📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل الرابع 4 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل الرابع 4 بقلم يسمينة مسعود


~ الفصل الرابع ~


الفصل غير مدقق لهذا عذرا إن وجد أي خطأ 🥺

:
•♡•
:

🎊 ‏""‏لو أرادكَ الله صلبًا لخلقك صخرة، لكن لين الطين فيكَ كان مقصودًا."✋

:
•♡•
:


أغلقت جوليا حزام الأمان فإنطلق زياد بالسيارة هاتفًا من بين أسنانه: مولاتي جولي إلى أين تريدين الذهاب أولاً أنت وأميرتيكِ المدللتين؟


ناظرته والدته بضجر مجيبة: خذني كالعادة إلى المحلات المعتادة


مط الأخير شفتيه مغمغمًا بإبتسامة صفراء: أمركِ


تأملت شهد المساحات الخضراء الشاسعة والنافورات المنتشرة بحديقة القصر، فهمست بإنبهار نحو سحر: وااو الحديقة رائعة حقا يا سحر، أنظري هناك حيث تلك النافورة الكبيرة هناك تماثيل أسود حولها


وجهت الأخيرة بصرها حيث تشير أختها فإبتسمت بإعجاب متحدثة: أراهن أنكِ تفكرين في أخذ صور لكِ هناك


قهقهت شهد برقة مجيبة إياها: ذكية كعادتك يا سحرور


زمت الأخيرة شفتيها قارصة خدها بخفة متمتمة: شقية أنتِ يا شهدي


إنحنت سحر على كرسي والدتها قليلاً مرددة: أمي المرة القادمة فلنذهب مع السائق أفضل، لا نريد أن نثقل على بعض الأشخاص


كتمت والدتها ضحكتها مدركة الغاية من حديثها وهي إستفزاز أخيها، فسايرتها مجيبةً: نعم معكِ حق صغيرتي، هكذا أفضل من أن نصدع رؤوسنا مع بعضهم


صكَ زياد على أسنانه مغمغمًا بعدها: معكِ حق، أُفَضل أن أوصلَ الأغنام للمراعي على أن أوصلكِ أنتِ أيتها السنفورة المملة


إغتاظت سحر منه فشدت شعره مردفة بتهكم: ستوصلني رغمًا عنكَ يا عامود الإنارة


هدر الأخير بها هاتفًا: دعي شعري قبل أن أنزل لكِ وأضعكِ في صندوق السيارة، صدقيني إنه أنسب مكان لحجمكِ الصغير ذاك


ضحكت شهد على الموقف فتابع زياد بعدها بإستفزاز: أنظري حتى شقيقتكِ موافقة على إقتراحي


أطبقت شهد على شفتيها لتناظرها سحر بحدة مستفهمة: هل أنتِ معه ضدي؟


نفت شهد برأسها بسرعة هامسة بإرتباك: أبدًا يا سحرور، أنتِ أختي حبيبتي، طبعًا أنا معكِ ضالمةًّ أو مضلومةً


ضيقت سحر عينيها تتحرى صدقها، فهتف زياد بعد أن ألقى نظرة على المرآة الأمامية قابضًا على المقود متأملاً الطريق أمامه: كيف توافقني المسكينة وأنتِ تسببين لها الرعب هكذا؟ واضح أنها تعاني حقا معكِ، تبًا طولكِ لا يتجاوز المتر وتسببين المشاكل لمن حولكِ، طبعًا فهذا هو دور السنافر، إفتعال الكوارث لا غير


ضربته سحر على ذراعه هاتفة بضيق: وما هو دور أعمدة الكهرباء يا ترى؟ أووه حقا تذكرت، دورها أنها تسلم على الطائرات في السماء


قهقهت شهد بشدة واضعة كفها على ثغرها محاولة إمساك نفسها، فشاركتها جوليا الضحك هاتفة من بين أنفاسها: حسنًا، توقفا الآن فهمنا زياد عامود إنارة وسحر سنفورة، لا داعي للشجار بعد الآن


تأففت سحر هامسة بضيق: أمي بالله عليكِ، أنا لست قصيرة بل متوسطة الطول، ما ذنبي إن كنتم لا تفرقون بين الطول وغيره


هز زياد رأسه مردفا بتهكم: طولك متر ، إذًا أنت سنفورة إنتهى الأمر، تقبلي الواقع يا أختاه


زفرت سحر بملل مغمغمة بعدها: الآن فقط فهمت لماذا منى لا تطيقكَ


أصدر الأخير تشه ساخرة مجيبًا عليها : ربما لأنها قزمة غبية مثلكِ


مطت سحر شفتيها بعبوس مهمهمة: عامود إنارة متعجرف.


قلبت جوليا عينيها على ما يحدث، إلا أنها بذات الوقت رفرفت السعادة بقلبها بعد أن حدث توافق سريع بين إبنتها وأخويها، وكأن الله ألقى محبة أخوية بينهم كي يطيب خاطرها ويجبر كسرها سريعًا، فرددت: ولا كلمة الآن، صدعتم رؤوسنا بشجاركم هذا


حدق بها زياد بطرف عينه مبتسمًا بسخرية قائلاً: أطلبي هذا من مدللتكِ تلك التي تجلس بالخلف يا جولي


ناظرته والدته مهسهسة بحدة: ولا كلمة قلت


أطبق زياد على شفتيه متمتمًا بخفوت: مثل إبنتها تمامًا، البنت وريثة أمها حقًا


رفعت جوليا حاجبها بسخرية مستفهمة منه: هل قلت شيئا ما ؟


إبتسم زياد إبتسامة بلاستيكية مصطنعة مجيبًا: لا أبدًا، قلت حاضر فقط


قهقهت سحر بخفة مردفة :قوية يا أمي


هزت جوليا كتفيها بفخر جذاب، فضحكت سحر متابعة حديثها: كوني حازمة معهم يا أمي، صدقيني الدلال لا ينفع مع الذكور أبدًا


تبسمت والدتها مجيبة بإستفزاز: إطمئني بنيتي كل شيئ تحت السيطرة


زفر زياد طالبًا العون من الله مستفهمًا بعدها بضيق وغيرة : لماذا لا تأمرين إبنتك تلك أن تصمت قليلاً مثلما طلبت مني، أم أنكِ تفضلينها علي ولا تعتبرينني إبنكِ


ناظرته أمه بضجر مجيبة: تلكَ صغيرتي وقطعةً من قلبي وأنت للأسف لستَ كذلك


جلجلت ضحكة سحر وشهد بالسيارة بعد ما قالته جوليا وعلى ذلك العبوس المضحك الذي توشح به وجه زياد، فغمغم الأخير بضيق: معكِ كل الحق في قول ذلك، لن يهدأ لي بال حتى أقوم بتحليل DNA فأنا متأكد أنني لست إبنكِ، أكيد وجدتني أنتِ وعصام قرب أحدِ المساجد ‏أو ملقى بالطريق


كتمت شهد ضحكتها كي لا تنفجر ضحكًا بسبب ما يحدث أمامها، فقلبت سحر عينيها على مبالغة أخيها في غيرته تلك، لتناظر جوليا إبنها بضجر مجيبة إياه: من الجيد أنك أصبحت تفكر في البحث عن أهلكَ الحقيقيين، إذهب وجدهم فقد أدينا أنا وزوجي الواجب لمدة فاقت الثلاثين سنة كاملةً، والآن حان الوقت لعودتكَ لأهلكَ يا ولد، خاصة بعد رجوع سحر مصحوبة بشقيقتها، ولو تتكرم خذ معكَ أدهم أيضًا فهو مكفول مثلكَ تمامًا


فغر زياد فاهه بصدمة هامسًا: اللعنة الملعونة، هكذا ينتهي بنا المطاف أنا وأخي نتلقى حقيقة كفالتنا بسبب تلك القزمة التي بالخلف، ممتاز يا جولي أبدعت حقًا


ضحكت سحر وشهد غير قادرتين على كتمانها أكثر، فأردفت سحر لاهثة بسبب الضحك: تقبل الحقيقة فقط يا زياد، آن الأوان أن تجد أسرتكَ الحقيقية بعد طول غياب مثلما فعلت أنا، هيا يا أخي كن قويًا فقط وإبدأ بالبحث


ناظرها الأخير بغيظ عبر المرآة الأمامية هاتفًا من بين أسنانه: أنتِ أصمتي كليًا، كل هذا بسببكِ، لم يعد لنا لا أم ولا أب منذ قدومكِ، تيتمنا بالحياةِ بعد عودتكِ، لا وأحضرت شقيقتكِ معكِ، رائع حقًا، بدل أن نأخذَ نصف الإهتمام، الآن لن نحظى حتى بربع كلمة منهم، هذا جزاء البر لثلاثين سنة من عمرنا.


كتمت شهد ضحكتها هامسةً: إذهب وإشتري الحب والإهتمام من سوق الجمعة


ناظرها زياد عبر المرآة الأمامية بعد أن رفع حاجبه، مرددًا: أعيدي ماذا قلتِ


إنكمشت شهد وقد إرتبكت بخجل ملتصقةً بأختها متمتمةً: ولا شي


إرتفعت زاوية شفتاة بإبتسامة رجولية محدقًا بالطريق أمامه، مستفهمًا منها: متأكدة أنكِ لم تقولي شيئا ؟ غريب وكأنني قد سمعت شراء شيئًا ما من سوق الجمعة


تهربت شهد من الإجابة شابكة كفيها مع بعضهما البعض بحياء فطري ، فأردفت سحر بملل: قالت لكَ أنها لم تقل شيئًا، لهذا قُد أمامكَ وركز بها قبل أن تتسبب لنا بحادث يقضي علينا


قلب زياد عينيه هاتفًا بضيق : أنا كلمتها هي وليس أنتِ، لهذا رجاءًا أكرمينا بصمتكِ يا سنفورة


مطت سحر شفتيها مغمغمة بعدها: لا أحد يكلم أختي هكذا، لهذا إن كنت تريد أن لا أشد شعركَ قُد أمامكَ أفضل


زفر الآخر بضيق، هامسًا: قزمة غبية


تنهدت الأخيرة بخفوت مرددةً: عامود إنارة


قلبت جوليا عينيها مستدعية الصبر بعد أن سببَا هذان الشقيان الصداع لها بطفوليتهما التي لا تنتهي، إلا أنها حمدت الله أن كلاهما يريدان و بطريقة عفوية غير محسوبة أن يعوضَا سنواتِ البعدِ والفراق عبر المشاكسات الحلوة التي ترفع وشاح الليل فيبزغ الفجر بنوره و تشرق على إثرها الشمس بحياتهما بعد طول غياب.


أوقف زياد السيارة قرب المكان المقصود نازعًا المفتاح، مغمغمًا من بين أسنانه: ها قد وصلنا، تفضلن يا أميرات


نزعت والدته حزام الأمان فاتحة الباب بقربها هاتفة: شكرًا بني


تبسمت سحر بإستفزاز مرددة بعد أن فتحت الباب هي الأخرى وقامت شهد بنفس الشيئ: أحسنتَ يا ولد، ما شاء الله أنتَ تجيد السياقة حقًا


ترجلت الأخيرة بعد أن رفع زياد رأسه طالبًا العون من الله على كلمات أخته المثيرة للحنق، فزفر بخفوت متمتمًا: لسانها أطول منها حقًا


ترجل هو الآخر بعدها مناديًا على أخته، فتوقفت الأخيرة دون أن تستدير له مجيبة بضجر: نعم يا حبيب أمكَ ماذا تريد الآن ؟


ضربها الأخير على رأسها بخفة مرددًا بضيق: الناس تستدير أولاً ثم تسأل يا ذكية


مطت الأخرى شفتيها ملتفتة له، واضعة كفًا فوق الآخر مستفسرة بإبتسامة بلاستيكية : تفضل يا مبجل أفحمني


قرص زياد خدها هاتفًا بإستفزاز: رغم حنقي منكِ، إلا أن وجنتيكِ تضلان مثل حلوى غزل البنات تلك


ضربت الأخيرة يده مبعدة إياها عن خدها، مغمغمة بملل: لماذا ناديتني، هيا بسرعة ليس عندي وقت لطفوليتكَ هذه


ضرب الأخير كفيه ببعضهما البعض هاتفًا بضحكة ساخرة: لم أخطئ عندما قلت أن لسانكِ أطول منكِ، المهم خذي


أخرج الأخير من جيب سترته حافظة نقوده مستخرجًا منها بطاقة إئتمانه مقدمًا إياها لها، فأخذتها الأخيرة تتأملها بإستغراب مستفهمة منه بعدها: ما هذه؟


رفع الآخر حاجبه بتهكم مجيبًا إياها: كما ترين هي دجاجة


فتابع بعدها بعد أن توشح وجه سحر بملامح الضيق والحنق على سخريته، ليقلب عينيه عليها مسترسلاً حديثه: هذه بطاقة إئتماني، خذيها وإشتري أنتِ وشقيقتكِ كل ما تريدان، ولا تبخلا نفسيكما بأي شيئ


رقت تقاسيم وجه سحر و قد إستساغت هذه الحركة كثيرًا وحلقت فراشات الفرح بروحها، إلا أنها تظاهرت بالعكس محاولة لملمة شتات حبورها مردفة بضجر مصطنع: ولماذا قد آخذها؟


إهتز فك الأخير بحنق محاولاً عدم خنقها وإرتكاب جريمة هنا، ليبتسم إبتسامة بلاستيكية مصطنعة هاتفًا من بين أسنانه: خذيها وأكرميني بصمتكِ يا كابوس حياتي


عضت سحر على شفتها كاتمةً ضحكتها قدر المستطاع على تعابيره المغتاظة، فقاطع وقوفهم جوليا مغمغمة: لماذا تأخرت يا سحر، ماهذا الذي بيدكِ ؟


وجهت الأخيرة سؤالها بعد أن رأت البطاقة بيد إبنتها، فأجابتها سحر بهدوء: هذه بطاقة إئتمان زياد ، أعطاها لي كي أستعملها وأشتري لي ولشهد كل ما أريد


تبسمت جوليا بحنو وتلاعبت ترانيم الحنان بزوايا فؤادها محدثة صخبًا أموميًا، ووهجًا حانيًا دافئا بها، فأخذت البطاقة من يد سحر واضعة إياها بكف زياد الذي رفع حاجبه على حركتها، هاتفة: خذ بطاقتكَ، وأنا التي ستتكفل بكل شيئ


تحركت بعدها محيطة كتف إبنتها، تاركة زياد يزفر بعدم رضا على عناد أمه، متخذًا خطواته نحوهم تاركًا مسافة معتبرة بينه وبينهم، مراقبًا إياهن من بعيد حريصًا على أن لا يتعرضن لأي مضايقة


تحركت الفتاتان مع جوليا متوغلات داخل المركز التجاري منبهرات بفخامته وتنوع محلاته، تحمست شهد هاتفة بحيوية: يا إلهي أنظري يا سحر عدد المحلات المنتشرة هنا، لطالما أردت الدخول لهذه المراكز سابقًا


تبسمت سحر بود قابضة على كفها مرددة: وها قد حُققت رغبتكِ صغيرتي أخيرًا


قهقهت شهد برقة مغمغمة بنشاط قد دب بجسدها: نعم وأخيرًا


حضنت جوليا كتفي البنتين دافعة إياهما لأحد المحلات المخصصة  للفساتين هامسة: والآن يا أميرتي فلنذهب لإختيار ثياب الحفل غدًا، وبعدها نكمل التجول


دلفت البنتين مع جوليا للمكان المقصود فتجلت لهما إمرأة تبدو في بداية عقدها الرابع هذه الأخيرة التي تبسمت بمودة وهتفت بإحترام شديد: سيدة جوليا، أهلاً بكِ بمحلنا


بادلتها جوليا نفس البسمة بلطف مهمهمةً: مرحبًا يا شهرة، جئت مع صغيرتاي لأنبهر بفساتينكَ المعتادة


قهقهت شهرة بلطف قائلة بحبور: بالمناسبة مبارك عودة إبنتك، حقًا سعدت بهذا الخبر العظيم


ضيقت جوليا عينيها مستفسرة بمشاكسة: يا ترى كيف علمت بالخبر؟ لا تقولي أن زياد إبني هو من نشره كالعادة


ضحكت الأخرى مجيبة: لا، لكن كل المواقع تضج بهذا الأمر، لقد أعلنت بعض شركاتكم ضمن موقعهم أنهم رفعوا رواتب أغلب عمالها كنوع من الفرحة لهذا قد إنتشر الخبر بسرعة صدقيني


عمت الفرحة ثنايا قلب جوليا على ما يقوم به زوجها عصام من تصرفات نبيلة تزيدها عشقًا به، فتحدثت بسعادة جلية محيطة كتف البنتين بحب: والآن خمني من هاتان الأميراتان؟


تأملت شهرة الفتاتان الجميلاتان مغمغمة بإعجاب كبير: ما شاء الله كلتاهما بهيتان، إحداهما إبنتك واضح، أظن أنها التي على يمناكِ فعيناها زرقاوان مثل عيناكِ تمامًا يا جوليا


تبسمت سحر على صحة تخمينها، فقهقهت جوليا بلطف مؤكدة حديثها: نعم هذه هي صغيرتي سحر


همهمت شهرة بالحمد، موجهة إستفهامها: ومن تلك الجميلة التي على يساركِ، فهي ليست من أفراد الأسرة فأنا أعرف سهام و منى، وسارة ونور أيضًا؟


حضنت جوليا كتف شهد بحنان مقبلة رأسها مجيبة بأمومية دافئة: هذه صغيرتي الأخرى شهد، أكرمني الله بها وأنا في هذا السن، الحمد لله جبر الله خاطري ببنتان بدل الواحدة


تبسمت شهد بخجل شديد وقد تخضبت وجنتاها بالحمرة جراء كلمات جوليا الودودة ، فرقت تقاسيم وجه سحر وقد غمرتها عاطفة كبيرة.


عقدت شهرة حاجبيها بعدم فهم مستفسرة: متى أنجبتها يا جوليا، هل تخبئين بناتكِ عنا ؟


قهقهت جوليا بشدة مجيبة من بين أنفاسها: قلت لكِ أكرمني الله ببنت أخرى ولم أقل أنجبتها ، مع أنني أتمنى حقًا لو كنت حملت هذه الجوهرة برحمي، لكن الله كان كريمًا وأرسلها لي، وأيضًا لم تكن الأمومة يومًا بالحملِ والإنجابِ، هي فقط رعاية وحب وعطاء لا محدود، وأنتِ الأدرى بذلك يا شهرة


عقدت شهرة حاجبيها مغمغمة بعدم فهم: حقيقة لم أفهم ماذا تقرب لكِ، لكن فليحميها الله مادمتِ تحبينها هكذا


ضحكت جوليا بلطف هاتفة: عندما نجلس مستقبلاً مع بعض سأشرح لكِ، المهم الآن أريني التصميمات الجديدة التي أعلنت عنها بموقعكِ، لقد أتيت لمحلكِ خصيصًا كالعادة كي أختار أجمل القطع من عندكِ


تبسمت الأخيرة بفخر متحدثة بزهو: صدقيني لحد الساعة لم أبع القطع الجديدة فقد كنت في إنتظار حضوركِ أنتِ وباقي نساء أسرتكم، حتى أنني تحججت لباقي الأسر بعدة حجج كي لا يروا المجموعة الجديدة إلا بعد أن تختاري أنتِ بالذات ما تريدين أولاً


عبست جوليا بعدم رضا معاتبة إياها: بالله عليكِ يا شهرة للمرة ألف أخبركِ لا تنتظريني، لن نقطع رزقكِ أبدًا، إعرضي مجموعتكِ في أي وقت تريدين لاداعي لإنتظاري


إستدارت شهرة نحو العاملات مشيرة لهن بإخراج القطع الجديدة، لتلتفت مجددًا نحو جوليا والبنتان مجيبة بإبتسامة لطيفة: سابقًا قطعت عهدًا على نفسي أن كل جديد ستكونين أنتِ أولَ من يراه وتختارين ما تحبين قبل الكل


تحركت جوليا بخطوات هادئة حاثة الفتيات على التحرك نحو القطع الجديدة التي أزيل عنها الغلاف فظهرت فساتين سهرة مبدعة بمختلف التصميمات المتنوعة، فإنبهرت الفتاتان بها، تنقلان أنظارها من  فستان لآخر بإعجاب شديد، فرفعت جوليا حاجبها مغمغمة بإشادة: هذه التصاميم رائعة حقًا، كالعادة كل مرة تفاجئينني يا شهرة، ما شاء الله


هزت الأخيرة كتفيها بفخر أنثوي مجيبة: أكيد، فأنا أتعامل مع أبرع المصممات، هيا يا فتيات إخترن ما تردن


تجولت شهد وسحر بالمحل تتأملان المعروضات المختلفة من  الفساتين و ثياب، فغرت شهد فاهها بعد وقوع بصرها على أحد الفساتين ذات اللون الفضي الذي يحد جسد الدمية التي يعلوه حتى أسفل الركبة فيتدرج بإتساعه لما بعدها بحمالات رقيقة، فدنت منه منبهرة به متلمسة نسيجه متمتمة بإعجاب شديد: وااو إنه مبدع حقًا، فحملت تلك البطاقة المعلقة على الكتف لمعرفة سعره فتوسعت عيناها بصدمة تاركة البطاقة وكأنها أصيبت بمس كهربائي، مبتعدة عنه بعبوس


تجولت سحر بين الفساتين محتارة ماذا تختار فكل ما تقع عليه عيناها يشدها، فمطت شفتيها بإحباط هامسة: يا الله كل شيئ رائع، لا أعرف ماذا أختار بالضبط


تبسمت شهرة بخفة متابعة السير معها مرددة: لابئس سأساعدكِ، هناك بعض الخطوات إتبعيها في هذه الناحية، إسمعي أنتِ جميلة جدًا ماشاء الله ووجهكِ يشد الناظر له، لهذا إختاري فستانًا بسيطًا ناعمًا كي يكون مظهركِ متوازن، إبتعدي عن الفساتين المتكلفة المبهرجة، كي يحدث إتزان بين محياكِ البهي وثيابكِ


توردت وجنتي سحر بحياء مهمهمة: لا تبالغي لست بهذا الجمال يا خالة، ملامحي عادية


قهقهت شهرة بخفة موزعة أنظارها بين الفساتين تبحث عن تصميم معين، مجيبة إياها: أحببت لفظ الخالة، أول مرة يتم مناداتي هكذا، وبخصوص محياكِ أنت تشبهين والدتكِ بشبابها، كانت فاتنة حقًا ولازالت كذلك رغم تجاوزها للخمسين إلا أنها تبدو في الأربيعات فقط.


توقفت سحر مستفهمة منها بفضول: لماذا أخبرت أمي أنكِ تتركين لها القطع الجديدة حتى تختار هي أولاً، بدلاً من أن تقومي ببيعها فور وصولها ؟


تنهدت شهرة بخفوت مبتسمة بمودة، قائلة: حقيقة أفضال السيدة جوليا كثييرة لا أستطيع إحصائها، هي الوحيدة التي وقفت لجانبي ودعمتني في بداياتي، فقبل سنوات عديدة والتي فاقت ستة عشر سنة كنت مجرد فتاة شابة طموحة إلا أن الفقر وقلة الحيلة وقفت حائلاً بيني وبين تحقيق أهدافي خاصةً أنني لم أكمل دراستي، فقررت فتح محل صغير لبيع الثياب، لكن ظروفي كانت تحت الصفر، فبالكاد كنا نجد الأكل أنا وأخواتي الصغيرات، أتذكر أنني لجئت للعديد من الأشخاص عساهم يساعدونني لكن دون جدوى


توقفت سحر مستمعة لها بعد أن إستحوذت بحديثها على جل حواسها، مستفهمة منها بهدوء بعدها: وما علاقة والدتي بذلك؟


تبسمت شهرة بلطف محولة نظراتها نحو جوليا التي كانت تتحدث مع شهد قرب أحد الفساتين، لتعيد نظراتها نحو سحر مجيبة إياها بمودة وقد مر بريق إمتنان خاطف بمقلتاها: كانت الأبواب كلها مغلقةً في وجهي وكنت أعاني الأمرين، أتذكر أنني بأحد الأيام ذهبت لعملي بأحدِ المحلات بالمراكز التجارية الكبرى، للأسف وصلت متأخرة بسبب سهري مع والدتي المريضة و صاحبة المحل لم تتفهم عذري فطردتني على إثرها، كان يومًا بائسًا حقًا فخرجت من المحل مقهورة لأنفجر بالبكاء بمرارة بعدها لأنني كنت مضغوطة كثيرًا من كل الجهات، مرض والدتي، وقلة حيلتي، ومعاناة أخواتي ودراستهن، وعجز والدي ورؤية التعب بعيناه، مع الإهانة التي تعرضت لها، لم أتحمل كل هذا فجلست قرب المركز أبكي عجزي وخيبتي


ترقرقت عيني سحر بالدموع تأثرًا بمعاناتها فإستفسرت بصوت متهدج: وما الذي حصل بعدها ؟


قهقهت شهرة على تأثرها مجيبة بحبور علا محياها: إطمئني حدث كل خير، فلقد رأتني والدتك جالسةً أبكي فجلست بجانبي تستفهم مني ما خطبي، في ذلك الوقت لم أكن أعرف أنها تنتمي للطبقة البرجوارية ولا بأنها زوجة أحد أبناء عائلة آل سلطان، فكرت أنها فقط إمرأة بسيطة فضولية، فحكيت لها بمرارة ما أعانيه وكأنني كنت بإنتظار أحد يسأل عن تعبي فأفرغ كل ما بجعبتي له، وهي واستني بكل طيبة وحثتني على الصمود والصبر و قد أخذت رقمي ، وبعدها بأيام إتصلت بي تريد لقائي، حقيقة إستغربت طلبها إلا أنني لبيته فقد إرتحت لها كثيرًا فقد كانت إمرأة رائعة حقًا، وعندما إلتقينا أخذتني لهذا المحل الذي أنتِ به الآن وقد كان مجهزًا من كل شيئ ويحتوي على أفخم الثياب وأرقاها، وأهدتني إياه وقالت لي مارسي ما تحبين الآن، كان الأمر بمثابة حلم لي، تعرفين كشخص عطش أعطي له الماء العذب فجأة، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة أبدًا، جبرت بخاطري وأسعدتني حقًا سعادة كبيرة رفعتني لعنان السماء (ضحكت الأخيرة بحرج متابعة حديثها) كنت أقفز بفرح هنا وهناك بالمحل أتأمل وأحضن أي شيئ أجده أمامي حتى دمى العرض كنت أقبلها معانقة إياها، ولا أنسى حظ والدتك من الحضن والقبلات، لكنني بعدها أصريت أن أدفع ثمن كل ما تكبدته من مال لتجهيز المحل وبعد إصراري الشديد وافقت بشرط أن تمر خمس سنوات أولاً كي يستقر حالي المادي تمامًا، ووافقت بسعادة فلم تكن لي تلك الرفاهية حتى أرفض، وبعد مرور السنوات الخمس وتحسن حالتي المادية بفضل الله ونجاح محلي بدأت بجمع المال كي أعيده لها وبالفعل جمعت ربعه وعندما قدمته لها عساها تنتظرني لأكمل المبلغ الباقي قابلتني بالرفض تمامًا، وأخبرتني أنها لم تكن جادة بقبول المال لكنها وافقت فقط بعد إصراري، وهددتني أنها ستقاطعني نهائيًا إن فكرت في فتح الموضوع مرة أخرى ، فما كان مني إلا الموافقة داعية لها بكل خير، و طوال السنوات العديدة الماضية حين سمعت أن لها بنتًا ضائعة لطالما كنت أدعو الله أن يردها لها و يقر عينيها بها، وعندما سمعت خبر عودتك من المواقع صدقًا سعدت كثييرًا بهذا الخبر، فأمكِ إنسانة رائعة بحق وساعدت الكثير من الناس فلست أنا أولهم ولا آخرهم، لهذا فهي تستحق كل خير


تبسمت سحر بمودة وقد تغلغلت السعادة لقلبها لسمعة والدتها الطيبة وعظم خلقها ، فإستفهمت قائلة: وكيف حال أسرتكِ الآن؟


ضحكت شهرة بخفة مجيبة ببسمة ودودة: هي على خير ما يرام فأخواتي الحمد لله أنهين دراستهن وتزوجن، وأنا كذلك تزوجت منذ سنوات عديدة ولي طفلان مراهقان، حالتي الحمد لله بفضل الله تعالى وبفضل والدتكِ الكريمة


همهمت سحر بالحمد، فأردفت شهرة بعد وقوع عينيها على  فستان بقماشه الحريري ذو اللون الأزرق الملكي المعروض على إحدى الدمى والتي كان يحد جسدها من الأعلى لنهاية الخصر ويتدرج بإتساعه حتى الكعبين بحمالات كتف عريضة :أنظري لهذا  الفستان سيلائمك جدًا، خاصة أنه سيتناسق مع لون عيناكِ الجميل


وجهت سحر أنظارها حيث تشير لتفغر فاهه على الفستان المقصود، فإقتربت منه أكثر هامسة بخفوت معجب: ما شاء الله راقي حقًا وفي غاية الروعة، أحببته كثيرًا


تبسمت شهرة بسرور مهمهمة بعدها: بتسريحة بسيطة أو إفردي شعرك لابأس، وإستعملي كحلاً أسودًا لعينيكِ كي يبرز لونهما بقوة، مع أحمر شفاه وجواهر ناعمة ستبدين فاتنة حقًا .


تبسمت سحر بإمتنان مرددة: شكرًا حقًا على نصائحكِ يا خالة أنا ممنونة لكِ كثيرًا، فأنا أميل لكل ما هو ناعم وبسيط، أجد ذاتي فيه ، عامة سآخذ هذا الثوب فقد راقني بشدة


أومئت لها الأخيرة هامسة: حسنا سأطلب من العاملات تجهيزه لكِ ، أظن أن مقاس جسدكِ عرفته دون الحاجة لسؤالكِ


عقدت سحر حاجبيها مستفسرة بفضول مشاكس: وكيف عرفته يا ترى؟


ضحكت الأخرى بلطف مجيبة: مقاسكِ واضح يا بنيتي، أنسيت أنني أتعامل مع مختلف الأحجام لسنين طويلة، يعني لدي خبرة من خلال النظر فقط أدرك المقاس


إقتربت شهد من سحر مستفهمة منها: سحر هل وجدتِ ما يناسبكِ؟


إستدارت لها الأخيرة مومئة بإيجاب قائلة: نعم وجدت ثوبًا راقني سيجهزونه لي ، وأنتِ هل إخترتِ ما يعجبكِ ؟


عبست شهد موجهة أنظارها لذلك الثوب الفضي مردفة: وجدت ذلك الثوب أعجبني كثيرًا.


وجهت سحر بصرها  للفستان المقصود فتبسمت بإعجاب مرددة: رائع حقًا، خذيه إذا لماذا كل هذا العبوس صغيرتي؟


زمت شهد شفتيها مقتربة من سحر أكثر هامسة بخفوت شديد: سعره غالي جدًا يا سحر، إنه راتب موظف تقريبًا، حتى معاش والدي لهذا الشهر الذي بحوزتي لن يكفي لشراءه


قطبت سحر جبينها متسائلة منها بإستغراب: ومن قال أساسًا أنكِx ستدفعين فلسًا واحدًا ؟


رمشت شهد بجفنها عدة مرات مستفهمة منها: من إذا ؟


تنهدت سحر بخفوت مجيبة إياها بهدوء: أمي من ستدفع طبعًا يا شهدي


نفت الأخيرة برأسها برفض مهمهمة: لا أريد يا سحر، تعلمين لا أحب أن أكون عبئًا على أحد


زفرت سحر بحيرة مدركة طبيعة أختها وحساسيتها فهمست محاولة إقناعها: شهد والدتي هي بمقام أمكِ لهذا لا ترفضي، أنتِ الآن فرد منا وتحت رعاية والداي لهذا لا داعي لهذه الحساسية رجاءًا


نفت شهد مغمغمة بعدم إقتناع: من فضلكِ يا سحر لا أريد


إحتارت سحر محاولة التفكير في سبيل لإقناعها، فتجلت لها والدتها قادمة نحوهما والبسمة تعلو ثغرها سائلة إياهما بمحبة: هل وجدتما ما تريدان أخذه ؟


تبسمت سحر بمكر وقد مرت فكرة ما بعقلها، لتجيب والدتها: أنا أعجبني أحد الفساتين وطلبت تجهيزه لي، وكذلك شهد أحبت واحدًا آخر لكنها رفضت أخذه


لكزت شهد ذراع أختها بعتاب، فتجاهلتها الأخيرة عن عمد، حيث قطبت جوليا جبينها موجهة نظراتها المتسائلة نحو شهد متحدثة: لماذا لم تطلبي منهم تجهيزه لكِ إن كان قد أعجبكِ يا صغيرتي؟


إرتبكت شهد بخجل مجيبة بتهرب: غيرت رأيي بعدها يا خالتي لا تكترثي


مطت سحر شفتيها هاتفة بعدها: بل لأن ثمنه مرتفع جدًا يا أمي


عقدت جوليا حاجبيها هاتفة بتسائل: وأين الإشكال يا بنيتي، خذي ما تحتاجينه وكل ما يعجبكِ ولا تكترثي لثمنه، إن لم ندفع المال لأجل دلال أميرَتَي في ماذا سندفعه إذا ؟


توردت وجنتي شهد بخجل فطري مستحسنة كلماتها النبيلة، فغمغمت بتردد: لا بأس سأختار شيئًا آخر من محل مغاير


رفعت سحر رأسها للسماء تريد عونًا من الله على عناد أختها، فتحدثت بضيق: أمي شهد ترى أن المبلغ كبير والمال الذي معها لا يكفي لشراءه، وقد أخبرتها أنكِ أنتِ التي ستتكفلين بهذا إلا أنها رفضت ذلك


تغضنت تقاسيم وجه جوليا متحدثة: تدفعين !! ولماذا ستفعلين ذلك ونحن هنا يا شهد، ألسنا أهلاً لكِ ؟


إرتبكت الأخيرة هاتفة: أبدًا يا خالة، أنا حقًا أعتبركم كذلك، لكن فقط لا أحب أن أكون عبئًا على أي أحد


عقدت جوليا حاجبيها هاتفة بضيق تجلى على محياها: أي عبئٍ هذا يا شهد؟ كيف تقولين هذا الكلام أنت إبنتي مثل سحر تمامًا


فتحركت بحنق نحو باقي الثياب باحثة عن فستان ما، تاركة البنتان عابستان فتنهدت سحر مردفة بعتاب نحو شهد: أظنها غاضبة منكِ يا شهد، يبدو أنها قد جرحت حقًا لأنكِ لا تعتبرينها أمكِ


زمت شهد شفتيها بعبوس مغمغمة بحزن: لكن مقصدي لم يكن هكذا أبدًا يا سحر، لا أريد إحزانها صدقيني


تبسمت الأخيرة بحنو مستغلة الفرصة كي تتراجع أختها عن عنادها فأردفت بعتاب أخوي: إذهبي لها يا شهدي وحدثيها مخبرة إياها أنها بمقام أمكِ، وأكيد ستقبلين كل شيئ منها وعن طيب خاطر


ترددت شهد بالتحرك، إلا أن سحر دفعتها برفق مشجعة إياها قائلة: هيا يا شهد لا تترددي، إذهبي لها


دنت شهد من جوليا بخطوات مرتبكة تدعك كفيها ببعضهما البعض خجلاً، هاتفة: خالة رجاءًا لا تغضبي مني، لم أقصد رفض ما تقدمينه لي، لكن فقط أنا أتحرج لا غير، لا تحزني أرجوكِ.


تابعت جوليا التقليب بين  الفساتين المعلقة متحدثة بعتاب دون النظر لها: لو كنتِ حقًا ترينني كأم لكِ لما قلت ما قلته، لكن معكِ حق ومن أنا أساسًا لأغضب أو أحزن، فأنا لست سوى والدة أختكِ التي عاشت معكِ بنفس البيت وتعتبرينني غريبة عنكِ، معكِ حق في رفض كل شيئ منا


قوست شهد شفيتها بعبوس حزين مهمهمة بصدق: أبدًا والله، أنا حقًا أحببتكِ منذ الوهلة الأولى التي وقعت عيناي فيها عليكِ، وصدقًا أعتبركِ بمقام والدتي رحمها الله.


رقت تقاسيم وجه جوليا بحنان، وقد غمر فؤادها عاطفة أمومية تجاه هذه الصغيرة التي لا تكف عن جذبها نحوها بكل عفوية بريئة، إلا أنها تصنعت العناد كي تكف عن حرجها ومبالغتها ، فأردفت بعتاب: لو صدقًا أحببتني أنا وزوجي عصام كان لابد لكِ من القيام بأفعال تدل على صدق شعوركِ نحونا، مثلما كانت إبنتي سحر تفعل مع والداكِ رحمهما الله وهو قبول كل ما يقدم لها من قِبلكم دون أن تفكر في الرفض وكسر خاطركم، لكنكِ أنتِ تحسست منا وكأن لا قيمة لنا عندكِ ، يبدو أنكِ لن تعتبريننا أهلاً لكِ أبدًا.


نفت شهد برأسها بسرعة مجيبة: بالعكس يا خالة أنتم أسرتي الجديدة التي حَباني الله بها بعد وفاة والداي، لا أحب رؤية الحزن بعيناكِ رجاءًا


إستدارت لها جوليا متخصرة وقد أردفت: إن كنتِ لا تريدين رؤية الحزن بعيناي حقًا، فتوقفي عن حساسيتكِ هذه تجاه ما نقدمه لكِ، لو قدمنا الكون كله لكِ فلن نوفي أبدًا دين والداكِ رحمهما الله لكل ما قدماه لإبنتي سحر طوال السنوات العديدة التي كانت تحت كفالتهم، لهذا إختاري إما أن تكوني مثل سحر تمامًا وتعاملين على هذا الأساس فلا ترفضي منا شيئًا، أو تعتبريننا مجرد أغراب لا نعني لكِ شيئًا ، وكهذا لن يخاطب لساني لسانكِ أبدًا


إنحنت شهرة على سحر قليلاً واللتان كانتا تراقبان الموقف، مردفة بإبتسامة: أمكِ لطالما كانت تستخدم هذا الأسلوب الماكر معي لإقناعي بأي شيئ تريده، فقد كانت تهددني كل مرة حين أرفض مساعدتها لي في أمر ما بأنها ستحزن وتقاطعني للأبد.


قهقهت سحر بخفة مجيبة إياها: وأنا التي كنت أستغرب لماذا أستخدم هذه الطريقة أيضًا ، يبدو أنني ورثت هذا من أمي العزيزة، فأنا لطالما هددت صديقاتي عندما يرفضن شيئًا ما مني، وكالعادة يوافقن على ما أريد خشية خسارتهن لي.


تنهدت شهد بخفوت مدركة صدق والدة سحر في تعاملها معها وأنها تعتبرها بنتًا لها حقًا، فأومئت إيجابًا موافقة: كما تريدين يا خالة لابئس، المهم لا تحزني رجاءًا مقامكِ غالي عندي كثيرًا


ضيقت جوليا عينيها تتحرى صدقها مستفهمة منها بشك: هل تعنين هذا حقًا ؟ أو تسايرينني فقط، لأن هذا الموضوع سيغلق نهائيًا،
و إن فتح من قبلكِ مجددًا صدقًا سأخاصمكِ للأبد.


تبسمت شهد برقة مؤكدة حديثها : نعم أعني ، أقسم لكِ بجلالة الله لن أفتح هذا الموضوع مجددًا، رضاكِ فقط


تهللت أسارير جوليا بفرحة وتراقصت نبضات قلبها سرورًا وحبورًا، فاتحة ذراعيها لها بمحبة أمومية صادقة، قائلة: تعالي لحضني يا ضنايا


توردت شهد بخجل وإرتبكت جوارحها إلا أنها لم تشأ إحراجها، فتقدمت معانقة إياها، لتبادلها جوليا الحضن بقوة تلف ذراعيها حولها، تغمرها بحنانها وعطفها، فقبلت رأسها بمحبة خالصة، مغمغمة بعدها: لا حرمني الله من إبنتي الثانية، عساني أكون لكِ نعم الأم يا حبيبة قلبي


إندست شهد بحضنها أكثر وكأنها تطالبها بمدها بالحب دون توقف، و بعد لحظات إبتعدتا عن بعض فكوبت جوليا وجنة الأخيرة مستفسرة منها بإبتسامة حانية: والآن أين هو ذلك  الفستان الذي أعجبكِ ؟


بادلتها شهد البسمة برقة مشيرة بكفها نحو الفستان المقصود مرددة: ذاك


وجهت جوليا نظرها للمكان فبرقت عيناها بإعجاب مغمغمة: ذوقكِ رائع حقًا، إنه مبهر


تخضبت وجنتي شهد بحمرة الخجل، فإقتربت جوليا من شهرة هاتفة: جهزي لنا ذلك الفستان أيضًا يا شهرة، وأنا سآخذ الفستان النيلي الذي بالواجهة


حولت سحر بصرها  للفستان الذي تقصده والدتها، فرفعت حاجبها بإعجاب حقيقي، فقد كان بقماش مخرم يحد معظم الجسد حتى نصف الفخذ فيتدرج بإتساع واضح بعدها، بكمين طويلين للمرفقين، كان فخمًا وراقيًا بشدة.


فدنت سحر من والدتها متحدثة بإنبهار: أنه رائع حقًا يا أمي، ذوقكِ مبدع


تبسمت والدتها بدفئ حاضنة كتفها بحنان مغمغمة: مثل ذوق إبنتي الرائعة تمامًا


قهقهت سحر برقة هاتفة بشقاوة: كلماتكِ الحلوة هذه تغذي الروح جدًا


قبلت جوليا جبينها بعاطفة أمومية كبيرة هامسة: أنتِ هي الروح التي تجوب جسدي يا قرة عيني


ترقرقت مقلتي سحر اللازورديتين تأثرًا، متأملةً تقاسيم وجه أمها الحاني، تراها كجنة باهرةً، مبهرةً، ساحرةً، حانيةً ، تغمرها حبًا وأملاً، عطفًا وسلامًا ، هي بحنانها مشعةً كشمعةٍ مضيئةٍ تملأ ما حولها نورًا، هي التي يستضاءُ بها كيان إبنتها سحر.


بعد لحظات غادرت جوليا والفتاتان محملتان بما إخترن من فساتين، فإستدارت جوليا نحو شهرة التي رافقتهم لغاية المدخل، هاتفة: والآن في حفظ الله يا شهرة، نلتقي في فرصة قريبة بإذن الله


تبسمت لها الأخيرة بمودة خالصة مجيبة إياها بإحترام: في أمان الله، ومبارك مجددًا لعودة أميرتكِ المفقودة يا جوليا، تستحقين كل خير حقًا


قهقهت جوليا برقة محيطة كتف شهد مرددة بسعادة: أميرتين يا شهرة إثنتين، وليست واحدة


ضحكت شهرة مومئة إيجابًا قائلة: حسنا، أميرتين يا جوليا ، حظكِ عظيم جدًا بهاتان الجميلاتان، فقط أبعديهما عن الأنظار كي لا يتزاحم الخطاب على باب قصركم، رعاهما الله لكِ


تنهدت جوليا بسعادة شديدة ملئت فؤادها مهمهمة: أمين يارب، والآن إلى اللقاء


تمتمت شهرة بالوداع، حيث تحركت الفتيات فتجلى لهن زياد بعيدًا عن المحل بقليل متكئًا على الجدار يتلاعب بهاتفه، فدنت سحر من والدتها مستفسرة بهدوء: لماذا زياد يتبعنا يا أمي، لو جلس بسيارته أفضل له من الوقوف هكذا


زفرت والدتها بخفوت هازة رأسها على عناد إبنها مجيبة: هو هكذا كعادته، كلما يوصلنا لمكان ما لا يغادر أبدًا ويضل مراقبًا لنا حتى يعيدنا للقصر


عقدت سحر حاجبيها بإستغراب مستفهمة منها: ولماذا كل هذا ؟


تنهدت جوليا بإبتسامة رقيقة مرددة: يخشى أن نتعرض لمضايقة ما، هذه العدوى أصابته من أخيه أدهم فهو أيضًا هكذا ، لكن خلال السنوات الأخيرة إزدادَا حرصًا فسابقا لم يكونا بهذه المبالغة .


رقت تقاسيم وجه سحر، و إمتزجت بقلبها مشاعر الحب و الفخر، متأملة أخيها بمحياه الذي علاه الضجر مطرقًا رأسه يحدق بهاتفه، فالله قد أكرمها بعد طول فراق بأخين يشبهان شجرة طيبة مثمرة أغصانها مليئة بالزهرِ والثمرِ، أخذت الأكياس من والدتها وشهد مغمغمة ببسمة شقية : سأعطيهم لزياد كي يحملهم بدلاً عنا، فهو الرجل ولسنا نحن


قهقهت شهد بخفة هامسة: ستذهب لإستفزازه فقط


هزت جوليا رأسها على مكر إبنتها مردفة: أمري لله فقط، سيجلطونني قريبًا هذا مؤكد


تجاهلتهما سحر آخذة الأكياس نحو زياد الذي رفع رأسه ما إن إقتربت منه أخته، رافعًا حاجبه بتهكم فقال: أنهيتن أخيرًا !! لم تستغرقن وقتًا طويلاً، لو نمتن بالداخل لكان أفضل


تبسمت سحر إبتسامة بلاستيكية مصطنعة مغمغمة بإستفزاز: كنا سنفعل ذلك حقا، لكن أشفقنا عليكَ فقط، لهذا غادرنا فور تذكرنا أن هناك ولد صغير ينتظرنا بالخارج


جز زياد على أسنانه يريد ضربها حقًا هذه السنفورة المستفزة، إلا أنه هتف بضيق: الآن إختصري ماذا تريدين ؟


رمشت الأخيرة بعينيها ببراءة مصطنعة مقدمة الأكياس له قائلة: كن أخًا شهمًا وقم بحمل الأكياس وضعهم بالسيارة


تأمل زياد الأكياس فرفع حاجبه على حركاتها المثيرة للحنق، إلا أنه تبسم بإستفزاز مماثل آخذًا الأكياس منها مستفهما بهدوء مصطنع: تتدلل أميرة آل سلطان، هل من طلبات أخرى سيادتكِ ؟


أطبقت سحر على شفتيها كاتمة ضحكتها، إلا أنها تصنعت التفكير مرددة: حاليًا لا، لكن سنكمل التسوق وعندما ننتهي خذ الأكياس وإحملها بدلاً عنا يا حبيبي، إن كنتَ لا تمانع طبعًا


نفى الأخير برأسه متأملاً كتلة الإستفزاز التي أمامه مجيبًا إياها ببسمة مصطنعة: أبدًا، أنتن تأمرن يا مدللات وأنا خادم لكنَ طبعًا


مسحت سحر على ذراعه بمواساة مصطنعة مرددةً بضحكة ساخرة: قدركَ يا حبيبي، تقبله فقط ولكَ الأجر


رفع زياد رأسه للأعلى طالبًا العون من الله على هذه المخلوقة وما تمارسه من حركات مثيرة للأعصاب، فتحركت سحر عائدة حيث تتواجد أمها وشقيقتها تاركة أخيها يزفر بضجر، إلا أن شفتاه إرتفعت ببسمة رجولية حانية تدغدغ روحه المطالبة بشقاوتها الأخوية و التي ترسل سربًا من الفراشات الملونة محلقةً بصدره.


مشت جوليا خطوات بسيطة محدقة بساعتها الفضية هاتفة بلطف: لم يبقى إلا عشر دقائق وسيؤذن الظهر، فلنذهب للمصلى لأداء صلاة أولاً وبعدها نواصل التسوق


أومئت لها سحر ببسمة مجيبة: نعم أفضل


:


بعد عدة لحظات غادرن المصلى فإستفهمت شهد: والآن أين سنذهب يا خالة ؟


رقت تقاسيم جوليا مجيبة بحنو أمومي: أين تريد صغيرتي أن تذهب ؟


هزت شهد كتفيها بحيرة مرددة: لا أعلم، فقد إشترينا  الفساتين وبعض الثياب، لا أعرف ماذا سنشتري أيضًا ؟


قهقهت جوليا بخفة هاتفة: وهل تسمين تلك القطع التي أخذناها من محل شهرة تسوق، إن لم نشتري الكثير والعديد من الأشياء المختلفة لن نسمى ما قمنا به تسوقًا


ضحكت سحر موجهة حديثها لأختها ببسمة رقيقة: هناك محلات تفضلها شهد، ما هي يا ترى؟


عقدت جوليا حاجبيها بجهل متسائلة: ما هي هذه المحلات؟


هزت شهد كتفيها مجيبة: لا أعرف، فقد نسيت


غمزت لها سحر بشقاوة قائلة: أمتأكدة يا شهدي ؟ حسنًا سأذكركِ، ما هو المحل الذي يحتوي على مختلف أدوات التجميل؟


توسعت عيني شهد بإدراك، مصفقة بحماس شديد دَب بأوصالها هاتفة بحيوية : صحيح، صحيح، لم نذهب لمحل أدوات التجميل يا خالة


قهقهت جوليا مجددًا على حركاتها اللذيذة محيطة كتفها بحنان أمومي، وقد تحدثت بلطف: حسنًا إذًا، هيا فلنذهب للمحل المقصود وإختاري ما تحبين يا إبنتي


برقت عيني شهد بفرحة شديدة وقد تجلى ذلك بمحياها الجميل، فإبتسمت سحر والراحة قد تغلغلت بكيانها فيبدو أن شقيقتها بدأت تنزع الرسمية والتكلف مع والدتها وهذه بشارة طيبة جدًا أسعدت فؤادها، فغمغمت بإستفزاز: أنبهكِ يا أمي، شهد عندما تدخل لهذه المحلات سوف تنسى نفسها كليًا، وغالبًا ستشتري نصف المحل


تنهدت جوليا بخفوت ماسحةً بدفئ على ظهر شهد مهمهمةً بعدها: فلتشتري المحل بأكمله هو فداءًا لها، بل المركز التجاري بأسره سيكون ولاشيئ أمام معزتها بقلبي


توردت شهد بخجل مرتبك مرددة: توقفي يا خالة، أنتِ تخجلينني بنبلِ أخلاقكِ


برقت مقلتي جوليا الفيروزيتين بمحبة مجيبةً: صغيرتي الجميلة التي أضاء القصر كله بقدومها


قهقهت سحر بشدة على إستفزاز أمها وعلى ذلك التورد الذي علا وجنتي شهد، فضربت الأخيرة الأرض بقدمها بعبوس ظريف مغمغمة: يا خالة بالله عليكِ، والله تخجلني هذه الكلمات، توقفي من فضلكِ


ضحكت جوليا مقبلة رأسها هامسة من بين ضحكاتها: حسنا بنيتي سأتوقف، لا تفقدي أعصابكِ فقط


:


هتفت جوليا لموظفة المحل: حسنا جهزي لنا كل ما أخذناه، مع الحساب من فضلكِ


إستدارت الأخيرة نحو البنتين هاتفة بإستفهام: حبيبتاي هل أنتما متأكدتان أنكما لا تريدان شراء شيئ آخر؟


قهقهت شهد برقة مجيبة: لا يا خالة نحن متأكدات ، إطمئني


رفعت سحر حاجبها مستفسرة بتهكم: وهل بقي هناك شيئ بالمحل يشترى أساسًا، لقد أخذنا كل شيئ تقريبًا


كتمت شهد ضحكتها بكفها هامسة: هذا كله بسببكِ يا سحر لم تتركي شيئًا لم تشتريه


مطت الأخيرة شفتيها مردفة بسخرية: أقنعتني حقًا، ما شاء الله أتقارنين مشترياتي القليلة بما أخذتهِ أنتِ وأمي؟ ؟


تخصرت جوليا هاتفة بعتاب نحو إبنتها: سحر أتبخلين على أختكِx بمشتريات بسيطة، المسكينة لم تشتري شيئًا


فغرت سحر فاهها بصدمة متسائلة: كل هذا وتقولين مسكينة لم تشتري شيئًا ؟ ماذا لو إشترت إذًا ، ماذا كنتِ ستقولين يا ترى ؟


زمت شهد شفتيها بعبوس ظريف قائلة: بالله عليكِ يا سحر، كلها أدوات تجميل، ومستحضرات العناية بالبشرة، وعطور، وكريمات للشعر وللجسم فقط


قهقهت سحر على تلاعبها مشيرة لباقي الأكياس وقد تحدثت بمشاكسة: وباقي الأكياس على ماذا تحتوي يا ترى؟ لا تقولي على بنادق صيد وسكاكين


تأففت شهد بحنق مهمهمة: تحتوي على أشياء تخص النساء، لهذا لا علاقة لكِ بالأمر


قلبت سحر عينيها مجيبة بضجر: تخص النساء إذًا !! جيد أنكِ تأكدين لي كل مرة أنني رجل بذقن وشارب


كتفت شهد ذراعيها على صدرها قائلة بإستفزاز ظريف: الحمد لله أنكِ تعرفين نفسكِ إذًا، عاش من عرف قدر نفسه يا سحرور


رن هاتف جوليا التي أعطت بطاقة إئتمانها لعاملة المحل، حيث فتحت المكالمة مجيبة: نعم يا زياد ماذا تريد؟


تضجر الأخير مغمغمًا بتسائل: بالله عليكِ يا أمي، أين أنتن ؟ هل علي أن أبقى أركض خلفكن من محل لآخر كالأبله


مطت جوليا شفتيها هازة رأسها على تصرفات إبنها المبالغ فيها مرددة بملل مماثل: وهل طلب منكَ أحد ما أن تبقى معنا، إذهب إلى عملكَ أفضل من دور الحارس الشخصي الذي تمارسه الآن


زفر الأخير بضيق رافضًا للفكرة، قائلاً بعدها: تعلمين جيدًا يا جولي كرهي لفكرة ترككن لوحدكن، لا أستسيغ هذا الأمر



رقت ملامح جوليا وقد عمها الحنان لشهامة وحرص شبلها عليهن، فتبسمت بلطف مع العاملة مسترجعة بطاقتها بعد أن شكرتها، مشيرة للبنتين مساعدتها في حمل الأكياس، لتفعلا ذلك ، حيث إسترسلت الأخيرة مجيبةً إبنها: نحن بالدور الثالث من المركز ،أكملنا شراء بعض الأشياء، وسنتجه الآن لشراء باقي الأغراض، ستجدنا بجانب مجسم الغزالة الذهبي المعروف.


همس زياد متخذًا السلم الكهربائي للصعود للأعلى: حسنًا، قفن هناك حتى أوافيكن يا أمي.


همهمت جوليا بحسنا مغلقة المكالمة بعدها


ليخترق أذنها صوت شهد الضاحك : أجل للنساء فقط، وأنت لا تصنفين منهن للأسف


تبسمت سحر بمكر مغمغمة بإستفزاز: وأنت لأي صنف تنتمين يا حلوتي؟ تذكرت لصنف القردة الصغيرات


ضربت شهد بقدمها الأرض بحنق طفولي منادية على جوليا: أمي، إسمعيها إنها تتهكم علي


رفرفت سحر برمشها عدة مرات متفاجئةً بما سمعت، خاصة أن شهد قالتها بكل عفوية ، فتبسمت جوليا بحنان متأثرة بمناداتها لها "بأمي" وترقرقت عيناها بمدمع عاطفتها الأمومية الشديدة فدنت من شهد التي إرتبكت بعد أن أدركت ما تفوهت به دون وعي، إحتوت جوليا خدها بدفئ هامسة: يا قلب أمكِ أنتِ، (فتحت ذراعيها ضامة إياها لحضنها بكل قوة محتوية إياها بحبها وعطفها الحاني متابعة كلماتها بصوت متهدج)كم أريد أن أسكنكِ بين جنباتِ صدري يا قطعة من كياني أنتِ، طلبت من الله أن يعيد لي سحر فكان أعظم كرمًا فأعاد لي بدل سحر الواحدة إثنتين.


إندست شهد بحضنها متنعمة بتلك المشاعر التي غابت عنها بعد وفاة والدتها، صحيح أن سحر أختها ما بخلت عنها يومًا بهذه العاطفة، خاصة بعد وفاة والديها فلطالما كانت أختها كتلة من الحنان الدافئ والسكن الحاني لها، إلا أنها كانت هي الأخرى أيضًا تفتقر لهذه المشاعر من والدتها الحقيقية التي أبعدت عنها بطفولتها، فإبتسمت برقة رافعة رأسها نحو جوليا مستغلة الموقف مردفة بحنق ظريف: أمي، سحر تتهكم علي وتصفني بالقردة الصغيرة، أيرضيكِ هذا ؟


فغرت سحر فاهها على خبث أختها الشقي، لترق تقاسيم وجه جوليا أكثر لاثمة وجنة شهد بحب هامسة بعدها: أبدًا يا قرة عيني، من الذي يتجرأ أن يتهكم على صغيرتي


زمت شهد شفتيها بعبوس مضحك مجيبة: إنها سحر إبنتكِ تلك


وجهت جوليا نظراتها نحو سحر معاتبة إياها: سحر كفي عن إزعاج أختكِ، أنتِ الكبيرة بنيتي لا يصح هذا، كيف تصفين هذه القشدة بالقردة، أنظري لها إنها قابلة للأكل من شدة ظرافتها وجمالها


قهقهت شهد برقة وخجل مندسة بحضن جوليا مخرجة لسانها لسحر مستفزة إياها، لتنصدم الأخيرة أكثر، متحدثة بحنق: أمي، إنها تستغل الموقف فقط هذه الماكرة ، لا تصدقيها


عم العتاب وجه والدتها مهمهمة بلين: أنتِ الكبرى يا إبنتي، عليكِ إحتواء أختكِ الصغرى أكثر، لا يصح أن تتشاجرا لأسباب تافهة، كل واحدة منكما يجب أن تغض الطرف وتتنازل قليلاً لأجل الأخرى كي تكونا نعم الأختين


أومئت شهد إيجابًا هاتفة بضحكة شقية: معكِ حق يا أمي، أخبريها أن تتنازل لأجلي كل حين بما أنها أكبر مني سنًا



تخصرت سحر بحنق مصطنع مرددة من بين أسنانها: كلها ثلاث سنوات هو الفرق بيننا أيتها الماكرة، إستغلالكِ للموقف لن ينفع معي صدقيني


قوست شهد شفتيها بعبوس مصطنع مرددة نحو جوليا: هل رأيتِ كيف تعاملني يا أمي، تستغل جبروتها ضدي، أنا شقيقتها الصغرى اللطيفة


أصدرت جوليا صوتًا مستلطفًا على هذه المخلوقة الناعمة الظريفة، مغمغمة بعدها: لا تقلقي حبيبتي منذ اليوم لن يتجبر عليكِ أي أحد، حتى ولو كانت أختكِ سحر، سأعاقبها لأجلكِ إطمئني


رفعت سحر رأسها للسماء طالبة الصبر من الله محاولة كتم حنقها على مكر أختها ، فتحدثت بضجر: حسنًا أصبحت أنا الآن الشريرة هنا


رفعت شهد حاجبيها بإستفزاز مجيبة بشقاوتها المعهودة: أخبرتكِ عاش من عرف قدر نفسه يا سحرور


قهقهت جوليا على ظرافة إبنتيها مشجعة إياهما على الخروج من المحل هاتفة: والآن فلنغادر ، ولنكمل التسوق بقي لنا العديد من الأشياء لنشتريها


تحركت الفتاتان معها مغادرات المحل، فتجلى لهن زياد قادمًا نحوهن بوجهه العابس الوسيم فهتف: غبت دقائق فقط وجدتكن قد غبتن عن ناظري


رفعت سحر حاجبها مستفهمة منه: ومن قال أن تغيب أساسًا، ماذا هل مللت من دور الراعي الذي يحرس قطيعه


فرفع الآخر حاجبه بتهكم مماثل مجيبًا: وهل أترك أداء صلاتي لأجل تتبعكن أنتن


برقت عيني سحر بفخر وقد رق محياها الجميل ذاك متسائلة بفضول بهي : هل ذهبت للصلاة بالمسجد الذي بالقرب من المركز؟


أومئ لها الأخير إيجابًا مدركًا حب أخته للإلتزام بالفرائض وأدائها بوقتها، فغمغم: نعم ذهبت لأدائها وعدت لأجدكن غادرتن المصلى، وبالتالي وجدت نفسي أبحث عنكن مثل القطة التي تبحث عن صغارها


قهقهت شهد على تشبيهه المضحك فناظرها الأخير رافعَا حاجبه، لتنكمش الأخيرة بحياء متمسكة بجوليا هذه الأخيرة التي أحاطت كتفها بذراعها بحنو أمومي، فأردفت سحر بإستفزاز: جئت في وقتكَ، خذ هذه الأكياس وإحملهم عنا.


تأمل زياد عدد الأكياس الكثيرة التي بحوزتهن، فهمهم مستفهمًا بإستغراب: هل إشتريتن كل منتجات المحل أو ماذا؟


إبتسمت سحر بمشاكسة قائلة: الحمد لله أمي هي من دفعت ثمن المشتريات ولستَ أنتَ يا بخيل


أصدر الأخير تشه ساخرة هاتفًا بتهكم صريح: حقًا !! غريب لا أعرف من الأبله الذي أعطاكِ بطاقة إئتمانه لتشتري كل ما ترغبين به أنتِ وشقيقتكِ تلك يا ناكرة الجميل


نبض قلب سحر عدة نبضات راقصة وقد ناغشت تلك الذكرى الحلوة فؤادها، فضيقت عينيها سائلة إياه بشك مصطنع: هل حقًا فعلت هذا ؟


ضيق الأخير عينيه بطريقة مماثلة مسايرًا شقاوتها مجيبًا: نعم، أظن ذلك


قهقهت سحر برقة ضاربة صدره بخفة وقد أردفت : يبدو أنكَ كريم وشهم إذًا ، لا بئس بكَ، أنتَ في تطور ملحوظ يا زيادي


كتمت شهد ضحكتها على الإمتعاض الذي علا وجه زياد من تهكم أخته، فغمغمت جوليا بعد أن ملت من المسرحية بينهما : لا تبدءَا الآن، لازال لدينا بعض المحلات علينا زيارتها، فلنتحرك


أخذت سحر الأكياس من كف شهد ووالدتها مقدمة إياهم لزياد مرددة ببسمة مصطنعة: خذهم عنا، أكيد لن نتجول ونحن نحملهم يا ذكي


بادلها الأخير بسمته المصطنعة هاتفًا من بين أسنانه: لا تقلقي يا كابوس حياتي كنت سأحملهم طبعًا.


هزت الأخرى كتفيها بزهو أنثوي جذاب هامسة : ولد شاطر، أحسنت

مط الأخير شفتيها بتهكم بعد أن أخذ الأكياس مردفًا: قزمة غبية


تحركت جوليا مع شهد بعد أن هزت رأسها يأسًا على تصرفات الإثنين لتتحرك خلفهما سحر هاتفة نحو زياد دون أن تستدير له: عامود إنارة متعجرف


:
•♡•
:


دعك رعد صدغه بأنامله مواصلاً عمله على الحاسوب، متابعًا الضغط على أزراره حيث أردف ببرود لشريك جلسته دون أن يحيد بعيناه عن الشاشة التي أمامه : أخاك لم يأتي للعمل أليس كذلك؟


إرتفعت زاوية شفاه أدهم ببسمة رجولية متأملاً الأوراق بقربه على المنضدة: حسب علمي لا، أظنه إصطحب والدتي والفتاتين للسوق


زفر رعد بخفوت مغمغمًا بحدة: يبدو أنه إعتاد على الدلال حقًا


قهقه أدهم بخفة وقد تراجع للوراء متكئًا على الأريكة مدققًا بالورق الذي بيده، مجيبًا: زياد قد يتهاون قليلاً، لكنكَ خير من يعرفه من حيث العمل ، فهو ليس بذلك الإتكالي أو الكسول يا رعد، لا تضلمه ، فكل ما يشرف عليه يكون ناجحًا 100%، أحيانًا يتفوق علي أنا شخصيًا


ناظره رعد ببرود، ليعيد بصره لحاسوبه متابعًا عمله، فإخترق صوت أدهم أذنيه مجددًا قائلاً: لو قمنا بمقارنة عملنا نحن بالمكتب بما يقوم هو به الآن لحمدنا الله كثيرًا، أراهن أنه حاليًا يشتم في سره على بلوته التي أوقع نفسه بها


فضحك متخيلاً الوضع الذي يعانيه أخيه، ليحمل هاتفه متصلاً به وقد فتح مكبر الصوت واضعًا إياه على المنضدة متابعًا عمله، حيث تهادى له صوت زياد بعد أن فتح المكالمة: ماذا تحتاج أنتَ أيضًا؟


قهقه أدهم هازًا رأسه على ما يعانيه الآخر، مستفهمًا بإستفزاز: أردت فقط أن أتأكد أنكَ بخير لا غير


زفر زياد بضجر، رافعًا رأسه للسماء وقد تملكه الحنق حقًا، ليتكأ على الحاجز الحديدي بالمركز مراقبًا أمه والفتاتان بمحل الملابس النسائية للشراء ما يردن، فأجاب: لستُ بخير، ولن أكون كذلك أبدًا، ما دمت مع هؤلاء المخلوقات، صدقًا سأصاب بجلطة قلبية


رفع رعد حاجبه على مبالغة إبن عمه، فأطبق أدهم شفتيه محاولاً كتم ضحكته فتسائل بعدها: لا تبالغ يا زياد، مجرد تسوق بسيط وستتخلص من هذه المهمة المملة، إصبر فقط


ضحك الآخر ضحكة ساخرة مغمغمًا من بين أسنانه: تسوق بسيط إذًا !! تمزح أليس كذلك ؟ بالله عليكَ إنه المحل الثالث بعد الألف يا أدهم، تخيل فقط لقد إشتروا كل المركز التجاري، أقسم أن كل محل يدخلونه يشترون نصفه، لا والأهم أن أمي تقول بكل مسكنة بعدها " أووه بناتي المسكينات لم يشترين شيئًا" اللعنة ماذا لو إشتروا إذًا ؟ أتعلم أمرًا إذهب وتفقد الأرصدة البنكية أراهن أننا أفلسنا


قهقه أدهم بشدة غير قادر على كتمانها أكثر، فأردف من بين أنفاسه: هيا يا أخي لا تبالغ، صحيح أن تسوق النساء متعب قليلاً، لكن ليس لتلك الدرجة التي تدعيها، أتذكر أنني رافقت أمي بضع مرات لم تكن بذلك السوء الذي تصفه


تضجر زياد هازًا رأسه على قلب أخيه للحقيقة، فغمغم بضيق : لقد قلتها أمي لوحدها، وليس مع تلك المخلوقتين الصغيرتين، تخيل قطة مع سنفورتين، يا إلهي لقد تسببوا لي بإرتفاع الضغط.


ضحك أدهم مسترسلاً بعمله فأردف بهدوء: أتركهن وتعال إذًا، سأرسل السائق لهن لإصطحابهن بعد أن يكملن التسوق


زمجر زياد رافضًا للفكرة قائلاً: مستحيل، بما أنني أنا من أخذتهن علي أن أعيدهن بنفسي للقصر، أخشى أن يتعرضن للمضايقة إذَا غبت عنهم لدقائق، فما بالكَ أن يكن لوحدهن بهذا المكان الذي يعج بالشباب


تبسم أدهم إبتسامة باهتة مدركًا أنه هو من زرع بأخيه هذه الحماية المبالغة للأسرة، رافعًا أنامله داعكًا ما بين عينيه محاولاً أن يتخلص من ومضات لذكريات بائسة مرت على ذكراه، ليستفيق من شروده على صوت رعد المستفهم : هل أنتَ بخير يا أدهم؟


إبتلع الأخير ريقه مشتتًا فكره بعيدًا عن تلك الأحداث المريرة، مجيبًا بصوت هارب: أجل، فقط صداع خفيف لا تهتم


ناظره رعد بعيون غامضة باردة و قد توشح محياه بالجمود، كأنه يسايره في كذبته، إلا أن أدهم مدرك تمامًا أنه مكشوف على صاحبه غير أنه يتجنب الضغط عليه كعادته


-صدقيني موتك سيكون على يدي يا كابوس حياتي


كلمات حانقة إنطلقت من فم زياد بعد أن ناظرته سحر عبر واجهة المحل الزجاجية غامزة له بإستفزاز وقد علت شفتاها إبتسامة براءة مصطنعة مشيرة لأكياس الثياب التي معهم وكأنها تخبره أن يجهز نفسه كالعادة لحملها.


قطب رعد جبينه بإستغراب ، فقهقه أدهم على حنق أخيه مستفهما بفضول: من هذه التي تستفزك يا زياد؟


زفر الآخر بغضب مغمغمًا من بين أسنانه: ومن غيرها يا ترى؟ كم كابوس لدينا سواها..سبحان الله وجهها الملائكي مخالف تمامًا لشخصيتها المستفزة


تبسم أدهم مضيفًا بهدوء: أظن أنني عرفت المقصودة


ضحك زياد بتهكم مجيبًا: أكيد الكل سيعرفها، تلك المستفزة المثيرة للأعصاب، صدقًا سأقتلها قبل أن نصل للقصر .


إستقام أدهم حاملاً الأوراق معه هاتفًا: بالله عليكَ تصرف كأخ كبير وإعقل، صدقًا هي ملاك لطيف


توجه نحو رعد مقدمًا له ما بيده، فأومئ له الأخير بهدوء متابعًا ما يمارسه، ليأتيه صوت زياد الساخر: أي ملاك هذا يا أخي، إنها ماكرة مستفزة تتلاعب بأعصابي، والأجمل أن والدتي معها ضالمة أو مضلومة، بتّ أغار حقًا


ضحك أدهم هازًا رأسه على تصرفات أخيه، مشيرًا لرعد أن يعطيه باقي الملفات لدراستها، فأعطاه الآخر ما أراد بهدوء، حيث غمغم بعدها عائدًا لمكانه جالسًا على الأريكة: توقف عن غيرتكَ المبالغ فيها، صرت رجلاً راشدًا دعهما يتنعمان قليلاً من حنان والدتي


رفع زياد كفه لسحر التي كانت ترمقه بإستفزاز مشيرًا لها حيث رقبته بما معناه أنه سيقتلها، لتضحك الأخيرة بشقاوة مرسلةً له قبلة بالهواء كأنها تستجدي عطفه الأخوي ، فرق قلب الأخير المرهف لها وقد إبتسم بحنو متأملاً بسمتها تلك التي أشرقت بعد أكثر من عقدين من الغياب بحياتهم ، أخته صغيرته وزهرة أيامه، هي ضلعه الثابت الذي يتعافى بها من وحشة الأيام و بها يزهر ربيع قلبه وتمطر سحب روحه غيثًا طيبًا ، فتمتم من غير وعي: تبا كم أصبحتُ أحبها


رفع رعد حاجبه على حركات إبنه عمه المثيرة للريبة حقًا متابعًا عمله على حاسوبه، فضيق أدهم عينيه مستفهمًا بشك: من هذه التي أصبحت تحبها أيها المتلاعب، هل أصبحت تعاكس حرمات الغير ونحن لا ندري


قهقه زياد بخفة متابعًا تأمل أخته التي تحوم بأرجاء المحل حيث كانت تنتقل من ركن لآخر تحدث شقيقتها والعاطفة تشع من عيناها نحو الأخرى، مردفًا: ومن غيرها يا أخي، سحر حبيبة قلبي


نظر أدهم نحو رعد بطرف عينيه ليراه منكبًا على عمله كالعادة، فحمل هاتفه مغلقًا زر مكبر الصوت واضعًا إياه على أذنه قائلاً: واضح جدًا حبكَ لها، لهذا تواصل إستفزازها يا غيور


همس الآخر بحب تجلى بمقلتيه البنيتين: باللهِ عليكَ، هل أخذت كلامي على محمل الجد، كله مزاح لا غير، سحر الآن هي جزء من روحي وقطعة من قلبي، لم يمضي على قدومها سوء يوم واحد إلا أنها تتغلغل بكياني بطريقة عجيبة وكأننا لم نفترق يومًا، لا أعرف كيف أشرح لكَ الأمر، أحس أن لساني عاجز عن وصف هذا الشعور.


تبسم أدهم بحنو ماسحًا على صفحة وجهه مغمغمًا بهدوء: أراهن أنّ مشاعر الأخوة الممزوجة بإحساس الأبوة بدأت تقودكَ نحوها بقوة.


ضحك زياد مجيبًا بحبور أشرق محياه على إثره: نعم شيئ من هذا القبيل، كيف عرفت هذا ؟


قهقه أدهم هاتفًا بعدها: لأنني أمر بنفس الأمر أيها الذكي، أنسيت أنها أختي الصغرى


مط زياد شفتيه بعبوس متأملاً خروج أمه والفتاتان من المحل، ليتحرك نحوهن هامسًا: على فكرة هي تحبني أكثر منكَ يا ممل، والآن علي أن أغلق المكالمة فقد خرجن من المحل و سآخذ الأكياس منهن وأضعهم بالسيارة كالعادة، وداعًا


همهم أدهم بالوداع، هازًا رأسه على غيرة أخيه على أخته منذ الآن، يبدو أنها ستعاني حقًا معهما، هذا إن لم يحدث العكس


تحدث أدهم بتسائل فاتحًا حاسوبه: بالمناسبة يا رعد، لم أسمع لكَ أي رأي بخصوص قدوم شهد


عقد الأخير حاجبيه تاركًا ما بين يديه مستفهمًا وقد وجه نظراته نحو الآخر : شهد !! من هذه أيضًا ؟


رفع أدهم حاجبه ضاغطًا على بعض الأزرار مجيبًا إياه : شهد شقيقة أختي، أظنكَ علمت أن جدي وافق على قدومها للعيش بكنفنا


أعاد رعد نظره لما بين يديه مهمهمًا بتهكم: أجل علمت فقد إستشارني في ذلك ، والمطلوب الآن ؟


هز الأخير كتفيه مغمغمًا بهدوء: فقط أردت معرفة رأيكَ لا غير


زفر رعد بخفوت مرددًا ببرود: وهل يهم رأيي في شيئ، تمت الموافقة على الموضوع وإنتهى


ناظره أدهم بعيون مبهمة متحريًا رأي الأخر من خلال صمته، ليستفهم بهدوء: موافقتكَ، هل فعلتَ هذا من أجل والدتي؟


أجاب رعد بسرعة ودون تفكير: طبعًا، وهل كنت سأوافق لأجل عينيكَ أنتَ وأخيكَ مثلاً


قهقه أدهم هازًا رأسه على صديقه قائلاً: على الأقل جاملنا لنغتر قليلاً يا بني آدم، أو قل لأجل أبي مثلاً


تنهد رعد متكئًا على ظهر كرسيه بتعب داعكًا رقبته بإرهاق، قائلاً: والداك كلاهما على رأسي كما تعلم ، لكن أمكَ بالذات لها أغلى مكانة عندي


تبسم أدهم بلين مدركًا تعلق وحب رعد الكبير لوالدته، فهي الوحيدة التي لا يرد لا طلبًا ولا يجادلها في شيئ ، بل يلبي فورًا بمجرد أن تطلب وتشير، فهي أكثر شخص إستطاع أن يزرع بقلبه الحب ويحتوي روحه ويضمد جراحه



:
•♡•
:


تنهدت سهام متابعة طي الملابس فوق بعضهم البعض وروحها شاردة بعيدًا عن واقعها كالعادة، لتستقيم متوجهة نحو خزانة ثيابها واضعة الثياب بأحد أرففها، فإقتحمت والدتها غرفتها والبسمة تعلو ثغرها وبين بيديها ثوب سكري اللون، مغمغمة بحبور: سهام بنيتي ، هذا الثوب رائع أنظري سيناسبكِ لحفل الغد، ما رأيكِ ؟


تأملت الأخيرة الثوب بعيون تائهة لتجبر نفسها على الإبتسام خشية كسر خاطر والدتها الحنون، فأجابت بصوت مبحوح: ما شاء الله إنه رائع حقًا


برقت عيني والدتها بفيض من الحنو هامسة بحبور تجلى على محياها: عليكِ أن تري خالتك جوليا إنها تقفز سعادة لعودة إبنتها، وأخيرًا عادت الفرحة الحقيقية تشع من كلماتها، الحمد لله


تبسمت سهام بمودة لأجل خالتها الطيبة، والتي لطالما كانت لهم أمًا ثانية محبة، فغمغمت بتأثر: خالتي جوليا تستحق كل خير حقًا، هي أروع إمرأة رأيتها بحياتي


أومئت لها والدتها بهدوء وقد علقت  الفستان على المشجب مرددة: متشوقة لرؤية إبنتها سحر كثيرًا، أخبرتني جوليا أنها أصبحت شابة ناضجة في غاية الجمال


مطت سهام شفتيها مغمغمة بتهكم: أكيد لن تعود وهي طفلة ذات ثلاث سنوات، طبعًا ستكون شابة


ناظرتها والدتها بحدة مرددة: ليس وقت سخريتكِ الآن يا سهام، المهم أنا محتارة ماذا سأهديها يا ترى، صدقًا تفكيري ضائع


هزت سهام كتفيها متحركة نحو باقي الثياب لوضعهم بالخزانة، قائلة: أطبخي لها تلك الحلويات التقليدية التي إعتدتِ على صنعها، فهي لذيذة جدًا ، أكيد ستعجبها


رفعت والدتها حاجبها واضعة كفيها فوق بعضهما البعض مرددة بسخرية : حقًا !! أهدي الفتاة التي عادت بعد طول غياب حلوى تقليدية ، هل هذه هدية مناسبة تقدم لها ؟


زمت سهام شفتيها مستديرة لوالدتها مجيبة بصبر: هل تعتقدين حقًا يا أمي أنها ستهتم بثمن أو نوع هديتكِ ؟ الفتاة الآن أصبحت تنتمي للطبقة البرجوازية الثرية، وستحصد أملاكًا عديدةً لا حصر لها، أكيد لن تهتم بهدايانا المتواضعة


تنهدت والدتها بخفوت دالكةً جبينها بحيرة متحدثةً بضياع: لكن صنع الحلوى شيئ مبتذل، يفضل شيئ قيم أحسن، خاصة أن أختي جوليا لطالما غمرتنا بإحسانها


أغلقت سهام الخزانة هاتفة بكلمات مبطنة: فلتدعي فقط أن تكون البنت كأمها لا غير


عقدت والدتها حاجبيها مستفهمة بريبة: ما معنى حديثكِ هذا يا سهام؟


جلست الأخيرة متربعة على سريرها، موضحة بهدوء: يعني أن تكون سحر تلك مثل خالتي جوليا بخلقها وقِيمها، يعني بواطنها جميلة كمظهرها الذي تتحدثون عنه


زفرت أمها هامسة ببسمة ودودة: بإذن الله هي كذلك، فحسب ما حكته جوليا فهي نعم البنت خلقًا ودينًا، و أيضًا الله لن يخيب أختي بعد كل هذه السنوات من الفراق، بإذن الله سيجبر خاطرها ويسعد روحها


تمتمت سهام بآميين ، فأردفت والدتها بفرحة شديدة بعد أن تذكرت شيئا ما: ما رأيك أن أهديها ذلك العقد الذي ورثته عن والدتي رحمها الله، صحيح أنه من الفضة لكنه سيعجبها طبعًا فهو عقد تقليدي ثميين جدًا


تبسمت سهام برقة رغم إنطفاء مقلتيها إلا أنها سايرت والدتها مرددة بلين: لكنه غالي على قلبكِ جدًا يا أمي ، إنه من بقايا مستلزمات جدتي رحمها الله، أمتأكدة أنكِ تريدين تقديمه لها ؟


تنهدت والدتها مغمغمة بعاطفة شديدة : صحيح أنه أغلى ما أملك بنيتي، لكن لا شيئ يغلى أبدًا على مكانتكم بقلوبنا، إبنة أختي عادت بعد طول غياب ، هذا الفراق الذي خلف جراحًا متقرحة بروح جوليا بالسنين الماضية، وعانت على إثره أشّد المعاناة رغم تمثيلها للعكس تمامًا، إلا أنني أعرفها جيدًا، هي أم مثالية و شخصيتها عاطفية جدًا ، وقد كان وقع ما حدث سابقًا شبه قاتل لها، وبعودة إبنتها وإرتسام السعادة على محياها بوضوح تام، فإنّ لا شيئ سيكون ثمينًا بعدها بقدر غلاوة وعظمة سعادة أختي


رقت ملامح وجه سهام مهمهمةً بحب: أنتِ رائعة حقًا يا أمي، أنتن الثلاثة صدقًا نعم الأمهات والأخوات.


قهقهت والدتها مرددة: لا تبالغوا يا أولاد فلطالما صدعتم رؤوسنا أنتِ وأبناء خالتيكِ بسخريتكم من عاطفتنا


تنهدت الأخرى بخفوت مغمغمة بتوضيح: تدركن جيدًا أننا نمزح فقط، بالعكس أنتن قدوات لنا، ونحن حقا نفتخر بكن دومًا


ربتت والدتها على رأسها بحنو أمومي متحدثة: عسى الله أن يسعدني فيك أنتِ أيضًا يا إبنتي، ويعوضكِ خيرًا


إبتلعت الأخيرة ريقها بوجع أضنى روحها متهربةً من نظرات والدتها الحانية التي تقتلها كل حين، مهمهمةً بخفوت شديد: أمين


فتابعت والدتها حديثها: أظن أنني سأتصل بخالتكِ ضحى لأتأكد من قدومها هي الأخرى مع هاني


تخشبت أطراف سهام وإرتعشت مقلتاها، لتستفهم بصوت هارب: هل...هل خالتي ضحى ستأتي حقًا ؟؟


رمقتها والدتها بإستغراب مجيبةً بعدها: طبعًا يا إبنتي ما هذا السؤال ؟ أنسيت أن جوليا أيضًا أختها وسحر إبنة أختها، لولا الخجل لكنا ذهبنا لزيارتها منذ الساعة الأولى لقدوم الفتاة ترحيبًا بها، لكن إحترامًا لخصوصية أسرة عصام أجلنا الذهاب قليلاً كي يستدركوا أنفسهم فقط


إرتبكت سهام وإزداد هدير قلبها ، فغمغمت بهدوء مصطنع: أمي ما رأيكِ أن تذهبي أنتِ وأخي هاشم، وأنا أبقى بالبيت فقد يحتاج والدي شيئًا ما فلا يجد أحدًا


رفعت والدتها حاجبها مجيبة بسخرية: تريدين أن تضلي هنا بين أربع جدران كعادتكِ بدل أن تفرحي بعودة إبنة خالتكِ المفقودة وتشاركي خالتكِ جوليا سعادتها، ألم تتشدقي طوال الوقت بحبكِ العظيم لجوليا، وأيضًا والدكِ سيذهب معنا للإحتفال فقد دعاه عصام شخصيًا.


زفرت سهام بحنق مجيبة بدفاع عن نفسها: أمي بالله عليكِ، أنتِ تدركين جيدًا بمدى حبي الكبير لخالتي جوليا، أنا فقط نفسيتي ليست مستعدة للإختلاط أكثر بالبشر


رمقتها والدتها بحدة رغم وجع قلبها على إبنتها، إلا أنها لا ترضى أبدًا أن تراها كهذا خانعة مستسلمةً للوضع الذي غمرت نفسها به، هاتفة بغضب: إسمعيني جيدًا يا سهام غدًا ستذهبين معنا رغمًا عنكِ، وسترحبين بإبنة خالتكِ، وتشاركين جوليا فرحتها، والأهم أنكِ ستتوقفين عن أسلوب الإنطواء هذا يا إبنتي، صدقًا يؤلمني قلبي كلما أراكِ تتهربين من الاختلاط بالغير


أومئت لها سهام راضخة لطلب أمها فهي لا تملك غير هذا ، مجبرة على مسايرتها خشية أن تكسر خاطرها فتتسع رقعة ألمها فهي تدرك أنّ هذه الأخيرة تحمل همها كثيرًا، حيث دنت منها والدتها مقبلةً جبينها بحب متمتمةً: عساكِ تجبرين يومًا يا صغيرتي.


لتتحرك مغادرة الغرفة، حيث إنسابت دمعة حارقة على وجنة الأخرى فمسحتها بسرعة، وقد غاص فكرها في ومضات آخر لقاء لها معه بالشارع، فرفعت كفها حيث قلبها متمتمة بصوت متهدج :رحماك ياارب، أرح قلبي منه، وأرحه مني فما عاد بالفؤاد طاقة للوجع أكثر.




:
•♡•
:


ترجلت جوليا وشهد من السيارة بعد وصولهم للقصر، فهمت سحر بالمغادرة هي الأخرى إلا أنها توقفت مبتسمة بإستفزاز منحنية على كرسي زياد الذي نزع مفتاح السيارة فهمست ببراءة مصطنعة: ماشاء الله مازلت تتذكر طريق القصر، وأنا التي إعتقدت أننا سنهيم شاردين بالأرجاء بسبب نسيانكَ لطريق العودة


تنهد زياد ضاربًا رأسه على مقود السيارة مهسهسًا من بين أسنانه: غادري السيارة يا كابوس حياتي قبل أن أقتلكِ وأحرق جثتكِ


قهقهت سحر برقة مستفهمة بإستفزاز أكبر: أحقًا تستطيع فعل هذا يا زيادي ؟


هم الأخير بفتح الباب هامسًا ب: سترين إذًا.


توسعت عيني الأخيرة بخوف لتفتح بابها بسرعة مترجلةً قبله فارة منه، راكضة نحو أمها وأختها شهد، فقهقه الأخير عليها مغمغما: جبانة


إستدارت له الأخيرة رافعة حاجبها بتهكم مرددة: عامود إنارة


فتجاهلها الأخير بعد أن رمقها بحدة والجًا للقصر من الباب الخلفي.


وجهت شهد نظرها نحو جوليا متسائلة بلطف: خالة تلك الأجهزة الصغيرة ماهو دورها في العناية بالجسم ؟ أتذكر أنني رأيتها بمواقع التواصل لكن حقًا نسيت فائدتها


تبسمت جوليا بحنو قارصة خد شهد بخفة مجيبة: هي تساعد كثيرًا في ترطيب البشرة وجعلها ناعمة جدًا كبشرة الأطفال وإستخدامها سهل، سأعلمكما طريقة إستخدامها حبيبتاي


تحسمت شهد مردفة بحيوية بهية: فلنجربها الآن إذًا (فتوردت بخجل متابعة بإرتباك)هذا إن كنت متفرغة طبعًا


قهقهت جوليا على ظرافتها لتقبل رأسها بحب، صدقًا هذه الفتاة حجزت حيزًا كبيرًا من المحبة في قلب الأخيرة بكل سرعة، فأجابتها ببسمة حانية: طبعًا سنذهب الآن لجناحكما، وتجربان كل ما تحبان يا صغيرتي


حولت سحر نظراتها للجهة الأخرى من الحديقة فتجلى لها والدها رفقة أدهم، ليمر بريق شوق خاطف على مقلتيها مغمغمة: إذهبا أنتما فقط يا أمي، وأنا سأذهب لأسلم على أبي وأخي أولاً


أومئت لها والدتها إيجابًا هامسة: حسنا بنيتي


تبسمت سحر بمودة متحركة نحو الواقفان هناك اللذان كانا يتناقشان بموضوع ما، متأملة مظهر والدها الإستقراطي والهيبة التي تعلو محياه، إلا أنها أيقنت بعد اللحظات التي قضتها معه أن حنان العالم أجمع قد تجسد به، فهو شبيهَ واحةٍ ‏مُزهرةٍ تلخصَ سرّ الربيع بها، حولت نظراتها لأخيها الكبير أدهم لتتسع بسمتها أكثر فهو حقا شبيه بأبيها وكأنه نسخة شبابية مصغرة عنه، أخيها الذي جمع بين العطف والسند، فهو الذي إن طلبت منه نجمتين سيعود لها وفي كفه السماء، سيبقى دومًا هو الأمان والمأوى.


دنت أكثر منادية على أبيها كي تلفت إنتباههما: أبي حبيبي


إستدار الأخير لها، فعلت تلك الإبتسامة المشرقة ثغره، ورقت تقاسيم وجهه الجادة هامسًا بحنان: ها قد عادت حبيبة قلب أبيها


قهقهت سحر برقة وقد دغدغت كلماته حواسها ، فركضت نحو والدها، ليقدم الأخير الملف الذي كان بحوزته لإبنه الذي أخذه والبسمة قد إرتسمت على شفاهه.


ليفتح عصام ذراعيه ملتقطًا إبنته التي رمت بنفسها على صدره، فحضنها بقوة رافعًا إياها عن الأرض بضع سنتميترات يدور بها حول نفسه، تاركًا سحر تقهقه بشدة وقد إندست بحضنه أكثر متمرغة به كقطة صغيرة تتشرب من الدفئ أباها متنعمة من حبه الأبوي، فقبل عصام رأسها بعاطفة جياشة، لتغمغم سحر بعاطفة مماثلة : إشتقت لكَ كثيرًا يا أبي


تبسم الأخير بحنان ضامًا إياها أكثر عساها تخترق صدره فتتخذ قلبه سكنًا لها هناك ، مرددًا بحنو: وأنا أيضًا يا روح أبيكِ أنتِ


تأمل أدهم المنظر الذي أمامه، ليضحك بسخرية مداريًا تأثره بالموقف وتلك السعادة الحقيقية التي تجلت على تقاسيم أباه بعد طول سنوات، وأخيرًا نالهم فرج الله وغشيتهم رحمته ، فهتف بتهكم مصطنع: لم يمضي سوى ساعات قليلة منذ رؤيتكِ لأبي ، هل إشتقتِ له بهذه السرعة أيتها الماكرة ؟؟


أحاطت سحر خصر والدها تضم نفسها له أكثر مجيبة بحلاوة: أنا أشتاق لأبي حتى وهو معي، فما بالكَ إن إبتعد عني لدقائق، هو جنتي الطيبة و أرضي المثمرة، أحبه كثيييييرًا كثييرًا


تأثر عصام بكلمات صغيرته ليحضنها بشدة وبقوة أكبر، فقط ولو تدرك أثر تلك الأحرف النابعة من ثغرها وما تفعله به، هي برعمته الصغيرة التي يراها كحمامةُ الأَيْكِ، وقد تجلت بها براءة الأطفال، وتشكلت ببهائها قطرات الندى..‏هي قهر العُمْرِ التي شفي منه بعد زمنٍ من الدهرِ

قبلها عدة قبلات على رأسها هامسًا بصوت مبحوح: لا حرمني الله منكِ يا وصية رسول الله


‏فأردفت هي الأخرى بحب: ولا منكَ يا أبي


رفع أدهم حاجبًا مستفهمًا منها: وأنا أليس لي أي حضن صغير أيضًا ؟


نفت سحر برأسها متمسكة بقميص والدها أكثر هامسة بتصنع: لا يوجد للأسف


عبس الآخر مضيقًا عيناه بتسائل أكبر: حتى ولو صغير جدًا، بحجم حبة البازلاء مثلاً


نفت الأخرى بدلال عزفت على أوتار قلب الآخر، مغمغمة بشقاوة: لا، إذهب وأحضن سيارتكَ أو جدار غرفتكَ أفضل


مط أدهم شفتيه بضيق متحدثًا : شكرا لكِ يا أختي، الأخ الأكبر دائمًا مهمش كالعادة


أطبقت الأخيرة على شفتيها كاتمة ضحكتها على عبوس أخيها الظريف، فمسح والدها بدفئ على ظهرها لترفع هي رأسها له ليومئ لها والدها كإشارة أن لا تكسر خاطر أخيها، وهي ما كانت أبدًا لتفعل هذا، فقط كانت تشاكسه، فإبتسمت برقة مبتعدة عن حضن أبيها، مقتربة من أدهم الذي كان يحدق بالأوراق التي بيده، فغمغمت سحر مناكفة إياه: أدهومي ألا تريد عناقًا


ناظرها الأخير بطرف عينه ليعيد بصره لما بين يديه ، مجيبًا بعبوس مصطنع: لا شكرًا يا أختي لم أعد أريد شيئًا


رفعت سحر حاجبها بإستفزاز مرددة: هل أنتَ متأكد من ذلك؟ فحضني لا يتكرر كل يوم هو شيئ نادر جدًا صدقني


عقد الآخر حاجبيه بإستغراب مسايرًا شقاوتها، ليتسائل بعدها: ألهذه الدرجة أنتِ عظيمة في هذا الكون يا أختي


كتمت الأخرى بسمتها لتومئ بجدية أتقنتها حقا، قائلة: نعم وأكثر، أنا الخيل والبيداء تعرفني..والسيف والرمح والقلم


رفع أدهم حاجباه بصدمة ليتغضن محياه بعدها مغمغما بتهكم: الحمد لله أن المتنبي لن يسمع قولكِ هذا، لأنه إن فعل صدقيني سيعتزل كتابة الشعر نهائيًا حتى وهو ميت


قهقهت سحر بشدة هاتفةً من بين أنفاسها: ماذا أفعل، لقد نسيت هذا البيت الشعري في قصيدته يا أخي، المهم أنه من أجمل الأشعار التي أحبها


تبسم الأخير مسايرًا لحلاوتها اللذيذة، مردفًا بحنان:

الخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي
وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

إذا رَأيْـتَ نُيُـوبَ اللّيْـثِ بـارِزَةً
فَـلا تَظُـنّـنّ أنّ اللّيْـثَ يَبْتَسِـمُ


صفقت سحر بحماس مرددةً: نعم هكذا يا إلهى كم أحب هذا البيت، أتعلم لم أكن أستسيغ الشعر سابقًا ، لكن صديقتي ميس كانت تردده على مسامعي لعدة مرات فأحببته من خلالها، و أعطتني أحد الكتب التي تناولت بعض أشعاره وقرأتها كلها، صدقًا كانت رائعة وبعدها أصبحت من قراءه


أومئ لها أدهم إيجابًا مرددًا : نعم قرأت بعض أشعاره ، إنها رائعة حقًا


تلاعبت ضحكة شقية على شفاه سحر فاتحة ذراعيها مغمغمة: والآن أريد حضني الصغير


زم أدهم شفتيه متصنعًا الرفض هاتفًا: أباكِ خلفكِ، أحضنيه هو أفضل بما أنه لديكٌ هوس بالأحضان


عبست سحر بضيق مستديرة لوالدها مردفة بحنق: أبي أنظر إليه، إنه يتكبر على أخته الصغرى ويبخلها بحضن بسيط


قهقه عصام رابتًا على رأسها بمحبة قائلاً: إنه يردها لكِ فقط يا إبنتي، أتعرفين في هذه الحالة ما العمل؟


ضيقت سحر عينيها مستفهمة بفضول أنثوي بهي: ماهو العمل يا عصومي؟


ضحك والدها أكثر على كلمتها تلك، منحنيًا عليها قليلاً هامسًا لها بخفوت شديد كي لا يسمعهما أدهم : عليكِ أخذ حضنكِ بالقوة إذًا صغيرتي، هذا هو الأسلوب الوحيد النافع لمن يرفض منحنا الحضن


قهقهت سحر برقة متحدثة بخفوت مماثل: مع من كنت تستخدم هذه الطريقة يا عصومي؟


ضحك والدها برجولية مجيبًا إياها: هذا سر يا صغيرتي


ضيقت الأخرى عينيها مرة أخرى بتفكير هاتفة ببسمة رقيقة: أظن أنني عرفت المقصود يا أبي، ومن غيرها أمي


أومئ لها الأخير بمكر أبوي محبب لقلبها مغمغما بإبتسامة جذابة: لا تخبري أحدًا


غمزت له سحر بشقاوة مرددة: إطمئن يا عصومي ، إبنتكَ بنك أسراركَ لا تهتم


تأمل أدهم والده وأخته عاقدًا حاجبيه على الوشوشة التي يحيكانها مع بعض بتمتمة غير مسموعة، ليرى سحر التي إستدارت له فدنت منه ببطئ شديد والبسمة الماكرة تلك تعلو ثغرها، فتوجس منها مستفهمًا بريبة: لست مطمئنا لكِ يا فتاة، ما الذي تريدينه ؟


قهقهت سحر بظرافة مقتربة أكثر هاتفة بغمزة شقية من عينيها: كل خير يا حبيبي إطمئن


فقفزت نحو أدهم حاضنة إياه، هذا الأخير الذي سقطت من يديه الأوراق ليتلقف أخته بين ذراعيه بتفاجئ، فقهقه بعدها على مكرها محتويًا إياها بقوة إلى صدره مرددًا بصوت ضاحك: أيتها الماكرة الصغيرة، وأنا الذي توجست منكِ منذ ثواني


ضحكت سحر بفرحة طفولية محيطة جذعه بيديها تضم نفسها له متنعمة من دفئ صدره، قائلة: أبي نصحني أنه إن لم يعطى لنا الحضن، إذا علينا إنتزاعه بالقوة، هذه القاعدة سأتبعها دومًا معكم، فلتكونوا على دراية مسبقة إذًا


هز أدهم رأسه على حلاوتها فربت بحنو على رأسها متسائلاً بحب أخوى: هل يجدر بنا أن نخاف الآن أو ماذا؟


إبتعدت سحر قليلاً عن حضنه رافعة نظراتها له متأملة محياه الوسيم، فقد إمتزجت تقاسيمه بين الهيبة والجاذبية والرجولة الفذة، لترفع أناملها الرقيقة نحو لحيته ماسحة عليها بخفة قائلة بخفوت: شيئ من هذا القبيل يا أدهومي


زم الأخير شفتيه متصنعًا العبوس هاتفًا: لم يعجبني إسم أدهوم هذا، صدقًا أحس أنه يفقدني هيبتي


تبسمت الأخيرة بحنان مكوبة خده بحب تجلى بلازورديها مغمغمة: يا حبيب أختكَ أنتَ، هيبتكَ تنتشلها بعظم خلقكَ وطيبِ معدنكَ، وإحترامكَ تقتنصه برفعة مبادئكَ و نبل عملكَ، أما جنتكَ فتنالها بإلتزامك بدينكَ، وبنظري أنتَ سواء كنت أدهم أو أدهومي أو حتى دون إسم أساسًا سأراكَ فخرًا وسندًا وسيد الرجال


رقت ملامح أدهم على كلماتها الحكيمة الدافئة التي تخترق القلب فتستقر هناك، فضمها أكثر مقبلاً جبينها قائلا: أنتِ ريحانة الفؤاد وأميرته يا سحر


تمسكت به الأخيرة مسدلة ستار جفنيها هامسة بهدوء: عسى الله أن يحفظكم لي دومًا، فأخيرًا سعدت بلقياكم بعد سنين طوال


تأمل عصام المشهد بين الإثنين ليرق محياه بعاطفة أبوية جياشة ، متأملاً ضلعيه متجسدين بهيئة شخصين أحدهما شبلاً والأخرى لبؤة، فإرتفعت زاوية شفتاة ببسمة رجولية حانية ليضاء بصدره نور فجر بازغ بعد طول نفق مضلم، فتنهد تنهيدة راحة وسعادة تسربت من خلالها كل غصة وجع كان يتجرعها لبعد صغيرته عنه.


:
•♡•
:


نزلت شهد الدرجات مديرة رأسها بالأنحاء متأملة إياه فتنبهر ككل مرة بالمكان، زفرت بخفوت متابعة نزولها متمتمة بضيق: أين سحر هذه ؟ تقول ستلحقنا وبعدها تختفي فلا تظهر


تجلى لها قدوم شاب يتلاعب بمفتاح سيارته بين أصابعه، لتتسائل بسرها من هذا؟ فهي لم تره سابقًا ، فهم الأخير صاعدًا عبر السلالم حيث رفع رأسه فتقابلا، ليعقد حاجبيه بإستغراب يليها تلك البسمة العابثة التي علت شفاهه، فدنى منها بخطوات سلسلة، لتتراجع هي للخلف بتوجس منه، حيث أردف : من أنتِ يا جميلة ؟ ؟


ناظرته شهد بعدم راحة، لتهم بإتمام نزولها إلا أنه إعترض طريقها مستفهمًا بضحكة متهكمة: هل أنتِ صماء يا صغيرة ؟


إبتلعت شهد ريقها مغمغمة بإرتباك: أريد العبور من فضلكَ، تنح جانبًا


قهقه عماد عليها مرددًا: هل هذا أمر يا فتاة أو ماذا؟


ناظرته شهد بضيق هاتفة : قلت من فضلكَ إبتعد.


رفع الأخير حاجبه متسائلاً : أنتِ شقيقة إبنة عمي سحر إذا، فقد قيل أنها ستذهب لإحضاركِ ؟؟


عقدت شهد حاجبيه متمتمة بتسائل هل هذا إبن عم سحر ؟ فأردفت بخفوت مرتبك محاولة المرور من الجانب الآخر : المعذرة


مد عماد ذراعه قاطعًا طريقها مرة أخرى مغمغمًا بإستفزاز : لم تجيبي بعد على سؤالي


همت شهد بالحديث إلا أن صوتًا آخر قاطعهما


- عمااااد


هدر بها زياد والحنق قد إرتسم على محياه، حيث إلتفت الآخران له ليتجلى لهما نازلاً عبر السلالم، فتمتم عماد بتهكم : ها قد أتى الفارس المغوار


دنى زياد محدقًا بكلاهما فهتف موجهًا حديثه لعماد: هل تريد شيئًا منها ؟


رفع الأخير حاجبه بتهكم صريح مرددًا: وهل أنتَ المعني بالأمر مثلاً، أو كفلتكَ أن تكون محامي دفاع عنها يا ترى


جز زياد على أسنانه محاولاً كتم غضبه فهو يدرك جيدًا طبيعة إبن عمه هذا، فهو عابث وغير مبالي بأحد ويخشى أن يتعرض لشهد خاصة أنها تعتبر الآن تحت رعايتهم وبالتالي أي تجاوز منه قد تتحول لكارثة بينهم وبين أسرة عمه فهم طبعوا لن يصمتوا ، فتمالك أعصابه قدر المستطاع قائلاً: هي الآن تعتبر فرد منا، وبمعنى أصح هي تحت جناح والدي شخصيًا ، أي هي أصبحت بمكانة سحر تمامًا، ضع هذا في دماغك ذاك، ممنوع منعًا باتًا أي خطأ، ها أنا ذا أنبهكَ


ضحك الأخير بغير فكاهة مردفًا: ما شاء الله هل أصبح عمي عصام يرعى الغرباء أيضًا، هل سيفتح ملجئًا للأيتام مستقبلاً أو ماذا ؟


قبض زياد على ياقته مهسهسًا بحدة: إياااكَ وتجاوز حدكَ يا عماد، صدقًا أنا أتحمل كل أخطائكَ إكرامًا لعمي وزوجته فقط، لكن هذا لن يدوم طويلاً


توترت شهد مما يحدث وتملكها الخوف تخشى أن يحدث شجار الآن، فلم تعرف ماذا تفعل هل تغادر أو تبقى، خاصة أنها لا تدري أين سحر


نزع عماد كف الآخر عن ياقته مبتسمًا بسخرية: رفقًا بأعصابكَ يا إبن العم، أخشى أن تنهار فنضطر أن نصحبكَ للمشفى


فتحرك متابعًا صعوده تاركًا الإثنان مع بعض، فزفر زياد ليستدير لشهد التي كانت صامتة طوال الوقت منكمشة برهبة، فتبسم لها بود سائلاً إياها: هل أزعجكِ بشيئ ما ؟


إلتقت عيناها بمقلتاه لترتبك أكثر بخجل نافية برأسها مجيبة بصوت هامس: لا أبدًا، فقط كان يسىئلني عن إسمي


أومئ لها زياد ببطئ ليضع كفاه بجيبي بنطاله الجينز مستفهمًا بإبتسامة مشرقة: ويا ترى ما هو إسمكِ، إن أردت إخباري طبعًا ؟


رفعت شهد رأسها له عاقدة حاجبيها بإستغراب مردفة: أنت تعرف إسمي


تصنع زياد الجهل مرددًا بهدوء: صدقًا لا أعرف


توردت شهد شابكة كفاها ببعضهما البعض هامسة: شهد...إسمي شهد


كتم زياد ضحكته على خجلها الظريف، فضيق عيناه هاتفًا بإدعاء مصطنع: لم أسمع جيدًا ..إسمكِ ماذا ؟ ؟


ساريته شهد ببراءة فغمغمت بهدوء : إسمي شهد


رفع زياد حاجبه مرددًا بمنغاشة أكثر: إسمكِ شهر !! تقصدين أحد أشهر السنة ؟


زمت شهد شفتيها بعبوس موضحة برقة: لا طبعًا...بل شهد ..


حاول زياد قدر المستطاع أن لا ينفجر ضحكًا على عبوسها ذاك، فتسائل مواصلاً إدعاءه: شهد ! هل هكذا ينطق ..ربما يقصد به "شهم" أي خلق الشهامة


عقدت شهد حاجبيها فرفرفت برمشها عدة مرات، حيث غمغمت بإرتباك خجل من نظراته تلك، فتهربت من مرأى عيناه البنية مجيبة: لا شهد فقط، هكذا حرف الشين ثم يليه الهاء بعدها النون..شهد


عقد زياد حاجبيه متسائلاً: شهد إذا ...ما معناه يا ترى؟


تبسمت شهد برقة وحياء فطري تملكها هامسة: الشهد هو ذلك العسل الذي ما لم يُفصَل عن شمعه و لم يصفَّى


تبسم زياد برجولية هو الآخر مغمغمًا بلين: يقولون أن لكل شخص له حظ من إسمه، صحيح ؟


تخضبت وجنتي شهد بحمرة الخجل هامسةً بخفوت: ربما


- مرحبًا


قاطع حديثهما منى التي كانت تناظر كلاهما بإستغراب، خاصة شهد فقد كانت تتأملها محاولة التذكر إن كانت تعرفها من قبل، فقلب زياد عينيه مغمغمًا بضجر: ها قد عادت المملة من مدرستها


وجهت منى بصرها له هاتفة بتهكم مماثل: أووه رأس الفجل هنا، يا مراحب، كنت أتمنى حقًا لو صعدت لجناحي دون أن أصطدم بوجهكَ القبيح هذا، لكن كما تعرف حظي تَعس كالعادة


أطبقت شهد شفتيها مانعة نفسها من الضحك، فأصدر زياد تشه ساخرة مجيبًا: هناك مصعد إذهبي إليه يا مملة


تبسمت منى إبتسامة بلاستيكية مرددة: أحب السلالم، هل لديك مانع ؟


مط الأخير شفتيه مادًا ذراعه لسلالم قائلاً: تفضلي إصعدي ، ولا تنزلي أبدًا كي تريحنا من تبجحكِ هذا


هزت منى كتفيها متجاهلة إياه موجهة نظراتها نحو شهد مستفهمة ببسمة لطيفة: من أنتِ ؟x هذه أول مرة أراكِ هنا


واصل زياد نزوله تاركا الفتاتان مع بعض مغمغمًا بإستفزاز : مملة


قلبت منى عينيها هاتفة بسخرية: سيارة معطلة


فتجاهلها الأخير متابعًا سيره للخارج حيث يتواجد أبيه .


فعادت منى بنظراتها المتسائلة نحو شهد، حيث تبسمت الأخيرة مجيبة: أنا شهد شقيقة سحر الصغرى


أومئت لها منى بتفهم مرددة بعبوس: إذًا أحضرتكِ، وأخيرًا الحمد لله ستكون لي رفقة بهذا القصر، صدقًا مللت لوحدي


تبسمت شهد برقة مهمهمة: سأتشرف برفقتكِ طبعًا


قهقهت منى مضيقة عينيها بتسائل : أنتِ لست متكبرة أو متعالية أو من أولئك الفتيات المتصنعات أليس كذلك؟ فإن كنت من هذا النوع فالأفضل أن لا نتصاحب لأنني أمقت هذه الصفات جدًا


نفت شهد بسرعة وكأنها حاول تبرئة نفسها مرددة: أبدًا والله، لست هكذا إطلاقًا


ضحكت منى بشدة هاتفة من بين أنفاسها الضاحكة: يا إلهى، لا تنفعلي هكذا يا شهد كنت أمزح فقط، صحيح مثلما قلت لا أطيق من يتصفون بهذه الصفات ، لكن على رسلكِ ،حسنًا


أومئت لها شهد بخجل هامسة: حسنًا


تبسمت الأخيرة متحدثة بعدها: والآن إعذريني أريد أن أغير ثيابي وأرتاح قليلاً، صدقًا أنا منهكة من الجامعة، وأهلاً بكِ يا شهد بيننا


أومئت لها الأخيرة بهدوء مردفة: شكرًا جزيلاً لكِ ،تفضلي طبعًا


لتتحرك منى صاعدة الدرجات تاركة شهد التي تابعت نزولها باحثة عن أختها، فبرزت لها نور خارجة من أحد الأبواب الجانبية لتبتسم لها بمودة مغمغمة: مرحبًا آنسة شهد، هل تريدين شيئًا ؟


قطبت الأخيرة جبينها مستفهمةً بإستغراب: آنسة شهد !!


ضحكت نور بخفة مردفة: أنتِ أيضًا مثل سحر، لا تحبين أن تتم مناداتكِ هكذا ؟ أتذكر أنها رفضت مناداتي لها "بآنسة" مفضلة إسمها مجردًا فقط


تبسمت شهد برقة مجيبة: نعم يبدو غريبًا، لا بئس قولي شهد فقط


أومئت لها الأخرى بإبتسامة ودودة: حسنًا كما تحبين


حركت شهد رأسها بالأرجاء سائلة بحيرة: ألم تري أختي سحر؟


هتفت نور مجيبة إياها: رأيتها قبل قليل فقط مع السيد عصام وأدهم خارجًا


تمتمت شهد بحسنًا، لتردف نور بإستفهام: إن كنت متفرغة ما رأيكِ أن تأتي لتعرف على والدتي يا شهد؟


عقدت الأخيرة حاجبيها بإستغراب متسائلة: والدتكِ !؟


أومئت لها نور ضاحكة مرددة بعدها: نعم أمي تعمل هنا بالقصر، تستطيعين القول أنها رئيسة الخدم


هزت شهد كتفيها مغمغمة: لابئس سأتشرف بمقابلتها طبعًا


تحركت نور مشيرة لشهد أن تمشي معها، لتبتسم بلطف قائلة: حقيقة كانت أمي تريد التعرف على سحر، لكن لم تأتي الفرصة المناسبة للأسف، لكن بما أنكِ أتيتِ أيضًا فستسبقينها أنتِ أولاً، هذا إن لم يكن لكِ مانعًا طبعًا ؟ بما أن أختكِ سحر متواضعة ولا تبالي بمفهوم الطبقات الإجتماعية خمنت أنكِ مثلها


تبسمت شهد مواصلة التحرك معها بخطوات هادئة، نافية برأسها هامسة: من يسمعك تقولين مفهوم الطبقات هذا، يظن الشخص أنني إبنة أحد السلاطين العظماء، لكنني في الواقع أنا إبنة موظف عادي لا غير، يعني لا يوجد أي فرق الطبقات بيننا


قهقهت نور بخفة متحدثة: ذلك سابقًا يا شهد، لكنكِ الآن تعتبرين من أفراد القصر وشقيقة للآنسة الصغيرة سحر، حتى ولو إختلف الدم بينكما، فَبما أن الجد شخصيًا وافق على قدومكِ والسيد عصام وزوجته قاما بكفالتكِ ووضعاكِ تحت جناحهما، إذًا لكِ حقوق ومكانة بمثابة سحر ومنى وسارة تمامًا لا تختلفين عنهم في شيئ


عقدت شهد حاجبيها متسائلة بخجل: من سارة هذه، لا أتذكر أنني رأيتها ؟


مطت نور شفتيها مجيبة: إنها إبنة عم سحر الكبرى، وهي أخت عماد، كانوا مسافرين لأحد المنتجعات وقد وصلوا منذ لحظات فقط


أومئت لها شهد بصمت دالفة للمطبخ معها والذي كان واسعًا جدًا وفاخرًا حقًا يشجعك على الطبخ


:
•♡•
:


- مشهد سخيف حقًا


كلمات متهكمة غادرت فاه زياد الذي كان كان قد وصل للحديقة الجانبية، فظهر له والده جالسًا على إحدى الأرائك ووالدته بجانبه يرتشفان الشاي، أما أدهم فقد كان متخذًا مجلسًا على الأريكة الأخرى مع سحر حاضنًا كتفها بذراعه اليمنى والذراع الآخر كان حاملاً به هاتفه للأعلى موجهًا شاشة الكاميرا لهما يلتقطان صورة معًا.


ناظره أدهم بإمتعاض مردفًا: لو تكرمتَ بالصمتِ سيكون أفضل


أصدر زياد تشه ساخرة جالسًا على أحد الأرائك واضعًا قدمًا فوق الأخرى بكل رجولية هاتفًا بتهكم: لا أعرف لماذا هي ملتصقة بكَ هكذا تلك السنفورة، إنها قبيحة و مملة


قلبت سحر عينيها على أخيها مجيبة بسخرية مماثلة: الحمد لله لم أطلب رأيكَ


مط الآخر شفتيه مرددًا: ولن تحصلي عليه حتى ولو طلبتِ


إبتسمت سحر إبتسامة بلاستيكية صفراء مجيبة: الحمد لله، ضع رأيكَ في صحن مخللات وكله بالشفاء والهناء


فغر الأخير فاهه بصدمة، لتصدر ضحكات خفيفة من جوليا وعصام الذي كانا يتابعان المشهد بسعادة غامرة، فهتف زياد بحنق مصطنع: لسانكِ هذا له يوم سيقطع فيه أيتها القبيحة، سنفورة وبشعة هذا كثير حقًا


تبسم عصام بحنو متأملاً صغيرته الجميلة وتلك البسمة الساحرة التي تعلو ثغرها كفراشة ملونة رقيقة ترنو بمشتل قلبه فتزهره كله، فهتف بعاطفة أبوية جياشة: إبنتي فاتنة تبارك الله، سبحان من خلقها وأبدع في حسنها


رقت تقاسيم وجهه سحر لتستقيم من حضن أدهم نحو أبيها مرتمية بحضنه هو الآخر، ليستقبلها محيطًا ذراعيه حولها مقبلاً رأسها بحنو، فغمغمت الأخرى: حبيبي يا أبي، عيونكَ أنتَ ألهمها الله أن تبصر الجمال لهذا تراني كذلك


تبسمت جوليا بحنان جارف ماسحة بخفة على ذراع صغيرتها التي كانت مندسة بحضن زوجها حامدة الله أن فرحتها إكتملت أخيرًا


قلب زياد عينيه تهكمًا رغم تلك العصافير التي حلقت بصدره تنشد سرورًا وحبورًا، فغمغم ساخرًا: هناك مثل شعبي مشهور يقول " كل فتاة بشعة شبيهة الخنفساء ، سيراها أباها كفاتنة حسناء " وهذا المثل ينطبق على والدي وعليكِ حاليًا


ناظرته جوليا بحدة بأن يتوقف عن إزعاج أخته، فزفر أدهم على مبالغة أخيه في مناكفة سحر، هذه الأخيرة التي تلاعبت بزر قميص والدها وهي بحضنه مردفة بتهكم مماثل: المثل ليس هكذا أبدًا، أراهن أنكَ إخترعته من رأسكَ فقط، المثل السائد هو "كل قردٍ في عين أمهِ كالغزالِ "


قهقه زياد ضاربًا كفيه ببعضهما البعض مشيرًا لها بسبابته مع غمزة جذابة، هاتفًا: نعم هذا تمامًا، ينطبق عليكِ وعلى رؤية أبي لكِ، لا داعي للحزن تقبلي الواقع أختاه ، الله لن يكرمكِ بكل شيئ طبعًا


هزت سحر رأسها بسخرية لتبتسم بإستفزاز مجيبة: صدقني هذا المثل يؤكد لي تمامًا لماذا أمي تراكَ وسيمًا، لا داعي للحزن أخي وتقبل الواقع وقدرك، فالله طبعًا لن يكرمكَ بكل شيئ


إنفجر أدهم ضاحكًا على ردها فشاركته والدته نفس الشيئ، في حين تبسم عصام على وجه زياد المصدوم الذي همهم بإنشداه: أتقصدين أنني قبيح أيتها القزمة الغبية؟


ناظرته سحر ببراءة مصطنعة هاتفة برقة: صدقني الرضا بقضاء الله وقدره نعمة يا أخي، لا تهتم ، فالمظهر الخارجي ليس مهمًا كثيرًا، يكفي مظهركَ الداخلي أن يكون جميلاً، مثلا أن تكون الطحال بشعر ناعم، والكبد بعضلات، والرئة بعيون ملونة، وكذلك المعدة ببسمة خلابة، المهم الداخل يا زياد ،الداخل فقط


هز أدهم رأسه على شقاوة أخته التي تفحم زياد برد قاطع كل حين متابعًا ضحكته، زم زياد شفتيه بعبوس مستنجدًا بأمه: جولي هل حقًا أنا قبيح؟ أخبري قزمتكِ هذه أنني وسيم بل في غاية الوسامة والحمد لله


وضعت جوليا فنجان الشاي على طاولة، وقد أطبقت شفتيها كي لا تضحك على العبوس الطفولي الذي توشح به وجه إبنها ، مغمغمة بعدها: يا بني كما قالت سحر "كل قرد في عين أمه كالغزال " سأراكَ وسيمًا في كل حالاتكَ إطمئن، فأنتَ فلذة كبدي


جلجلت ضحكة سحر الرنانة بالحديقة فشاركها أبوها وأدهم نفس الضحكة، فكتمت جوليا بسمتها على الصدمة التي علت تقاسيم وجه زياد للمرة الألف، ليهتف بضيق: أنتِ صدقًا لستِ أمي، تبًا منذ أن أتت هذه السنفورة إستحوذت عليكم كليًا، أي سحر تملكه تلكَ القزمة لتقفوا في صفها هي بدلاً مني أنا الذكر الذي سيحمل إسمكم


أصدرت سحر صوتًا ساخرًا هاتفة: وهل مازالت أفكار الذكر الذي يحمل إسم العائلة معشعشة بدماغكم، إنها أفكار جاهلية أكل عليها الدهر و شرب، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى خيرًا بالنساء والبنات لأنه يدرك جيدا عظمتنا، حتى بحجة الوداع كانت من وصاياه المرأة وليس الرجل، صدقًا تثيرون شفقي


رفع زياد حاجبه مغمغمًا بتهكم : ها قد بدأت وصلة، المجتمع الذكوري النرجسي التي ترددونها كل حين، لإستدراج التعاطف من الغير


رفعت سحر حاجبها بطريقة مماثلة مجيبة: طوال حياتي كنت أجلب حقي بذراعي يا أخي المبجل ، ولم أرضخ يوما للذل ولا لهذه الموشحات الدرامية التي تتبعها الحركات النسوية المناهضة للشريعة الإسلامية، الحمد لله أكرمني الله بالرضا التام والفخر بديني فهو من رفعني لعنان السماء كرامةً وعزةً وشرفًا وإحترامًا


قبل والدها رأسها وكله فخر بتفكير صغيرته وحكمتها وفكرها الناضج المتشبع بالقيم الدينية ، فهمس بحنو: صدقًا أنا أعتز وأفتخر بكِ يا إبنتي، شخصيتكَ يحتذى بها في إتزانها ودينها وجمال خلقها


تبسمت سحر برقة وقد توردت وجنتاها لمديح أبيها لها فغمرت نفسها أكثر بحضنه مقبلة صدره بحب قائلة: أنتَ وأمي أجمل كنز حظيت به والله، أحبكما كثييرًا


رقت تقاسيم جوليا قابضة على كف إبنتها مقبلة إياه بدفئ، فدغدغت فؤاد سحر حيث إخترق صوت أدهم المستفهم مسمعها: وأنا يا شقية ألا تحبينني؟


تبسمت الأخيرة برقة مجيبة بعد أن أرسلت له قبلة بالهواء: طبعًا أنتَ أخي الأكبر، حبيبي وأخي وصديقي وبديل أبي إن غاب هو


إبتسم أدهم بحنان مقلدًا إياها مرسلاً لها قبلة بالهواء، فرفعت كفها وكأنها تمسكها واضعة إياها على خدها، فقهقه أدهم يهز رأسه على حلاوتها الجذابة التي تصنع بالقلب بهجة لذيذة وتقيم أفراحًا وليالٍ مِلاحًا


مط زياد شفتيه مستفهمًا بتهكم: ليس من الضروري أن أسئلكِ إن كنت تحبيني أنا الآخر، فواضح أنكِ لا تفعلين


رقت تقاسيم سحر متصنعة البراءة مغمغمة بتأثر مصطنع: بالله عليكَ كيف تقول هذا يا حبيبي زياد، أنا لا أكرهكَ طبعًا، أنا فقط لا أطيقكَ


إنفجر أدهم ضاحكًا فشاركته جوليا ضحكته هي الأخرى، حيث إبتسم عصام على الموقف.


زفر زياد حنقًا على لسانها فهم واقفًا متجهًا نحوها هادرًا بضيق مصطنع: صدقًا سأقتلكِ أيتها السنفورة القبيحة


إنكمشت سحر ضاحكة بحضن والدها طالبة منه الحماية، فلف الأخير ذراعه حولها ضامًا إياها له أكثر بإبتسامة عذبة، رافعًا كف يده الأخرى بوجه زياد الذي يحاول إمساكها موجها سبابته نحوه بحدة مرددًا: إن لمست شعرة واحدة من طفلتي، صدقًا سأحطم وجهكَ ذاك يا ولد، لا تفكر بالمساس بها أبدًا إياكَ، ها أنا ذا أنبهكَ


أصدر زياد تشه ساخرة عائدًا لمجلسه مجيبًا: إلى متى ستضل تحت حمايتكَ يا هرقل، لا تقلق سأتربص بها وأمسكها وأنفرد بها، حينئذ سأرسلها لكَ جثة مشوهة، و الأهم أنها ستكون دون لسان ، ذلك اللسان الحاد السليط الذي إبتلانا الله به


رفع عصام حاجبه بسخرية مردفًا بتهديد: تجرأ فقط في النظر لها وسترى ما لم تره في حياتكَ كلها يا حبيب أمكَ


قلب زياد عينيه متجهًا نحو والدته مقبلاً وجنتها مجيبًا: أفتخر حقًا أن أكون حبيب قلب كتلة الجمال والرقة هذه


توردت جوليا تهز رأسها بيأس على شقاوة إبنها، حيث قهقهت سحر برقة على تورد أمها، فتابع عصام حديثه نحو زياد قائلا: بالمناسبة أنا لم أنسى ما حدث بينكما بالظهر عند الغذاء، لا تحسبا أنني كنت غافلاً أن هناك حساسية بينكما بالأجواء


رفع أدهم حاجبه موجهًا بصره نحو زياد، فهو يدرك جيدًا أن والده لا يتلفظ بأي حرف إلا وقد تيقن مما يقوله، خاصة أنه نبيه جدًا، فإستفهم من أخيه: ما الذي حدث بينكما ؟


زم زياد شفتيه مغمغمًا بعدم مبالاة: فليسأل إبنته المصونة فهي الأدرى بفعلتها


لينفعل عصام هادرًا به حيث إرتبكت سحر بحضنه، قائلاً: سؤالي لكَ أنتَ وليس هي، فأجب قبل أن أفقد أعصابي عليكَ


توترت جوليا من الموقف محولة نظراتها من زوجها عصام نحو إبنها زياد مرددة بلين أمومي: بني ما الخطب أجب والدكَ ؟


حيث مسحت بحب على ذراع زوجها كي لا ينفعل فتخرج الأمور عن السيطرة هامسة بحنو: حبيبي ليس هكذا، إهدأ رجاءًا


تنهد عصام بخفوت ماسحًا بحنان على ظهر إبنته التي أدرك أنه أربكها فجأة، فهتف زياد بهدوء فهو صدقًا لا يريد أن تحدث أي فجوة بينه وبين أخته خاصة أنها أتت البارحة فقط، فهو أراد أن يتحدثا سويًا بمفردها دون أن يعلم أحد، لكن كالعادة والده ذكي محنك لا يمر عليه شيئًا دون أن يكشفه كجهاز إستخبارات ، فقال: صباحًا عندما ذهبت مع سحر لإحضار شهد، حدث سوء فهم بمنزلهم ، فغضبت على إثره من سحر لأنها أخطئت بعض الشيئ، وكنت قد قررت أنني سأجلس معها لاحقًا لأوضح لها بعض النقاط ونحل الأمر سويًا، لكنكَ كشفت الأمر الآن


عقدت سحر حاجبيها محاولة معرفة أين أخطئت بالضبط ؟ فهي تشاجرت مع بلال ذاك لا غير، ولم تخطئ بحق أخيها حينئذ، أيعقل أنه غضب لأنها تشاجرت مع بلال؟


رفع عصام حاجبه مستفهمًا بعدها: خطأ !! وما هو هذا الخطأ الذي جعلكَ تنفش ريشكَ هكذا وتعطي لنفسكَ حقًا في نقاشها ومحاسبتها ؟


هم زياد بالإجابة، إلا أن سحر سبقته فهي تخشى أن لا يتفهم والدها موقفها، فغمغمت برقة: أبي حبيبي أنا سأشرح لكَ رجاءًا.


رفع زياد حاجبه عليها، لتلين تقاسيم وجه والدها ماسحًا على خدها بحنو قائلاً: تفضلي صغيرتي


عبست سحر متلاعبة بزر قميص أبيه بلطافة مردفة: صباحًا عندما ذهبنا لمنزلنا القديم لإحضار شهد، وجدنا إبن عمها يدعى بلال وكان قد قرر أخذها قسرًا لبيتهم، وهي كانت تبكي و ممانعة كليًا للأمر، إلا أنه كان يقبض على رسغها يريد إخراجها من البيت عنوةً، وعندما رأيت الوضع أبعدته عن أختي، لكنه ضل متواقحًا يريد أخذها بالقوة، بل أنه تطاول علي قاذفًا عرضي حينئذٍ قمت بصفعه كردٍ لإعتبارنا


ضيق أدهم عينيه مستمعًا لما حدث فتمتم بحنق: ذلك الوغد اللعين


في حين أن جوليا قد عمها الإرتباك خوفًا على شهد بما أنها إبنة عمه متسائلة بسرها بخوف ماذا لو قرر أخذ إبنتها الثانية شهد؟ صدقًا لن تتحمل فقدانها فهي أصبحت إبنتها الصغرى وقد إستولت على مكانة كبيرة بقلبها أن مشاعرها الأمومية أصبحت تقودها وبقوة نحوها


عقد عصام حاجبيه بطريقة مبهمة، فهو يدرك جيدًا طبيعة أسرة عم شهد، فقد وصلته كل التفاصيل حتى الدقيقة منها سابقًا عندما كان يتحرى عن سحر فشمل بحثه أسره شهد وأبرز المقربين من عائلتها وعلى رأسهم عمها الوحيد ذاك الذي يدعى زهير وزوجته وأبناءه، والمعلومات التي وصلته صدقًا كانت مسيئة وفاضحة، ليستفيق على شد سحر لذراعه زامةً شفتيها بعبوس ظريف حقا مستفهمة منه: أبي هل كان تصرفي خاطئًا يا ترى؟ هل أخطئت عندما دافعت عن أختي كي لا تقربها أي يدٍ نجسة تريد التطاول عليها.


تبسم والدها بحنان مكوبًا وجنتها مجيبًا إياها: أبدًا صغيرتي، فعلكِ صائب تمامًا، من لا يدافع عن أخوته ومن يرضى لهم الضرر فلا خير فيه ولا في معدنه


فغر زياد فاهه بصدمة على أخته التي قلبت عليه الطاولة، فضرب كفيه ببعضهما البعض محولقًا بضيق: لا حول ولا قوة إلا بالله ، أبي صدقني الموقف ليس كما إدعت تمامًا، إنها تتحدث بدرامية كي تكسب تعاطفكَ وتكون بصفها فقط


إحتدت ملامح عصام هاتفًا بصرامة: إبنتي ليس بكاذبة فأنا أثق بصدقها تمامًا، ولم تكن لتتجرأ على الكذب على والدها أبدًا


إندست سحر بحضنه مجددًا مقبلةً جانب صدره حيث قلبه هامسة بتأثر: حبيبي أنتَ يا قرة عيني


فمسح الأخير بحنو على ظهرها يشدها لحضنه أكثر علها تتشرب منه الأمان والثقة لتكون أكثر إنشراحًا وإنطلاقًا، فزفر زياد بحنق ماسحا على صفحة وجهه محاولاً أن يوصل وجهة نظره لوالده بهدوء أكبر، فهتف: لم أقصد أنها تكذب يا أبي، الأمر أنها صاغت لكَ الحقيقة بطريقة مغايرة فقط، صدقًا يا أبي الأمر ليس بسيطًا ليتم تجاهله أو الإستهانة به


قطب أدهم جبينه فهو يدرك جيدًا أن زياد عندما يتلفظ بكلمة " أبي" بدل إسم "هرقل" الذي أطلقه عليه منذ سنوات ،حينئذ يكون ما سيتفوه به هامًا حقًا، فإستفهم منه بفضول: ما الأمر يا زياد إشرح لنا كي نفهم الوضع؟


إعترضت سحر بضيق فهي ترفض أن تكون بموضع شك: لست كاذبة يا زياد، وأنا لم أخطئ بحرف فيما قلته، تحدثت عن ما جرى دون زيادة أو نقصان، تتحدث وكأنني إرتكبت جريمة شنعاء، وكل ما فعلته هو الدفاع عن أختي


توتر الجو بينهم فجأة وبدأ الألم يتسلل لقلب جوليا فهي صدقًا لن تتحمل أي سوء قد يحدث في علاقة إبنتها مع أخويها، فربت والدها على رأسها بعطفٍ أبوي متحدثًا بهدوء كي لا يخرج الموقف عن سيطرته، وتجنبًا لأي حساسية أو شرخ قد يحدث في علاقة إبنته مع أخيها مستقبلاً، فهتف بكلمات موزونة: لا تضلمي أخاكِ يا صغيرتي بسوء فهمكِ لمقصده، هو قال أنكِ ما ترينه أنتِ صائبًا يراه هو العكس فقط، فالغضب كما تعلمين يا إبنتي يعمي بصيرتنا دومًا عن التصرف الحكيم والعاقل


زمت سحر شفتيها بعبوس متسائلة: وأين الخطأ في دفاعي عن أختي يا ترى؟


تبسم والدها بحنو سعيدًا أن غضبها قد تسرب، ليجيب بهدوء: كما قلت سابقًا وسأكررها أختكِ هي جزء منكِ يا سحر ولم تخطئي أبدًا في الدفاع عنها، لكن دعي الفرصة لأخيكِ لنرى وجهة نظره فيما حدث ولماذا عارض فعلتكِ، وبعدها سيتضح كل شيئ ونحكم بناءًا على سماعنا لكلا الطرفين، أليس هذا هو العدل يا صغيرتي، أليس من الحكمة والإنصاف أن يعطَى لكل شخص الفرصة في إبداء وجهة نظره ؟


أومئت سحر إيجابًا فوالدها معه حق هامسة: فلتسأله إذًا يا أبي


تنهد عصام مشيرًا لزياد الذي كان صامتًا طوال الوقت متابعًا لحديثه مع سحر، فأردف الآخر بهدوء: كلامها الأول صحيح تمامًا فهذا ما حدث فعليًا، الإعتراض فقط كان على تصرفها في التهجم على بلال هذا ما لم يرق لي بتاتًا خاصةً أنني موجود وأنا من يتكفل بهذا التصرف وليس هي، بإختصار تستطيع القول أنها هي هجمت عليهx أكثر مني، أنا تطوعت بتقييدها والتحكم بها بدل أن أتصرف مع ذلك الحقير، تبًا أصبحت أخشى على الشاب منها بدل أن يحدث العكس وهو أن أخشى بأن أبتلي نفسي به وأقتله، لهذا لم أستطع التصرف معه كما يجب بسبب كمية تجاوزاته اللعينةِ التي وجهت لنا من قبلهِ ولم آخذ حقنا كله منه


عقد والده حاجبه موجهًا نظراته لإبنته مستفهمًا منها بهدوء: هل ما قاله صحيح يا سحر ؟


أومئت سحر إيجابًا مجيبةً: نعم صحيح أبي


فرفع والدها حاجبه على تصرفها متابعًا إستفساره منها: لماذا كل هذا ما دام أخيكِ موجود، وهو المكفل بأن يجابه الرجل ويناطحه رجلاً لرجل، مع أنني أتحفظ على وصف الرجولة فهو غالبًا لا يتصف بها ذلك الشاب، لكن المفروض أن يرد زياد إعتباركم منه هو فقط ولستِ أنتِ ؟


زمت سحر شفتيها متسائلةً بضيق: ماذا كنت تتوقع مني أن أتصرف في هذه الحالة يا أبي وأنا أرى تطاول ذلك اللعين بحق أختي وحقنا ؟


أردف عصام بحزم لكن لم تغب نغمة الحنان عن صوته: الصواب أن تتنحي جانبًا، وتتركي الفرصة كي يتكفل أخاكِ بالدفاع عنكم


نكست سحر رأسها عابسة بحزن وقد ترائت لها تلك الومضات المريرة السابقة على ذكراها ، مغمغمة بغير وعي: إعتدت أن أكون أنا المدافعة عن أختي سابقًا، فلم يكن لنا من يحمينا خاصة بعد موت والدينا


أحست جوليا بسكاكين نارية حادة تخترق فؤادها، فإغرورقت عيناها مستقيمة من جانب زوجها بسرعة متجهة لجانبه الآخر حاضنة سحر بقوة تحفظها بين أضلعها هامسة بصوت متحشرج: يا قلب أمكما أنتما ، لاتخشيا شيئًا الآن فأنتما تحت حمايتنا ، لن تقربكم يد إنسي إطمئني صغيرتي.


إبتلع عصام طعم صدئ بحلقه محاولاً التماسك وعدم إظهار إنفعاله فصدقًا فكرة أن صغيرته كانت تعاني فتضطر بشخصها أن تتحول لكتلة تمرد وشراسة دفاعًا عن نفسها وعن أختها الصغرى حقًا هذا يستفز أبوته لدرجة الوجع ، ليستغفر الله بسره على كل حال حامدًا إياه أنه أعادها لهم كي يجبروا كسرها ويعوضوها على ما فات.


حول زياد أنظاره بأرجاء المكان كي لا يرى على محياه التأثر بكلمات أخته التي أحرقت قلبه عليها، لترديهِ رمادًا تتناثر ذراتُ غباره بصدره فتضيقَ الخناق عليه أكثر كاتمةً نفسه، فوجه نظراتهِ نحو أخيه الأكبر أدهم فتجلت له عيونه المضلمة ووجهه الجامد الصامت، حيث تقبض على جانبه، فزفر زياد بخفوت مدركًا ما يجول بعقل أخيه، يعلم أن أفكاره بدأت تقوده لمى حدث قبل سنواتٍ سابقةٍ، تلك الذكرى التي حولته لما عليه هو الآن من حساسية كبيرة فيما يخص العائلة خاصة والداه وأخوته، فقط يتمنى لو يتجاوز ذلك الأمر ويعود لسابق عهده، فأردف بمرح حاول إصطناعه كي يخرجهم من الجو الكئيب الذي حل بجلستهم فجأةً:

والآن يا هرقل أجبني من الذي على حق أنا أو سنفورتكَ تلك؟


تنهد عصام محاولاً التخلص من تلك المرارة التي تسري بقلبه مسايرًا إبنه في هدفه: طبعًا صغيرتي على حق


فغر زياد فاهه هاتفًا بصدمة جلية: ماذا !! أبعد كل ما قلته وشرحته لكَ لازلت واقفًا في صفها هي ؟


تبسم عصام ماسحًا بكفه الحاني على ظهر إبنته التي كانت لا تزال مندسة بحضن أمها مجيبًا: طبعًا أنا مع صغيرتي في كل الحالات


وجهت سحر بصرها حيث والدها ذو التقاسيم الحانية التي تناقض ما يكون عليه دومًا من حزم وهيبة، إبتلعت ريقها نافضة الذكريات الماضية فهي الآن بكنف أسرتها الحقيقية وتتنعم بحبهم ودلالهم رفقة أختها، فإنحنت على والدها مقبلة خده بحب هامسة: حبيبي أنتَ يا عصومي


- عصومي !!


كلمة هتفت بها جوليا بصدمة مضيقة عينيها، فتابعت مستفهمة: منذ متى أصبحت تناديه هكذا عصومي بدلاً من أبي؟


تمرغت سحر بحضن والدها مجيبة بضحكة شقية: عندما أصبح إبناكِ الإثنين يناديانكِ بجولي بدلاً من أمي


قهقه أدهم ليشاركه زياد ضحكته ليهتف بعدها: هل رأيتِ يا أمي أخبرتكِ أنها ماكرة، لهذا دعيني آخذ حقكِ وحقي منها، سأحاسبها على كل إستفزازاتها التي صرعت رأسي بها


إنكمشت سحر بحضن والدها أكثر ضاحكة برقة بعد أن إستقام لها زياد للبطش بها محاولاً القبض على ذراعها إلا أنها كانت تقهقه مبعدة ذراعها عن قبضته ضامةً إياها لصدر والدها هذا الأخير الذي إحتواها أكثر بين ذراعيه مستمتعًا بسمفونية ضحكاتها الحلوة، فهدر بوجه إبنه بسخط: أبعد يدكَ عنها قبل أكسرها لكَ يا ولد


قلب زياد عينيه مغمغما بضيق بدى طفوليا: مدللتكَ هذه لسانها طويل سأعيد فقط تأديبها كي تقصه قليلاً


ناظره والده بحدة هاتفًا بصرامة: هذا موضوع آخر سيكون لي كلام معكَ لاحقًا


قطب زياد جبينه جالسًا مكانه مستفهمًا بحيرة: أي موضوع هذا يا هرقل ؟


ناظره والده نظرة جادة حازمة أربكت الآخر لأنه يدرك جيدًا أن أباه لا يرمقه هكذا إلا عندما يكون الموضوع مهمًا، ليجيب والده بصوته الجهوري: موضوع أنكَ ستحاسب أختكَ وتأدبها ومثل هذه الأفعال ، هذه أول وآخرة مرة سأسمعها منكَ سواء أنت أو أخاك الآخر


رفع أدهم كفيه على جانبيه مجيبًا بتهكم: لم أقل شيئًا يا أبي لهذا إطمئن كليًا من ناحيتي


زم زياد شفتيه بعبوس مهمهمًا بعدم رضا: إنها أختي الصغرى و من حقي أن أراقبها وأحاسبها إن أخطئت في شيئ ما، أنا أكبر منها وبالتالي لي صلاحيات تمنحني هذه الميزة


رفع عصام سبابته في وجهه هادرًا بصرامة : لا يحق لأحدٍ التحدث معها أي كان أو محاسبتها سواء هي أو شهد مادمت حيًا، عندما أقول لا أحد فأنا أعنيه حرفيًا، لا أحد بتاتًا بإستثناء أنا وأمهما جوليا لا غير


فغر زياد فاهه محولاً نظراته نحو أخيه كأنه يتحرى رأيه هذا الأخير الذي هز كتفيه راضخًا للوضع مادام والده أصدر الأمر، فلا أحد يستطيع معارضة أباه في قراراته خاصة التي تخص العائلة، ليعيد زياد بصره لوالده هاتفًا بضيق: أبي بالله عليكَ أكيد لن نقتلهما، هما من الأسرة وجزء منا، لا ضير لو عاتبانهما قليلاً عند الخطأ


هسهس والده بحدة: قلت لا توجها لهما ولا حرف بتاتًا، بل ممنوع التنفس أمامهما أساسًا، أنا وجوليا من لنا الحق في تقويم أي تصرف قد يصدر منهما، وأي خطأ يرتكبانه سنتكفل نحن بتصحيحه وبالتصرف معهما، هل فهمتما، لهذا تجنبا غضبي، لأن هذا الأمر سيغلق هنا وحالاً


مط زياد شفتيه بعدم رضا حيث وجه نظره لسحر التي إبتسمت له بمكر غامزة له بإستفزاز كأنها تقول له عارض أبي لو إستطعت، فتمتم بخفوت: قزمة غبية


فشدت سحر قميص والدها مرددة بنبرة عابسة مصطنعة البراءة : أبي وأنا هل يحق لي أنا أحاسبهما و أعاقبهما إن قاما بفعل خطأ؟


رقت تقاسيم السيد عصام رابتًا على رأسها مجيبًا ببسمة رجولية حانية: طبعًا يا صغيرتي، لكِ كل الصلاحية في ذلك، هما رهن إشارتكِ بنيتي


قهقه أدهم بخفة هازًا رأسه على خبث أخته اللذيذ، ليفغر زياد فاهه بصدمة هاتفًا بضيق: لا هذا كثير، كثيرًا جدًا أيضًا، ما هذا الضلم والجور الذي نعانيه بسبب مدللتكَ تلك


هزت سحر حاجبيها بشقاوة مستفزة، قائلة: كما قال عصومي أنتما رهن إشارتي، فتقبلا مصيركما البائس برضا أحسن من إفتعال الفوضى التي لا طائل منها


جز زياد على أسنانه رافعًا كفه لرقبته مشيرًا لها بالقتل، فقهقهت الأخيرة برقة دغدغت أوتار قلب الأخير غامزة له بحلاوة.


- ها قد أتت صغيرتي الأخرى


كلمات نبست بها جوليا بعد إقتراب شهد من مجلسهم والتي كانت تدنو بخجل وكأنها مترددة، فإستدارت لها سحر ببسمة حانية مردفة: شهدي أين كنتِ ؟


لتجيب الأخيرة بصوت رقيق: كنت مع نور أتعرف على والدتها السيدة حنان


ربتت جوليا على الأريكة منزاحةً قليلاً للجانب مشيرة لشهد أن تجلس بينها وبين سحر، فتقدمت الأخيرة متخذةً مجلسًا بينهما وقد عمها الإرتباك فهذه أول مرة تجلس معهم كعائلة واحدة


فهتف عصام بحنو محاولاً إمتصاص إرتباكها وإدماجها أكثر وأسرع بعائلته الصغيرة ، مستفهمًا منها: هل إشتريتِ كل ما يخصكِ يا إبنتي ؟


توردت شهد مومئة إيجابًا هامسة: نعم يا عم الحمد لله إشتريت كل ما أريد وأمي جوليا لم تبخلني بشيئ


أصدرت جوليا صوتًا مستلطفًا جاذبة شهد لحضنها مقبلة أعلى رأسها عدة قبلات دافئة مغمغمةً بحب: أذوب عندما تنادينني بأمي ، هذه الكلمة تخرج من ثغركِ كالعسل يا عسل قلبي أنتِ


إنكمشت شهد بحضنها أكثر خجلاً من إطرائها، فقهقه أدهم على المشهد هاتفًا: من بمثل حظكِ الآن يا أمي، فجأة أصبح لكِ بنتين دفعةً واحدةً


هزت جوليا كتفيها بفخر مرددة بسعادة غمرت فؤادها: هذا هو جزاء الصبر لسنين طوال، يعطى المرء بعدها نعمة باهرةً مبهرةٍ تنسيه مرارة ما سبق


تبسم عصام براحة مرددًا: وأمكَ أيضًا تستحق كل خير، فهي نعم الزوجة حقا دينًا وخلقًا وأصالةً ورقيًا


توردت وجنتي جوليا، ليصدر زياد تشه ساخرة مكتفا ذراعيه هاتفًا بسخط: ألا تلاحظ أن هناك بنتين هنا يا هرقل كي تبدأ في وصلة عشقكَ المعتادة


قهقهت سحر برقة رافعة رأسها لوالدها المتجاهل تمامًا لزياد، ماسحة بخفة على ذقنه ذو الشعيرات الرمادية مغمغمةً: كم أحب شهامتكَ يا عصومي، أنتَ مثال يحتذى به حقًا في الرجولة والخلق الرفيع، فالمرأة لا تزهر أبدًا إلا مع الرجل الحقيقي


ناظرها والدها بحنان ثم قبل جبينها هامسًا: ذكية أنتِ يا صغيرتي ، عسى الله أن يكرمكِ بزوجٍ تزهرين معه فتغدو روحكِ مشرقةً على الدوام


توردت سحر بحياء، ليستقيم زياد بجزع هاتفًا بسخط: هذا ممنوع تمامًا، هناك نقطة سنتفق عليها يا هرقل، لا يوجد زواج لها، مدللتكَ هذه ستبقى هنا ولا تغادر القصر نهائيًا


قهقه أدهم بخفة متسائلاً بإستفزاز: ألم تقل أنكَ تريد التخلص منها أو أنكَ غيرت رأيكَ فورًا عند ذكر سيرة الزواج ؟


ضحك زياد بتهكم مجيبًا إياه بضيق: لازلت عند رأيي لكن دون زواج طبعًا، سنحبسها بالقبو أو نقيدها بغرفتها بسلاسل معدنية، المهم دون موضوع زواجها هذا


ناظره والده بضجر مهمهمًا: لم أطلب رأيك أساسًا


عبس زياد هاتفا بطريقة بدت طفولية: أبي نحن لم نشبع منها بعد، على الأقل إنتظر عشرين، ثلاثين سنة أخرى فقط بعدها نقرر


رقت تقاسيم سحر مرسلةً له قبلة بالهواء، فتظاهر الآخر برفضها، حيث ضحكت جوليا بخفة مجيبة ولدها: زياد طبعًا والدكَ لن يفكر في هذا أساسًا وخاصة الآن إهدأ، إبنتي عادت البارحة فقط ولم تشبع أرواحنا منها ولن تشبع أبدًا لهاذا إطمئن سنفكر بالموضوع بعد سنوات طويلة


جلس زياد براحة غامزًا لسحر بإستفزاز مرددًا: ستضل عانسًا على الأقل جراء لسانها الطويل ذاك


قلبت سحر عينيها مرددة بملل: لا تقلق حبيبي، عندما تزداد سنوات عنوستي كلما زادت فترة خدمتكَ لي، ستكون سائقًا لي وحمالاً للحقائب وغيرها من الأعمال إطمئن، سأجعل حياتكَ جحيمًا بقربي


ضحك أدهم برجولية مشيرًا لأخيه كأنه يخبره بأن يرد عليها، فهز زياد رأسه بيأس غير قادر على مجابهتها أكثر


- هل أنهيت صورة تعديل الصورة يا أدهم


تسائلت سحر بهدوء موجهة كلماتها لأخيها الأكبر، هذا الأخير الذي أومئ لها بهدوء دون أن يرفع رأسه من هاتفه مجيبًا إياها: تقريبًا، سأضيف بعض الرتوشات من الإضاءة ثم سأرسلها لكِ عبر الواتس


دنت شهد من سحر أكثر مستفهمة منها بخفوت: أي صورة هذه ؟


إنحنت عليها الأخيرة مجيبة بلين: لقد إلتقطنا صورة قبل قليل مع بعض، فأخبرني أنه سيعدلها قليلاً عبر أحد التطبيقات ويرسلها لي فيما بعد


أومئت لها شهد بهدوء لتشد ذراع سحر هامسة بعيون حماسية: أنظري إلى هاتفه يا سحر


وجهت سحر نظرها لهاتف أدهم الذي كان منشغلاً به، لتعيد بصرها حيث أختها وقد قطبت جبينها بتسائل مغمغمة: ما خطب هاتفه لم أفهم ؟


فغرت شهد فاهها هامسة بخفوت أكبر كي لا يسمعها أحد مجيبة بحيوية طفولية ظريفة: يا إلهي يا سحر ألم تريه ؟ إنه أحدث طراز هذه السنة لشركة الهواتف العالمية التي ببلدنا إنه متطور حقًا


عقدت سحر حاجبيها مستفهمة: حقًا


لتحول نظراتها لأخيها مرددة بفضول: أدهم هل حقًا هاتف أحدث إصدار لهذه السنة ؟


رفع الأخير رأسه لها مقطبًا جبينه فإبتسم بلين مجيبًا: نعم هو كذلك، إشتريته قبل ثلاثة أشهر تقريبًا


نكزت شهد سحر كي لا تحرجها إلا أن الأخيرة تجاهلتها متابعة سؤال أخيها: هل هو متوفر بالأسواق يا ترى؟


ناظرها أدهم ببسمة رجولية حانية: في الحقيقة لا أظن، فأنا أحضره لي أحد المستوردين الذي نتعامل معهم ، لا أعرف إن كان هذه النسخة بالذات قد توفرت بالأسواق المحلية ببلدنا


زفرت سحر بخفوت فيبدو أنها لا تستطيع أن تشتري لشهد واحدًا مماثلاً، فهي لا تحب أن ترغب أختها في شيئ ما ولا تحضره لها، في حين قد علت الخيبة ملامح شهد


فعقد أدهم حاجبيه بإستغراب مستفهمًا من سحر: لماذا سئلت يا سحر هل أعجبكِ ؟


زمت الأخيرة شفتيها مجيبة: لست أنا، بل شهد الذي أعجبها فهي مولعة بالتصوير بالهاتف


توسعت عيني شهد وتوردت وجنتيها خجلاً، ليبتسم أدهم بلين موجها كلماته لها: هل حقا تريدين واحدًا مماثلاً يا شهد ؟


إرتبكت الأخيرة شابكة كفيها ببعضهما البعض مجيبة بتهرب: لا، فقط كنت قد رأيته بمواقع التواصل يمدحون مميزاته المتطورة


ربتت جوليا بحنان على رأسها هاتفة بلطف أمومي: إن توفر بالأسواق صغيرتي أعدكِ سأتشري لكِ منه إطمئني، أنتِ فقط تأمرين


تبسمت شهد بتوردٍ ونبض قلبها عدة نبضاتٍ متراقصةٍ متناغمةٍ مع عزف تهويدة الحب لهذه المرأة الفاضلة التي تشع دفئًا وحنانًا أموميًا بهيًا




مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات