رواية بعد الليل الفصل الثلاثون 30 بقلم نهال عبدالواحد
( بعد الليل)
الفصل الثلاثون
بقلم نهال عبد الواحد
وأخيرًا تُوّج عشقهما بزواجٍ مبارك، زواج كما يجب أن يكون مبنيًا على المودة والرحمة بحق، فيه مع الحب التقدير، الإحترام والمشاركة المتبادلة مع بعض التغاضي عن عيوب الطرف الآخر؛ فهم بشريان عاديان وليسا ملاكان.
لم تصدق نفسها أن صارت له و صار لها و تحيا معه كل يوم، صار من حقها وحدها، بعد ما كانت تختلس النظرات وتنفض الأفكار صارت تنظر إليه بكل عمق بداخل ملامحه العميقة التي حفظت كل إنشٍ فيها.
لا تصدق كم مضى عليها زمن من لحظات الشوق المهلكة وهاهي عبرت كل المصاعب والمطبات تستطيع الآن عناقه بحق، تستطيع ضمه إليها فتمكنت من ضم عوالمه لعوالمها فاندمجا لعالمٍ واحد معًا لهما وحدهما بلا دخيل.
يوم يمر بعد يوم بل شهور وبضعة أعوام و أخيرًا مُنحت شعورًا قادها لاعتناق الحياة وترميم كل الكسور القديمة والشروخ المتهالكة فتغيّر دمها الفاسد وأحيا قلبها الذي لم تشعر بوجوده يومًا من قبل ولم تعد تدرك لأي حد ارتبطت وتعلقت به.
مرت أربعة أعوام بين لقاء، مشاجرات، محبة و لقاء بلا وداع، يجمعهما كلمة الله و سنة رسوله بحق وبقدر المستطاع، فكلما اختلفا سرعان ما عادا، وأثبت لها أنه رجل بل نعم الرجل، أبًا، أخًا، صاحبًا، حبيبًا وزوجًا كريمًا، لم يتعامل معها يومًا على كونها مجرد امرأة يفضي شهوته إليها وتنجب الأطفال، لا، بل كزوجته ونصفه الآخر.
ونفس الأربعة أعوام مرت في بيتٍ آخر على الضد تمامًا، فآمال تمكنت بالضغط على زوجها أن تمسك مصروف البيت، ربما هو أمر عادي لدى أي بيت لكنه قطعًا مأسويًا مع امرأة ببخل فوزية، مع مزيدٍ من التحكم والتكبر صارت تعيش فوزية أتعس أيام حياتها، أما ذلك الزوج فتناول العقاقير المخدرة قد أفقده نخوته ولم يعد إلا مجرد كائن شهواني، وما أسهل ذلك المدخل عليها! فصارت حبلًا مربوطًا بعنقه تمسكه بيدها، وإن كانت هي الأخرى تعيش أتعس لحظات حياتها معه في تلك اللحظات الخاصة.
وجاء هذا اليوم وضياء وعبير وأبناءهما مع المزيد من أبناء عمومة قمر في بيت زوجها مجتمعين، وهاهي نرجس تجلس على أحد الجانبين وعلى رجليها حفيدها الصغير كريم، ذات الثلاثة أعوام، أما قمر وشريف فيجلسان متجاورين كعادتهما وقد امتلأت قمر واستدار وجهها بحق فصار أكثر إشراقًا وجمالًا.
كان الجميع يتحدث في جوٍ عائلي وتعلو أصواتهم بين حاكٍ وضاحك، حتى قال ضياء: تعبناكي والله يا حاجة أم شَريف!
فأجابت نرجس: تعبك راحة يا ولدي، ولوِن من يوم ما جمر خَطَت برجليها إهني ماعُدتش أتعب ولا أعمل أي حاجة، شايلاني على كفوف الراحة الله يحميها.
فيكمل شريف: شيلانا كلاتنا.
ثم يمسك بيد زوجته مشددًا عليها.
فيردف ضياء: وأخيرًا يا بت أبوي حججتي حلمك وكمَّلتي علامك واديكي اتخرجتي كماني!
فأجابت قمر: والله لولا شَريف وصبره عليّ و مساعدته ليّ ماكنتش أعرف ععدي كيف! الحمد لله!
فتسآلت عبير: وعتنجلوا ميتي شِجة اسيوط؟
فأجاب شريف: الشِجة جاهزة بس كُنت منتظر جمر تخلص إمتحانات ونطَّمن عليها وبعد إكده ننجل.
فبارك ضياء بسعادة: الله يجعلها عتبة السعد والهنا عليكم يا رب!
فشدد شريف من جديد على يد زوجته وقال: عتبة السعد والهنا بحج وحجيج هي جمر حبيبتي وام ولدي، ربي ما يحرمني منيها!
فهمست إليه قمر: بزياداك يا خوي، العين فلجت الحجر.
فابتسم ومال نحوها مقتربًا وهامسًا: العين دي عترد لهم وعتصيبهم هم، إحنا ناس محصنين نفسنا بأذكار الصباح والمساء وبسورة البقرة، ولا أتخن عين فيهم عتحوج فينا.
_ عستحيي لما تتغزل فيّ جدامهم!
_ إشمعنى الحب لزمن نخبيه وعنستحي منه، وتلاجي كل واحد منيهم ما عينادمش على مرته غير إنتِ يا بجرة و جدام أي حد، ليه ما عيستحيش وجتها؟!
فتنهدت قائلة: مفيش فايدة، عمري ماععرِف أغلبك ف الكلام ابدًا.
و بعد قليل بدأت قمر تشعر بلية في معدتها فنهضت تصعد لغرفتها متجهة إلى الحمام، ظنت أن لم يلحظها أحد، وما أن دخلت حتى تقيأت كثيرًا وما أن انتهت، غسلت وجهها وفتحت باب الحمام لتخرج حتى وجدت أمامها زوجها.
فتسآل بقلق: مالك يا جمر فيكِ ايه!
_ لا ابدًا، أنا زينة، كنّه دور برد من النومة تحت المكيف.
وبعد لحظات شعرت بمزيد من التواء معدتها فأسرعت مرة أخرى للداخل ثم غسلت وجهها و قد بدا مائلًا للإصفرار، فتسآل شريف من جديد: طمنيني عليكِ يا جلبي!
_ أنا بخير يا غالي، وعمري ما كت بخير إلا بعد ما بجيت جارك.
_ بس وشك مخطوف يا جلب شَريف.
_ بجي وشي مخطوف! ده أنا من كتر ما وشي مورد ما بجيتش عارفة نفسي.
_ ليه؟! إنتِ جمر ووشك جمر، وجلبي عيجولي إن ده ما بردش ولا حاجة وإن دي البشارة.
و ربّت برفق على بطنها، فهزت رأسها بالنفي قائلة: لا طبعًا أنا عاملة احتياطاتي.
_ احتياطاتك ولا إرادة ربك!
_ ونعم بالله!
قالتها بقلة حيلة.
_ أنا سيبتك براحتك بعد كريم وهو تم التلات سنين و أديكي خلِّصتي جامعتك.
_ إن شاء الله!
_ عنروح م الصبح نكشف.
وهنا دخلت نرجس؛ فقد كان باب الغرفة مفتوحًا، فتسآلت بلهفة: تكشف ليه يا ولدي؟!
فابتسم شريف وطوق خصر زوجته بإحدى ذراعيه وباليد الأخرى ربت على بطنها برفق وقال: جلبي عيجولي في جمر صغيِرة إهني.
فرفعت يديها لأعلى: ياماانت كريم يا رب! ألف حمد و شكر ليك! صُح إكده خلصت جامعتها تجيب جمر الصغيِّرة، روحوا اكشفوا واتوكدوا وربنا يكتبلك كل خير، يا حبيبتي يا بنيتي.
وضمتها وهي جالسة وقبلت رأسها قائلة: كريم نعس و رجد ف أوضته كيف ما عَودتيه، والناس كلاتها روحوا وأنا عروح أرجد، و إنتو ارجدوا وارتاحوا، تصبحوا على خير.
فأجابا معًا: وإنتِ من اهله.
ونام بالفعل الزوجان بعد يومٍ طويل، وفي الصباح التالي كانت قمر تتململ في فراشها فاقترب شريف،
جلس جوارها على حافة الفراش داعب خصلات شعرها الفحمية التي نهاها تمامًا أن تغير لونها، ثم تلمس إحدى وجنتيها الناعمة بطرف إصبعه وهبط حتى تلمّس شفتيها المكتنزتين، وتنهد ولازال يداعبها بطرف إصبعه مرددًا:
يا قلبـــي النـــابض بداخلــــــــي
يا روحي الغارقة في بحر هواكي
يا غرامـي و حنينـي وكل آهاتــي
يا دمـاء جسـدي فـي شرايينــــي
يا قلبي المُفعم يامهجتي وفؤادي
حبيبتـــــي أنتِ من أهواكــــــــي
و أعشــــق و أشتــاق لـرؤياكـــي
هيـا إستيقظـي و بنورك أشرقــي
يـا شمسـي و أضيئـي كل حياتـي
بقلبـي و روحـي و يدي أغزل لك
ثوبـاً بخيوط شوقــي و لهفتـــي
و حبــي و آهاتــــي و قبلاتــــــي
.................
........................................