اخر الروايات

رواية بوتقة الحب الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم هدير الصعيدي

رواية بوتقة الحب الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم هدير الصعيدي


الفصل السادس والثلاثين

نسير بطريق خاطئ رغم صرخات العقل ومحاولاته المستميتة لإيقافنا , ربما نعلم فداحة فعلتنا من البداية وربما ظهرت الحقيقة شيئًا فشيء ولكنه القلب الذي نحاول إرضاؤه ناحين عقولنا جانبًا , وهى سارت طويلًا بطريق خاطئ حتى عند معرفتها بحقيقة الكذبة التي كانت تحيا بداخها وظلت شهورًا تتمنى عودة غائبها كابرت وعاندت وتشبثت بالخطأ الذي بات واضحًا أمامها , حاولت محاربة مشاعر صادقة نمت بداخها وقهرت قلب رجل أحبها بصدق , رجل قَبِل بالكثير آملًا في التواجد فقط بجانبها , فلتبصرها عينيه فقط كل يوم وهذا كان يكفيه , تحمل كلماتها القاسية وتمنى لو تشعر به يومًا ولكنها لم تكن تزداد سوى قسوة وتجبر , رأت ألمه مرارًا ولم تعبأ به وحين تألمت هى تمنت لو يحنو عليها ولا يفعل مثلما فعلت هى , تمنت أن يسامحها على فداحة فعلتها التي تعلم أنه إن كان فاعلها فلم تكن لتسامحه بسهولة , كم كانت ظالمه , أنانية , باردة , كانت تُفكر بنفسها فقط ؛ مشاعرها هى الأهم وليحترق الجميع ممن حولها فاحترقت هى بنيرانها.

فتحت عينيها وهى تئن بألم قبل أن تُغلقهما من جديد وهى تشعر بالدوار يعصف بها , أمسكت برأسها قائلة في تعب

- رأسي يؤلمني وأشعر برغبة شديدة في التقيؤ

هتفت أم سيد بجدية وملامحها تنبض بالفرحة

- ثق بحديثي سيد تميم .. تلك أعراض حمل لاشك .. وأنا أنتظر منك البشارة ما إن تتأكد

نظر لها تميم بقلق لا يهمه ما تتحدث به فلقد كان يموت رعبًا لحالة فيروز , هتف بتوتر وقلق

- رجاءً انظري هل وصل الطبيب أم لا

سمعت اسمه ووصلها صوته فجاهدت لتفتح عينيها من جديد , نظرت له بغير تصديق , هتفت باسمه في حزن فنظر لها بقلق متسائلًا

- فيروز .. هل أنتِ بخير ؟

سؤاله جعل دموعها تندفع دفعًا إلى عينيها لتهتف ببكاء

- لست بخير .. لست بخير أبدًا ولن أكون ما دمت بعيدًا .. لمَ تركتني

أمسك بيدها قائلًا بأعين لمحت بهما قلقًا شديدًا

- لا تبكي .. ها أنا عُدتُ فيروز .. لن أتركك أبدًا ما حييت

صمت يستوعب ما تفوه به قبل أن يهتف بتوضيح

- أقصد لن أترككِ حتى تكوني بخير

همت بالتحدث فقاطعتها أم سيد وهى تدلف قائلة بهدوء

- لقد وصل الطبيب سيد تميم

نهض تميم ليصافح الطبيب , شرح له ما حدث سريعًا قبل أن يقوم الطبيب بفحصها تحت نظراته القلقة , هتف بهدوء ما إن انتهى وهو يكتب بعض الأدوية بورقة صغيرة

- هى بخير لا تقلق .. فقط تحتاج للراحة وأن تأكل جيدًا .. وقد كتبت لها بعض الفيتامينات

تساءلت أم سيد بحزن

- أليست حامل ؟

نظر لها تميم بأعين غاضبة فصمتت تبتلع ريقها بخوف ليصافح الطبيب قائلًا

- أشكرك .. تفضل .. أم سيد سترافقك حتى الباب

عاد تميم يجلس قبالتها على الفراش قائلًا بأعين زال عنها القلق قليلًا

- حمدًا لله على سلامتكِ .. كدتُ أموت رعبًا

نظرت بعينيه ولم تعلق ؛ كانت عيناه صادقتان أكثر من أي وقت سابق , كيف لم تشعر بحبه الذي يلتمع بعينيه , كيف كانت عمياء عن عشق كهذا , رأت هالة من الدموع تتجمع بعينيه فهتفت بابتسامة جاهدت لرسمها

- لا تقلق أنا بخير ما دمت لن تتركني

ربت فوق يدها قائلًا بصدق

- لن أترككِ إن شاء الله

تساءلت بوهن

- ماذا حدث ؟ .. كيف أتيت إلى هنا ؟

هتف بأعين دامعة

- هاتفتني أم سيد وهى تبكي وتخبرني أنها وصلت الفيلا وصعدت لرؤيتكِ فوجدتكِ مغشيًا عليكِ بالغرفة .. لا أعلم كيف وصلت .. كدت أقوم بعشرة حوادث حتى وصلت الفيلا

هتفت بوهن

- بعيد الشر عنك تميم .. لقد هاتفتك مرارًا ولكنك لم تكن تُجيب

ربت على يدها قائلًا بهدوء

- يجب أن ترتاحي الآن .. دعينا نؤجل الحديث بتلك الأمور لوقت آخر .. سأذهب وأخبر أم سيد أن تُعد لكِ شيئًا تأكلينه

أوقفته قائلة برجاء

- لا تتركني

نظر لها بأعين دامعة , تمنى أن يظل حقًا بجانبها ولايتركها , ولكن هذا الأمر مُتعلق بقرارها هى , هتف بحزن

- لا تخافي .. سأعود سريعًا

هتفت برجاء

- أقصد لا تتركني أبدًا .. أنا لا أريد لهذا الزواج أن ينتهي

ارتبكت ملامحه , نظر لها فشعر بملامحها صادقة , هل تقصد ما تفوهت به ؟! , أم أنها مُتعبة فقط , ربما تهذي ! , كان ينظر لها ولا يعلم بما عليه فعله فآثر الهروب بعيدًا فهتف محاولًا التحلي بالهدوء

- فلنأجل أي حديث حتى تكوني بخير

تركها وخرج سريعًا فنظرت في أثره بحزن , تساقطت دموعها قائلة

- أنا أُحبك تميم

..

دلف تميم للمطبخ فوجد أم سيد واقفة أمام الموقد تُعد شيئًا لم يتبينه فتساءل بهدوء

- هل يمكنكِ إعداد شيئًا خفيفًا من أجل فيروز ؟

استدارت قائلة بهدوء

- أنا أُعد بالفعل شوربة ودجاج من أجلكما .. نصف ساعة ويكون الطعام جاهز

سمع طرقات على باب الفيلا فاستدار ينظر تجاه الباب قائلًا وهو يوقفها بيده حيث همت بالخروج

- سأفتح أنا

توجه للباب , أدار المقبض ليقابله من توقع رؤيته قبل عدة أيام ولكنه لم يظهر , هتف سيد الذي كان يجاوره

- يريد رؤيتك سيد تميم

هتف تميم ونظراته مازالت مُعلقة بفادي

- حسنًا سيد .. اذهب أنت

اتسعت ابتسامة فادي متسائلًا ما إن ابتعد سيد

- لم تتوقع رؤيتي أليس كذلك ؟

هتف تميم بهدوء

- بلى توقعتها ولكنك تأخرت

تساءل فادي بابتسامة ساخرة

- هل اشتقت لي ؟

لم يُبدي تميم ردة فعل على حديثه فتساءل فادي بابتسامة

- ألن تدعني أدلف ؟

هتف تميم بهدوء

- كلا

لم يتوقع فادي رده فظهرت الصدمة على ملامحه , هتف تميم بهدوء وهو يشير للخارج

- سنجلس بالحديقة

جلس تميم على أحد المقاعد ليشير بيده لفادي كي يجلس دون أن يتفوه بكلمة فجلس فادي قائلًا بضجر

- لقد أرسلت لك مئات الرسائل ولم تجيبني فاضطررت للنزول .. كما أنني هاتفت ف..........

قاطعه تميم بغضب

- لا تتفوه باسمها .. قل ما تريد وارحل هيا

رفع فادي حاجبه قائلًا

- أرى طريقتك باتت أكثر غلظة .. ما الأمر ؟

ضيق تميم عينيه متسائلًا

- ماذا تريد ؟

وضع فادي ساقًا على الأخرى قائلًا باستعلاء

- أريد المزيد من الأموال ولكن ليس كالمرة السابقة بل أريد ضعف المبلغ

نظر له تميم باشمئزاز فلمح فادي نظراته ولكنه لم يهتم , هتف تميم بهدوء رغم براكين الغضب التي تتصارع بداخله

- لقد أعطيتك الكثير من المال بناءً على اتفاق تم بيننا وانتهى الأمر

اعتدل فادي بجلسته قائلًا ببرود

- لم ينتهي

رفع تميم حاجبه فهتف فادي بابتسامة ماكرة

- يمكنني إخبار فيروز بكل شيء وسأكون حينها أنا الضحية

ضم تميم قبضة يده في غضب قائلًا بتحذير

- لا تتفوه باسمها لأنني بالمرة القادمة لا أعلم ماذا سأفعل فلا تختبر صبري

ابتسم فادي قائلًا ببرود وهو يستند بظهره إلى المقعده خلفه

- إعطني االمال إذن كي أسافر من جديد .. الخيار لك

ابتسم تميم قائلًا

- الخيار حقًا لي ولذلك لن أعطيك شيئًا وبالنسبة لحديثك الساذج حول اتفاقنا .. فهى تعرف بالأمر فلا تتكلف عناء تهديدي

ظهرت الصدمة على ملامح فادي فنهض تميم من جلسته هاتفًا باسم سيد بصوت جهوري والذي أتى مهرولًا فهتف تميم بجدية وملامحه يحتلها الغضب

- خذ هذا وألقي به للخارج وإن أتى مجددًا اطلب له الشرطة

أمسك سيد بفادي من ثيابه فدفعه فادي بغضب لينظر لتميم قائلًا

- لم ينتهي الأمر هنا تميم .. لن أختفي من حياتكما بسهولة .. هل تسمعني

تركه تميم ودلف للداخل فأمسك سيد به ودفعه للخارج وسط صراخه ووعيده لهما.

..

طرق تميم الباب برفق خشية أن يوقظها ثم دلف فوجدها تغط في نوم عميق , هدأ الإضاءة واكتفى بضوء خفيف ثم جلس على المقعد ينظر لها بأعين التمعت بالدموع , ليتها تعلم كم يُحبها ويتمنى أن تبادله مشاعره تلك التي خبأها بداخله سنوات حتى اعترف بها في لحظة لم تكن في الحسبان.

ليتها تعلم أن قلبه يخفق بجنون في حضرتها , أن ابتسامتها تجعله يطير فرحًا وبغيابه عنها في الأيام الماضية كان في عداد الموتى.

ليتها تعلم أن حبه لها صادقًا , وأنه يكفيه أن تظل بجانبه وإن كانت لن تُحبه ولكن لتظل بجانبه فكيف له أن يحيا بدونها.

كيف لقلبه الذي عاد للحياة بوجودها أن تستمر نبضاته بعيدًا عنها.

تململت في نومها فنظر تجاهها بقلق , فتحت عينيها تهتف باسمه فأجابها قلبه قبل لسانه , وجد ساقاه تحملانه حملًا إليها , جلس قبالتها فهتفت بابتسامة

- أنت هنا تميم

أومأ إيجابًا ودموعه تخونه وتتساقط رغمًا عنه ولكنه لم يهتم , أمسكت بيده قائلة بابتسامة

- لقد اتخذت قراري حتى قبل أن أُريك الرسالة

وضع يده على فمها يمنعها من التحدث قائلًا

- المهم الآن أن ترتاحي كي تستعيدي طاقتكِ

أبعدت يده قائلة

- يجب أن أخبرك فلا توقفني .. لم أعد أحتمل الابتعاد عنك .. ولم أعد أحتمل رؤية الحزن بعينيك .. لقد تألمت كثيرًا وشعرت بألمك هذا ما إن دق قلبي بحبك

اتسعت عينيه بغير تصديق وحديثها يخترق عالمه بأكمله وليس قلبه وأذنيه فقط , ابتلع ريقه قبل أن يتساءل بشك

- ماذا قلتِ ؟

ارتبكت قليلًا ولكنها حاولت التحلي بالشجاعة فهتفت

- كنت أود منك أن تظل بجانبي .. تتحدث معي .. تنتشلني من هذا الضياع الذي كنت أغوص به ولا أعلم كيف لي أن أخرج منه .. كنت أخشى من فقدانك .. بكيت كثيرًا ودعوت الله كثيرًا ألا تبعد عني

اعتدلت بجلستها فحاول منعها لتهتف بابتسامة

- أنا بخير .. لقد أرهقني غيابك فقط .. وعودتك أعادت لي ما غاب عني .. لا تتركني مرة أخرى .. أنا أُحبك تميم

تلك المرة لم يحتاج لسؤالها , لم يحتاج أن يتأكد من شيء فلقد كانت عينيها تؤكد ما يخرج من فمها من حروف ؛ كانت تخبره أنها تحبه وما أصدق الأعين بحديث الهوى.

********

كم هو جميل أن تستيقظ وشعور بالفرحة يغمرك , يتراقص قلبك بين ضلوعك وتود لو يشعر الجميع بسعادتك , نظرت بجانبها حيث يغفو كطفل صغير وليس رجلًا على مشارف الأربعين وابتسامة هادئة تُزين ثغرها , ارتدت خفها المنزلي وخرجت بهدوء كي لا توقظه , صلت صلاة الضحى ثم بحثت بعينيها عن بسلة على آمل أن تجدها حتى لمحتها تغفو فوق الأريكة فخطت تجاهها بفرحة قائلة

- اشتقت إليكِ كثيرًا .. إذن سمح موسى ليلة أمس بأن تظلي

هتف موسى بابتسامة انتفضت فزعة على أثرها

- وهل لي أن أرفض طلب لكِ

نظرت له بخضة وعينيها يملؤها الغضب فاقترب منها قائلًا بأسف

- لم أقصد إخافتكِ .. أعتذر

ظلت نظراتها كما هى فاقترب مقبلًا جبينها ثم هتف بمشاكسة

- لم تقولي لي بأي يوم اشتقت لك موسى كما تقولي للقطة الآن

نظرت له بضيق ثم نظرت للقطة قائلة وهى تضمها لصدرها

- لقد غابت عني ثلاثة أيام .. ثم إنني غاضبة منك لأنك أفزعتني .. دومًا تفعل ذلك

هتف بصدق

- لم أقصد بأي مرة

لم تعلق فهتف مشاكسًا

- ابتسمي نحن مازلنا حديثي الزواج وعبوسكِ بتلك الطريقة سيجعلني أفر من المنزل فلتنتبهي لذلك

نظرت له وقد رفعت حاجبها قائلة

- فلتفعلها إن استطعت

قهقه ضاحكًا فاقتربت منه القطة فابتعد قائلًا بجدية

- امسكيها ولا تدعيها تقترب .. أنا لا أُحب الحيوانات .. من أجلكِ فقط وافقت على مكوثها برفقنا ولكن لا تدعيها تقترب مني

حملت بسلة تضمها قائلة بابتسامة

- تقترب منك لأنها تُحبك .. إن كانت لا تحبك فلن تقترب .. عليك أن تفرح لذلك

داعب أرنبة أنفها قائلًا بابتسامة

- أنا أُحب صاحبة القطة وهذا يكفيني

ابتسمت بخجل وداعبت القطة فرفع حاجبه قائلًا

- قولى وأنا أيضًا أُحبك

نظرت له بخجل قائلة

- أشعر بالجوع .. سأنهض لأُعد الفطور

أوقفها قائلًا بتهكم

- تتهربين .. حسنًا ثويبة .. حسناء ستحضر الفطور وتأتي به .. أنتِ لازلتِ عروس

ابتسمت متسائلة

- هل ستظل تدللني كثيرًا ؟

داعب أرنبة أنفها قائلًا

- دومًا سأدللكِ إن شاء الله

علىّ رنين هاتفه فنهض يُحضره ثم عاد بعد دقيقتين , اقترب من ثويبة قائلًا بتردد

- والدتكِ تريد أن تُحادثكِ

نظرت له ثويبة بضيق وهمت بالرد ولكنها صمتت متسائلة

- هل تسمعنا ؟

هز رأسه يمنة ويسارًا قائلًا

- أكتم الصوت

هزت رأسها قائلة بضيق

- جيد .. أخبرها أنني لا أريد محادثتها

نظر لها بعتاب قائلًا

- ثويبة هذه والدتكِ .. هل تعى أن ما أنتِ به نعمة كبيرة تغفلين عنها .. لقد عادت وأنتِ كنتِ تظنيها غادرت عالمنا .. عادت والدتكِ التي أعلم كم كنتِ تتمنين وجودها بجانبكِ كثيرًا .. فلتدعي كل غضبك جانبًا .. أعلم أن هذا الغضب لن يزول دفعة واحدة ولكن فلتسمحي لها بالتقرب منكِ .. اسمعيها ثويبة .. سامحيها على ما فعلته سترتاحي أولًا قبل أي شخص .. لا تنسي أنها والدتكِ

لن تنكر أن حديثه حرك مشاعرها قليلًا , ولكن بداخلها غضب كبير من تخليها عنها , كيف لها أن تسامحها , بل كيف لها أن تتخيل أنها حُرمت منها طويلًا , حُرمت منها بأكثر الأوقات التي كانت بحاجتها , لقد تعذبت كثيرًا ووحده الله من يعلم بعذابها.

نظرت بهاتفه فوجدت المكالمة مازالت مفتوحة فتساءلت باستغراب

- هل تنتظر كل هذا الوقت دون أن تُنهي المكالمة ؟

هتف موسى بابتسامة صادقة

- أعلم أن الوقت إن طال أكثر ستظل بانتظاركِ .. ستنتظركِ طول العمر ثويبة .. لا تُضيعي والدتكِ فتندمي لاحقًا

ظهرت الدموع بعينيها ففتح كاتم الصوت ثم أعطاها الهاتف قائلًا بابتسامة هادئة

- سأذهب لأُخبر حسناء بأن تُعد الفطور .. تحدثي بأريحية

حملت منه الهاتف فقبل جبينها ثم خرج , وضعت الهاتف على أذنها قائلة بتردد

- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وصلها صوت والدتها الباكي وحديثها الذي شعرت به يُلامس أعماق قلبها فبكت هى الأخرى دون أن تتفوه بكلمة , ظلت تتحدث وثويبة تسمع حتى تساءلت ثويبة بحزن

- لمَ عدتِ الآن ؟

هتفت والدتها ببكاء

- لقد حاولت التقرب منكِ بعد وفاة والدكِ ولكني لم أستطع مُحادثة عمكِ .. فهاتفت قدرية ولكنها أخبرتني أنكِ ترفضين التحدث إليّ وهددتني كي أبتعد عنكِ فابتعدتُ حتى عاد موسى وعلمت فهاتفته أخبره بكل شيء لأعلم منه أنكِ لا تعلمين شيئًا عن مهاتفتي لقدرية .. علم موسى أنها تكذب من حديثكِ الصادق عني وحزنكِ لفقداني أنا أولًا ثم والدكِ

لم تكن تسمع ثويبة لحديثها بأكمله توقف عقلها عند عبارة واحدة وسؤال تردد بداخلها في غضب ؛ هل كانت تعلم زوجة عمها بأن والدتها على قيد الحياة ولم ترأف لحالها لحظة , هل سعت بكل طاقتها كي تحرمها العائلة بنبذها بعيدًا عنهم , وكذلك الحب بإبعاد منتصر عنها وحرمتها من أقرب الناس لها والدتها , ما الذي كانت تسعى لأجله , لمَ فعلت هذا ! , هل تبغضها لتلك الدرجة !

هل هناك شرًا متجسدًا ببشر كما يتجسد الشر بداخل تلك المرأة !

ظلت والدتها تتحدث حتى تساءلت برجاء

- هل يمكنني رؤيتكِ ؟

ابتلعت ثويبة ريقها فهتفت والدتها

- سأظل برفقتكِ خمس دقائق ثم سأرحل ولن أضايقكِ .. فقط سأجلس بجانبكِ أتطلع لملامحكِ فقط

انهمرت دموع ثويبة في صمت قبل أن تهتف بتردد

- حسنًا يمكنكِ المجيء

أنهت المكالمة ووضعت الهاتف بجانبها على الأريكة وأخذت تبكي حتى سمعت طرقات على باب الملحق فنهضت متوجهة للباب باستغراب فموسى برفقته المفاتيح من يا تُرى ؟ , حملت اسدال الصلاة خاصتها , وارتدته سريعًا ثم فتحت الباب لتجد حسناء أمامها حاملة صينية فوقها الفطور , انتبهت حسناء لعينيها الباكية فتساءلت بقلق

- هل أنتِ بخير ؟

هزت ثويبة رأسها يمنة ويسارًا فتساءلت حسناء بحزن
- ما الذي حدث ؟ .. هل فعلت السيدة قدرية شيئًا ؟

وكأنها غفلت عما أخبرتها به والدتها قبل قليل وسؤال حسناء هو ما أشعل تلك النقطة بداخل عقلها من جديد , تحولت نظراتها للغضب لتتساءل بانفعال

- أين هى ؟

عقدت حسناء حاجبيها باستغراب متسائلة

- من ؟

هتفت ثويبة بغضب

- قدرية

ابتلعت حسناء ريقها وهى ترى الغضب بعينيها وهتافها باسم قدرية هكذا لأول مرة , هتفت بتردد

- هي بالفيلا .. تتناول فطورها برفقة دارين والسيد صالح

تركتها ثويبة وخرجت بخطوات غاضبة فنظرت حسناء في أثرها باستغراب , كان حديث والدتها يتردد بداخلها , ذكريات سنوات عمرها التي قضتها بدونها , ما فعلته قدرية معها طيلة سنوات عمرها كانا يتصارعا بداخلها , تأجج الغضب بداخلها حتى وصلت للفيلا , دفعت الباب الشبه مغلق بيدها في غضب ودلفت , لمحت قدرية تتناول طعامها فخطت تجاهها في اللحظة التي خرج بها موسى من غرفة المكتب , انتبه لها وللغضب المرتسم فوق ملامحها ليهتف باسمها باستغراب فنظرت قدرية لها قبل أن ترفع حاجبها وهى تلاحظ نظراتها الغاضبة والموجهة تجاهها , تساءلت بسخرية

- ما الأمر ؟ .. هل رأيتيني بأحلامكِ ؟

وقفت ثويبة أمامها قائلة بغضب

- بل الأفضل أن تتسآلي إن كنت رأيتكِ بكوابيسي فهذا مكانكِ المناسب

ظهر الغضب على ملامح قدرية , بينما تساءلت دارين باستغراب

- ما بكِ ثويبة ؟ .. ماذا حدث ؟

اقترب موسى منها متسائلًا باستغراب

- ما الأمر ثويبة ؟

لم تُجيب ثويبة أي منهما وظلت نظراتها معلقة بقدرية التي هتفت بسخرية غاضبة

- بات صوتكِ يظهر ثويبة .. هل دربكِ موسى فأصبحتِ مثله

نظرت لها ثويبة بأعين غاضبة فأكملت قدرية بفحيح

- لسانكِ يقطر بزاءة

أمسكت ثويبة بها فجأة من ثيابها فشهقت دارين لتهتف ثويبة بغضب

- أنتِ ماذا .. أي صنف أنتِ من البشر .. أنا لا أجد وصفًا يليق بكِ .. أنتِ لم تتركي لحظة لم تُحاولي إيذائي بها .. ماذا فعلت لكِ كي تدمري حياتي بتلك الطريقة .. لقد سعيتِ باستماتة لتدميري .. لا أعلم ماذا فعلت فلتخبريني أنتِ

أمسك موسى بثويبة محاولًا إبعادها عنها فصرخت ثويبة به أن يتركها ولكنه لم يفعل وظل ممسكًا بها حتى أبعد يديها عن قدرية التي نهضت قائلة بغضب

- لقد جننتِ ثويبة وسأحاسبكِ على فعلتكِ تلك .. ولكن ماذا أقول فأنتِ لم تجدي من يربيكِ فلقد هربت والدتكِ بصغرك و..........

قاطعها صالح بغضب

- اصمتي قدرية

صرخت ثويبة بها

- لا تتحدثي عن والدتي بشيء .. أنتِ شيطانة قدرية

اتسعت عيني قدرية , أما موسى فسحب ثويبة للخارج وسط صرخاتها , أوقفها بالحديقة محاولًا تهدأتها

- اهدئي ثويبة .. ما بكِ ؟ .. ما الذي يحدث ؟

كانت تنظر له بملامح غاضبة , تتنفس بسرعة شديدة جراء انفعالها , لم تجيبه فضمها لصدره قائلًا

- اهدئي .. حسنًا اهدئي أنا بجانبكِ

تساقطت دموعها جراء كلماته دون أن تشعر , شعر بها فزاد من ضمها , ربت على ظهرها حتى هدأت لتبتعد عنه قائلة بأعين مبتلة بالدموع

- أنا بخير الآن

أمسك كتفيها قائلًا بحب

- أنا دومًا بجانبكِ مهما حدث فلا تخشي شيئًا

ابتسمت بامتنان لتتساقط دموعها من جديد فمسحها بيده قائلًا

- هيا كي نذهب للملحق كي تتناولي شيئًا ثم نتحدث إن أردتِ

أومأت برأسها فأمسك بيدها وسارا سويًا للملحق , دلفا وأغلق الباب خلفه ليجد صينية الطعام موضوعة على الطاولة فهتف بهدوء
- هيا كي نتناول فطورنا

جلست على المقعد وجلس بجانبها فهتفت بتردد

- أخبرتني برغبتها في المجيء لرؤيتي فوافقت .. ربما تأتي اليوم أو غدًا لا أعلم

نظر لها باستغراب متسائلًا

- من تقصدين ؟

ابتلعت ريقها قائلة بتردد

- أمي

ابتسم قائلًا بفرحة لخروج تلك الكلمة منها

- نحن بانتظارها أي وقت .. إن أردتِ يمكنها المكوث برفقتنا دومًا

نظرت له بصدمة , لم تتوقع اقتراحه ولم تُفكر بشيئًا كهذا , انتبه لصدمتها البادية على ملامحها فهتف بهدوء

- إن لم تكن لديكِ رغبة فلا مشكلة .. أنا أخبرتكِ فقط كي لا تترددي في طلب الأمر

نظرت له ولم تعلق , وضعت بعض اللقيمات بفمها قبل أن تتساءل بتردد

- أين تُقيم الآن ؟

هتف بعد أن بلع ما بفمه من طعام

- تقطن بشقة صغيرة ولكن خارج القرية .. أخبرتني من قبل ولكني لم أراها

تساءلت بتردد

- ومن أين تحصل على المال ؟

ظهر التوتر على ملامحه قبل أن يهتف بتردد

- كانت تعمل بتنظيف المنازل بالمدينة

اتسعت عينيها فهتف بهدوء وهو يربت على يدها

- ولكن الآن لا تعمل .. يصلها مبلغ شهريًا تنفق منه كما تريد .. لا تقلقي

تساءلت باستغراب

- ومن يُرسل لها هذا المال ؟

هتف بهدوء دن أن ينظر لها

- أنا ورجاءً لا أريد التحدث بهذا الأمر لأنه غير قابل للنقاش لدي .. سأظل أفعله ما حييت

نظرت له بامتنان قبل تضغط فوق يده قائلة بأعين دامعة

- شكرًا لك موسى

********

بعض الأمور نظن أن بحدوثها هلاكنا لا محالة ولكن ظاهرها يبدو شرًا وبباطنها خير كبير لا نراه حينها , وهى ظنت أن بالشراكة مع معتصم سيكون قلبها هالك لا محالة وليلة رؤيتها لمعتصم بالشركة بكت طويلًا وهى تدعو الله ألا يتأذى قلبها بوجوده ورؤيته.

وها قد مر ثلاثة أشهر بأكملهما وما كانت تخشى منه لم يحدث بل إنها شعرت بوجود معتصم أنها باتت بحال أفضل , لم تشعر بتلك المشاعر التي كانت تخشى منها بتواجده , بل انتظام رؤيتها له جعله بعينيها شخصًا غريبًا لا تعرفه , ما يربطهما العمل فقط , كانت لا تستوعب ما يحدث معها ؛ بات معتصم رجلًا غريبًا لم يعد قلبها يخفق بتواجده أو برؤيته , حتى اسمها باتت نبرته غريبة على أذنيها حينما ينطق به أثناء حديثهم , حمدت الله كثيرًا فلولا فضل الله لما وصلت إلى ما هى به الآن , لولا فضل الله لكانت في حال سيئة.

دلف معتصم إلى غرفة الاجتماعات ليجد كلثم بمفردها , هم بإغلاق الباب لتهتف وهى تتطلع باللاب توب أمامها دون أن تنظر له

- لا تُغلقه

رفع حاجبه متسائلًا وهو يقترب من الطاولة حيث تجلس

- تخشين من تواجدنا بمفردنا .. تخشين مني أم ......؟

رفعت رأسها تنظر له قائلة تقاطع سؤاله

- بل أخشى الله

لم يعلق وسحب المقعد وجلس ونظراته لا تفارقها فعادت تتطلع للاب توب أمامها قائلة

- سننتظر مزمل حتى يصل إن شاء الله .. هو بالطريق

تساءل باستنكار وغضب

- وهل هو من أخبركِ ألا تدعيني أُغلق الباب ؟

لم تعلق وأكملت ما تفعله فزاد غضبه ليهتف محاولًا كبح غضبه قليلًا , اقترب بجسده من الطاولة متسائلًا

- كلثم لمَ تعامليني هكذا ؟

لم تجيبه فهتف بأعين التمعت بنظرات العشق رغمًا عنه

- لا أستطيع الحياة دونكِ كلثم .. أرجوكِ دعينا ...........

قاطعته وهى ترفع رأسها عن شاشة اللاب توب قائلة

- أرى أن تنشغل قليلًا بزينة وبطفلكما القادم

هتف بصدق

- تعلمين أنني ما أحببتُ سواكِ

ابتسمت بسخرية فهتف بحزن

- لا أُحب زينة وأنتِ تعلمين ذلك جيدًا

هتفت بملامح هادئة

- رجاءً لا تتحدث معي بتلك الأمور فهى لا تعنيني .. يمكنك مناقشتها مع زوجتك فلا دخل لي بمشاعرك أو حالتك

ضرب بيده الطاولة في غضب قائلًا

- لا تتحدثي بهذا البرود .. أعلم أنكِ مازلتِ تُحبيني ولكنكِ تكابري .. أم أن هناك من يشغلك عني

هتفت بنفس ملامحها الهادئة

- نحن بشركة محترمة فلا ترفع صوتك وانتبه لحديثك معي كي لا تندم معتصم

قهقه بسخرية غاضبًا قبل أن يدلف مزمل ينظر لهما بقلق , نظر لكلثم متسائلًا

- هل أنتِ بخير ؟

همت كلثم بالرد ليقاطعها معتصم بانفعال رغمًا عنه

- وهل سأكلها !! .. هى ابنة عمي وزوجت.............

قاطعه مزمل قائلًا بابتسامة

- تقصد طليقتك لم تعد زوجتك

شعر معتصم بالغضب من ابتسامة مزمل , شعر وكأنه يريد إثارة غيظه فهتف بانفعال

- ما دخلك أنت بما أتحدث به

نقرت كلثم بأصابعها فوق سطح الطاولة قائلة

- هلا بدأنا الإجتماع .. هيا مزمل اجلس كي نبدأ

نظر لها معتصم بأعين تشتعل نيرانًا فهى تتجاهله ببرود وكأنه غير موجود , جلس مزمل قائلًا

- أعتذر لتأخري ولكن كان هناك ازدحامًا بالطريق

هتفت كلثم بهدوء

- لا عليك

نقل معتصم نظراته بينهما قبل أن يهتف بغضب وهو يهز ساقه بعصبية

- لدي الكثير من العمل ولا وقت لدي لهذا الحديث المائع الذي سيُضيع وقتي

هم مزمل بالرد فقاطعته كلثم بإشاره من يدها قائلة

- هيا مزمل لنبدأ

..

ظل الاجتماع قرابة الساعتين كان معتصم يتعمد خلالهما أن يتحدث باستعلاء وهو يبدي ضيقه من بعض قرارت مزمل بالعمل والتي لا دخل له بها ولكنه كان يحاول صب كامل غضبه عليه.

نهض معتصم يحمل أوراقه وهاتفه ثم توجه للباب دون وداع كعادته , وقف على الباب ثم استدار ينظر لكلثم متسائلًا بسخرية

- هل أُغلق الباب سيدة كلثم أم أتركه مفتوح ؟

نظرت له كلثم بملامح هادئة ولم تعلق فخرج بخطوات غاضبة , نظر مزمل لكلثم متسائلًا

- ما الأمر ؟ .. وماذا يقصد ؟

هتفت كلثم بهدوء

- لا تشغل بالك بحديثه .. هو يحاول افتعال المشاكل لا أكثر

هتف مزمل بابتسامة هادئة

- أنتِ شخصية مميزة كلثم وهو لا يستوعب بعد أنكِ تركتيه .. هو يعاني آلام فقدانكِ .. أستوعب أفعاله .. عينيه تفضحه

هتفت كلثم بهدوء وهى تلملم أغراضها

- لا تشغل نفسك بتحليل أفعاله فيضيع وقتك عبثًا

هتف مزمل بابتسامة هادئة

- لا أشغل نفسي به .. أنا أنشغل بشخص آخر كلثم

توقفت كلثم عما تفعله وارتبكت ملامحها , حاولت التحكم بأنفاسها التي توترت كتوتر كامل جسدها , حملت أغراضها ونهضت فنهض مزمل هو الآخر قائلًا

- كلثم

نظرت له كلثم فلمحت تلك اللمعة بعينيه والتي سبق لها رؤيتها من قبل فهتفت بهدوء رغم توترها

- يجب أن أرحل فهبة تنتظرني

أومأ برأسه قائلًا

- أعلم أنكِ مررت بوقت صعب .. ولكني أراكِ الآن قوية .. ربما كنتِ بالبداية تدعين القوة ولكن الآن أرى القوة متجسدة بعينيكِ

ابتسمت كلثم بتوتر وبداخلها تتمنى لو تختفي الآن , وضع مزمل يده بجيب ستره الداخلي تحت نظراتها التي اتسعت قليلًا , شعرت ببرودة أطرافها وأغمضت عينيها ارتباكًا قبل أن تعاود فتحهما وهى تجد بيده علبة صغيرة من القطيفة , هتفت بداخلها

- أرجوك لا تفعل

هتف بابتسامة

- أشعر بمشاعر تجاهكِ كلثم وليس الآن فقط بل من فترة كبيرة وأود أن أضع تلك المشاعر في إطار صحيح

كانت تشعر أنها ستفقد وعيها في الحال , تمنت أن يأتي أحدهما ويبتر تلك اللحظة كي تهرب سريعًا ولكن لا أحد , دارت بعينيها محاولة البحث عن مهرب ليتساءل بابتسامة

- هل تتزوجيني كلثم ؟

............
يتبع 


السابع والثلاثون من هنا 
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close