلده حساس جدا، عموما ياحبيبي هغيرله بسرعة واجي، وهاخد حاتم معايا، وروح انت وسمر!
……………………
اتجه مروان وسمر إلى طاولة قريبة، واثناء سيرهما تعرقلت سمر بشيء بقدمها، ففقدت توازنها ومالت للأمام وجسدها على وشك السقوط، فوضع مروان أمامها ذراعه دون أن يلمسها، فتسبثت به، حتي توازنت، وشعرت بخجل شديد، فهتف مروان: أنتي كويسة؟
فقالت:الحمد لله، أسفة غصب عني كنت هقع معلش
_ بتعتذري ليه يابنتي حصل خير!
ثم اكمل بمرح ليمحوا أثر حرجها:
ده انا مرة كنت في حفلة خطوبة صاحبنا أنا وغسان، ولابسين ومتشيكين، وانا ماشي جمب حمام السباحة اللي في القاعة وهوبا اتكعبلت في سلك على الأرض وخلاص هقع، قمت ماسك في غسان شديته ووقعته معايا في المية، كان شكلنا مسخرة، وفضلنا طول الفرح نعطس في وش المعازيم
تخيلت الموقف، فلم تتمالك نفسها، وضحكت رغمًا عنها، وشاركها مروان وهو يستعيد تلك الذكرى المرحة!
وبينما هما على هذا الحال تصدح الضحكات بينهما، كان هناك من يتابعهما ووجه عابس ويصيبه ضيق لا يعرف سببه، حين شاهد سمر مع شخص اخر تضحك بشكل يخالف تمامًا صورتها الهادئة ووجها الحزين!
وتسائل داخله، عن ذاك الشخص وما مدى قرابته لها ولما لم يشاهده معها قبلا، هل هو اخيها، ام……… ..
اخذته افكاره لأشياء أججت ضيقه أكثر، فنفض الأمر برمته ولام نفسه لهدر تفكيره بأحد لا يخصه من الأساس..!
فأعطاها ظهره حتى تبتعد عن مرمى عيناه وتفكيره، ولم يرى مجيء ملك بطفلها إليهم، وحاول عقبها الاندماج مع شقيقته ووالدته التي اتت معهما بعد إلحاح إياد لحضورها النادي، كي يعرفها على صديقه الجديد.. حاتم!
……………
-------------
بعد مرور عام!
ألحقني يا مروان، شكلي هولد!
أستغاثة زوجته ملك انتزعته من غفوته فزعًا من آنينها المتألم ونهض ومازال تركيزه غائب يدور حول نفسه هاتفًا : الدكتور.. التليفون.. فين التليفون؟!
ملك وهي تصرخ: بسرعة يا مروان ألحقني!
………………………
في ممر إحدى المستشفيات المتخصصة بالولادة!
يملأ مروان الأرض مجيئًا وأيابًا والقلق يأكله على زوجته وطفلهما المنتظر.. يدعوا الله داخله بتضرع أن يرزق بطفل سليم معافى بخلقة تامة، وأن تسلم زوجته من كل شر..!
دقائق أخرى مضت، ووصل لمسامعه صوت بكاء صغيره.. فضحك بعين دامعة فرحةً برزق الله وهديته الغالية، وما أن ظهر الطبيب، حتى هرع إليه متسائلا:
طمني يا دكتور، مراتي وأبني عاملين أيه؟
الطبيب بابتسامة هادئة: مدام ملك زي الفل وشوية هتفوق وتكلمها بنفسك، أما الطفل بخير جدا ما شاء الله وزي القمر، ربنا يباركلك فيه! ياترى هتسميه أيه؟
أجابه مروان والفرحة تنضح من وجهه: يامن بإذن الله.. أنا ووالدته اختارنا الاسم سوا..!
الطبيب: أسم جميل جدا، مبارك عليك يامن، ويتربى في عزك وفي خيرك إن شاء الله!
___________________________
حمد لله على سلامتك يا حبيبتي!
تمتمت ملك بوهن: الله يسلمك ياحبيبي! هو طالع شبه مين؟
أجابها بحب: طالع زي القمر.. أطن عرفتي كده شبه مين!
ابتسمت برضا: عرفت.. طالع شبك أنت!
ضحك بخفوت: يابكاشة، هو انا زي القمر.. أنا قمر بالستر.. طالعلك انتي يا قلبي!
ضحكت بضعف. وتسائلت: عرفت اخواتي اني ولدت؟
قال: لأ محدش عرف لسه ولا غسان ومراته، لقيت الوقت متأخر، وقلت اطمن عليكم الأول والصبح اتصل بيهم ابشرهم!
وافقته بإيماءة وأجفانها تثقل من أثر البنج: عندك حق!..فدثرها بالغطاء أمرًا لها أن تغلق عيناها وتنام
وأنه سيظل جوارها.. وبالفعل استجابت رغمًا عنها للسقوط بغفوتها.. وظل مروان يتأملها شاكرا لربه على سلامتها هي ويامن الصغير..الآن أصبح لديه عائلة صغيرة، سيفعل كل ما في وسعه لإسعادهما..!
____________________________
يلا يا حسناء هنتأخر على سبوع يامن..ومروان وملك وهيزعلوا..!
أتت وهي تجذب كريم هاتفة: خلاص اهو يا حبيبي، اعمل أيه كريم اللي اخرني على ما جهزته!
ابتسم بحنان وهو يطالع الصغير: لو عشان كيمو يبقي سماح المرة دي على التأخير.. هات أيدك يابطل!
كريم: عمو غسان هو انا ينفع أبقى اشيل يامن ابن عمو مروان!
غسان: هو لسه صغير أوي ومش صح تشيله، بس أنا هساعدك تشيله وانا ماسكه معاك.. أيه رأيك؟
كريم بفرح: موافق!
نظر غسان لحسناء هاتفا: عقبال ما ماما تشد حيلها وتجيب واحد زيه ونلعب معاه انا وانت براحتنا يا كيمو!
حسناء: مستعجل على ايه بس يا غيسو، احنا لسه مش كملنا سنم متجوزين!
اجابها: لا ياحبيبتي انا عايز منك ولاد كتير، لأنه رابط أقوى بنا، وكمان عشان كريم يبقاله اخوات!
كريم مؤيدا: أيوة يا ماما، أنا عايز أخ زي يامن العب معاه انا وعمو!
رمقت صغيرها بنظرة شاردة غائمة، فقاطع شرودها غسان:
_ أيييه يا سونا فينك، بقولك يلا ننزل اتأخرنا.. !
قالت بتوتر: معلش ماسمعتش. يلا بينا..!
………………… .
وسط حضور اشقاء ملك بعائلاتهم،ورفيقتها سمر،و "غسان" وزوجته حسناء، أحتفل الجميع بمولد الصغير "يامن" مباركين، ومقدمين هداياهم!
__________________________
_ يعني هنروح بكرة النادي زي ما وعدتيني؟
ملست سمر على وجنة شقيقها حاتم هاتفة:
طبعا يا تومي وهعملك كيك الشيكولاتة اللي بتحبه ونقضي اليوم كله في النادي!
عانقها بفرح متأملًا نزهة ممتعة بصحبة شقيقته!
وتمتم: أنا بحب عمو مروان أوي لأنه اشتركلي في النادي الجميل ده واتعرفت منه على أصحاب كتير..صحيح هما مش في نفس مدرستي، بس بقدر اشوفهم في النادي وبنلعب سوا هناك..!
منحته ابتسامة هادئة، وبقلبها تمتن لهذا الرجل الذي يفيض عليها بكرمه واخلاقه وطيبته رغم ما فعلت معه.. لا تصدق أن هناك بشرًا أمثال مروان بكل هذا القدر من التسامح.. غفر لها فعلتها المشينة حين تسببت بضياع معرضه، ووقف جوارها وتكفل بعلاج حاتم حتى تعافت قدمه تمامًا..ولم ينضب جوده لهذا الحد فقط.. بل فاجأها بعضوية لها هي وشقيقها بإحدى النوادي الراقية كي يتثنى لهما المجيء مع ملك زوجته والتمتع بتلك الرفاهية، كما أصر أن تعود إلى العمل معه كما كانت مسؤلة عن قسم المحاسبة، حاولت الاعتراض والرفض.. هي تخجل من إغداقه عليها بكل تلك الرعاية، ولكن لم تعطيها ملك صديقتها فرصة للرفض قط! ورضخت أخيرًا لقبول ما قدمه مروان! ولأنها لا تملك سوى دعوة صادقة، فسخرت دعوات تنبع من صميم قلبها لهذا الرجل، بألا يقع يومًا في مأزق.. وألا يصيبه ابتلاء وأن يحفظ زوجته وطفله الوليد يامن..
وبيوم عطلتها، استعدت للذهاب ومعها كل ما يلزم بتلك النزهة! وبالفعل وصلا إلى النادي، وتقابل حاتم مع رفاقه وصدحت ضحكاتهما وهما يلهوان أمامها.. فصارت سمر تتأمله وتتابعه بحنان.. فشقيقها هو كل ما لديها ولا تحلم سوى أن توفق برعايته، هو لها يُعد طفلها وليس شقيق..!
وعلى مسافة ليست بعيدة بصوب أخر، يراقبها أحدهم، متأملًا وجهها الهاديء محللًا نظراتها بشغف لصغيرها الذي خمن أنه طفلها، حيث التقاها مرتين، أول مرة حين أتي لأخذ شقيقته من النادي، وأوشكت سيارته أن تصدمها دون قصد، فاعتذر سريعا وتقبلت هي اعتذاره بأيماءة هادئة دون غضب، معترفة بعبورها هي أمامه وهي شاردة! اما المرة الثانية، حين وجدها جالسة وحيدة بطاولة قريبة من موقع جلوسه وكان منتظرًا شقيقته لتأتي.. فغادرت الفتاه النادي مع صغيرها وغفلت عن هاتفها على الطاولة، وبعد نصف الساعة عادت تبحث عن الهاتف، فاستغل هو الفرصة ليحادثها ويُعلمها أن الهاتف معه، وأنه انتظر عودتها، فلم تعطيه مجالًا للحديث، وأخذت منه هاتفها وشكرته ثم ذهبت.. ولم تعلم انه قد حصل على رقمها في الخفاء ولا يعرف سببًا لهذا التصرف الغريب عليه.. شيء داخله جعله ينقر ارقامه على شاشتها وما أن رآي هاتفه يضيء برقمها حتى احتفظ به، ثم محاه من السجلات لديها كي يطمس أثار فعلته الصبيانية! ولأنه لا يعرف لها إسمًا سجلها لديه بلقب "اللوحة الحزينة" هذا ما استشفه من ملامحها وتعبيرات وجهها وهو يراقبها.. !
_ فارس.. بسألك هتطلب الفطار امتى أنا جعت أوي!
أفاق من شروده على صوت شقيقته مريم تحدثه، فهتف: حاضر يا روما..شوفي عايزة تاكلي أيه انتي وديدو ثم أشار بيده للنادل المار من أمامه. ليخبره ما استقروا عليه من وجبات إفطار خفيفة.!
_______________________
واقفة تعد طعام الغداء، فوصل لسمعها صوت غسان الغاضب يُنهر كريم بقسوة ويُعنفه، ويصاحب صوته بكاء صغيرها، فتدفقت دماء ساخنة بعروقها واتجهت إليه گ الإعصار تُلقي عليه حمم غضبها المتسرعة هاتفة بنبرة شديدة القوة:
_ أنت ازاي بتزعق لابني كده ياغسان، ماعاش ولا كان اللي يزعله ويبكيه وانا عايشة على ……………………!
قاطعها غسان وهو يلتهم المسافة الفاصلة بينهما، مقتربًا منها حيث هي واقفة، موجهًا وجهها باتجاه زاوية لا تقع عليها عيناها، وما ان ابصرت ما يقصده، حتى أختفى كل أثر للغضب وتبدل بخزي وخجل شديد من ذاتها..! حيث وجدت بعض أسلاك الكهرباء منفلتة من إطارها البلاستيكي، فأيقنت أن كريم عبث بها وكان على وشك أذية نفسه، وعلى مايبدو أن غسان أتى وشاهد فعلته، فنهره خوفًا عليه.. وليس قسوة منه كما ظنت وحكمت دون بينة!!
فعادت إليه بنظرها تستجدي مسامحته على تسرعها بفهم الموقف، وتطلق من مقلتيها اعتذارً..فلم تجد في صفحة وجهه سوى عبوس وشفتاه مطبقتا بصمت!
ثم غادر من أمامها، ومن المنزل بأكمله دون انتظار طعام الغداء ك المعتاد بين ثلاثتهم!
أخطأت وتسرعت وظلمت زوجها الحنون، لأجل سوء ظن.. كان يحب عليها تقصي الأمر قبل أغصابه هكذا.. كيف تراضيه وتكفر عن ذنبها؟!!!
لم تشعر سوى بدموع حارقة تزحف على وجنتيها
وقلبها ينفطر لغضب زوجها وحبيبها غسان..!
_________________________
_ يامن حبيبي عامل أيه ياصغنن؟!
ابتسمت ملك وهي تدخل يد الصغير برفق شديد بكم "السالوبتة الزرقاء" هاتفة: حبيبك مش بينيمني أنا وابوه ليل نهار، ياريت تشيلي مسؤليته معايا!
هتفت سمر وهي تداعب بإصبعها فم الصغير: وحياتك أما يكبر شوية هبقي اخده منك واخليه ينام في حضني مع حاتم!
_ ماشي خليكي فاكره كلامك، صحيح تومي عامل ايه؟
_ الحمد لله بخير، وفرحان اوي من وقت ما استاذ مروان اشتركله في النادي بتاعكم، وهو بيستنى يوم الجمعة بفارغ الصبر، واتصاحب هناك على ولد من سنه بيحبه اوي"
ووصلت بنبرة ممتنة: أنا مش عارفة اشكر استاذ مروان على ايه ولا أيه ياملك، أنا لو ليا اخ ماكانش عمل معايا انا واخويا اللي عمله، بجد انتي تستاهليه وهو يستاهلك، ربنا يسعدكم ويحفظ لكم يامن!
ربتت ملك على كتفيها مردد بحب حقيقي:
انتي اختي يا سمورة، ومروان اعتبريه فعلا اخوكي اللي هيسلمك لعريسك في يوم من الأيام!
_ لا أنسي عريسي دي، أنا مش عايزة اتجوز، كل اللي بتمناه أربي حاتم اخويا تربية كويسة، وماخليهوش يحتاج حاجة ولا يحتاج لحد في الدنيا..!
_ صدقيني عشان حبك لأخوكي ده ربنا هيرزقك. بحد يليق بقلبك الطيب ده يا سمر، أنا واثقة إن الدنيا مخبيالك خير كتير..!
_ تسلمي ياملوكة، سيبك بقى من مستقبلي، واحكيلي عن حياتك انتي ومروان شوية، واخواتك عاملين ايه معاكي، بيسألوا ولا بيغيبوا عنك. زي الأول؟
_ الحمد لله يا سمر أنا ربنا كرمني بزوج اكتر من اللي كنت بتمناه ومهما حكيت مش هعطيه حقه، أما اخواتي من وقت ما مروان عرفهم حادث اختطافي، وهما اتغيروا خالص مابيعديش يوم غير بيتصلوا
وواصلت مازحة: ودلوقت ياستي انا اتركنت علي الرف وبقى كل اهتمامهم بيامن وصحة يامن!
سمر مازحة: طبعا يابنتي حبيبي له هيبة ولازم ياخد منك الاهتمام والدلع كله، حبيب قلبي ده!
_ عقبالك ياسمورتي وتجيبلي بنوته حلوة لابني، وتسميها "حلا"..انا عايزة ده يكون اسم مرات ابني!
ضحكت سمر: انتي كمان سمتيها؟؟ طب ياريت تقولي كمان اسم ابوها لو ينفع يعني
_ اتريقي اتريقي..احمدي ربنا إني هاخد بنتك!
_ ومين قالك أني موافقة تاخدي بنتي اصلا!
_ خلاص خليها تبور جمبك!
_ فشر ده كفاية إنها بنتي عشان عرسانها يكونوا طوابير على الباب..!
صمتا يطالعا بعضهما، ثم انفجرت سمر وملك ضحكًا، علي جدالهم على امر مازال في علم الغيب، وذهبت بعد أن تواعدا على اللقاء في النادي بعطلة أخر الأسبوع!
_______________________
_ أنتي هتروحي النادي بكرة يا روما؟
_ أيوة عشان إياد يا سيدي له أصحاب بيقابلهم يوم الجمعة بالذات!
_ خلاص أنا هكون معاكم هوصلكم وافطر معاكم، واسيبكم وارجع اخدكم اما تخلصوا..!
_ ده أيه الرضا ده كله يا أستاذ فارس، أنا كنت بتحايل عليك تيجي ومش بترضى، أيه اللي جد اعترف!
_ ولا حاجة، ولا مش عايزاني اجي معاكوا خلاص بلاش
_ لالالا موافقة طبعا.. هو انا اطول يوصلني زينة الشباب كلها
_ أيوة كده اتعدلي
رمقته برهة وهتفت: بس أكيد مافيش حاجة تقولها؟
_ بصي عشان أكون واضح، مافيش حاجة معينة اقدر اقولها دلوقت لأن انا نفسي مش فاهم حاجة، بس اوعدك أول ما تتضح الرؤية جوايا، هتكوني اول واحده احكيلها..!
ابتسمت بحنان: وانا منتظراك ياحبيبي!
_________________
في صباح العطلة!
_ ينفع يامروان نعدي ناخد سمر من البيت بدال ماتروح النادي مواصلات؟
أجابها وهو يجهز سيارته: طبعا احنا رايحين مكان واحد، اتصلي عرفيها تستنى لحد ما نعدي عليها، وبالفعل اجرت ملك اتصالها بصديقتها كي تنتظر مجيئهم إليها.. !
…………………… .
بعد أن عبرا جميعهم بوابة النادي الرئيسية!
ملك: بقولكم ايه روحوا انتوا وأنا هغير ليامن البامبرز في الحمام واحصلكم!
مروان: وليه ماعملتيش ده في البيت؟
اجابت: والله غيرتله وحميته بس هو ياعيني مش بيتحمل حتى نقطة مية في البامبرز بتاعه وبيفضل يعيط، ابنك طالع جلده حساس جدا، عموما ياحبيبي هغيرله بسرعة واجي، وهاخد حاتم معايا، وروح انت وسمر!
……………………
اتجه مروان وسمر إلى طاولة قريبة، واثناء سيرهما تعرقلت سمر بشيء بقدمها، ففقدت توازنها ومالت للأمام وجسدها على وشك السقوط، فوضع مروان أمامها ذراعه دون أن يلمسها، فتسبثت به، حتي توازنت، وشعرت بخجل شديد، فهتف مروان: أنتي كويسة؟
فقالت:الحمد لله، أسفة غصب عني كنت هقع معلش
_ بتعتذري ليه يابنتي حصل خير!
ثم اكمل بمرح ليمحوا أثر حرجها:
ده انا مرة كنت في حفلة خطوبة صاحبنا أنا وغسان، ولابسين ومتشيكين، وانا ماشي جمب حمام السباحة اللي في القاعة وهوبا اتكعبلت في سلك على الأرض وخلاص هقع، قمت ماسك في غسان شديته ووقعته معايا في المية، كان شكلنا مسخرة، وفضلنا طول الفرح نعطس في وش المعازيم
تخيلت الموقف، فلم تتمالك نفسها، وضحكت رغمًا عنها، وشاركها مروان وهو يستعيد تلك الذكرى المرحة!
وبينما هما على هذا الحال تصدح الضحكات بينهما، كان هناك من يتابعهما ووجه عابس ويصيبه ضيق لا يعرف سببه، حين شاهد سمر مع شخص اخر تضحك بشكل يخالف تمامًا صورتها الهادئة ووجها الحزين!
وتسائل داخله، عن ذاك الشخص وما مدى قرابته لها ولما لم يشاهده معها قبلا، هل هو اخيها، ام……… ..
اخذته افكاره لأشياء أججت ضيقه أكثر، فنفض الأمر برمته ولام نفسه لهدر تفكيره بأحد لا يخصه من الأساس..!
فأعطاها ظهره حتى تبتعد عن مرمى عيناه وتفكيره، ولم يرى مجيء ملك بطفلها إليهم، وحاول عقبها الاندماج مع شقيقته ووالدته التي اتت معهما بعد إلحاح إياد لحضورها النادي، كي يعرفها على صديقه الجديد.. حاتم!
……………