📁 آخر الروايات

رواية مليونير علي قد حاله الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد

رواية مليونير علي قد حاله الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد



الحلقه_الثانيه
صوت كلاكسات العربيات والدوشة في الشارع الشعبي كان غريب جداً على ودان "زين".
ركن العربية القديمة اللي استلفها بصعوبة بين عربيتين، ونزل وهو بيبص حواليه. العمارات البسيطة، الناس اللي قاعدة على القهاوي.. عالم تاني خالص غير الكومباوندات والقصور اللي اتربى فيها.
طلع السلالم الضيقة وهو حاسس بضيق تنفس، مش من السلم، لكن من الفكرة نفسها. إزاي وافق على اللعبة دي؟ رن جرس الباب، وثواني وفتحتله "صفية" بوشوشة وبشاشة مصرية أصيلة.
— "يا أهلاً وسهلاً.. يا مرحب يا بني، خطوة عزيزة والله! اتفضل، اتفضل نورتنا."
زين دخل وهو بيحاول يرسم ابتسامة هادية على وشه. قعد في الصالون المتواضع جداً بس نضيف ومترتب بعناية. عينيه كانت بتفحص المكان، كل حاجة بتصرخ بالبساطة.
في الأوضة التانية، "نور" كانت واقفة قدام المراية. لابسة دريس بسيط جداً لونه كشمير هادي، لمت شعرها ديل حصان ومحططش أي نقطة مكياج.
كانت قاصدة تظهر بأبسط صورة عشان "الموظف الغلبان" ده يطفش من نفسه. أخدت نفس عميق، شالت صينية الشاي اللي إيديها كانت بتترعش وهي ماسكاها، وخرجت.
روايه مليونير علي قد حاله بقلمي نور محمد
نور دخلت الصالون، وعينيها في الأرض.
— "السلام عليكم."
زين رفع عينيه، وفي اللحظة دي، كأن الزمن وقف.
كان متوقع يشوف بنت متصنعة، أو واحدة بتحاول تلفت الانتباه، لكن اللي شافها كانت ملاك هادي. ملامحها بريئة، وعينيها البنية فيها حزن عميق ولمعة انكسار شدت قلبه من غير ما يحس.
رد السلام بصوت خشن شوية عشان يداري ارتباكه: "وعليكم السلام.. إزيك يا آنسة نور؟"
نور رفعت عينيها لأول مرة وبصتله. اتفاجئت. الراجل اللي قدامها لابس لبس باهت ومبهدل شوية، بس قعدته، نظرة عينيه الحادة، وعرض كتافه بيدي هيبة مستحيل تكون لموظف مطحون.
حست برهبة غريبة، بس في نفس الوقت، حست بأمان مفتقداه.
صفية بحنكة الأمهات، قدمت الشاي وقالت بسرعة: "أنا هسيبكم تتعرفوا على بعض براحتكم، المطبخ بينادي عليا." وانسحبت فوراً.
الصمت سيطر على المكان ثواني كأنها سنين. زين قرر يبدأ الهجوم عشان ينهي المسرحية دي.
— "بصي يا بنت الناس، أنا راجل دوغري ومبحبش اللف والدوران. والدتي هي اللي رشحتك ليا، وأنا جيت عشان خاطرها. أنا موظف بسيط، مرتبي يا دوب بيكفي الأساسيات. معنديش شقة تمليك، ولا هقدر أعيشك في مستوى عالي. لو بتدوري على راجل يغرقك دهب وفلوس، فأنا مش الراجل ده، ونقدر ننهي القعدة دي بكل احترام."
كان مستني يشوف نظرة الخيبة في عينيها، أو إنها تتململ وتقوله "فرصة سعيدة". لكن اللي حصل خلاه يتسمر مكانه.
نور ملامحها المشدودة هديت، وابتسامة خفيفة جداً، بس حقيقية، ظهرت على شفايفها. اتنهدت كأن جبل انزاح من على صدرها وقالت بصوت هادي وواثق: "تعرف؟ دي أحسن كلمة سمعتها من فترة طويلة."
زين كشر باستغراب: "أحسن كلمة؟ إنتي مش فاهمة، أنا بقولك إني على قد حالي جداً!"
نور بصت في عينيه مباشرة، وقالت بنبرة فيها وجع سنين: "وأنا مش عايزة غير راجل على قد حاله. أنا شفت الفلوس، وعشت في العز، وتمنه كان غالي أوي.. تمنه كان كرامتي وكياني. أنا مش عايزة راجل يشتري بفلوسه حقي في إني أتنفس. أنا بشتغل، وبكسب قرشي من مشروع المخبوزات بتاعي، ومش محتاجة حد يصرف عليا."
سكتت لحظة، ودمعة خاينة لمعت في عينيها بس مسكتها بسرعة: "أنا كل اللي محتاجاه راجل يقدرني، يكون سند مش سيد. راجل لو غلطت يوجهني بحنية، مش يذلني بلقمتي. فكونك موظف بسيط.. دي ميزة مش عيب يا أستاذ زين."
كلماتها نزلت على قلب زين زي الماية الباردة على نار مولعة. إيه البنت دي؟ إزاي في حد بالصدق والوجع ده؟ لأول مرة، "زين الألفي" المليونير اللي بيتحكم في السوق، يحس إنه صغير أوي قدام عزة نفس البنت دي. حصونه اللي بانيها حوالين قلبه بدأت تتشقق.
زين صوته هدي تماماً، واتكلم بنبرة طالعة من قلبه مش من السيناريو اللي كان مجهزه: "ولما إنتي كارهة الجواز كده.. وافقتي تقابليني ليه؟"
نور بصت ناحية باب المطبخ، وقالت بابتسامة حزينة: "عشان أمي.. أنا وحيدتها، وهي خايفة عليا. وأنا مقدرش أشوف دموعها وأقف أتفرج. أنا عايشة عشان أراضيها."
زين حس بنغزة في قلبه. هي كمان بتعمل ده عشان أمها؟ زي ما هو بيعمل عشان أمه اللي في المستشفى؟ التشابه بينهم في حبهم لأمهاتهم خلى في خيط غير مرئي يتربط بينهم في اللحظة دي.
— "والدتي كمان مريضة جداً.." زين قالها بصوت فيه غصة، ونسي للحظة إنه بيمثل: "وهي اللي طلبت مني أتجوزك. قالتلي إنها شافت فيكي حاجة مش موجودة في بنات الأيام دي.. والظاهر إنها كان معاها حق."
نور حست بوجعه على والدته، قلبها اللي كان مقفول بضبة ومفتاح، رق لنبرة صوته المكسورة.
— "ألف سلامة عليها.. ربنا يشفيها ويخليهالك. الأم مفيش زيها."
عينيهم اتقابلت تاني. المرة دي النظرة طالت. زين شاف في عينيها الدفا اللي كان محروم منه وسط عالم البيزنس المزيف، ونور شافت في عينيه صدق ورجولة طمنوها من غير ما ينطق بحرف.
زين اتنحنح وكسر الصمت، وهو بياخد قرار مجنون هيغير حياته: "نور.. أنا عارف إننا الاتنين مجبرين على القعدة دي، ومجروحين من حاجات في حياتنا. إيه رأيك ندي نفسنا فرصة؟ مش جواز.. فرصة نتعرف. نبدأ بخطوبة الاول، ولو مرتحناش، أوعدك إني همشي من سكات ومش هسببلك أي إحراج مع والدتك."
نور اتفاجئت من رقته وتفهمه. حست إن الراجل ده مختلف. مفيش ضغط، مفيش فرض سيطرة. هزت راسها ببطء، والابتسامة نورت وشها لأول مرة بجد: "موافقة.. نبدأ من الصفر خطوبه وتعارف."
نزل زين من العمارة وهو حاسس إن في إعصار جواه. ركب العربية القديمة، وسند راسه على الدركسيون. بيتنفس بسرعة وكأن قلبه بينبض لأول مرة. البنت دي خطفت روحه بكلمتين.
كبريائها، وجعها، براءتها.. كلها حاجات خلت "زين المليونير" يتمنى بجد يكون "زين الموظف" عشان يفضل معاها.
بس في نفس اللحظة، فكرة مرعبة ضربت في دماغه..
*لو عرفت إني كدبت عليها، وإني من الناس اللي معاهم فلوس وبيتحكموا في الدنيا.. هتعمل إيه؟
أنا كده ببدأ علاقة بأكبر كدبة في حياتي!
وفي الشقة فوق، نور كانت ساندة ضهرها على الباب بعد ما مشي، حاطة إيديها على قلبها اللي بيدق بعنف. غَمضت عينيها وهي بتفتكر نظرة عينيه، وهمست لنفسها: "معقولة يكون ده العوض اللي ربنا باعتهولي؟"



الثالث من هنا
تعليقات