اخر الروايات

رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل السابع 7 بقلم ميفو السلطان

رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل السابع 7 بقلم ميفو السلطان



البارت السابع.... دخلت ملوك على جمع الرجال تتهادى كأنثى تفيض بالثقة. كل خطوة منها كانت تعلن عن حضور طاغ حتى وقفت في منتصف الجمع تجبر الجميع على النظر إليها.
******وفي تلك اللحظة مرت أمام عينيها صورة أختها الصغري وصدى حديثهما الأخير ماذا سيفعلان .
تذكرت ملوك كيف جلست تفكر طويلا في مصير الصغير عمر.. هل كتب عليه أن يعيش وحيدا بلا عائلة؟ يواجه الدنيا يتيما تذكرت العهد الغليظ الذي قطعته على نفسها أمام جثة أختها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة عهدا بأنها ستعود يوما لتعيد عمر إلى جذوره وأهله.
فكرت ملوك كثيرا.. ماذا لو انتظرت حتى يكبر عمر؟ هل سيظل هناك أمل في أن يقبلوه بينهم؟ استرجعت كلام أختها الراحلة عن الجد وكيف كان زوجها دائما ما يصفه بالرجل العادل صاحب القلب المرهف رغم قسوته الظاهرة.
ظلت تفكر وتفكر صراع مرير ينهش عقلها ماذا لو أخذوا منها عمر فهو ليس ابنها وهم جبروت ؟ لقد أصبح هذا الصغير روحها التي تتنفس بها. وجزءا لا يتجزأ من كيانها.
وفي لحظة حاسمة اتخذت قرارا مصيريا..
قررت أن تنسى حياتها تماما أن تدفن الملوك إلى الأبد وتوارى شخصيتها الثرى لتعيش فقط من أجله.
ستدخل على تلك العائلة بهوية جديدة ستنتحل شخصية أختها الراحلة وتعلن أمام الجميع أنها ملك زوجة عمر الراوي. قررت أن تتحول إلى لبؤة شرسة تدافع عن صغيرها ذلك الحبيب الذي عوضها به رب العباد عن كل فقد. كانت تؤمن أن هذا حقه حتى لو كلفها الأمر حياتها.
فلو مات الجد لاندفنت معه حكاية أختها وضاع الحق للأبد.لم تكن تقف بيديها الخاليتين بل كانت تحمل معها الحقيقة كاملة.. القسيمة الرسمية التي توثق الزواج والخاتم الذي تركه عمر امانه لسعفان الراوي.
وصلت ملوك إلى صعيد مصر مكثت في أحد الفنادق. تركت عمر في أمان مليكة وأمرتها بلهجة قاطعة أن تحافظ عليه كأنها تحافظ على عينيها. فهي لم تأخذها معها إلى القصر لشعورها بالخطر فيجب أن تجث النبض اولا.
أمسكت ملوك بكتفي مليكة بقوة وعيناها تلمعان ببريق مرعب وهي توصيها الوصية الأخيرة.. اسمعي يا مليكة لو غيبت ومارجعتش تختفي بالواد ده الأرض تنشق وتبلعكم ماحدش يعرف لكم طريق ولا مخلوق يلمح طرف توبك فاهمة؟
تلعثمت مليكة وهي تشعر بذعر حقيقي
وصوتها خرج مرتعشا.. مـ.. ملوك إنتِ بتقولي إيه.. بلا ش تروحي يا ملوك أنا خايفة.
شددت ملوك من قبضتها لدرجة جعلت مليكة تئن وهتفت فيها بصوت كفحيح الأفعى...
اجمدي إبن أختك ليه حق.. رعشتك دي هتاكل حقه قبل ما يرجعلنا.. اجمدي وشدي حيلك الواد أمانة في رقبتك ليوم الدين.عمر الصغير مش هيدخل السرايا واطي راسه يا مليكه.. عمر هيدخلها وارث.. والكلاب اللي عضت إيد أبوه بكرة هتبوس إيد ابنه عشان بس يرضى عليهم. أنا مش رايحة أدور على أهل.. أنا رايحة أدق مسمار النعش في جبروت الراوي..
وقفت ملوك تشحذ همتها وتستعد للمواجهة الكبرى. وبخطوات ثابتة اتجهت صوب قصر الوحوش قصر الراوي. وهي تعلم أن خلف تلك الأبواب العالية تبدأ معركتها الحقيقية لاسترداد ما ضاع وإثبات أن دماء الراوي تجري في عروق هذا الصغير.
******عادت بها الذاكرة للحظة وقوفها تستمع لعامر وهي لا تعلم هويته بعد.. كان يقف بوسط الجمع والكل ينصت له باهتمام كأنه سيد الكون.. رأت رجلا نُحت من صخر الصعيد وجهه صارم وعينان صقريتان تلمعان ببريق الغرور والسلطة..
رأت كبرياء متحسد بوقفته الشامخة جعلتها تشعر للحظة بأنها أمام وحش حقيقي لا يعرف الرحمة. وصوته وهو ينعي عمر كان يخرج ببرود استفز كل ذرة غضب في كيانها...
صدح صوته مجلجلا...
النهارده سنوية اخوي وولدي.. انهارده بننعي خيره شباب البلد عمر فضل الراوي.
هنا خطت خطواتها وشق المكان صوتها الأنثوي الذي يفيض بالقوة اقتربت ملوك بخطوات واثقة جعلت عامر يفزع حين رأى من ظنها زوجة أخيه تتهادى أمامه.
قطب جبينه بذهول فتذكر كلام عمر أنها محجبة لكن التي تقف أمامه الآن ترتدي بلوزة سوداء وبنطالا وتترك شعرها الطويل مربوط خلفها بتحد في منتصف الساحة.
صاحت ملوك فيه بلهجة حادة... بيقولك اللي له تار ويسيبه في الصعيد يبقي خسيس وواطي.. هو يابن الراوي عندكو بالصعيد اللي ينعي حد مش ياخد تاره الأول.. وإلا البيت ده مافهيوش رجالة قد التار؟
توقف الكلام وسادت همهمات الصدمة وجحظت عيون عامر وهو يرى شموخ الملوك في عينيها. أين تلك الخانعة التي كانت ترتعش مرعوبة تحت قدميه ؟
أكملت ملوك بجمود... اليوم ده فعلا اللي راح فيه زينة الشباب.. بس راح غدر.
اقتربت ملوك ووقفت في منتصف الساحة وهتفت بعلو صوتها الذي هز أركان المكان......
مين كبير القاعدة دي.
اتجه عامر نحوها بخطوات غاضبة ووقف أمامها بجمود وهو يصيح..انت بتعملي إيه هنا . و إزاي تعلي صوتك في مجلس الرجال؟
لم تكن تعلم هويته ولم يهتز لها جفن بل هتفت بتحد.....
أنا بسأل مين الكبير في القاعدة؟ وإلا القعدة للعيال وبس. وقبل أن ينطق أحد أكملت بصرخة دوت في الأرجاء....مجلس الرجال يابن الراوي اللي بينعي قتيل مغدور مايبقاش مجلس.
أكملت بشموخ... .. عموما أنا هنا عشان أنعي برضه.. واقفه في عقر دار الراوي بنعي عمر فضل الراوي. اللي اتقتل غدر في قلب بيت الراوي يا بلد.
ساد صمت الموت في الساحة وتحولت نظرات الذهول إلى ترقب مشتعل بينما ظلت ملوك واقفة كالجبل لا تتزحزح.
ارتعب عمار وهب وذهب اليها لم يكن يتخيل ان عندها الجراه تقف لهم الا انها لم تكن ملك انها ملوك الفرسه التي ستنهش قلبهم .
ووسط ذهول الجميع هتفت ملوك بعلو صوتها... اللي ينعي حد وما ياخد تاره يا ولاد الراوي يبقى البطحة عالية والفضيحة اطرمخت.
ساد صمت مرعب قبل أن تكمل بإعلان زلزل أركان القصر.... أنا بقى مرات عمر الراوي.. وجاية آخد تاره يا بلد .
جمدت الكلمات الدماء في العروق واتجهت كل الأنظار لفرسان الراوي التي لم تتحرك منهم شعرة بينما كانت ملوك تقف بشموخها معلنة بداية الحرب في قلب دارهم.
أحس عامر بفوران وهياج من وقاحتها التي لم يرها في أنثى قط صرخ فيها بصوت زلزل الساحة.. أنتِ ليكي عين تاجي هنا يا زباله.
لم يتوقف الأمر عند عامر بل صرخ عمار هو الآخر بغل... أنت السبب.. أنتِ السبب في موته.
اقتربت ملوك منهما أكثر بخطوات مرعبة وهتفت بسخرية لاذعة.. مين السبب في موته بالضبط يا بهوات هاه... أنتم مين آه.. تقريبا إخواته صح... إخواته اللي موتوه غدر.
فقد عامر أعصابه وصرخ مهددا... لمي نفسك أحسنلك بدل ما أفلجك نصين.
لم ترهبه بل صرخت بعلو صوتها.....
اللمة دي للمتبعترين اللي اتهجموا على بيوت الناس في أنصاص الليالي.
ثم دنت من عامر أكثر حدقت في عينيه بقوة جعلت الدماء تغلي في عروقه وأكملت...
اللمة ليك ولأخوك اللي دخلوا على حرمة أخوهم وغدروا بيها.
تسمر الجميع في أماكنهم وتصنم الحضور من هول الكلام وشعر عامر برغبة عارمة في الهجوم عليها لقتلها وإسكاتها للأبد فهناك فضيحه تلوح بالافق والجد ليس موجودا بالمكان ليمنع ذلك. .
لكنها ابتسمت بشماتة وواصلت.. إيه كدب بـ كدب أنا ولا بتبلى عليكم؟
دارت للرجال صارخة بغل.... احضروا يا بلد وشوفوا الأسياد جبابرة آل الراوي.. مش جيتوا ليا شقتي وخدتوا جوزي من حضني؟ جيتوا دبحتوا حرمة أخوكم اللي كان نايم قام قلبه مخلوع؟ مش جيتوا وكتمتوا نفسه وخدتوه شيل زي الذبيحة؟ مش جيتوا ليا وضربتوني وادتولي ميت ألف جنيه عشان أمشي؟.
ضحكت بمرارة واستطردت... بس تصدقوا عجبتوني آه والله التخطيط حلو.. تاخدوا الواد وتموتوه وتقوموا تنعوه؟ بحب أنا الناس اللي تمشي خطتها صح.
وعند تلك النقطة مدت يدها داخل حقيبتها وأخرجت رزم المال مائة ألف جنيه وبدأت تنثرها في الهواء فوق رؤوس عامر وعمار وهي تصرخ بتحد...
جايه بنقط فرحتكم يا بهوات الراوي.. دي مني للبهوات الواحد لازم يشجع اللعبة الحلوة برضه..
نثرت المال عليا ليتساقط عليهم...
دي لضرب أخوك وكتم نفسه.
رمت رزمة أخرى وهي تدور حولهم... ودي لاستباحة حرمة بيت أخوكم...
ثم رفعت الرزم الباقية ونثرتها كالمطر عليهم.. ودي لرمي مرات أخوكم في الشارع.
أما دي بقى دي الجون دي اللعبة الحلوة اللي دخلتوا بيها أخوكم القبر.
كان عامر وعمار يقفان والمال يتطاير حولهما ويسقط على رؤوسهما كأنهما أصنام جمدت من هول الصدمة.. عيونهما جاحظة من كثرة الإهانة التي لم يتخيلوا يوما أن يتجرأ أحد على فعلها في قلب دارهما.
ضحكت ملوك بسخرية مريرة وقالت... إيه مالكم اتشليتوا... لسه الشلل جاي.. مش ده المال اللي ادتهولي عشان أسكت؟
لم تكن تعلم أيهما الذي دفع لها المال لكنها كانت تقذف بكلماتها في وجه الجميع بغير مبالاة.
كان عامر يكبس على يده بقوة كالجمر بينما اندفع عمار وصرخ فيها بوعيد... اللي عملتيه ده فيه موتك يا فاجرة.
ومد يده يتحسس مسدسه بحركة تهديد واضحة علها تتراجع أو تخاف.
ضحكت ملوك بقهقهة هزت أركان الساحة.. بتحط إيدك على مسدسك يا غلبان في عقلك فاكرني هخاف؟ طب طلعه يا بطل وموتنى.. موتني زي ما موتو جوزي يا كفرة.
استدارت ملوك للجمع المحتشد وصرخت بأعلى صوتها لتشهد الكل..
أنا جاية أشهد الخلق على بيت ما يعرفش ربنا. على بيت قتل النضافة.. بيت رمى لحمه في الشارع في أنصاص الليالي. أتشد وأتهان وأنضرب وياخدوا جوزي من حضني ويقتلوه؟ أرجع أسأل عليه ألاقي جوزي مقتول.. إخوات جوزي قتلوا جوزي.. وأنا جاية آخد حقي يا بلد.
صرخ عامر والغل ينهش صدره.. أنتِ زباله ليه كدة مين دول اللي جتلوه.. أنتِ ليكي عين تتكلمي وأنتِ واحدة مضروب لها عرفي وبتتحضن في الشجج.
لم يكد ينهي كلمته حتى اقتربت منه ملوك كالبرق ورفعت يدها وانهالت بصفعة قوية على وجهه دوت في أرجاء الساحة.
تصنم عامر في مكانه وسكت الحضور جميعا رعبا وساد صمت جنائزي ثقيل غلف المكان بينما كان عامر يشعر بدمه يغلي لدرجة القتل.
اندفع عامر بغل وهياج وجذبها من شعرها بعنف وهو يصرخ بغل.. بتمدي يدك علي أسيادك يا جربوعه. لو فاكرة إني هفتكرك حرمة وماهمدش يدي عليكي لاه تنسي أنتِ نسيتي كنت مرعوشة إزاي زمان ونظرتك كيف المجاذيب؟.
في تلك اللحظة اشتدت نظرات ملوك حقدا وعلمت يقينا أنه هو الأخ الأكبر الذي وضع كرامة أختها تحت حذائه. وبحركة قتالية خاطفة مدت أصابعها نحو حنجرته وضربته بأطراف أصابعها المدببة في نقطة حساسة..
ليشهق عامر ويتراجع للخلف وهو يمسك رقبته وظل يسعل بشدة وهو يشعر بالاختناق وضيق النفس.
ضحكت ملوك بانتصار وهتفت.. البيه بيعيدها تاني بتمد إيدك تاني وعايز تتهجم عليا؟ صحيح راجل عيلة الراوي مات واندفن.. الراجل اللي دافع عن مراته بروحه وأنا هنا بقى جاية آخد حقه يا عيلة مافيهاش راجل.
هجم عليها عمار وهو يسبها بوضاعة... آه يا زبالة يا أم وش مكشوف.
لكنها لم تنتظر استدارت بمرونة وضربته في بطنه ضربة قوية أسقطته أرضا ليفور عمار غلا بينما وقف الجميع مبهوتين مما تفعله تلك المرأة بفرسان عيلة الراوي.
صرخ عمار وهو يحاول إنقاذ ما تبقى من كبريائه...انا هخلص عليكي يا زباله أنا هدفنك بالحيا. بتمدي يدك علي أسيادك.. يا بتاعه العرفي يا رخيصه.
ضحكت ملوك بسخرية لاذعة وردت عليه.. كنت شفتنا يابن الراوي وإحنا بنضرب عرفي ... انا معايا القسيمة ومعايا عقد البيت اللي اتأجر متسجل في القسم ومكتوب بالعقد زواج رسمي. العرفي دا للي شبهك ...
ثم أكملت وهي تنظر إليهم باحتقار.. بس عشان أنتم كفرة مش نافع معاكم حاجة إلا نيتكم سواد. وأشارت إلى المال المنثور حولهم... .. فاكريني هبيعه بدول؟ والله نسب يعر وبطني قلبت منه.
بعد ما عامر استعاد توازنه من ضربة الحنجرة هجم عليها زي الإعصار وقبل ما تفكر تضربه تاني كان لوي دراعها ورا ظهرها بقوة طرقعت عضمها وكتفها لصدره وهو بيضغط على رقبتها بإيده التانية بقسوة خلت نفسها ينقطع.
قرب وشه من ودنها وهمس بفحيح يقطر غل:
فاكرة إنك واجفة قدام عيل من اللي بتشوفيهم في مصر؟ ده أنا المستشار عامر الراوي.. اللي بكلمة منه يخليكي تدفني بالحيا ومحدش يعرف لك طريج. اليد اللي انمدت دي هتدفعي تمنها ذل ما شفتهوش حُرمة جبل كدة.. أني هربيكي يا جربوعة وهعرفك يعني إيه تدوسي طرف سيدك.
وبحركة مهينة ضغط علي فكيها وقال بصوت واطي ومرعب... الوجع ده.. هتاخديه في أغلى ما تملكي وهخليكي تبوسي يدي عشان بس أعتج رجبتك.
ملوك رغم الوجع اللي كان هيفصل دراعها مابكتش ولا اتوسلت. بالعكس ضحكت ضحكة مكتومة وهي محبوسة في قبضته وقالت له ببرود يحرق الدم...
أغلى ما أملك؟ أنت لسه شفت حاجة؟ ده أنت حتى قبضتك دي خايبة.. مش عارف تكتف حرمة يا سيادة المستشار..
وفي اللحظة اللي عامر ضغط فيها بزيادة من نرفزته ملوك استغلت ثبات جسمه واندفاع غضبه ومالت بجسمها كله لقدام فجأة وسحبت دراعها بحركة دائرية خاطفة أفقدته توازنه ومعاها نطحة قوية براسها لورا لبست في مناخيره مباشرة.
عامر ترنح والدم بدأ يسيل وفي لحظة ملوك لفت بمرونة زي الفرسة....
أهو ده المستشار أهو ده حامي القانون لما غُلب بالكلمة حب يرد بـ الكتف واللوي زي قطاع الطرق مش عيب على شيبتك وهيبتك لما تسترجل على ست وحيدة ولا أنت متعود تغدر باللي أضعف منك..
استدارت للناس ولعمار الواقع مذهول وهي بتضحك بمرارة...
شفتوا سيدكم؟ وشو بقي شوارع من حرمه ومن غير سلاح ولا غدر. اللي يمد إيده على ملك الهاشمي يتدفن مكان ما هو واقف والنهاردة أنا اللي هعلمكم يعني إيه رجولة يا عيلة أشباه الرجال.
جمعت ملوك حفنة من المال ورمتها بقوة في وجه عامر الذي احمر وجهه من شدة الغضب
اندفع عمار نحوها بغل أعمى اليها لكن صوتا جهوريا صدح في الأرجاء كقذيفة أوقفت الجميع في أماكنهم...
..... وجف منك له.
التفتت ملوك نحو مصدر الصوت ولأول مرة اهتزت دواخلها.. رأت شيخا جليلا يقف بهيبة الجبال لكنها شعرت في نظراته بلين وحنان غير عادي لم تتوقعه في هذا البيت.
خطي الجد واقترب من ملوك بخطوات متزنة وهتف بصوت يحمل ثقل السنين وحكومتها... كفاية فضايح يا بتي.. تعالي نجعد ونتكلم جوه.
نظرت ملوك إلى عامر وعمار بنظرات حاقدة ثم وجهت حديثها للجد بقوة لا تخلو من حذر... الفضايح ليها ناسها يا حاج.. وأنا إيه يضمنلي ما جايز تدخلوني ودول يقتلوني جوه.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه الجد سعفان وهتف بلهجة صعيدية أصيلة لا تُرد...
عهد سعفان الراوي.. اللي يدخل داره له أمان الدنيا كلها.
مد يده إليها بوقار واستدار ليدخل القصر تاركا خلفه أحفاده تغلي المرجل في صدورهم.
دخلت ملوك خلف الجد بخطوات يملأها الحذر تتفحص أركان القصر بعيون صقر يترقب الفخ. كان الجد يبدو متهالكا وكأن أحداث الساحة قد استنزفت ما تبقى من طاقته اتجه إلى أقرب أريكة في البهو الواسع وجلس بتعب وهتف بصوت منخفض... اجعدي يا بتي.
لم يكد الصمت يحل حتى اقتحم عامر وعمار المكان والغل ينهش قلوبهم ففي نظرهم هذه المرأة هي الشيطان الذي فرق شملهم. اندفع عامر نحو الجد وصاح بغضب...
بتدخلها اهنه يا جدي دي هي السبب في مجتل أخوي هي اللي عصته علينا وخلته يرمي أهله وناسه.
ثم التفت إلى ملوك بفحيح يقطر شرا وعيناه تشتعلان غيظا... وجاية ليه هاه جاية تفضحي نفسك لما هو نسب يعر... فاكرة إنك هتطولي حاجة من ورا العيلة دي.
ظلت ملوك واقفة بشموخ لم تجلس كما أمرها الجد بل ظلت نظراتها معلقة بعامر باحتقار.
هنا ضحكت ملوك بقهقهة عالية هزت أركان الساحة وقالت بمرارة.. يا خيبة على الرجالة.. مرات أخوك واقفة قدامك وجاية لقلب بيتكم وكل تفكيرك في الفلوس..
ثم نظرت أسفل قدمه بجمود وبصقت بجوار حذائه في إهانة لم يسبق لها مثيل وأكملت... أنا جاية لسبب واحد يابن الراوي فلوسك دي تحت جزمتي.
صرخ عامر بهياج شق صمت القصر وهو يشير بيده نحو الباب....
بره.. بره يا زبالة واحدة زيك ليها عين تتكلم؟ أنتِ اللي جلبتي الواد الطيب وخلتيه شرد وراح يجيب جربوعة ما يتبصلهاش. وإلا جاية تنحدفي علينا تاني بترسمي على إيه؟ لتكوني فاكرة يا بت إننا بالصعيد هنلمك وتبقي مننا يا نصابة. .
وقفت ملوك في مكانها لم تهتز ولم تصرخ بل ثبتت عينيها عليه تتفحصه مليا ببرود يثير الجنون. كان رجلا يملك من الوسامة نصيبا وفي ظروف اخري ستجده وسيما. لكن ملوك لم ترَ فيه سوى قاتل.
اقتربت منه بخطوات هادئة ودققت في عينيه بنظرة احتقار جعلته يشتعل غضبا ثم بدأت تدور حوله ببطء تجوب جسده بنظراتها من فوق لتحت كأنها تعاين بضاعة رخيصة.
وفجأة أطلقت ضحكة عالية رنت في ردهات القصر.. هتفت ملوك بسخرية لاذعة... تصدق والله ده مسخرة هي مين دي اللي ما يتبصلهاش.
ثم رفعت إصبعها وأشارت إلى وجهه بتحد وأكملت... ضحكتني.. ما عادش إلا أنت يا ابو بشلة في وشك زي حرامية السجون.
جحظت عينا عامر وأحس أن أنفاسه تنسحب منه فهو في نظر نفسه سيد الكل والجميع يتهافت على نظرة رضا منه. اندفع بجنون ورفع يده ليدوي بصفعة على وجهها.
لكن ملوك كانت أسرع قبضت على يده في الهواء بقوة حديدية أذهلته ونظرت اليه بتحد جعل الدماء تجمد في عروقه.
اندهش عامر من قوتها وتساءل في سره... كيف لهذه أن تكون تلك التي كانت ترتعب من نظراته في تلك الشقه احس بخلل ما لا يمكن أن تكون هل كانت تمثل الرعب حتي يتركوها ؟
هتفت ملوك وهي تدفع يده بعنف عنها... لاااا يا شاطر . أنت فاكر إيه... فاكر إنك لو مديت إيدك عليا هسكت؟ لااا.. ده أنا هقلع جزمتي ويا ريتني لبست شبشب عشان انسب شبشبي عليك.. صرخت.. اااااإيه أنت مالك طايح في الخلق كدة ليه بكدب أنا.
مدت يدها بجرأة ولامست طرف الندبة التي تزين وجهه فارتجف قلبه من لمستها سرت قشعريرة كهرباء في اوصاله.
هتفت بسخرية تقطر سما... مش بشله دي والا ايه .. روح بص يا شاطر لنفسك في المراية ولا خد من فلوس أخوك اللي سرقتها وروح اعمل لنفسك عملية تجميل.. جايز وقتها حد يرضى يبص في وشك.
اشتعل عامر غضبا حتى كاد ينفجر وصرخ فيها بصوت زلزل جدران القصر وهو يشد قامته بشموخ ... أنتِ عارفة يا زبالة أنتِ بتكلمي مين... أنا المستشار عامر الراوي..
نظرت إليه ملوك لثوان ثم انفجرت في ضحك هستيري وكأنها تسمع نكتة الموسم.
اقتربت منه ببطء وعيناها تشعان بالقرف وهي تتفرس في وجهه المحتقن...
بجد والله.. هو جناب الدوق مستشار.
ثم مالت عليه بهمس مسموع وقالت بصوت يقطر سما... الله يرحمك يا أم شيماء.
رفع عامر حاجبيه بذهول وعدم فهم فضحكت ملوك بمرارة وأكملت... إيه ماتعرفهاش؟ والله كنت أعدي عليها أجيبها ... وتفردلك الملاية ع المستشارين اللي زيك..تقولك يا غلو من شيماء...
سمعت عن أيمن حجاج.. إيه رأيك فيه... ماتعرفش إنه كان مستشار زيك وهيبته وصلته لحد حبل المشنقة عشان قتل مراته شيماء جمال.
تراجعت خطوة وهي تشير بإصبعها إليه باحتقار... بلاش أيمن.. ياسر الوصيف رئيس جنايات دمنهور فضايحه صوت وصورة يا سيادة معالي الباشا الكبير المستشار... ناسي ابن سوهاج اللي كان رئيس جنايات وهيبته بتهز الأرض وفي الآخر اتمسك بشنطة حشيش ورشاوي في عربيته زي أي مهرب في الصعيد.
أكملت ملوك وهجومها يزداد شراسة...
اللقب اللي أنت فرحان بيه ده لو ضاعت الذمة بيبقى حتة ورقة لا بتهش ولا بتنش.. ساعات يا باشا حاميها حراميها وميزان العدل كتير بيميل بالمال.. فبلاش تعيش عليا دور النبي المرسل لأن القضاء منه اللي فوق المنصة ومنه اللي ورا القضبان.. فيه اللي اتشنق وفيه اللي جتته بتدخل السجن بمنظر ما يسرش..
وأشارت إليه بقرف.. وفيه اللي برا قاعد ع المنصه متخبي ورا روب حرير وهو مدود من جوه جتته اتحللت من قرفها .
جن جنون عامر اندفع نحوها كالثور الهائج وقبض على ذراعها بقوة ألمتها وهو يصرخ بفحيح مرعب.. أنتِ قد كلامك ده أنا بإشارة واحدة أحبسك في ثانية.
قام الجد سعفان وضرب عصاه بالأرض صائحا... كفاية يا عامر.
دفعته ملوك عنها باحتقار وهتفت للجد.... ما تسيبه يا حاج يطلع الكلمتين اللي محشورين في زوره بدل ما يشرق بيهم ونفقدو بدري إن شاء الله.
اقترب الجد ووقف حائلا بينها وبين حفيده وهتف بلهجة لا تقبل النقاش.... بِعد أنت.. أنا اللي هتكلم وبجولك اصحك تجرب منها.
نظرت ملوك للجد بتقدير وقالت... أهو ده عين العقل يا حاج يا ريت نتكلم زي الرجالة أصلي مش شايفة غيرك هنا والباقي والله بطني قلبت منهم.. كان الله في عونك يا حاج دا حاجة تقرف.
هدأ سعفان من روعه وقال بصوت رزين... اهدي يا بنتي.. أنتِ بتجولي إن معاكي جسيمة.
اقتربت ملوك منه بجدية وقالت... معايا وعندي استعداد أوريها لك بس آخد أمانك يا حاج.
رد الجد بكلمة شرف تهز الجبال... عهد عليا.. لا أخون ولا أغدر.
أخرجت ملوك القسيمة من حقيبتها وأعطتها له بيد ترتجف من القهر. وهتفت والدموع تلمع في عينيها لأول مرة...
أنا اتجوزت عمر يا حاج وحبيته حب عمري وما كنتش عايزة إلا الحلال.. جه وقالي هنعيش شويه.. عيلتي مش عايزة تقبلك قبلت يا حاج مانا مش هبقى أنا والزمن عليه.. رجع مقهور من عندكم ومغدور بيه قالي ما عادش ليا إلا أنتِ قولتله عيني وقلبي.. نام قام مغدور يا حاج.
ثم التفتت لعامر كاللبؤة الجريحة وصرخت.. البيه وأخوه كبسو علي شقتي زي الهجامة ورموني في الشارع رمى لحم أخوه في الشارع.. هو مفيش شرف؟ البيه ما يعرفش عن الشرف حاجة جثة ع الفاضي لا شكل ولا منظر ولا شرف كمان.
لم يحتمل عامر أكثر انفجر بركان غضبه واندفع يمسك يدها بعنف ليحطم كبرياءها لكن ملوك استدارت بحركة خاطفة وعنيفة وضربت قدمه بقوة أخلت توازنه ليسقط أرضاً تحت وطأة مفاجأته.
وعلى الفور هجمت عليه ملوك كاللبؤة الجريحة أمام أعين الجميع و قفزت فوقه و..
*****
اللي جاي نار..ودمااار.. البت نطت عالواد نطه في الجووون. قلبو يامه.
أدي المستشار وأدي هيبته.. .. ملوك النهاردة فرجت عليه خلقه وعامر الراوي محتاج حد يلمه من على الأرض.. قولوا لي بقى حد فيكم توقع النطحة دي.. يا سماح.. جهزي الزغروطة وعلّي يا بنتي ده الليلة عيد ويا انشراح.. سيبي اللي في إيدك وصوّتي بأعلى صوت ده المستشار وقعته لا عالبال ولا عالخاطر ...
حد يلحق الباشا بـ ميكركروم يا ولاد.. عشان نطحة الملوك في الجووون .اه يا عضمك يا رضا . وروني بقى يا أحلى فانز في الدنيا مين فيكم شمتان في وقعة عامر زيي؟ ومين لسه خايف من غدر الوحوش؟
توقعاتكوووووووووووو إيه
علقي يا سماح و واتحزمي يا انشراح.. ملوك النهاردة خلتنا كلنا نرفع راسنا..... واللي ماتعلقش يا رب عامر يطلعلها في الحلم يعجنها


الثامن من هنا
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-