📁 آخر الروايات

رواية مجهول انبت عشقا الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم سلمي خالد

رواية مجهول انبت عشقا الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم سلمي خالد

مجهول أنبتَ عشقًا

بقلم سلمى خالد "سماسيموو"

الفصل السابع والعشرون

اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.

اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

إهداء إلى الجميلة "خلود" تلك الزهرة التي تقف جواري بكل كلمة كتبتها وساعدني في نشرها.

)وكيف لي أن اتركك وقد كنت الفؤاد الذي أنار حياتي!(

لحظة واحدة فقط أما أن تنهي حياتهما أو يكملان باقي من عمرهما، يتطلع لهذا الجهاز الصغير في توتر.. خوف.. قلق، مشاعر كثيرة لا يعلم كيف أو متي اصبته ولكن رؤيته يشيح بهذا الجهاز الصغير ترهق عقله وتفكيره من التصرف، نظر نحو سدرا التي تشعر بألم عنيف برأسها، تتطلع نحوه وكأنها فقدت أخر أمل لها بالحياة، تشعر أن الموت بالفعل يحاصرها يريد أن ينتشلها من هذه الدنيا ليأخذها لعالمه المخيف، الذي لا يعلم ما به سوى الله، أغمضت عيناها تستلم للواقع المرير، ولكن فُتحت حدقتيها فجأة وهي تحدق بالطائرة التي أتت فجأة أعلهم، ولكن جحظت حدقتيها ما أن رأت سفيان يقع أرضًا بعدما تلقى رصاصة من حمزة.

توقف عقلها عن التفكير ترى هذا المشهد بتكرر بعقلها من جديد، أتي حمزة بطائرته وفي لحظة سريعة اطلق الرصاص عليه قبل أن يدركه سفيان، هبط حمزة على الطائرة يبتسم ليوسف متمتمًا في هدوء:

_ The end

ضحك يوسف في سعادة هل بالفعل انتهوا من تلك المنظمة، وأخيرًا سيتنفس من جديد، نظر نحو سدرا في سعادة فقد زال الخطر أخيرًا، يشعر بدلوف الهواء لصدره بعدما كان مختنقًا مما عاشه باللحظات السابقة، تقدم نحو سدرا ثم انحني حتي اصبح بمستواها يتمتم في همس:

_ خلاص يا سدرا خلصنا وهنرجع مصر.

ابتسمت له في ارهاق، ثم تمتمت بنبرة مرهقة، تغفو مكانها:

_ أنا كنت خايفة منشوف بعض تاني.. سدرا ويوسف مع بعض علطول صح!

ابتسم لها في حب قائلًا وهو يدخل إحدى خصلات شعرها المتمردة للداخل:

_ صح يا قلب الوحش.

ابتسمت له ما أن تذكرت ماضيهما، ثم وضعت رأسها على كتفه مردفة في تعب بات ظاهرًا على نبراتها ومعالم وجهها:

_ نفسي أنام وأنا مش خايفة يا يوسف.

ضحك في خفة ما أن رأها بالفعل خفت دون أن تنتظر لحظة، حملها بين يديه في خفة، ينظر نحو حمزة الذي دار بحدقتيه حول السفينة ليخبره يوسف مشيرًا نحو المبني الصغير المنفجر:

_ أيسل هاتها من البحر المفروض نططت ورايا.

قطب حمزة جبينه في دهشة متسائلًا:

_ هي مش على السفينة؟

حرك يوسف رأسه بالنفي يجيب بلهجة موضحة:

_ لاء لأن هي كانت بتاخد وقت في النط وعشان سفيان كان ممكن ياخد سدرا وعشان كده قالتلي اسبها واروح لسدرا وهي هتنط في البحر.

اغمض حمزة حدقتيه، ثم أردف بنبرة متضايقة:

_ طب أطلع أنت وسدرا الطايرة وروح على الشقة هتلاقي هدوم وحاجات ليكم خلصوا وسافروا علطول متستنوش وأنا هروح أشوفها بسرعة وهبقى اجلكم في طايرة تانية وأقفل كل حاجة هنا.

حرك يوسف رأسه، ثم توجه نحو السُلم كي يصعد للطائرة ولكن توقف قائلّا بصوت عالي بسبب ضوضاء الطائرة:

_ أنا مسبتش الأمانة يا حمزة.. بس سدرا كان خطر على الكل وكان لزمًا ألحقها.. وأيسل فعلًا كانت بتنط ورايا.

حرك حمزة رأسه ببسمة تحمل قلقًا كبير:

_ عارف يا صاحبي.. روح وأنا هطمنك.

حرك يوسف رأسه ثم صعد داخل الطائرة، يضع سدرا في حذر شديد جواره، يتأمل ملامحها التي حُرم منها، وكأنه طفل ذهب لمدرسته وحُرم من أن يرى أمه طيلة الدوام الدراسي، اقترب منها يهمس جوار أذنها في عشقٍ أنغمس فيه قلبه:

_ وحشتني يا سدرا.. وحشني كلامك وملامحك.. وحشني كل تفاصيل يومنا ومستني نرجع عشان نعمل حياة جديدة بأسم يوسف وسدرا.

رأى ملامحها التي لانت بشدة، ليبتسم في حب شديد يمسك بكفها يضعه بين يديها ليرسل لها دفئ يحيط بها ويشعرها بالأمان الذي فقدته منذ وقتٍ طويل.

*****

تحرك حمزة نحو القارب الموجود على شاطئ هذا البحر، يتطلع حوله في حذر من اختفاء أيسل، مسح على خصلات شعره في ضيق من عدم رؤيتها، ثم ضرب جبينه قائلًا:

_ ازاي مفكرتش في كده؟

أمسك بجهاز التتابع ليرى مكانها بعدما وضع بها جهاز صغير ليروا تحركاتها، وبالفعل استطاع أن يرى موقعها ولكن تعجب من سكونها الغريب وبدأ يتخلل قلبه، بدأ يسير بالطريق المؤدي لها ثم توقف فجأة وهو يراها ملقاه أرضًا، أسرع باتجاهها وما ان اقترب منها وجد جبينها لايزال ينزف الدماء، أمسك بيدها ليري نبضها ولكن اتسعت حدقتيه ما أن وجده بطيء، نهض سريعًا يتصل بسيارة الإسعاف كي تأتي سريعًا، وبالفعل مر بعض الوقت بدأ حمزة بقيام ببعض الإسعافات الأولية لها، ثم وصلت سيارة الإسعاف التي نقلتهما للمشفى سريعًا كي تبدأ إجراءات العلاج.

****

مشهد وفاة والده ظهر امام حدقتيه، يقف بالمشفى بعد حادث عنيف تعرض له تسبب بنزيف قوي بالمخ ادي لوفاته، يتطلع نحو تلك الغرفة التي دلف لها ولكن لم يخرج منها سليمًا بل محملًا على سرير مغطي وجهه بعدما نفذ الباقي من عمره وترك الحياة بأكملها، انتهت غريزة البقاء لديه وتوقفت دقات قلبه، ومعها توقف قلب شخصًا آخر عن اكمال الحياة، توقفت مشاعره.. حزنه..غضبه.. والآن يخشى تركها نعم هو يحبها، بل بات يعشقها بتلك اللحظة، يعلم جيدًا أنه قرر تركها ولكن الآن عندما شعر بفُقدانها أحس بنصل يقسم قلبه شطرين كلاهما يحملان ألم لم يضاه ألم شخصًا من قبل، يشعر ببراكنٍ ثائرة انفجر بالآلام داخله فأصبح مشوه بندوبٍ تثور بعنف لتعذبه.

فاق من شروده على خروج الطبيب من الغرفة، ذهبه نحوه يخبره في قلق باللهجة الانجليزية:

_ هل هي بخير؟

حرك الطبيب رأسه يجيبه بعملية:

_ ظهرت أشعة الرنين المغناطيسيّ وتأكد طبيب الجراحة من وجود نزيف بالمخ، وبدأت العملية بالفعل، ولكن لا تقلق ليس نزيف خطير.. الأشعة جميعها تؤكد أنها ستغادر العملية بخير وهذا كان أكبر قلق بنسبة لنا.. وذراعها الأيسر به بعض الكسور ستعالج.. والخدوش البسيطة.

تركه الطبيب ولكن لم يزيل البعض من قلقه بل ازداد حتى داهمه الصداع، وقف يتطلع للسماء فلن يجد منجى إلا الله، بدأ يدعوه في ألم ملأ نبرات صوته قائلًا:

_ انقذها يا رب.. أجعلها ليا الزوجة الصالحة اللي اكمل حياتي معاها وقومها بالسلامة.

رأي هاتفه يهتز بجيب سرواله، مد يده يجيب بنبرة متألمة:

_ ايوة يا يوسف!

تعجب من نبرات صوته الغريب، ليردف بنبرة متعجبة:

_ انا وصلت للشقة خلاص وقلت اشوفك خلصت نسافر سوا.. مال صوتك؟

صمت قليلًا ثم اردف بنبرة مختنقة.. يحمل ثُقلًا على صدره، يعوق تلك الكلمات من الخروج:

_ أيسل لقيتها مغمى عليها وعندها نزيف في المخ وكسور.. وودتها المستشفى بس لسه مخرجتش من العمليات.

انتفض يوسف من مكانه في صدمة، يتمتم بنبرة عاجلة:

_ استنى أنا هجيلك.

حرك حمزة رأسه في نفي يردف في تأكيد:

_ مش هينفع يا يوسف مراتك لسه أكيد مفاقتش وكمان مش هينفع تسبها لوحدها وتيجي او تجبها وتيجي انتم هناك في أمان اكتر من هنا خليك وأنا مع أيسل لو احتاجتك هكلمك.

:_ متأكد يا حمزة؟

قالها يوسف في شك، بينما ابتسم حمزة في ألم متمتمًا:

_ أيوة يا صاحبي.

:_ أنت حبيتها بجد بقى!

قالها يوسف في دهشة، في حين نظر حمزة نحو الغرفة يجيب وكأنها أمامه:

_ عشان لما حسيت إنها هتروح مني اتخنقت أوي، حسيت احساس بشع ممكن احسه بعد وفاة والدي... روحي بتتسحب مني مش عارف اوصفه من شدة صعوبته يا يوسف.. أتأكدت وقتها إني لا هقدر أسيبها ولا استغني عنها وإن الوقت اللي كنت بعيد عنها فيه مكنش غير عند ومكابر في الموضوع بس.. لكن في الحقيقة دخلت عشان أعرف منها المجهول في القضية وفي النهاية المجهول دا نبت بعده عشق ليها.

ابتسم يوسف هو الأخر يتطلع نحو سدرا النائمة بعمق، يردف في همس:

_ عارف كل كلمة بتقولها ومجربها.. متقلقش هتخرج بالسلامة وتتجوزوا معانا أنا وسدرا.

ابتسم في حزن مجيبًا:

_ يارب.

أغلق معه الهاتف، يستمر في الدعاء لها، يزيد من الاستغفار، فإن الدعاء يغير الأقدار، مر وقت ليس بهين عليه يزداد نزيف قلبه كلما طالت تلك المدة المخيفة، وكأنه في اختبار ينتظر نتيجته، خرج الطبيب من الغرفة يبتسم نحو حمزة الذي أتي له راكضًا يتمتم:

_ لا تقلق هكذا لقد تمت العملية على خير أخيرًا ولحسن الحظ لم تكن خطيرة كما نلقى دائمًا فلا داعي للقلق... ساعات وتعود لوعيها من جديد.

ملأت الفرحة حدقتيه يشعر بأن هناك صب من البهجة دلف لقلبه فجأة عند سماع هذا الخبر، أرسل رسالة ليوسف يخبره بتعافي أيسل، ثم أغلق هاتفه يذهب نحو الغرفة التي ستنقل بها أيسل وينتظر حتى تفيق.

*****

مدت يدها تمسك هاتفها، ترسل رسالة تخبره بدعوته للمنزل كي تحسم أمورها، نهضت من اعلى الفراش تسير بخطواتٍ هزيلة نحو الخارج، ثم وقفت أمام والدها قائلة:

_ أنا عزمت آدم يا بابا عشان نحسم الأمور.

تطلع لها في قلق، يتمتم بنبرة تحمل التحذير:

_ ما بلاش يا تاليا وخليها لما تهدي.

حركت رأسها بالنفي تتمتم بنبرة مرتجفة:

_ معلش يا بابا سبني على راحتي أنا حاسه كده أحسن ولزمًا نعرف راسنا من رجلينا.

حرك رأسه في ايجابية، بينما انطلقت كي تعد نفسها لمقابلته، وبالفعل مر بعض الوقت وأتي آدم يجلس بغرفة الاستقبال ينتظر تاليا كي تأتي، وبالفعل ما أن دلفت حتى تفاجأ بملامحها الباهتة، الحزن المملوء بوجهها، تألم قلبه ما أن وجدها بتلك الحالة، لم يتوقع أنها ستصل لهذا الوضع، جلست تاليا جانبًا على مقعد، تحاول الحديث ولكن لم تستطع، كانت تظن الأمر سهل ولكن كيف وهي لم تجد فؤادها سوى معه، ظلت دقائق الصمت بينهما حتى اردف آدم بكلماتٍ تحمل الغيرة:

_ كنت بتحبيه أوي كده؟

لا تعلم كيف تبتسم ولكن داعبها شعور جميل من سؤاله هذا، أجابته ببسمة حزينة تتذكر ملامح حسن وخُلقه:

_ كان إنسان بكل المعاني.. راجل وعنده شهامة ونخوة مش موجدين اليومين دول.. كان بيعاملني بما يرضي الله.. مكنش حتى بيفكر يقرب ولا يكلمني غير لما كتبنا الكتاب.. عارف أنا أصلًا كنت هموت بسبب تليف كبد.. وهو ادني جزء من الكبد بتاعه.. كان بيحترمني أوي يا آدم.. فحتى لو محبتهوش كفاية إني ابقى مخلصة ليه العمر كله وأفضل أذكر سيرته الطيبة للكل عشان يدعوله.. أعمله صدقات عشان ياخد حسناتها.

يعلم إن غيرته ليست بمحلها في بالنهاية هو ميت الآن، ولكن لابد من أن يصمت، أكملت تاليا وهي تشعر بآلام تغزو قلبها شيئًا فشيء:

_ انا عرفت انك مكنتش تعرف إني متجوزة ولا فاقدة الذاكرة وعشان كده مش عارفة أنت هتتقابلني ولا لاء وأنا هقدر أعيش وأنا لسه على ذكرى حسن ولا لاء.. فكل شيء قسمة ونصيب وربنا يرزقك واحدة فيها الخير.

كادت أن تنهض ولكن صوته الحاد أوقفها، ولكن لم يوقف دموعها من الهطول:

_ زي ما قولتي رأيك تديني فرصة أقول رأي مش تسبيني وتمشي.

عادت تجلس مجددًا تنظر للأسفل لعلها تخفى دموعها التي باتت ظاهرة أمامه، بينما أخذ نفسًا طويل يخرجه في هدوء ليعيد كلماته المبعثرة قائلًا:

_ بصي يا تاليا طبعًا مكنتش أعرف إنك متجوزة زي ما قولتي ولكن دا مش معناه إني هسيبك وكمان الجزء الخاص بفقدان الذاكرة دا برضو مش هيخليني اسيبك.. مش هنكر إني كنت مذبذب في لحظتها ولكن من صدمتي في الموضوع كله.. لكن أنا مش عايز اسيبك لأخر العمر مش هسيبك يا تاليا لأن ببساطة كده لقيت فؤادي.. لقيت زوجتي اللي بعد تعب يوم طويل هستكن جوارها مش بس جنبها.. هتشيلي عني تعبي.. هتكوني الزوجة اللي بحلم بيها يا تاليا وأنا عارف عيوبك ومميزاتك ومتقلبك كده لأني شايفك بنسبة ليا أحلى هدية وميزة في حياتي.

صمت قليلًا يتطلع لها وهي تبكي في صمت، بينما أكمل هو متسائلًا في حذر:

_ أنتِ بقى عايزة تكملي معايا ولا لاء؟!

وضعت وجهها بين راحتي يدها، بينما صمت آدم يتنظر ردها لا يريد أن تخبره ما فهم، يريد أن تخبره أنها ستكمل حياتها معه، قاطع صمتهما دلوف جلال يتمتم بنبرة حنونة مقتربًا منها:

_ بتبكي ليه دلوقتي!

نظرت نحو والدها تردف بنبرة هامسة كي لا يسمعها آدم:

_ طنط حنان.. خايفة تزعل!

ابتسم لإخلاصها الكبير، ثم نظر نحو الباب ليجد حنان تدلف لها تتمتم تفتح ذراعيها لها قائلة في حنو:

_ حمدلله على سلامتك يا تيمو.

نظرت لها تاليا ثم ذهبت نحوها تحضنها بقوة ولكن تبكي بشدة على شعورها المليء بالألم، رفعت حنان وجه تاليا بيدها، تضع يدها أسفل ذقنها قائلة ببسمة تعلو ثغرها:

_ حسن قبل ما يتوفاه الله قالي أي حاجة هتخليكي سعيدة أعملها علطول.. وآدم هو الإنسان اللي هيقدر يسعدك يا حبيبتي... متخفيش من أي حاجة لأن انا معاكِ وانا اللي هشتري فستان فرحك كمان.

نظرت لحدقتي حنان في عمق قائلة في خوف:

_ بجد!

قبلت جبينها في حب تجيب:

_ بجد يا حبيبتي.. أنتِ بنتي وعوضي عن حسن ومش هلاقي عريس أحسن من آدم.. بابا أول لما حكالي كل حاجة وفقت علطول يا حبيبتي.

ابتسمت لها في سعادة بدأت تملأ وجهها، بينما وقف آدم يتطلع نحو حنان قائلًا في بسمة امتنان:

_ اتشرفت برؤية حضرتك مدام حنان.

حركت رأسها احتراما ثم أجابة وهي تضع يدها على كتف تاليا قائلة ببسمة تغرق وجهها:

_ الشرف ليا يا بني.. حافظ عليها بقى دي أمانة عندك.

حرك آدم رأسه في ايجابية قائلًا وهو يتطلع نحو تاليا في حب:

_ متقلقيش عليها ربنا يجعلني قد الأمانة وأفضل محافظ عليها لأخر العمر.

ابتسموا جميعًا في سعادة، بينما أتت فريال راكضة نحوهم تردف في لهفة والدموع تغرق وجهها:

_ سدرا هتيجي على طيارة بكرة بليل يا جلال.. يوسف بعت دلوقتي بيقول كده.

اتسعت ابتسامة جلال، لا يتمتم سوى بالحمدلله، بينما ابتسم آدم في سعادة أنه سيتزوج من تاليا قريبًا، في حين احتضنت تاليا حنان تردف بنبرة تحمل فرحة ممزوجة بصراخ جنوني:

_ يا وش السعد والخير.

ابتسم حنان في رضا تحتضنها بشدة، تربت على ظهرها في حنو، لتعلم السعادة على عائلة عبد الحميد من جديد، تعود تلك الشمس من غروبها للشروق من جديد تنير قلوبًا بات الظلام يطمسها بقاعه حتى تفني من الحياة ولكن شروق تلك الشمس من جديد أعاد للزهور حياتها.

*****

بدأت تصدر أنين صغير تشعر بألم يغزو جسدها بالكامل، في حين اقترب يجلس على المقعد الموجود جوار السرير يتمتم بنبرة متلهفة:

_ سامعاني يا أيسل؟

بدأت بفتح حدقتيها في بطء شديد، تتطلع نحو حمزة ارهاق بات ظاهرًا عليها، حاولت الحديث ولكن لم يصدر منها سوى آهات صغيرة، ثم تمتم حمزة في حنو:

_ خلاص مش ضروري تتكلمي دلوقتي!

تعجبت من طريقتها، ربما ذلك الحنان بصوته جعلها تتناسى آلامها، حاولت الحديث ليصدر صوتها المبحوح بكلماتٍ متعجبة:

_ هو حصل إيه؟

ابتسم حمزة في هدوء يجيب:

_ خلصت في سويسرا وجيت هنا بطايرة وخلصنا من سفيان ويوسف خد سدرا وراحوا على الشقة وكان المفروض اخدك أنا بس لقيتك على الشط مغمي عليكي وبتنزفي.

أغمضت عينها قليلًا ثم تذكرت ما حدث لتردف بصوتٍ متعب:

_ كنت هقع من المبني وأنا بنط بس حاولت أطلع تاني وعرفت وكنت بجري عشان ألحق انط في البحر قبل ما المبني ينفجر، مكملتش لحظة وأنا بحاول انط و دفعت الانفجار حدفتني على الشط ومحستش بحاجة بعدها.

حرك رأسه في ايجابية، يكمل حديثه ببسمة مرتاحة:

_ خلاص يا أيسل كده المنظمة كلها خلصت وهنرجع مصر بكرة.

نظرت نحوه في أمل ثم أغمضت عيناها في حزن تهبط دمعة من حدقتيها، ليتسأل حمزة في تعجب:

_ بتعيطي ليه؟

:_ عشان مليش حد هناك!

قالتها في مرارة، بينما ابتسم حمزة قائلًا في حب:

_ ازاي يعني أمال كتب كتابنا اللي هيتعمل كمان شهر دا هيكون ايه!

اتسعت عين أيسل في صدمة، في حين تمتم حمزة ببسمة صغيرة:

_ متتصدميش اوي كده.. أكيد كنتِ حاسه بيا في الأخر.. انا اكتشفت يا أيسل إني مش هعرف أكمل غير بيكِ... وجودك هو أكبر نعمة ليا وقولت نرجع مصر ونخلص المهمة دي ونكتب كتابنا.

لم تستطع التحدث، بل ازدادت دموعها في الهطول وكأنها مطر قرر أن يسقى ارضًا جافة من الماء، همست بصوتٍ معاتب:

_ أنت زعلتني أوي يا حمزة!

ابتسم لها في عشق مردفًا بنبرة حنونة:

_ انا عارف أني قسيت عليكي بس الموقف كان صعب يا أيسل ودلوقتي قادر اخد القرار أحيانًا القرار اللي بناخده في نفس اللحظة بيدمرنا بس لما بنصبر شوية ونفكر فيه هيكون احسن قرار خدناه وأنا بس كنت محتاج وقت والحمدلله قررت إن حياة حمزة لزمًا يكون فيها أيسل عشان تكمل.

ضحكت أيسل وسط دموعها، تزيل ما يتساقط من حدقتيها بيدها السّليمة، في حين شعر حمزة بسعادة تتخلل صدره من جديد يتمنى كلاهما أن تأتي تلك اللحظة ويصبح كلاهما سويًا.

****

داخل غرفة يوسف..

تململت على الفراش أخيرًا، تمط يدها للأعلى وهي تحاول استيعاد الراحة لجسدها، فتحت حدقتيها في بطء تنظر حولها ولكن توقف حدقتيها على يوسف النائم جوارها كالطفل، اعتدلت في الفراش تنظر له في حب قائلة بنبرة هامسة:

_ وحشتني اوي يا يوسف ووحشني الأمان بتاعك... نفسي أرجع تاني مصر بس وأنا مراتك والكل عارف كده.. ونبدأ حياتنا جديدة كل واحد عايش مع التاني في رضا وحب وفوقهم الصدق، نفسي أوي تعرف إني بحبك اوي أوي.

:_ طب ما أنا عارف!

فتح عين واحدة، بينما ابتسمت سدرا في حياء، تنهض من أعلى الفراش، ولكن امسك بيدها قائلًا؛:

_ خليكي.. كفاية فراق وهروب لحد كده.

عادت مكانها مجددًا بينما اعتدل يوسف في جلسته يتمتم في هدوء:

_ لما نرجع مصر إن شاء الله هتعملي عملية في دراعك يا سدرا عشان نشيل شريحة والدك زرعها فيكي وأنتِ صغيرة واللي فيها معلومات عن بحث فيروس ممكن يدمر العالم واللي اتسبب في قتله هو ووالدتك.

صمتت سدرا وهي تتلقى صدمة من حديث يوسف، تتذكر حديث سفيان أنها مهمة للغاية، الآن فهمت سر الحفاظ على حياتها من تلك المنظمة وأنهم لا يزالون يريدونها، أمسك يوسف يدها يربت عليها في رفق قائلًا في حنان:

_ خلاص يا سدرا المنظمة كلها راحت وهتعملي العملية وبكده هتكوني في أمان أكتر.

ابتسمت له في امتنان، بينما أكمل هو ببسمة هادئة تملأ وجهه:

_ أنا بقى هرد على حبك ليا بعشق سدرا محمود عز الدين.. وبليل هنرجع مصر خلاص وكل حاجة هترجع زي ما كانت يا سدرا... بس الفرق إن هترجعي حرم الظابط يوسف.. ربنا بس يهون الفترة اللي هتقعدي فيها عن الأستاذ جلال وتيجي تعيشي في بيتي.

نظرت له في عشق، هي أخيرًا شعرت بهذا الأمان المعدوم، هي الآن تسكن بداخل ضلوعه التي تضمها في حنو، هي الآن عادت للحياة التي ضاعت بين غياهب الظلام، تبادل الأثنان كلمات بحدقتيهما فما تبوح به العين أجمل بكثير مما يبوح به الفم، كلاهما يخبر الأخر عن مدى اشتياقه له، يتعتبان في حب كي تُدوي هذه الندوب وتختفي، فيعود ذلك القلب ينبض من جديد من مجهول أنبتَ عشقًا بينهما.

****

عادت سدرا ويوسف وأيسل ومعهم حمزة لمصر واستقبلهم جلال في حبور شديد، وقامت سدرا بتلك العملية وبالفعل أزالت الشريحة المزروعة بذراعها، جلست أيسل مع سدرا وتاليا وبدأت حنان وفريال بأن تعامل جميع الفتيات بأنهن ابنتهما وليست بعيدة عنهما.

أتي الثلاث فتيان يوسف وآدم وحمزة وعلى رأسهم السيد ماجد الكدواني للسيد جلال الذي استقبلهم في سعادة، ثم جلسوا في غرفة الاستقبال، في حين بقيت الفتيات الثلاثة يقفن ينتظرن أن يخبرهن جلال بأن يأتين، الثلاثة يرتدون فستان بلونٍ واحد وهو البنفسجي، وبالفعل أخبر جلال فريال بأن يأتي الثلاث فتيات ويدلفن للغرفة، وما أن فعلن ذلك حتى تعالي صوت جلال في سعادة:

_ يوسف وآدم وحمزة قرروا باقتراح الاستاذ ماجد أنكم تعملوا كتب كتاب في المسجد معاد سدرا هنعلن بالمسجد إن خلاص اتعقد قرآنها واتكتب كتابها خلاص وبعدها تروحوا تقضوا شهر العسل بتاعكم بحياة طاهرة ونضيفه وتعملوا عمرة وترجعوا.. ها رأيكم إيه!

ابتسمت سدرا لوالدها ثم تقدمت منه قائلة بنبرة تحمل حبًا شديد:

_ عمري ما حسيت بأنك خالي كنت ليا الأب والسند والضهر، بحبك يا أغلى بابا جلال في حياتي ونور عيني.. واللي حضرتك شايفة مناسب ليا أنا موافقة بيه.. حياتي كانت بين ايدك من ساعة وفاة والدي و والدتي هاجي دلوقتي اسأل في اختيارك!

في حين تقدمت تاليا من والدها تقبل رأسه قائلة في سعادة:

_ يا بابا يا حبيبي أنتِ باين عليكي الموافقة واكيد عارف رأي.. دا أحنا بنحس ببعض ولا ايه!

ضحك جلال على مشاكسة ابنتها، في حين وقفت أيسل أمامه تتمتم في امتنان:

_ عايزة أشكر حضرتك على أنك حسستني بأني بنتك حضرتك وماما فريال اعتبرتوني بنتكم وحقيقي ممتنة ليكم أوي ورأي من رأي حضرتك.

ابتسم لها جلال في رضا لهن ثم قال بنبرة جادة:

_ كل شيء قسمة ونصيب معنديش بنات للجواز.

صُدمت الفتيات من رد جلال في حين جحظت أعين الشباب وكأن هنا من ألقى صخرة قاسية عليهم، ضحك كلًا من جلال وماجد عليهم وقال بنبرة لا يزال شوبها الضحك:

_ ولا كأنكم عاملين مصيبة... اكيد موافق وربنا يكتبلكم اللي فيه الخير.

ابتسم الشّباب في ارتياح بينما زفرت الفتيات براحة أيضًا، مضت تلك الليلة بسعادة تدق قلوبهم، واخيرًا عادوا مجددًا يبتسمون دون الخوف من ان تندثر تلك الابتسامة.

****

بدأ الجميع في اعداد مراسم الزواج، الجميع منهمك بعمله ولكن وسط هذه يتمتع الفتيات بسعادة من نوعٍ خاص، يجلسن سوين، يضحكن معًا، يتمتعن بحياة جديدة أخر غير تلك التي تمتلأ بالآلام.

أتى اليوم المنتظر ووقف جلال يمسك بيد تاليا التي ارتدت فستان زفافها، تتقدم مع والدها نحو الأمام ليتم عقد قرآنها تستمع لصوت آدم وهو يبتسم ممسكًا بيد جلال أسفل المنيدل قائلًا:

_ وأنا قبلت الزوج من ابنتك البكر الرشيد.

اختتم المأذون كلماته التي دائمًا تطرب الأذن « بارك الله لكما وبارك عليكم وجمع بينكما في خير»، أمسك جلال بيد تاليا يقف بها أمام آدم قائلًا بصوتٍ يملأه السعادة:

_ دلوقتي هي أمانة تحافظ عليها زي ما حفظت عليها يا آدم.

حرك رأسه في إيجابية، ثم نظر نحو تاليا التي تبتسم في سعادة، تتطلع نحوه بحياءٍ في الآن صارت زوجته، قبل جبينها في حب قائلًا في همس:

_ نورتي حياتي يا حرم آدم الكدواني.

:_ وأنت نورت حياة تاليا جلال الدين يا زوجي الحبيب.

ضحك آدم على كلماتها التي داعبت قلبه حبًا، ثم عادوا ينظرون سويًا نحو عقد قرآن أيسل وحمزة، وبالفعل اختتم المأذون حديثه ورفع المنديل لتصبح أيسل حرم حمزة العميري، وكان وكيلها السيد جلال، وقف حمزة امامها يبتسم في سعادة قائلًا وهو يقبل جبينها:

_ بعشقك يا سيلا.

ثم أعلن وسط الجميع بزواج يوسف من سدرا، وامسك جلال بيد سدرا يسير بها نحو يوسف الذي بدا متلهفًا لرؤيتها، تطلع نحوها في حب شديد، يرى ملامحها وسط هذا الفستان الأبيض الذي تحلم به كل فتاة، تقدم يمسك بها يستمع لكلمات جلال التي تحمل تحذير ولكن بطريقة لطيفة للغاية جعلته يخشى أن يخدشها أو أن يفعل ما يؤذيها، قبل جبينها في عشق ميتم بها فقط، يردف في همس:

_ وأخيرًا يا عشق الوحش بقيتي رسميًا مراتي قدام الناس والعالم كله.

ضحكت سدرا في حياءٍ منه، ثم بدأت الثلاث فتيات باحتضان بعضهم كل واحدة تبتسم وتتهامس مع زوجها، يضحكون جميعًا من الأحاديث مختلفة.

****

أمام كعبة المشرفة..

وقفت أيسل تبكي بشدة أمامها تردد بما يكنه قلبها للخالق عز وجل، تشعر بأن روحها تُغتسل من هذه الذنوب التي ارتكبتها، وضعت وجهها بين راحتي يدها تحاول السيطرة على دموعها لعلها تهدأ، ثم شعرت بيد حمزة التي تربت عليها، رفعت وجهها الذي يشع بالحُمرة تتطلع نحوه في سعادة ممزوجة بدموع قائلة:

_ أنا حاسه براحة كبيرة أوي.. حاسه أني خفيفة.. أنا فعلاً نفسي في العمرة من زمان، شكرًا يا حمزة بجد.

أمسك بيدها يربت عليها في حب قائلًا:

_ إني أشوفك مرتاحة دا بنسبة ليا كلمة شكرًا.

منحته ابتسامة صغيرة ثم عاد الأثنان يطوفان حول الكعبة.

****

:_ جعانة!

قالتها تاليا تنظر نحو آدم الذي مسح وجهه في ضيق قائلًا:

_ استغفر الله العظيم.. أنا جاي أكفر ذنوب مش أشيل يا تاليا.. اصبري يا حبيبتي وشوية حمزة ويوسف يجوا ونروح ناكل كلنا.

عقدت تاليا ذراعها لصدرها في تذمر، تنظر له قي غيظ قائلة:

_ على فكرة أنا كنت باكل في بيت أبويا اكتر من كده.

رفع حاجبه في غيظ منها، ثم ردد بنبرة مغتاظة:

_ اتصدقي بالله فاضل تاكة وهسيب اعصابي عليكي وساعتها هرميكي من فوق أوضة الفندق دا.

وضعت تاليا يدها على فمها في ضيق، ثم نهضت نحو الشرفة، بينما نظر لها آدم ثم زفر في يأس منها، فهو بالفعل تزوج طفلة منذ ليلة زواجهما الأولى، فتح حقيبته ثم أخرج منها بعض الحلوى يتجه بها نحو الشرفة قائلا في مكر:

_ مين قلب آدم ومش بتزعل منه!

اشاحت بوجهها بعيدًا، ولكن ما أن استمعت لصوت الحلوى، استدارت برأسها تنظر للحقيبة ثم اخذت منه الحقيبة قائلة في سعادة:

_انا قلب آدم ومش زعلانة.

ضحك آدم على طريقتها، ثم مد يده يضعها خلف رأسها يقدم رأسها منه، يقبلها في حب قائلًا في عشق:

_ ربنا يحفظك ليا يا عشق آدم.

*****

وقفت تتأمل الكعبة بالغرفة، تهمس بالدعاء لوالديها المتوفيان ولوالديها الآخران، ثم همست بصوتٍ يكاد يكون مسموع:

_ ربنا يجعلك خير ليا دايمًا يا يوسف وأكون خير ليك.. ويديم حبك وحبي لبعض ويزيد مع الأيام.

شعرت بيده التي تحاوطها، صوته الذي يأمن خلفها، ثم يردف في عشق لم يكن سوى لها:

_ كُنتِ ولازالتِ وستصبحين عشق اليوسف.

ابتسمت من هذا اللقب المحبب لقلبها عشق اليوسف، ثم عادت تنظر للأمام قائلة في تخيل:

_ لو حملت يا يوسف في بنت أو ولد هنسميهم ايه!

ابتسم يوسف يتطلع نحو الكعبة في حب شديد، يحاوط سدرا بذراعه، قائلًا بنبرة رجولية هادئة:

_ لو بنت هسميها مكة .. ولو ولد زين أو عمر.

ابتسمت لهذه الأسماء فهي أيضًا أحبتها، اردفت بنبرة تحمل السعادة تأمل بأن يرزقها الذرية الصالحة:

_ حبيتهم أوي يا يوسف.. بأذن الله يكون عندنا مكة وزين.

مرت نسمة خفيفة باردة منعشة، تحتضنهما سويًا، وكأنها تخبرهما أن الفراق قد أنتهي وستظلين سويًا، اجتمعتما بمجهولٍ ونبت هذا العشق بينكما، والآن تنتظران ثمرة عشقكما والرابط الطيب الذي سيجمعكما دائمًا.

وإلى هنا تنتهى قصة مجهول أنبتَ عشقًا ولكن هؤلاء الأبطال لم ينته عشقهم ولا تزال حكايتهم مستمر.

تمت بحمدالله.
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات