📁 آخر الروايات

رواية عشقه عذاب ( احببته فخذلني ) الفصل الرابع 4 بقلم شهد الشوري

رواية عشقه عذاب ( احببته فخذلني ) الفصل الرابع 4 بقلم شهد الشوري



                                              
في المساء بمنزل أهل غرام
كانت غرام وورد تساعدان والدتها في إعداد الأطعمة لاستقبال الضيوف المنتظرين، بينما بالخارج، جلس أيمن، والد ورد، وحسام، والد غرام، يلعبان الطاولة، مستغرقين في جو من التحدي والمرح، في حين لم يكن عز قد عاد من عمله بعد.

+


بعد مرور بعض الوقت، انتهين من تجهيز الطعام، وتعطير المنزل، وترتيب السفرة، ثم ذهبن إلى غرفهن لتبديل ملابسهن بملابس أنيقة ونظيفة، وجلست ناهد في انتظار الضيوف بينما مازلت غرام في غرفتها مع ورد.

+


داخل الغرفة رددت غرام بضيق :
كان المفروض نحكي لعز عن اللي حصل في التدريب.

+


ردت عليها ورد بهدوء :
مش مستاهلة نضايقه ونقلقه على حاجة عدت، احنا كرامتنا رجعت، وانتي رديتي على اللي اسمه ليث ده بالكلمتين اللي يستحقهم، وخرجنا مرفوعين الراس قدام الكل

+


ثم تابعت بشرود :
بس بصراحة، اللي اسمه مراد شكله مختلف خالص عنه، محترم وذوق وطيب

+


تنهدت غرام ثم قالت بتأييد :
عندك حق

+


استمر الحديث بينهما حتى قاطع صوت جرس الباب صمتهما، معلنًا وصول الضيوف. أسرعت ناهد لفتح الباب، وبمجرد أن وقعت عيناها على نورا، لم تستطع منع دموعها من الانهمار، فاحتضنتها بحرارة، وقالت بلهفة:
وحشتيني أوي يا نورا

+


بادلتها نورا العناق بمشاعر مختلطة وهي تقول :
انتي وحشتيني أكتر يا ناهد....أخيرًا اتقابلنا من تاني

+


تراجعت نورا خطوة للخلف، ودموعها تلمع وهي تشير نحو رهف وليث، قائلة بصوت مرتجف :
شوفتي السنين عدت ازاي، دول ليث ورهف ولادي

+


ساد الصمت لحظة، بينما كانت رهف تحدق بالمشهد بذهول، عاجزة عن استيعاب المفاجأة. وفي نفس اللحظة، خرجت غرام وورد من الغرفة، وما إن التقت أعينهم بالضيوف، حتى صُدمت الفتيات، ورددن باندهاش في وقت واحد :
إنتوا...!!!!!!

+


دخل الجميع إلى المنزل، وأغلقت ناهد الباب، بينما تساءلت نورا بصدمة بعد أن لاحظت نظرات مراد ورهف المركزة على الفتيات :
إنتوا تعرفوا بعض؟

+


مراد بهدوء واحترافية :
الآنسة ورد وغرام، زميلات رهف في الجامعة، وكانوا المفروض يتدربوا عندنا في الشركة.

+


نظرت نورا إلى غرام بحنان، ثم لمست وجنتها بابتسامة دافئة وقالت :
القمورة دي بنتك، مش كده يا ناهد؟

+


ردت عليها ناهد بابتسامة :
أيوه، دي غرام بنتي الصغيرة 

+


نورا بتأثر :
سبحان الله، شبهك أوي كأني شايفاكي قدامي

+


غرام بتهذيب وابتسامة خجولة :
أنا غرام، وأكيد حضرتك تبقي طنط نورا، ماما كانت بتحكي عنك دايمًا، وأنا فرحانة جدًا إني شوفتك

+


احتضنتها نورا بحنان وقالت بحب :
حبيبتي، محدش مبسوط قدي وأنا شايفاكي قدامي، إنتي ومامتك.....مامتك غالية عندي اوي، وانتي بنت الغالية

+



         
          

                
ابتسمت لها غرام برقة، بينما تدخلت رهف بمرح :
يعني طلع في بينا معرفة سابقة يا ست غرام، لولا الظروف كان زماننا أصحاب من بدري.

+


في تلك اللحظة، انفتح باب المنزل، ودخل عز، متفاجئًا بالمشهد أمامه، فهتف بدهشة :
متجمعين عند النبي إن شاء الله....!!!!

+


ردد الجميع بخفوت :
عليه أفضل الصلاة والسلام.

+


ضحك الجميع، بينما جذبتهم ناهد إلى غرفة الصالون، ليتحدث مراد بابتسامة ومرح :
مش هتعرفينا بقى يا خالتو

+


تنهدت ناهد بعينين دامعتين، ثم نظرت إليه وقالت:
انت مراد، مراد ابن ريم، الله يرحمها

+


رددت نورا بحزن :
الله يرحمها.

+


أومأ مراد بابتسامة صغيرة، يخفي بها تأثره العميق، بينما ربتت ناهد على وجنته بحنان وقالت بحنين :
كان نفسي أشوفك من زمان يا ابن الغالية

+


أمسكت نورا بيد ناهد بحب، وتابعت بصوت مليء بالذكريات:
أنا وريم – الله يرحمها – وناهد كنا أصحاب من زمان، وكنا جيران كمان….كبرنا سوا، وماكناش بنفترق أبدًا، لحد ما ناهد اتجوزت وسافرت مع حسام بسبب شغله، وبعدها ريم اتجوزت، وأنا اتجوزت وسافرت مع أحمد، واتلهينا في الدنيا، وبعدنا عن بعض، حاولت أتواصل مع ريم، بس مقدرتش…

+


ناهد بحزن :
بعدنا لدرجة إني ماعرفتش بوفاتها إلا لما نورا كلمتني

+


الجميع بخفوت :
– الله يرحمها

+


راقبت ورد تعابير وجه مراد، لتجده يبتسم ابتسامة نصفية، لكنها لم تصل إلى عينيه، التي لمع فيها حزن دفين، لم تستطع أن تمنع نفسها من الشعور بالألم لحزنه، فقررت أن تغير الجو قائلة بمرح :
كفاية كآبة بقى يا جماعة….أنا دمعتي قريبة

+


ضحك الجميع، وبدأ التعارف الرسمي حيث قالت نورا بابتسامة جميلة :
ده ليث ابني الكبير، ودي رهف الصغيرة

+


أومأ ليث برأسه باقتضاب، بينما أسرعت رهف لاحتضان ناهد بحب، قبل أن تقول بمرح :
مبسوطة أوي إنك تعرفي ماما من زمان يا خالتو ناهد

+


تدخل أحمد قائلاً بابتسامة وهدوء :
أنا أحمد، يا مدام ناهد، اتشرفت بمعرفتك انتي والاستاذ حسام 

+


ناهد وحسام في وقت واحد :
أهلا بيك، الشرف لينا

+


وضعت ناهد يدها على كتف عز بفخر وقالت :
ده الدكتور عز....ابني الكبير

+


رددت نورا بحنان :
ما شاء الله، ربنا يحفظه ويحيمه

+


رد عليها عز بهدوء وتهذيب :
أهلا بحضرتك.

+


نورا بعتاب :
قولي يا خالتو

+


ضحك عز بخفوت ثم قال:
حاضر يا خالتو.

+


أشارت ناهد نحو أيمن، قائلة :
وده الأستاذ أيمن، جارنا وصاحب حسام، ودي بنته ورد، هي وغرام أصحاب من زمان

+



        
          

                
نورا وأحمد بابتسامة :
اتشرفنا بيكم 

+


ردد أيمن بود :
الشرف لينا، أهلا بيكم

+


بعد دقائق من الأحاديث المتبادلة، نظرت ناهد نحو غرام وقالت :
غرام، يلا حضري السفرة انتي وورد

+


رددت نورا بمودة :
مفيش داعي يا حبيبتي ارتاحي متتعبيش نفسك

+


غرام بابتسامة هادئة :
تعبك راحة، الأكل هيكون جاهز في ثواني.

+


نظرت نورا نحو ناهد بحنين وقالت :
خلاص، خليكي انتي، أنا وناهد هنجهز السفرة، بقالي كتير مدخلتش المطبخ معاها زي زمان

+


قالتها ثم وقفت وجذبت ناهد معها، فرددت غرام بحماس :
طب إحنا وورد هنساعدكم، يلا يا ورد

+


جذبت ورد معها، بينما لحقت بهم رهف بحماس :
استنوا.....خدوني معاكم

+


في هذا الأثناء، جلس الرجال يتبادلون الحديث، حيث شعر عز بألفة تجاه مراد، بينما لم يستطع أن يرتاح لليث، الذي كان يرد باقتضاب، وتظهر على وجهه علامات الضيق والتأفف !!
..............
في الداخل، كانت الفتيات منشغلات بإعداد الطعام وترتيب السفرة، امتلأت الأجواء بدفء الذكريات حينما ابتسمت نور بحنين قائلة :
وحشتني الأيام دي أوي....لما كنا بنقعد أنا وانتي نطبخ سوا، ومعانا ريم، الله يرحمها

+


ساد صمت قصير، تخلله ترحم الجميع على ريم، قبل أن تردف رهف بسعادة واضحة:
انا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل....بس تعرفوا؟ أنا مبسوطة أوي أوي

+


ابتسمت غرام وورد، ووافقتاها الشعور قائلتين بفرحة :
إحنا كمان مبسوطين.

+


طلبت ناهد من الفتيات نقل الطعام إلى المائدة، فانشغلن للحظات بترتيب الأطباق وتنظيم السفرة، مرت دقائق قليلة قبل أن تخرج ورد من المطبخ، تمسح يديها بمنديل وهي تقول بتهذيب :
اتفضلوا، الغدا جاهز

+


لكنها لاحظت غياب مراد عن الجلسة، فتساءلت باستغراب وهي تتفحص المكان بعينيها:
فين الأستاذ مراد؟

+


أجابها أحمد بهدوء، دون أن يرفع رأسه:
في البلكونة، بيتكلم في التليفون

+


أومأت ورد بتفهم، ثم قالت بهدوء :
تمام، اتفضلوا أنتم.....أنا هقوله 

+


بعد لحظات، وقفت ورد في الشرفة، تتأمل مراد الذي بدا غارقًا في أفكاره، عيناه مثبتتان على السماء كأنما يبحث عن إجابة بين النجوم الباهتة، كان مراد شاردًا تمامًا، لا يشعر بوجودها خلفه حتى حمحمت بحرج، قائلة بصوت خافت:
احم....أستاذ مراد؟

+


انتفض قليلًا من شروده، ثم زفر تنهيدة طويلة قبل أن يلتفت إليها قائلًا بنبرة هادئة متعبة:
في حاجة، يا آنسة ورد؟

+


أجابت بهدوء ظاهري، بينما الفضول كان ينهشها من الداخل؛ لماذا كل هذا الحزن في عينيه؟ لماذا يبدو وكأن العالم قد أثقل كاهله؟ لكن بدلًا من طرح أسئلتها، قالت بجملة مختصرة:
الغداء جاهز

+



        
          

                
أومأ لها بابتسامة باهتة وهو يجيب:
حاضر، جاي

+


استدار ليتجه نحو الداخل، لكنها لمحت من طرف عينها حركة في الشرفة المقابلة، ولم تمضِ لحظة حتى صدح صوت نسائي عالٍ، يحمل مزاحًا ثقيلًا:
بت يا ورد، مين الواد الحليوة اللي واقف معاكي؟ أوعي تكوني اتخطبتي ومقولتيش ليا؟!

+


شعرت ورد بحرارة الإحراج تتصاعد إلى وجنتيها، وجزت على أسنانها بحرج، فقد عرفت فورًا صاحبة الصوت قبل أن يسأل مراد بدهشة واضحة:
مين دي؟!

+


تنهدت ورد، ثم أشارت نحو الشرفة المقابلة حيث وقفت امرأة سبعينية ذات نظرة فضولية متقدة وقالت بصوت خافت:
دي خالتي أم رجب.....جارتنا من زمان، هي كده بتحب الهزار دايمًا

+


لكن أم رجب لم تكتفِ، بل واصلت كلامها، موجهة حديثها إلى مراد بأسف مصطنع:
يعني يا بني، من بين كل البنات ملقتش غير ورد عشان تتجوزها؟ عيني عليك، مش هتسلم من لسانها الطويل، اللي عايز قصه، اسألني أنا، ربنا يكون في عونك

+


شهقت ورد بغيظ، ووضعت يديها على وجهها محاولة كتم إحراجها، قبل أن ترد بحدة:
جرا إيه يا خالتي، اهدي على نفسك، مش عايزة تشرِّديني أكتر من كده، ده مش خطيبي وبعدين هجيب خطيبي في شقة غرام ليه.....بنتفسح مثلاً !!!

+


لكن أم رجب بدت وكأنها تذكرت أمرًا آخر، فقطّبت حاجبيها قائلة:
آه صح، دي شقة البت غرام، طب أومال مين الجدع ده؟ بيقربلكم إيه؟!

+


نظرت ورد إلى مراد المذهول، ثم تنهدت بعمق قبل أن تقول ساخرة:
ده جوزك يا خالتي!!!

+


ضحك مراد بخفوت، بينما كانت ورد تغمغم بغيظ وهي تتجه نحو الداخل :
أعوذ بالله منها
........
بعد لحظات، جلس مراد بجانب ليث على طاولة الطعام، قائلاً باعتذار :
أسف، كنت بعمل تليفون مهم.

+


تناول الجميع الطعام في هدوء، حتى رن هاتف عز، فاستأذن ليغادر لدقائق. لكن وسط هذا الهدوء، انزلقت كأس العصير من يد مراد وسقطت على الطاولة، متناثرة قطراتها على مفرش المائدة الأبيض.

+


نظر مراد إلى ليث سريعًا وقال باعتذار صادق:
معلش، يا ليث، والله من غير قصد.

+


زفر ليث بضيق، لكنه لم يعلق، فقط تمتم بداخله بحنق:
الله يسامحك يا ماما، إمتى نمشي من هنا بقى

+


ثم تابع بصوت مسموع، محاولًا رسم ابتسامة زائفة على وجهه:
حصل خير... الحمام فين من فضلكم؟

+


كانت عز مشغولًا بمكالمته، فطلبت ناهد من غرام أن تريه الطريق، نهضت غرام على مضض، متجهة معه بصمت، والاثنان يكنان لبعضهما مشاعر نفور واضحة. أشارت إلى باب الحمام بصمت، ثم استدارت لتعود دون كلمة إضافية
.......
قبل رحيل الجميع، طلب أحمد أن يتحدث مع غرام وورد بمفردهما في الشرفة. ما إن أصبحوا وحدهم حتى قال بجدية:
أنا عارف إن ليكم حق ترفضوا التدريب في الشركة بعد اللي حصل من ليث، وأنا احترمت موقفكم جدًا.

+



        
          

                
توقف للحظة، ثم تنهد متابعًا بنبرة صادقة:
بس لو هترفضوا، المفروض يكون رفضكم لو اللي وجه ليكم الإهانة هو صاحب الشركة، مش مجرد موظف فيها. أنا المالك، وليث مجرد موظف زيكم، مفيش خطوة بياخدها من غير إذني. وأنا اللي قدامكم دلوقتي، وبطلب منكم تتدربوا في شركتي.

+


نظرت ورد إلى غرام بتردد، وكادت إحداهما أن تعترض، لكنه قاطع حديثهما سريعًا، قائلاً بابتسامة هادئة:
الشركة بتقبل أولاد الناس المحترمين قبل أي حاجة. وجودي هنا مش عشان طلعنا معرفة، لا... ربنا يعلم إنني كنت ناوي أجي لكم بنفسي وأعرض عليكم التدريب.

+


تنهدت غرام بحرج، قائلة بصوت متردد:
بس إحنا مش هنقدر نرجع... أولًا، بسبب الإهانة اللي اتوجهت لينا، وثانيًا، الناس هيقولوا إيه؟ نرفض امبارح ونقبل النهاردة، ده يبقى...

+


قاطعها أحمد بابتسامة مطمئنة:
ليث اعتذر قصاد الكل، وهو وشاهي، وزي ما قلت، أنا اللي بحدد مين يبقى في الشركة ومين لا.

+


تدخلت ورد بحنق، مقاطعة الحديث:
العقربة اللي اسمها شاهي دي، هتفضل تضايقنا كل شوية وترمي بالكلام وأنا مش بعرف أسكت عن حقي، هجيبها من شعرها قدام الكل لو عملت حاجة!

+


ضحك أحمد بخفوت، قبل أن يرد بنبرة غامضة:
متركبيش نفسك الغلط، لو غلطت فيكم تعالوا لي وأنا هجيب لكم حقكم. صدقيني، هي مستحيل تغلط، لأنها محتاجة التدريب ده أكتر منكم، وهتتجنب أي مشكلة عشان متتحرمش منه.

+


تبادلت غرام وورد النظرات بين التردد والاقتناع، فابتسم أحمد وسأل مرة أخرى:
ها، قررتوا إيه؟!
.......
في صباحٍ هادئ، استيقظت غرام من نومها، لكن عقلها لم يكن قد نام أصلًا. طوال الليل، كانت الفكرة تتردد في ذهنها كأمواجٍ متلاطمة.....هل أخطأت حين قبلت عرض "أحمد الراوي" بالعودة إلى التدريب؟ هل كان القرار في غير محله؟ أم أن القدر يخبئ لها شيئًا لا تدركه بعد؟ كل ما كانت تتمناه ألا تندم.

+


حسمت أفكارها مؤقتًا، نهضت من فراشها، توضأت وأدت فرضها بخشوع، وكأنها تبحث عن يقينٍ وسط حيرتها. بعد أن تناولت الإفطار مع عائلتها، غادرت المنزل متجهة إلى منزل صديقتها ورد.

+


عندما طرقت الباب، فتح لها "أيمن"، والد ورد، بابتسامة دافئة ونظرة أبوية حانية وهو يقول:
صباح الخير يا بنتي، عاملة إيه؟

+


بادلته الابتسامة، ودخلت بينما ترد باحترام:
صباح النور، الحمد لله يا عمو، بخير.

+


ألقت نظرة سريعة حولها قبل أن تسأل باندهاش:
أمال فين ورد؟ لسه نايمة؟

+


تنهد أيمن بيأس، مشيرًا إلى غرفتها:
بقالي ساعة بصحي فيها ومش راضية تقوم، ادخليلها انتي يمكن تسمع كلامك.

+


أومأت له بابتسامة خفيفة، قائلة:
ماشي، عن إذنك يا عمو.

+


ما إن دخلت غرفة ورد، حتى وجدتها بالكاد قد استيقظت، شعرها مبعثر، وعيونها نصف مغلقة من أثر النوم. زفرت غرام بضيق، وقالت بنبرة توبيخ خفيفة:
إنتي لسه نايمة يا ورد؟ الناس يقولوا علينا إيه؟ هنستغل قرابة مراته لماما ونتأخر؟!

+



        
          

                
تمطت ورد بتكاسل، متجاهلة تمامًا حديثها، قبل أن ترد بصوت ناعس:
صباح الخير

+


أطلقت غرام تنهيدة أخرى وردّت بتحية سريعة، قبل أن تفاجئها ورد بقولها بضيق وحيرة:
بصي يا غرام، من الآخر كده، أنا مش مقتنعة إننا نرجع نتدرب في الشركة دي، امبارح اتحرجت من إلحاح أبوه علينا فوافقت، لكن أنا مش مرتاحة للفكرة.

+


رمشت غرام للحظات قبل أن ترد، وكأنها تعيد التفكير في الأمر:
أنا كمان زيك، بس بصي، نكمل شهر هناك وبعدين نقول إننا مشغولين في الدراسة ومش قادرين نوازن بين التدريب والمذاكرة....ومش لازم نستمر لو مش مرتاحين

+


نظرت إليها ورد بعدم اقتناع، لكنها في النهاية أومأت بصمت. لاحظت غرام التردد في عينيها، فربتت على يدها بلطف وقالت بهدوء:
يلا قومي اجهزي بسرعة، متتأخريش أكتر من كده.

+


بعد بعض الوقت، خرجت ورد من غرفتها، وقد ارتدت ملابسها العملية والتقطت حقيبتها، قبل أن تقول:
خلاص، خلينا نمشي

+


ودعتا أيمن الذي دعا لهما بالتوفيق، ثم غادرتا معًا إلى الشركة، غير مدركتين أن هذه الخطوة ستغير حياة إحداهما......بينما ستكسر قلب الأخرى
.......
على الجانب الآخر، كانت "شاهي" تقف أمام مرآتها، تتأمل انعكاسها بفخر، تمرر يدها ببطء على منحنيات جسدها، متفحصة تفاصيل الفستان الأسود العملي الذي ارتدته، رغم بساطته، إلا أنه كان يبرز أنوثتها بطريقة دقيقة، تمامًا كما أرادت.

+


قطع تأملها دخول والدتها، "سميرة"، التي ابتسمت لها بمكر قبل أن تقول:
قمر يا حبيبة مامي

+


ثم أضافت، بصوت خافت يحمل خبثًا :
ركزي كويس الفترة دي، يا شاهي... لازم ليث يبقى بتاعك. إنتِ عارفة هو هيورث قد إيه؟ ده لقب تحلم بيه بنات مصر كلهم....مدام ليث الراوي

+


لمعت عينا شاهي بالطمع، قبل أن ترد بحماس:
عندك حق يا مامي... لازم يكون ليا أنا وبس.....بس قوليلي، أعمل إيه بالضبط، أنا حاسة إنه ميال ليا، بس عايزة أتأكد واضمن إنه مش بيفكر في أي واحدة غيري

+


ابتسمت سميرة بدهاء، واقتربت منها لتهمس وكأنها تخبرها بسر خطير:
قربي منه أكتر، خليه يحس إنك سيدة مجتمع راقية، واحدة تليق باسمه وعيلته. خليه يعرف إنك الاختيار الصح، وإن أي حد غيرك هيكون أقل منه بكتير

+


أومأت شاهي بطاعة، وابتسامة صغيرة تتسلل إلى وجهها. لقد كانت تفكر في نفس الأمر... لكنها الآن صارت أكثر إصرارًا على أن تجعله يقع في حبها، بأي ثمن.

+


ثم التقطت حقيبتها، وخرجت متجهة إلى مقر شركة "الراوي"، حيث كانت تخطط لكتابة اسمها داخل حياة ليث... إلى الأبد
.........
في منزل صغير متواضع وسط أحد الأحياء الشعبية، حيث الجدران المتآكلة تحكي حكايات السنين، وأصوات الباعة الجائلين تمتزج مع ضجيج الحياة، كانت حور غارقة في نومها على أرضية المطبخ الباردة، متكومة على نفسها كأنها تحاول أن تحتضن دفئًا مفقودًا.

+


لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا، إذ اجتاحته موجة صقيع مباغتة. انتفضت فجأة، شهقت بفزع عندما داهم وجهها الماء المثلج، قادمة من يد زوجة خالها "نوال"، التي وقفت فوقها بملامح ساخرة، عيناها تضيقان بحدة وهي تقول بلهجة مستفزة :
إيه يا برنسيسة حور، مش كفاية نوم، فزي قومي حضري الفطار لخالك، واعملي بلقمتك لتكوني فاكرة نفسك في فندق خمس نجوم

+


جففت حور وجهها بكفها المرتعش من البرد، قبل أن ترفع عينيها الغاضبتين نحو نوال، ثم صاحت بنبرة محتدة :
في حد يصحي حد كده يا ولية انتي!!!

+


ابتسمت نوال ابتسامة مشبعة بالتحدي، وطوت ذراعيها أمام صدرها وهي ترد بلا مبالاة:
آه يا عين أمك، أنا كده، ولو مش عاجبك، اخبطي راسك في الحيط وحطي في عينك حصوة ملح، احمدي ربنا إني مخلياكي عايشة في بيتي وبيت جوزي

+


زادت حدة الغضب في ملامح حور، وجسدها النحيل انتفض بثورة مكبوتة، قبل أن ترد بلهجة لا تخلو من السخرية اللاذعة:
لأ، مش بيتك يا ولية يا بومة، ده بيت خالي، وأمي كمان ليها نصيب فيه، يعني أنا مش ضيفة، أنا في بيتي والفطار ده تحضريه لنفسك ولجوزك، ولا يكون على رجل نقش الحنا

+


ثم ضيقت عينيها بتحدٍّ، قبل أن تتابع بلهجة تنضح بالاحتقار:
وبعدين، لو كنت بنام في المطبخ، فده عشان ما فيش غير أوضتين صغيرين، وعشان خاطر بنتك اللي في الثانوية العامة، وإلا كنت طلعتها منها وأخدتها أنا

+


حدقت بها نوال بغيظ مكبوت، ولم تتمكن من الرد، لكن غضبها المشتعل لم يمنحها فرصة لاستيعاب ما حدث في اللحظة التالية حيث وجدت الماء البارد ينهال عليها فجأة شهقت بصدمة، اتسعت عيناها وهي تحدق بحور التي أمسكت الدلو الفارغ وابتسمت ابتسامة شماتة قاسية، قبل أن تقول بنبرة ماكرة:
نسيت أرد لك الصباح....يا مرات خالي!!!

+


ثم استدارت بلا اكتراث، تاركة نوال تتلوى من الغيظ، وذهبت إلى الحمام. وبعد دقائق، خرجت وقد ارتدت ملابسها البسيطة، ربطت شعرها القصير في ذيل حصان، ثم أعدت شطيرة على عجل والتهمتها سريعًا قبل أن تغادر، مررت بعينيها الباردتين على خالها وزوجته وابنتهما هدى، نظرة احتقار لم تستمر سوى لحظة، لكنها قالت كل شيء.

+


ثم خرجت من المنزل، تاركة خلفها جدرانًا ضاقت بها، متوجهة إلى المطعم حيث تعمل نادلة، باحثة عن يوم آخر يمكن أن يحمل لها بعض الإنصاف، أو على الأقل، فرصة للنجاة.

+


انها حور خطاب....في الثانية والعشرين من عمرها، فتاة حملت الدنيا فوق كتفيها منذ الطفولة، توفي والدها حين كانت في العاشرة، ثم لحقت به والدتها منذ عام، لتجد نفسها وحيدة في هذا العالم القاسي، جميلة بطريقة لا تحتاج إلى زينة، بشرتها بيضاء كالحليب، عيناها بنية داكنة تلمع بعناد، وشعرها الأسود اللامع يصل إلى ما بعد رقبتها بقليل عنيدة، متهورة، وحيدة بلا أصدقاء، تخرجت من المعهد منذ عام، لكن الحياة لم تمنحها رفاهية البحث عن أحلام مؤجلة

+


كانت تعرف أن العالم لا ينحني للضعفاء، ولذلك لم تسمح لنفسها بالسقوط !!

+


يتبع........

+



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات