اخر الروايات

رواية فطنة القلب ( قطوف الياسمين ) الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم سلمي خالد

رواية فطنة القلب ( قطوف الياسمين ) الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم سلمي خالد


 

فِطْنَة اَلْقَلْبِ
«قطوف الياسمين»
بقلم سلمى خالد " سماسيموو"
سبحانك اللهم بحمدك سبحان الله العظيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
الفصل الثالث والثلاثون
( اَلسُّقُوط مِنْ حَافَّةِ اَلْجُنُونِ)
اختفى صوته بعد كلماته المهلكة، اتسعت عينيها وهي تنظر إلى الهاتف بصدمة، ثم نهضت سريعًا ترتدي ملابسها مُنطلقة لمنزل عمتها، عينيها تمتلأن بالدموع، شحوب وجهها المفاجئ جعلها ضعيفة للغاية، هل يمكن أن يكون السكر؟، حمدت ربها أن المنزل قريب، حتى وصلت له صعدت سريعًا للطابق المطلوب ولكنها تفاجأت بالباب مفتوح وإلى جواره مازن الذي يلتقط أنفاسه بصعوبة، تركت ما بيدها سريعًا وهبطت تجلس على الأرض لمستواه، تذرف دموعها، تردد وهي تمسك وجهه بكفيها:
_ مازن.. مازن رد عليا.
ضعف جسده يزداد فوجد صعوبة في فتح عينيه، همس بصوتٍ منهك من التعب:
_ قطوف.. أنتِ هنا!
حركت رأسها بلهفةٍ تردد سريعًا وهي تمسح على وجهه بحنوٍ:
_ أيوة أنا اهوه يا حبيبي.
زحفت بسمة ضعيفة للغاية نحو شفتيه، يهمس بأنين:
_ خدني في حضنك.
ألقى بثُقل جسده عليها ليصبح بين احضانها، في حين تلقته قطوف بصدر رحبٍ تمسح على شعره قائلة بصوتٍ مرتجف:
_ مازن ايه اللي حصل!! أنا طلبت الاسعاف وهما زمانهم جايين.
أدمعت عين مازن حتى أصبحت دموع غزيرة تتساقط منه شعرت بها قطوف، يهمس بصوتٍ يغرقه الألم فجعل قطوف تبكي بصمتٍ:
_ أمي.. زودت جرعة الأنسولين عشان أموت.. أول لما عرفت إني مش هسيبك.. أنا تعبان يا قطوف.. تعبان أوي.
ضمته قطوف لها تمسح دموعه بأناملها، تردد بصوتٍ حنون:
_ لا أنا متعودة انك قوي يا مازن.. وقطوف جنبك مهما حصل.
تسارعت أنفاسه بسبب هذا الاضطراب الغريب، يكمل همسه الضعيف:
_ أنا صحيح مخدتش لا أب ولا أم.. بس ربنا عوضني بيكي وكنت بتمنى إني اموت في حضنك لأني خوفت منرجعش لبعض بس الحمدلله بقيت في حضنك.
حركت قطوف رأسها برفض، تسيل دموعها بغزارة، مرددة بألمٍ:
_ لا لا لا متقولش كده بالله عليك.. متعملش فيا كده يا مازن مش هستحمل.. كفاية اللي حصل.
:_ أنتِ أحلى حقيقة كانت صح في حياتي.. وكانت بضيع مني.
قالها قبل أن يستسلم لتلك الغمامة السوداء، في حين حاولت قطوف ايقاظه ولكن لم تجد فائدة، لتبدأ بتحريك وجهه يمينًا ويسارًا قائلة برعبٍ:
_ مازن عشان خاطري كلمني.. طب قولي أننا هنرجع لبعض.. أنت عايز تسبني بعد ما سامحتك.. مـــــــازن!!
أمسكت بهاتفها تبحث عن رقم ياسين وبالفعل ما أن وجدته حتى قامت بالاتصال به مرددة ببكاءٍ:
_ ياسين ألحق مازن ارجوك.. خد جرعة زيادة من الأنسولين ومش راضي يفوق معايا.
انتفض ياسين من مكانه، يردد بقلق:
_ أنتم فين؟!
:_ بيت ميرڤت أرجوك بسرعة أنا خايفة على مازن.
قالتها وهي تلف ذراعها بقوة على جسده الذي بدأ يزداد ثُقله، ألقت الهاتف جانبًا ثم ضمت مازن إلى صدرها تردد بصوتٍ مرتجف:
_ يارب انقذه واحميه.. يارب أنا خايفة عليه أوي ومقدرش على بُعده تاني.
**************
نغزةٌ قوية بقلبها، تشعر أن ما فعلته أصبح غير طبيعي لابنها، وضعت يدها على صدها تستدير لتنظر إلى المنزل بضيق، تهمس بداخلها باختناق:
_ أنا ممكن أخرب كل حاجة حتى حياتك بس مش عايزة اكون السبب في موتك.. هلحقه عشان هو ابني.. وهو اللي هيرجعلي الفلوس.
عادت بخطواتها للمنزل، تصعد لطابق المطلوب، وما أن وصلت حتى صُدمت من وجود قطوف وهي تحضن مازن، امتلأ حدقتيها بحقدٍ أسود، ثم اندفعت تمسك بحجاب قطوف في قوة، مرددة بصوتٍ جنوني:
_ أنتِ إيه اللي جابك!! أنتِ مش طردتيه من بيتك.. وخلتيه بقى ماشي وراكي زي المسحور.. عايــــــــزة ايه تاني!
صرخت قطوف بألمٍ شديد، ولكن ازداد تمسكها بمازن أكثر مما زاد من جنون ميرڤت لتصرخ بها محاولة سحبها من حجابها بعيدًا عن مازن:
_ أنتِ اللي عايزة تشوفي الوش التاني.. من زمان بكرهك وبكره وجودك وقوتك.. أنا اللي خطط لكل حاجة عشان اخلص منك ومازن يطلقك.. أنتِ فاكرة انه طلقك بمزاجه.. تبقي عبيطة.. أنا اللي هددته عشان يطلقك.. واضطر ينفذ عشان يحميكي..
ازداد صرخ قطوف ولكنها رفضت ترك مازن، لتردد شمن بين صراخها:
_ أنتِ مش أم.. مفيش أم تقتل ابنها!
ضحكت ميرڤت بصوتٍ مخيف، تجيبها بعدما تركت حجابها:
_ لاء في.. أنا.
نظرت قطوف لعينيها لتجدهما يحملان جنون حقيقي، لفت قطوف ذراعيها حول مازن بخوفٍ، في حين اشتعلت عين ميرڤت تردد بصوتٍ مُرعب:
_ لو فاكرة إني بس اللي جنيت على مازن تبقي غلطانة.. أنا وأنتِ أذينا مازن لدرجة أنه بين ايدكي بيموت.. لو مكنتش طردتيه كان زمانه قدامك بس قسوتك عليه وصلته لكده.
تجمد جسدها فجأة، هل هي السبب؟ هبطت دموعها بغزارة تردد برفضٍ لما تقوله عمتها:
_ لاء.. مش أنا السبب.
علا صوت ميرڤت تصرخ بصوتٍ عالي:
_ لاء أنتِ السبب.. أنتِ أكبر أذى لمازن يا قطو..آآآه.
صرخت بألمٍ بعدما تلقت ضربه على رأسها من ياسين، نظرت قطوف إلى ميرڤت لتجدها على الأرض في حين انطلق ياسين نحو مازن يردد بصدمة:
_ ايه اللي حصل؟!
اجابته بخوفٍ:
_ أرجوك ألحقه الأول.
حمله ياسين سريعًا بعدما خف وزن مازن بالفترة الماضية، هبط به سريعًا ثم وضعه داخل السيارة وانطلق به مع قطوف إلى المشفى كي يلحق به!
************
:_ زين تعالى دلوقتي على المستشفى اللي في أخر الشارع بتاع بيت ميرڤت.. مازن خد جرعة أنسولين زيادة ودلوقتي في الطوارئ.
قالها ياسين يستند على الحائط بتعبٍ، في حين اتسعت مقلتي زين بصدمة، يردد بذهول أثار جميع الواقفين حوله:
_ خدها ليه؟ حصل إيه!
أغمض ياسين عينيه في ألم، يشعر بالضيق لما يمر به مازن، أخذ انفاسه ثم اجابه باختناق:
_ ميرڤت حطتله جرعة زيادة وسبته وقطوف رنت عليا عشان ألحقه.. وجيت لقيت ميرڤت ماسكة في قطوف فضربتها على دماغها ومغمى عليها دلوقتي وجيت أنا وقطوف عشان نلحقه.. هات أمك وتعالى عشان قطوف منهارة هنا.
أجابه زين بهدوءٍ بعدما أيقن أن لابد من اتخاذ تلك الخطوة:
_ خلاص ماشي.. سلام.
أغلق مع شقيقه، ثم نظر لوالدته وشقيقته وياسمين مرددًا:
_ ألبسوا يلا مازن في طوارئ.. وهنروح ليهم دلوقتي.
اتسعت عين ياسمين بصدمة، لتردد بذعرٍ:
_ ليه! إيه اللي حصل يخليه يدخل المستشفى.. السكر علا عليه!!
نظر لها زين ثم اجاب باختناق:
_ لاء خد جرعة انسولين زيادة، ودلوقتي كله يلبس عشان ألحق اوصلكم وأروح مشوار.
حركوا رؤوسهم ثم أسرع لارتداء ملابسهم وما أن انتهوا سريعًا حتى انطلق زين مع ثلاثتهم إلى المشفى وبالفعل وصلوا للمشفى فأشار زين لهم بالدلوف وغادر هو سريعًا للشقة يجري اتصالًا في الخفاء.
وصل زين للبنية المقصودة، وصعد للطابق المطلوب فوجد ميرڤت ملقاه أرضًا، دلف للداخل يتطلع لها بصمتٍ يعلم أنها ستفيق خلال دقائق ولكن بتلك الدقائق سيأتي بها ما طلبه.
رمشت بأهدابها بازعاج ممزوج بأنين صغير، فتحت حدقتيها تنظر حولها لتجد زين يجلس أمامها، قطبت جبينها بدهشة، ثم قالت بملامح منزعجة:
_ أنت بتعمل إيه هنا! ومازن فين!
ابتسم زين بثقةٍ، ثم أجاب بهدوءٍ:
_ مازن اللي أنتِ حاولتي تقتليه!
ضيقت ميرڤت حدقتيها، في حين نهض زين من مقعده الموجود جوار باب الشقة، يتقدم من منتصف الردهة التي تجلس بها ميرڤت، مسترسلًا:
_ أنتِ مريضة عقليًا.. من زمان من ساعة ما امك توفت واخوكي محمد اللي مسك كل حاجة.. وبعدها جوزك اللي سابك فجأة بدون مبررت عشان مش قادر يستحملك ورجعك تاخدي فلوس من أخوكي.. وابنك اللي بقى بيدور على أي مكان عشان يسيبك ويبعد.. أنتِ خلاص فقدتي كل حاجة فلوسك وابنك وحياتك كلها راحت.
بدأت تذرف الدموع بغزارة، تشعر بالآلام تنغرز بصدرها، نعم هي فقدت كل شيء، نظرت له قليلًا ثم ضحكت فجأة تردف وهي تحاول النهوض:
_ لا مخسرتش هروح اضحك على مازن واقوله إني بحبه وهيرجعلي عشان أنا أمه.. أنا مخسرتش.. أنا مخسرتش.
لم يتحرك جسد زين، بل ظل يثبت نظره لها بقوةٍ، ليردف بنبرة جعلتها تُجن أكثر:
_ لاء خسرتي يا ميرڤت ومازن بين الحياة والموت دلوقتي.. وحياتك كله انتهت وهتروحي تقعد في المستشفى.
اندفعت نحوه في جنون، تنظر له بشرسة مرددة بصوتٍ عالي:
_ لاء أنا مش هروح في حتة... وابني هيعيش.. أنا بقولك إني أمه واحساسي مبيكدبش أبدًا.
أمسك بيديها اللتان تمسكان بقميصه، ثم قال ببعض السخط:
_ احساسك دا برضو خلاكي تقتليه!
دفعته بعيدًا تصرخ بهستيرية مجيبة:
_ مقتلتهوش.. بيحب قطوف أكتر مني.. ليه يحبها أكتر.. حاولت معاه كتير عشان يرجع ليا تاني وناخد فلوسها ونمشي.. أنا مقتلتهوش أنا كنت بقرص ودنه بس.. اوعى أنا عايزة أشوفه.. لما يعرف إني بقرص ودنه مش هيزعل.
كادت أن تغادر الشقة ولكن وجدت رجالًا يعترضون طريقها، نظرت لهم بشراسة، تحاول دفعهم بعيدًا بعدما أمسكوا بها تردد بهسترية:
_ ابعدوا عني.. هشوفه يعني هشوفه.. ابعـــــــــدوا عني!
لم يتزحزح الرجال بل ظلوا أمسكوا بها وساروا حتى وصلوا إلى السيارة يدفعونها بها، ظل زين يراقبها في صمت، ثم غادر إلى المشفى مجددًا كي يرى مازن.
*************
بالمشفى..
وقفت قطوف تذرف الدموع بصمتٍ، حالة من الرعب سيطرت عليها، لم تفق سوى بهزة زينة لها مرددة:
_ قطوف سمعاني يا بنتي!
استدارت قطوف تنظر لها بأعينٍ حمراء، وجهها المتعب، وحجابها المبعثر مما فعلته ميرڤت، تردد بألمٍ:
_ هو أنا السبب في اللي حصل لمازن!
ربتت زينة على كتفها، تردد بنبرة قوية:
_ خلي عندك ثقة في الله.. دا نصيبه يا قطوف.. ولو محصلش كده دلوقتي كان ممكن يحصل بعدين وفي بيتك برضو.. هتقولي انك السبب!.. دا نصيبه ومحدش بياخد اكتر من نصيبه.. بس دلوقتي فكري براحة كده هو اللي حصل دا أكيد وراه حكمة أو حاجة عشان خاطر تلاقي استقرار في حياتك.. أحيانًا بيبقى الظاهر لينا شر بس بيبقى خير وأحنا مش عارفين.
أغمضت قطوف حدقتيها، تردد بهمسٍ ضعيف متذكرة كلماته:
_ الحمدلله.. الحمدلله.
مر وقت ليس بهينٍ وصل به زين إلى المشفى وجلس جوار ياسين، ثم خرج الطبيب من الغرفة لتندفع نحوه قطوف مرددة بقلقٍ:
_ طمني يا دكتور هو عامل إيه!
نظر لها الطبيب بضيقٍ ولكن قال بهدوءٍ بعد لهفة قطوف:
_ أنتم أزاي تتأخروا كده.. المريض دخل في غيبوبة سكر.. والله أعلم هيفوق منها امتى.. ممكن يفوق بعد ايام أو اسابيع دي في علم الله.. عن اذنكم.
فقدت توازنها بعد تلقي تلك الصدمة، لتستند على زينة التي أمسكتها بقوة قبل أن تسقط على الأرض، نظرت نحو ياسمين التي تذرف الدموع بغزارة ثم قالت بصدمة تحتل كلماتها:
_ مازن مش هيسبني صح.. هو قالي كده.. دخل في غيبوبة إزاي!
:_ وحدي الله يا قطوف وربنا يبعتله الشفاء.
قالتها ملك بحزنٍ، تربت على كتفها، في حين ألقت قطوف بذاتها داخل احضان زينة تبكي بصوتٍ عالي مرددة:
_ طب دخلوني ليه اقوله اني سامحته خلاص.. أنا مقدرش أعيش من غيره.. عايزة اقوله بحبك.. أنا اتأخرت في إني اقولها.. أنا مش عايزة أندم على التأخير دا.. يارتني كنت قولتها يارتني!
أدمعت عين الجميع مما يسمعونه، يشعرون بأن ما يحدث أصعب من كابوس أسود، حاولت زينة تهدأت قطوف وبالفعل هدئت بصعوبة بالغة، في حين أخذ زين ملك وياسمين إلى المنزل مجددًا، وبقى ياسين وزينة وقطوف بالمشفى، ولم يعلم مهران بما حدث لهم.
**********
:_ قطوف تعالي عشان تتعقمي وتدخلي لمازن.
قالها ياسين بهدوءٍ، في حين انتفضت قطوف من مكانها مرددة بلهفةٍ:
_ بجد!
ابتسم للهفتها، وحرك رأسه بإيجابية، في حين تحركت معه قطوف كي ترى مازن وبالفعل انتهت من التعقيم ودلفت للعناية المركزة لتجد مازن موصل بالأجهزة، تأملت ملامحه الضعيفة، ثم تقدمت تمسك بكفه بقوةٍ، تردد بهمسٍ متألم:
_ كده يا مازن عايز تسبني.. هتستسلم بسهولة كده.. أنا قولت انك هتحارب عشاني.. قوم يلا يا حبيبي عشان نرجع لبعض تاني قوم.
لم تجد استجابة، لتنهض مقبلة جبينه بحبٍ، ثم همست جوار أذنه:
_ أنا هستنى تصحى عشان نكمل حياتنا يا مازن.. حياتنا اللي لسه مبدأتش.
لحظت إشارة ياسين لها بالخروج وبالفعل غادرت من الغرفة تردد بامتنان لياسين:
_ شكرًا يا ياسين بجد شكرًا على كل حاجة.
عادت قطوف تجلس جوار زينة ولكن تلك المرة تدعو تضرعًا بأن يستجيب الله لدعائها بأن يفيق مازن.
**************
شعر ياسين باختناق شديد كلما تذكر ابن عمته ملقى على الأرض بهذا الشكل وحديث والدته عليه بقسوة، نظر للساعة فوجدها السابعة صباحًا، تنهد قليلًا ثم نهض من مكانه يتجه نحو والدته التي تحضن قطوف باحتواءٍ، نظر لها ثم قال بهمسٍ:
_ هروح مشوار بسرعة وجاي... زين شوية وهيجلكم.
حركت زينة رأسها بإيجابية، في حين تحرك ياسين متصلًا على زين كي يخبره بمغادرته، وبالفعل غادر ياسين وأتى زين سريعًا ليبقى جوارهم، في حين تحرك ياسين نحو عيادة مريم يجلس بالأسفل العمارة التي بها منتظرًا إياها.
مرت ساعتين وصلت مريم إلى العمارة وما أن هبطت من السيارة حتى تفاجأت بياسين، قطبت جبينها بتعجبٍ ثم قالت:
_ أنت كويس؟!
وضع ياسين وجهه بين راحتي يده، ثم قال باختناق:
_ لاء.. مازن دخل المستشفى امبارح بسبب غيبوبة سكر.. وأمه السبب فيها.
اتسعت عين مريم بصدمة، في حين أكمل ياسين باختناق:
_ أنا تعبان يا مريم.. حاسس بخنقة في صدري.. هو ممكن أم تعمل كده في ابنها!
حركت مريم رأسها نافية، تردد بهدوءٍ استعادته بعدما لاحظت اختناقه:
_ أنا مش ام.. بس مقدرش على كده.. أكيد في حاجة حصلت مستحيل يكون اللي فهمته صح...
صمتت قليلًا ثم استرسلت بهدوءٍ:
_ المهم إني واثقة فيك يا ياسين أنت هتعدي المرحلة دي ومازن هيفوق متقلقش
ابتسم بحزنٍ، متمتمًا للجزء الأول من حديثها:
_ بس دا اللي حصل.. مازن قال لقطوف أنه خد جرعة انسولين زيادة بسبب أمه.
ادمعت عين مريم بحزنٍ لم تستطع اخفاؤه، فمازن تعرض للظُلم الشديد، هل يُعقل ما حدث له؟ تنهد ياسين بتعبٍ ثم نهض يردد بنبرة حزينة:
_ كنت مخنوق.. وملقتش غيرك أروحله يهون عليا.
لا تعلم أتسعد لما قاله أم تحزن لما حدث مع مازن، هتفت بصوتٍ يحمل الهدوء:
_ كله بيعدي يا ياسين متقلقش هيفوق علطول وهترجع الدنيا أحسن من الأول.
حرك ياسين رأسه مبتسمًا لها ثم غادر من المكان في حين وقفت مريم تتبع ظله حتى اختفى تمامًا، همست بداخلها في حزن:
_ الله يعينك يا قطوف.
*************
:_ كيف حدث كل هذا ولم يخبرني أحد!
قالها مهران واقفًا أمام زين، عينيه تشتعلان غضبًا مما يحدث، هتف زين بهدوءٍ:
_ صدقني يا والدي كل اللي حصل بسرعة.. أنا اتفاجأت امبارح من ياسين أن مازن في المستشفى.. بسبب جرعة انسولين زيادة.
ضيق مهران عينيه بشكٍ، في حين حرك زين رأسه بإيجابية ثم استطرد بالهدوء ذاته:
_ أيوة ميرڤت هي اللي زودت جرعة الأنسولين.. كلمت المصحة وجم خدوها وهي فيها دلوقتي.. ميرڤت مريضة عقليًا ولو فضلت كده ممكن تأذي حد تاني.
صمت مهران بعدما استمع لما قاله زين، وقبل أن يتفوه بكلمة وجد قطوف تصرخ بكلماتٍ جعلتهم يشعرون بالسعادة:
_ مازن فاق.
انتقلوا سريعًا نحو الغرفة التي بها مازن، ولكن لم يسمح الطبيب سوى بشخصٍ واحد أن يدلف، فنظر مهران نحو قطوف وقال:
_ اذهبي إلى زوجك يا ابنتي.
نظرت له قطوف بامتنان، ثم دلفت إلى غرفة مازن، في حين ارتفع صوت ياسين بغيظٍ مرددًا:
_ وأنا يا حج.. دا أنا اهم منها.
رمقه مهران بنظرة حادة، ثم قال:
_ أصمت قليلًا.. وهل أنت زوجته كي تصبح أهم منها.
عوج ياسين فمه ونظر جانبًا يهمس بغيظ بعدما استعاد روح المرح بداخله:
_ لزمًا ابقى مراته يعني عشان أعجب.
ضحك زين على حديث شقيقه، في حين ابتسمت زينة لهم براحةٍ أن روح ياسين المرحة بقيت كما هي.
************
بالجانب الأخر..
وقفت جوار السرير، تتأمل ملامحه يبدأ الطبيب بفحصه، ولكن ما أن رأت الممرضة تكاد تقترب منه كي تساعده على الجلوس، حتى اشتعلت عينيها بنارٍ من الغيرة، تردف بصوتٍ حاد افزع الطبيب والممرضة:
_ سبيه أنا هعدله.
رمشت الممرضة بأهدابها عدت مرات بذهولٍ، في حين حاول الطبيب كبح ابتسامته يكمل باقي فحصه، بينما استمع مازن لصوتها وشعر بسعادةٍ تغرق صدره، تقدمت قطوف تساعده على الجلوس ولكن أثقل مازن جسده حتى أصبحت قطوف تحضنه للمرة الثانية، ابتسم بمكرٍ ثم همس:
_ ربنا بيحبني عشان افوق وابقى لسه في حضن مراتي.
اتسعت عين قطوف، وتوردت وجنتيها بالخجل، تشعر بسخونة تضرب جسدها بأكمله، كادت أن تتركه ولكن همس لها مرة أخرى:
_ لو سبتيني الممرضة هتفتكر إنك مش عارفة تعدليني.. وهتيجي هي.
علم ان الغيرة تقتلها بعدما رأى ملامحها المقتضبة، ساعدته بصعوبة حتى أصبح جالسًا ثم أكمل الطبيب فحصه وأخبرهم أنه بخير ولا يحتاج سوى الراحة ومتابعة مستوى السكر، جلست قطوف جانبًا ولم تنطق، في حين بقى مازن يتأمل ملامحها بتدقيقٍ وكأنها لوحة مميزة عجز العالم عن تصميمها.
:_ مش هتبطل تبص عليا بقى!
قالتها قطوف بضجر، في حين زحفت بسمة صغيرة يجيبها بحبٍ:
_ مقدرش مبصش عليكي.. ملامحك كلها لزمًا ادقق فيها.. وأقول سبحان الله خلق حواء بجمالها دا عشان تخطف ابن آدم الغلبان.
اشاحت بوجهها جانبًا تبتسم لإطرائه، في حين ابتسم لها مازن وهو لا يزال يتأملها، دقائق كان الجميع قد دلف للغرفة بعدما انتشر الخبر، واحضروا محمد بكرسي متحرك، شعر مازن بسعادة لوجودهم معه، بعدما رد السلام عليهم، ولكن قطع ياسين تلك اللحظة مرددًا:
_ مكنش يومك يا مازن يا اخويا.. مكنش يومك يا حبيبي.. قولي مين عمل فيك كده وأنا ادشملهولك.
ابتسم مازن ضاحكًا لطريقته ثم قال بسخرية:
_ ميرڤت.
:_ معلش يا حبيبي المسامح كريم وأنا هكلم جورچ ونفتح الستارة وصافي يا لبن وحليب يا قشطة.
قالها ياسين بتوترٍ زائف، ليرتفع ضحك الجميع على تعليق ياسين، لتبدأ من جديد مشاكسة جديدة بينهم.
انتهى زين من اجراءات الورق الخاص بمازن، وعادوا جميعًا إلى منزل محمد ليجلسوا به، أعدت زينة طعام الغداء وبدأت قطوف تساعد مازن في تناول الطعام، وبالفعل ما أن انتهى طلب منهم أن يذهب إلى غرفة كي يستريح بها، ولكن تفاجأ بقطوف تسانده كي ينهض قائلة:
_ طب تعالى معايا أنا هوصلك.
استسلام مازن لرغبتها، فهو يرغب بقضاء أكثر وقت معها، وسار معها ولكن تلك المرة لغرفتهما، شعورٌ غريب من السعادة بداخله أنها جواره وتسانده، أُغلقت الباب وأجلسته على الفراش، وما كادت أن ترحل حتى هتف مازن بصوتٍ ضعيف ممسكًا كفها:
_ ممكن تحضنيني!
تعجبت قطوف من طلب مازن، تدير رأسها تتأمل حدقتيه فوجدتهما يحتاجان لما طلب، عادت تجلس جواره ثم فتحت ذراعيها بهدوءٍ، زحفت بسمة صغيرة لمازن لعدم رفضها لطلبه، واحتضنها بقوةٍ، شعرت قطوف بحاجته لهذه الضمة، لتضمه بحنوٍ، تمسح على ظهره بحنانٍ.
لم يتحدث مازن بل ظل ساكنًا بها، كان يبحث عن السكينة فلم يجدها سوى بضمة قطوف له.
غفى مازن ودلف في ثباتٍ عميق، في حين شعرت قطوف بتنظيم أنفاسه، لتحاول أن تريحه جانبًا ولكن تشبث بها بقوةٍ، زحفت بسمة صغيرة لها، وهبطت ببصرها نحوه تتأمل ملامحه متذكرة تشبُثها به في بداية زواجهما، فلم تجد الأمان سوى به، همست بصوتٍ دافئ:
_ اظهار أننا ملناش غير بعض يا مازن.. كل ما نبعد عن بعض عشان ندور على اللي محتاجينه، بس مش بنلاقيه غير لما بنرجع لبعض تاني.
*************
بالمشفى الأمراض العقلية..
تجلس ميرڤت على فراش ابيض، تمسك بأوراق كثير عليها علامات المال، ودُمية صغيرة بها كأنها ابنها، تحتضنهما بقوة شديدة ثم ألقتهما فجأة على الأرض تصرخ بهم في قوة قائلة:
_ أنا بكرهكم بكرهكم.. أنتم السبب في حياتي.. أنا بكره وجودكم اللي خلاني كده.. أنا عايزة ارجع صغيرة تاني مش عايزة أكبر..
دلف عدد من الممرضات يثبتونها بقوةٍ على الفراش، ثم قام الطبيب بغرز حقنة مهدئة بذراعها كي تنام قليلًا، فأصبحت الساعات التي تستيقظ بها كثيرة، دقائق وغفت ميرڤت مكانها ينظر لها الجميع بشفقة على ما بها، فيظهر أنها طبيعية ولكن هي مريضة عقليًا.
***********
استيقظت ياسمين بالصباح تبتسم بسعادةٍ، فهذا اليوم الذي ستشتري بها شبكاتها، هبطت إلى الأسفل سريعًا كي تعد طعام الفطور مع زينة، ودلفت إلى المطبخ تردد:
_ صباح الخير يا ماما.
ابتسمت زينة لها بحبٍ ثم قالت:
_ صباح النور، إيه اللي مصحيكي بدري كده!
وابتسمت ياسمين بسعادة ثم تمتمت:
_ مفيش بس فوقت بدري وقولت انزل اساعد حضرتك.
نظرت لها زينة بمكرٍ، ثم رددت وهي تكمل تسخين الطعام:
_ فوقتي بدري.. لايكونش النهاردة مثلا هنشتري شبكتك ونعمل كتب الكتاب بليل مثلًا.
ضحكت ياسمين بخجلٍ، ولكن وجهها يشع بالنور، في حين ابتسمت زينة لها ثم همست بحنوٍ:
_ ربنا يفرحني بيكي يا حبيبتي وأشوفك أحسن عروسة.
بدأت ياسمين تساعده، ولكن طلبت زينة منها أن تحضر بعض أوراق الريحان المزروع بالحديقة لدى قطوف، وبالفعل انطلقت نحو الحديقة وبدأت بقطف القليل ولكن تجمد جسدها بعدما استدارت تجد سلاحًا مصوب نحو وجهها من جمال ذاك المجنون الذي حاول قتلها من قبل!!
يتبع



الرابع والثلاثون والاخير من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-