📁 آخر الروايات

رواية ظلام الذئاب الفصل الثاني والعشرين 22 والاخير بقلم سلمي خالد

رواية ظلام الذئاب الفصل الثاني والعشرين 22 والاخير بقلم سلمي خالد



*****************
مُقتطفاتٌ سريعة ظهرت أمام عينيه لصديقه الراحل "عليّ"، وأخيراً أنهى مهمته وسيعود لمصر مع زوجته، لم يعلم ما هذا الشعور الذي اخترق صدره، وكأنه طاف بين ثنايا البهجة يداعب سحابها ببسمته، نظر لها بهدوء ولكن قبل أن يتحدث هتفت ليان بحب، تمسك يده برقة، تضع بها الصورة والقلادة:
_ أنت دلوقتي أخدت قلبي وكنت وعدت نفسي اللي هيقدر يخد قلبي، هيخد أغلى شيء عندي وكانت المستشفى، والسلسلة دي.. أعتقد أن مفيش أمان غيرك... خدها وخليهم معاك بس حافظ عليهم زي ما أنا فضلت محافظة عليهم.
نظر لها قليلاً ووجود بعينيه كلمات كثيرة لم يستطع لسانها البوح عنها، لتثور عيناها وتبوح عما كانت تكنَّه بجوف قلبها، قبض بيده على الصورة والقلادة وهمس بكلماتٍ مطمئنة، وابتسامة تطفو على شفتيه:
_ متقلقيش أمنتك محفوظة.
ابتسمت ببعض السعادة، ثم رفعت قدميها لتربعهما، تسند بكوعيها على قدمها وتضع رأسها فوق راحتي يديها، ثم ترددت بتساؤل:
_ قولي بقى يا زياد... في يوم قولت ليا أن أنا في نعمة عشان موقفتش عاجزة قدم والدي... ايه اللي حصل معاك خلاك تقولي كده؟!!
نظر لها ثم حاول النهوض، لتمسك ليان بيديه تحاول منعه بسرعة وبالفعل نجحت، و جلس مكانه مرة أخرى، حدق بها وهو يرفع أحد حاجبيه مما تفعله، لتهتف هي برجاء:
_ عشان خاطري احكي ليا... أنا معرفش عنك حاجة غير اسمك زياد وبس... وأنت مش بتحكي ليا أي حاجة... نفسي أعرف عنك كل حاجة عايزة أحس إني جزء منك مش مراتك بالاسم يعني عيلتك... وعندك كم...
بُترت كلماتها عندما هتف بهدوء مغمضاً عيناه بألم:
_ كنت صغير في سن 14 سنة أو أقل وراجع مع أبويا في العربية... كنا بنضحك عادي والدنيا كانت أجمل ما تشوفيه... لحد ما طلعت علينا عربيات سودا... وبدأت تضرب علينا نار....ساعتها والدي وقف العربية... عشان يحميني وخرجنا منها وحضني عشان يكون حماية ليا... كان بظبط واقي الرصاص اللي بنلبسه... خد الطلق مكاني بس لما مستحملش قالي اجري بسرعة ومتبصش وراك وانا جريت بس معتقد أنه ورايا ولما بصيت لقيت واحد ملامحه محفورة في راسي لنهاردة ضرب عليه رصاص وقتله... اختفوا في ثانية وأنا رجعت لبابا بس كان مات وسط بركة دم... وقتها أغمى عليا ودخلت في غيبوبة شهر... ولما صحيت قررت أبقى زيه بس عشان أخد حقه تاني.
ادمعت عيناها بشدة وبل بالكاد بدأت تزرف الدموع بغزارة... تتخيل هذا المشهد المؤلم... انفطر قلبها لأجله... تحملت الكثير والكل لايراك سوى انسان تجمدت مشاعره.... ولكن الواقع أنك تمزقت بشدة وأصبح الألم يلزمك حتى أصبحت ترتدي قناع البرود ربما يحميك من سيل الآلام المتقطر عليك.
نهض زياد من مكانه متجهاً للشرفة، يستنشق بعض الهواء بعدما شعر بانخفاضه في ردهة، ينظر للسماء فيرى بركة الدماء التي غرق بها مع والده، كانت بركة ظلام دامس طُمس فيه بقسوة، وكان الحياة راغبة بأن تعطيه نصيباً من صفعاتها المؤلمة الجافة من الرحمة، ازدادت نيرانه المتأجج بصدره فشعر ببراكين من الأوجاع تنفجر بين ضلوعه، نظر خلفه عندما شعر بيدها الناعمة على كتفه ولكن تعجبت نظراته وهو يرى ابتسامتها الصافية.. نابعة من قلبها البريء، همست ليان بنبراتها الهادئة كأنها تنشد لحن هادئ يهدئ من هذه النيران:
_ مش هقولك غير أنك أكتر راجل ممكن يملى قلبي وعقلي وعينيا... هو راح وربنا ليه حكمة في كده أحنا أكيد مش عارفينها بس في النهاية ساب أبن صالح يدعيله يعمله الخير.
امسكت بكف يده عندما لاحظت أن حديثها مبهم بنسبة له، وهمست ببسمة طفيفة ولكنها اسكنت قلبه الملتهب بالألم:
_ تسمحلي أنا بقي اللي أحكيلك قصة صغيرة جداً.
منحها ابتسامة كانت دليل موافقته، سارت أمامه حاملة كف يده الخشنة، ينظر لها بتأمل غريب، فما أرحمك يا الله خلقت حواء لتريح ألم آدم ويسكن بداخلها فيجد الراحة المحروم منها!، وها هي حبيبته وصاحبته تريح صدره المسموم من الآلام، جلس الأثنان على السرير كما فعل زياد ومدت ليان يدها تداعب خصلات شعره، ثم بدأت تهمس بصوتٍ رقيق بعث الراحة للذي بين ضلوعه:
_ القصة بدأت بأن أب مات وابنه حزن عليه جداً.... وعشان الأب دا كان حنين وأب صالح وربا ابنه تربيه صحيحة.... الأبن كان يدعي لوالده بالخير دايماً ويعمل صدقات كتير على روحه، المهم الأب دا يلقي نفسه عِلِي درجة في الجنة ويتعجب ويحتار ازي اترفع درجة دي في الجنة ويسأل ازي؟؟!!.. كانت الأجابة واضحة دعاء ابنه ليه... ولداً صالح يدعو له... ويقول النبي عليه الصلاة والسلام..( إنَّ اللهَ ليرفعُ الدرجةَ للعبدِ الصالحِ في الجنةِ، فيقولُ: يا ربِّ من أينَ لي هذا؟! فيقولُ: باستغفارِ ولدِكَ لكَ") ، المهم الأبن مات بعد ما الأب عالي درجات بالجنة، والأبن دا وصل لوالده ولدرجة اللي وصل ليها ابوه من الدعاء اللي كان بيدعيه ليه كما في الأية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم ( " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.." سورة الطور أية 21.) والله اعلم، اللي عايزة أقوله يا زياد إنك لزماً تدعي لوالدك... خليك الأبن الصالح اللي بيدعيله، صدقني دا أنفع ليه، ساعتها لا أنت هتحس إنك سبته أو فقدته وهو إن شاء الله يرتاح، وربنا يرحمه.
كان الصمت عنوان لتلك اللحظة، صوت أنفاس ليان الهادئة، وصوت أنفاسه التي هدئت بعض الشيء، تخلل صدره شعور بالراحة، كانت كلماتها منغمسة ببلسم ناعمة تخفي أحدى ندوبة المحفورة بداخله، تطاير الألم من عيناه وكأنه رماد أخذتها نسمات الهواء، لتنعم تلك اللحظة بكلمات هذا الذئب العاشق، مغمورين بعالم صنعته مشاعر رقيقة، مُتَوجه بالحلال الذي انزله الله و أخبرنا به رسوله، فما أجمل العشق عندما ترتشف منه بعالم الحلال!!!
*************
طوق السعادة أصبح مصنوع لها، تسير مع والدها ببهجة أغرقت قلبها، وكأنها عسل نحل يغذي روحها بإكسيلٍ من الطاقة، ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها وهي تراه مقبلاً عليها وعلى والدها، ليهتف السيد رأفت ببسمة بشوشة:
_ ازيك يا جاسر.
حرك رأسه مرافقاً معها ابتسامة هادئة، مردداً بترحيب:
_ أهلاً بيك يا عمي، تعالوا اتفضلوا في العربية خلينا نلحق السهرة من اولها ونتعشا سوا، دا أنا لما صدقت إن عمي وافق.
ضحك رأفت بخفة بعدما استمع لجملته الأخيرة، فقد جاهد بشدة ليحصل على موافقته، وحرك رأسه بيأس ثم هتف محركاً يديه للأمام:
_ يلى يا بني، بس آخر مرة دي.
ابتسم له جاسر وفتح الباب الخاص بسيارته، ليجلس كلاً من سهام ورأفت بالسيارة بينما تحرك جاسر ليقود السيارة، يمنح سهام ابتسامات هادئة، ولكن داعب قلبه حياءها وتورد وجنتبها اللذان قيد قلبه بأصفاد العشق.
************
يسير بالقلم على ورقة بيضاء، فيخطط بما ضُمر به عقله، وجعله بهذا المستنقع البأس الأسود، يصتنع الابتسامة.. كالذئب ماكر يخدع بها الأخرين، ولكن يُحفر قلبه بالشر والانتقام، بدأ القلم يتحرك وكأنه يرسم تعويذة مخيفة، مرت الدقائق كان الألحان الشر تلتف حوله، ألقى بقلمه بعيداً، ثم رفع تلك الورقة فلم يكُن فيها سوى.." الانتقام خالفه الموت"، سارت ابتسامة غريبة على ثغره متذكراً مراقبته لها وهي تحاول إيقاف سيارتها، شعر بلذة وهو ينتقم من عذاب خيانتها له، روحه التي لم تمتلئ بالحب كما ظن الجميع بل بالندوب الشرسة لم يتطلع عليها أحد سواها.. فهي من حفرته به!!
****
راقب اطارات السيارة التي اصابها الجنون، تنحرف بعنف وكأن السيارة ليس بها عجلة قيادة، كانت دقات الساعة تمر فتصدع صوتاً ينشد ترنيمة الموت، اوقف سيارته وهو ينظر لسيارتها التي انقلبت عدة مرات حتى استوت على الارض، أخذ نفساً عميقاً ينظر للسيارة يتخيل أن يرى جثتها المحطمة، فترجل من السيارة الخاصة به، وبدأ يسير خطوة تلو الأخرى، تتسارع وتيرة انفاسه، فأصبحت متهدجة يتخللها التوتر غريب، ازدرد ريقه وقد تعجب من نفسه فتلك اللحظة انتظرها منذ سنوات لما تتهدج أنفاسه الآن، يبتلع هذا الشعور الغريب الذي اجتاح صدره، مغمضاً عيناه يحاول الاستعداد ليراها، وما أن فتح عيناه حتى وجدها تجلس على مقعد القيادة، وجهها الملطخ بالدماء، ولكن ما زاد دهشته عندما صدع صوتها يأن بألم حاد وتهمس بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_ ألحقني!!
ابتسم بسخرية واضح حتى الموت اشمئز من الإقتراب منها، فنحنى بجزعه العلوي، وهمس جوار اذنها:
_ لاء... هسيبك تموتي زي ما سبتني أموت بخيانتك ليا، كنتِ كل يوم بتقتلني وبدم بارد، زمان كنت فعلاً بخونك مع بنات بس قبل ما اتجوزك لكن أنا توبت وبعدها اتجوزتك وأنتِ دمرتني بخيانتك ليا يا ندى!!
تشنجت تعبيرات وجهها وقد ازداد الألم عليها، تنظر له برجاء قبل أن تفقد وعيها كاملاً، ولكن قُضيت على قوتها عندما استمعت لجملته الأخيرة:
_ مش قولتلك هتموتي وعلى أيدي، واديكي بين الحياة والموت.
اقترب منها أكثر ونظر بعينين امتلأت بالظلامٍ أسود نابع من قلبه المذبوح:
_ وهسيبك مع الموت يا ندى!!!!
عاد مكانه عندما رأى دمعتها المتألمة تهبط من عينيها، ثم وقعت على المقعد الذي بجانبه فاقدة للوعي تماماً، استدار وليد تاركاً إياها بقلبٍ انعدمت منه الرحمة، ولكن كيف انعدمت منه الرحمة وقد غاص بقاع بحر العذاب، صُنع خصيصاً له، تائه بين غياهب الظلام، مضمور به بقسوة، يصدر عنه أنين موجوعاً، مغمور بأحزانه، ولا يستمع لأنينه أحد.
****
أعاد هذه الورقة الملطخة بكلمات الانتقام، منثور عليها حبات الخيانة القاتلة، التي طوقت حياته بأحبالٍ متينة صُنعت من كلمة واحدة " العذاب"، نهض من مقعده والتقت سترته مغادراً المكان، يسير بسرعة وكأن وحشاً من وحوش الظلام يلحق به ليمسكه بمخلاب يده السوداء، ويعيده لقاع تلك البركة المصنوع من ألوان العذاب، قاد سيارته سريعاً ولكن بدلاً من أن ينحرف بطريق العودة، انحرف بالطريق الحادث، لم يعلم بماذا يشعر ولكن تسارعت دقات قلبه وكأنه بامتحان صعب ينتظر نتيجته، ثم توقفت السيارة وتوقفت معها عقارب الساعة نظر لبقعة الحادث فظهرت أمامه ومضات خافته، لانحرفات سريعة، ثم اصتدم عنيف، مسح وليد وجهه بكفه ثم اسند برأسه على عجلة القيادة، يهمس بأنين مُعذب، دوائر الماضي تحاوطه وتلتف حوله دوامة لا نهاية لها:
_ ليه يا ندى بتعذب بعد ما انتقمت وقبل ما انتقم ليه؟!!، أنا عارف أني خونتك ودا قبل ما ارتبط بيكِ بس ليه تعملي فيا كده، تخونيني ليه، دمرتني وقتلتي قلبي معاكي، لا أنا عارف اقتلك ولا عارف اسامحك على اللي عملتيه فيا!!!
تسربت دمعة صغيرة من عينيه، تصرخ باستغاثة أنها تعذبت بداخل جوفه المحترق من براكين العذاب، فلا يعلم ما نهاية هذا الطريق!!!!!
*************
بمقابر عائلة الألفي،،،،،،
لحت ابتسامة متألمة على ثغره، ينظر لأسمها المحفور على تلك الرُخام المعلقة على قبرها، مد يديه يمسح على أسمها بنعومة، يهمس بأسمها بين شفتيه، ولكن علق بجوفه غصة أليمة وكأن شوكة عالقة بحلقه تمنعه من التنفس وتعيق حياته التي أصبحت غابة احرقها الظلام بكل شرسة، وقع ببئر أفكاره مرة أخرى، متذكراً هذا الحادث الذي لم يختفي من حياته بل أصبح كابوسه المرعب الذي يُحيي ضميره فيجلده بقسوة، وقد اختفت كلمة رحمة بمعانيها!!
****
داعبت الابتسامة شفتيه كقطرات الندى التي تداعب اوراق الشجر محتضنه إياها، يرى حماسها وهي تجلس جواره تتحدث مع والده عما ستفعل هناك، ولكن تفاجأ بقولها أنها تنوي بناء قصر بالرمال، فهتف بدهشة واضحة:
_ أنتِ بتهزري يا أسيل عايزة تبني قصر بالرمل.. أنتِ هبلة يا حبيبتي!!
عبست ملامح وجهها ونظرت لوالده عماد الألفي مرددة بصوتٍ محتقن:
_ بص يا عمو ابنك بيقول إيه؟!!!
كبح ضحكته وهتف بصوتٍ أشبه بالضحك لم يستطع السيطرة عليه:
_ الصراحة معاه حق يا حبيبتي أنتِ قربتي تتمي السابعة وعشرين سنة وعايزة تبني قصر بالرملة، دا العيال الصغيرة معملتهاش.
انفلتت تلك الضحكة المتعلقة بجوفه، لتزداد أسيل بالغضب تنظر له بغيظٍ شديد فتغمغم بغضب:
_ ماشي يا عمي، أنا هعمل عليكم مقالب تخليكم تحرموا تقولولي كده!!
ما أن استمع الأثنان لتلك الجملة حتى توترت ملامحهم يشعورن أنهم سيخضون مرحلة صعبة بحياتهم، فردد عماد بصوتٍ مستعطف:
_ كده يا بنتي عايزة تعملي مقلب فيا، وأنا زي أبوكي، هو أنا بس حمل مقلب واحد.
نظرت له بغضب وهمست ببعض المكر:
_ ما حضرتك اللي بتقول هبلة زي واحد هنا عارف المقالب بتاعتي شكلها ازي.
رفع عماد حاجبيه بدهشة مصطنعة وهتف بتعجب زائف:
_ أنا يا بنتي، دي عمرها ما تحصل، احنا عندنا كام أسيل الألفي في العيلة، ثم أنتِ اللي منورة عيلتنا، و من غيرك جدو وجيه هيقتلنا كلنا!!
ضحكت أسيل عقب جملته وهي تعلم جيداً أن هي وندي المدللتنا لديه ولا يستطيع أحد أن يقترب منهما إلا بإذنه، تمتمت بعدما تخلصت من شوائب الضحك العالقة بجوفها:
_ لا خلاص يا عمو، فاضل واحد هنا ياخد نصيبه من المقالب!!
ابتسم إياد بمكر ثم ردد بصوتٍ خبيث:
_ انا برضو يا سيلا، اهون عليكِ، طب دا الكل عارف عن اسطورة عشقي ليكِ هتخدي على ساعة سهو كده ولا تحبي اصلحك زي ما عملت أول امبارح!!
تلون وجهها بالحمرة الشديدة، بينما قطب عماد حاجبيه متعجباً مما يهتف به فتسأل بحيرة:
_ هو أنتو اتخنقتوا مع بعض واتصالحتوا من غير ما نعرف وهو حصل إيه؟!!
صدع صوت ضحكت إياد وهتف بمكر:
_ تحبي احكيله ولا تحكي أنتِ شوفي أنا ديمقراطي ازي؟!!
نظرت له بغضب ممزوج ببعض الخجل، وهتفت بصوتٍ متقطع يحمل بطياته الحياء:
_ اسكت يا إياد، محصلش يا عمي دا جبلي هدية صغيرة.
تعالت ضحكت إياد بينما تعجب والده بضحكته الغريبة، والغموض الموجود بحديثهم، ولكن بلحظة اتسعت عين أسيل بفزع خالفها عماد عندما صرخت بفزع:
_ حاسب يا إياد العربية.... آآآآآه.
اصتدمت السيارتان بعنف، حتى وقعت سيارة إياد بجانب الطريق، استمع لصوت أناس كثير ولكن لم يهمس سوى بأسم شخص واحد قبل أن يغادر في عالمه المظلم لا تظهر فيه سوى مقتطفات صغيرة من ذكرياته مع زوجته:
_ أسيل!!!!
صوت ضحكتها يصدع بجوار أذنه ليبتسم بفرحة عندما وجدها أمامه، ردد بسعادة بالغة وهو ينظر لها محاولاً الاقتراب منها:
_ أسيل... أنتِ كويسة.. أنا كنت قلقان عليكِ!!
ظل صوت ضحكتها يصدع حتى تحول صوتها من رنة ضحكتها التي كانت كبلبل ينشد لحن صغير إلى صوت جهاز الموصول به، فتح عيناه بألم يهمس بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_ أسيل.. هي فين أسيل.. وبابا!!!
نهضت فريدة في سرعة تنظر له بحنان مرددة بكلماتٍ هادئة:
_ اهدي يا حبيبي جسمك تعبان من الازاز اللي دخل فيه والكسور ... ريح شويا...
قاطعها وهو يكرر باصرار غريب:
_ فين أسيل و بابا و أنتِ لبسه اسود ليه؟!!
نظرت له بألم، ثم أغمضت عيناها تهتف بصوتٍ متحشرج:
_ باباك تعيش أنت، وأسيل جدك وعمك زيدان سفروها برة عشان يعلجوا التشوهات اللي فيها لأن الأزاز دخل فيها وسبب تشوه قوي فيها بس..
ادمعت عيناه برجاء أن تخبره بشيء آخر غير ما خطر بخاطره، فهمس بنبرة تحمل الرجاء:
_ بس إيه؟ هي كويسة صح؟
ادمعت عيناها بحزن دافين وتمتمت بصوتٍ يملؤه الألم:
_ بس قبل ما تدخل او يبدأوا العملية ماتت وجدك جابها على مصر ودفنها، وأنت جسمك كله كان متكسر وتعبان والأزاز اللي دخل في جسمك عمل جروح عميقة بجسمك فبدؤوا يدوك مسكن ومنوم عشان متحسش بألم ودا اليوم الخمستاشر ليك.
حرك رأسه بعدم تصديق، ينظر لها بألم تكاد تكون الرؤية مشوشة من الدموع التي أغرق عيناه، يتنفس بصعوبة بالغة لا يردد سوى:
_ لاء أسيل عايشة هي اللي هتساعدني أقوم من اللي انا فيه... وبابا قالي أنه راضي عاني، وكان عايز نسافر أنا وأسيل عشان خاطر نكمل علاج ونجيب الحفيد اللي بيحلم بيه، آآآآآه يارب مش قادر..
وضعت فريدة يدها على فمها تمنع شهقاتها المتألمة من شكل إياد المنهار، بينما دخل مجموعة من الأطباء ثم قاموا بتثبيت إياد واعطاؤه حقنة مهدئة، لتمر دقائق يصبح غائب عن الواقع، يقه بين غياهب الآلام، تضمر روحه بين ذكريات أصبحت منفية من حياته، لم يتخيل يوماً أن أسطورة عشقهما ستنتهي بتلك السرعة، وبهذه الطريقة المؤلمة، فقد أغلى ما يمتلكه الأنسان زوجته ووالده، كانا جزءاً من قلبه المحطم بقسوة منثور شظاياه على أرض مغمورة بالظلام، نجمتان تُضيء بسماء عندما يحتلها ظُلمة الليل فأصبحا مخطوطة تساعد البَحْار للوصول إلى الجزيرة السعادة ولكن تغلب الظلام عليهم واختفيا من الحياة!!
***
عاد لأرض الواقع تتهدج أنفاسه بشدة، وكأنه دخل بدوامة تلتف حوله في سرعة، فتحطم باقي قوته الزائف أمام الجميع، نهض من مكانه وهمس بكلماتٍ تأن بالألم، تصرخ من شدة العذاب، تثور بعنف من البراكين المتألمة بداخله، فأصبح داخله هشَّاً يتطاير مع نسمات خفيفة من العذاب.
**************
بمشفى عائلة الألفي،،،،،،
تقدمت بخطواتها الثقيلة وهي تنظر لصغيرتها المنغمسة بعالم لم يدخله أحد سواها، تدمع عيناها أسفل تلك النظارة السوداء التي ترتديها، ترسم على وجنتيها معاني الألم المكنونة بصدرها ولم تستطع البوح عنها لأحد، وكأنها سجين لهذا الصمت القاسي، جلست على المقعد بقرب من الفراش ابنتها وأزلت تلك النظارة التي تمنع فيضان مشاعرها من أن تخرج، مدت أنامل يدها المرتعشة تلامس بشرة ابنتها الباهتة من سكونها لخمس سنوات، صامته.. غائبة عن الواقع، لا يعلم أحد بماذا تشعر أو ماذا فيها، بدأت الدموع تسيل على وجنتي فريدة حتى شعَّ وجهها بالحمرة، تهمس بأنين تمرد من البقاء بجوف قلبها المعذاب من وحش الفراق:
_ وحشتني يا ندى... مش عايزة تقومي بقى.. عيونك وحشوني يا بنتي.... شقوتك ولعبك وهزارك وضحكت وحشوني.... أنا بموت كل يوم وأنا شايفكي كده... نار قيد جوايا ومحدش حاسس بيها، اخوكي مسافر ومعرفش هيرجع امتى ... ونفسي اسمع صوته يطمني عليه.... كنتِ أنتِ الدافع ليه عشان يرن... نفسي ترجعي تاني يابنتي...
صمتت تكتم شهقاتها التي بدأت تعلو شيئاً فشيء، ثم استرسلت بنبرة متألمة:
_ لحد النهاردة فاكرة اليوم اللي قالولي فيه أنك عملتي حادثة على الطريق، ونقلوكي المستشفى، واللي زود وجعي بعد موت بنت عمك وعمك مع بعض
ثم أكملت بتضرع :
_ يارب قومهلي بسلامة، قلبي مش قادر يستحمل يشوفها كده.
اجشت في البكاء تضع وجهها بين راحتي يدها، تغرق الدموع ما يقف بطريقها، وكأنها فيضان قرر أن يقضي على ما أمامه معتقداً بذالك أنه يريح نفسه.
***********
بإحدى المطاعم الشهيرة،،،،،
تنظر لهم وتتعجب مما تراه، ترى والدها أثنان وجاسر اثنان وتتضاعف أعدادهم، وضعت يدها فوق رأسها تحاول أن تتحكم بهذا الصداع الذي داهمها، ولكن لم يكُن هنا فائدة، انزلت أصابعها وامسكت بالملعقة تضغط عليه بقوة لعلها تتخلص من هذا الألم العنيف الذي بدأ يزداد شيئاً فشيء ولا تعلم سببه، وكأنه ظلام دامس أراد أن يضمرها بجوف أعماقه، بينما انشغل والد سهام بالحديث مع جاسر وبعض الموضوعات التي اثارت اعجابه ولم ينكر بداخله أنه لمح ذكائه، نهضت سهام من مقعدها ورددت بصوتٍ متعب بعدما رمقها الأثنان بنظرة متعجبة:
_ انا هروح الحمام بس وراجعة.
تحركت خطواتان، ثم وقعت على الأرض غائبة عن الواقع لم تعلم ماذا يحدث حولها، شعرت وكأنه أخذت لمكان جديد تسمع همهمات والدها الملتاع عليها، وخطيبها جاسر الذي اخبره بأن يحملها سريعاً متوجهين للمشفى، انقطعت الهمهمات فجأة ولم تدرك ماذا يحدث بعد ذلك!!!
**************
بشركات الألفي جروب،،،،،،،
نهض الامبرطور من مكانه بعدما أنهي اعماله جميعها، بدأ يسير بخطواتٍ بطيئة، ينظر للمكتب الذي بجوار مكتبه، ثم مد يده وأخذ المفتاح من جيب سرواله، وقام بفتح باب الخاص بأبنه عماد الألفي، سار ينظر لمحتويات المكتب بألم، قلبه المنفطر وهو يرى ابنه رحل بحادث غريب وأخذ معه زوجة ابنه أسيل، مد "وجيه" يديه يفتح هذا الدرج بمكتب ابنه، ثم سحب صورة لابنه وإياد وزوجته أسيل، وردد بلهجة غريبة من يستمع لعبراته لا يصدق أن هذا القاسي سيخرج تلك الكلمات:
_ شوفت يا عماد ابنك عامل ازي؟!! بقى تايه ازي يجي يخلص شغله ودا عشان شديت عليه ويمشي يعدي على قبر أسيل، ابنك تعبان من غيركوا يا عماد، بيصحى كل يوم مفزوع من النوم والمشهد الحادثة بيتكرر في أحلامه، عارف عرفت ازي... كنت كل يوم ادخل اوضة بتاعته عشان اطمن عليه... وكنت بلقيه بيردد اللي حصل في الحادثة، أنا بموت وأنا شايفه كده عايش ومش عايش معنا، نفسي احفادي يرجعوا زي ما كانوا نفسي يتخطوا اللي هما فيه، نفسي لما أموت أبقى مطمن عليهم!!!
أنهى جملته واضعاً تلك الصورة بمكانها، ثم استدار عائداً للقصر يستعيد قناع القسوة المحفور بملامح وجهه، اتخذه جانباً معتقداً بذلك أنه سيحمي احفاده الباقية.
*************
بشقة زياد،،،،،
جلست تتابع التلفاز باهتمام شديد، تتناول حبات الفشار باستمتع وانهيام، إلى أن تبدلت قسمات وجهه بانزعاج عندما اطفأه زياد فجأة، نظرت بغضب مرددة بغيظ مكبوت:
_ قفلته ليه؟!!
ابتسم بخبث وسار ليجلس جوارها، ثم همس بمكره المعتاد:
_ قفلته عشان تقومي تحضري شنطتك هنسافر.
انغمست بالقلق في ثوانٍ وهمست ببعض الخوف:
_ هما الناس دي وصلت لينا؟!!
مد يده ليدها المرتجفة وربت عليها بدفئ أطمن قلبها المرتعد وهتف بنبرة هادئة:
_ اهدي مفيش حاجة، أنتِ بس هتقومي تلبسي وتحضري فعلاً الشنط بس المرادي هنرجع مصر، وهتلبسي عشان نتعشى برة.
رمشت بعينيه في عدم تصديق، ورددت بنبرة تحمل بطياتها الحنين لوطنها وأرضها الغالية، ولكن تقطعت من تهدج انفاسها:
_ هنرجع مصر بجد!! هنرجع مصر وأشوف أرض مصر تاني!!
ابتسم بهدوء محمل بالعشق، وهمس بنبرة خاصة لذئب عاشق:
_ هترجعي مصر وهتعيشي هناك تاني وهخلي حد يعينك في مستشفى الألفي اللي كانت من ضمن احلامك.
لم تعلم بماذا تجيب ولكن ابتسمت وعيناها تدمعان من الفرحة، تردد بحب وسعادة:_
_ بحبك اوي يا زياد، ربنا ميحرمنش منك ابداً.
نهض من مكانه وهتف في هدوء عاشق:
_ قومي البسي عشان نخرج مع بعض.
صفقت بيديها سريعاً وتوجهت في سرعة لترتدي ملابسها، بينما وقف زياد يتأمل شكلها بنظراتٍ تحمل من العشق جانباً لم يحمله عاشق من قبل، ينبض قلبه لأجلها، اعادت حياته فأصبحت منقذته، تحملت الكثير، ولم تشكو لأحد، كانت هي الزوجة التي لم يتخيل يوماً أنه سيقع بين براثن عشقها.
*********
تتعلق بذراعه في سعادة، تشعر بنوعٍ غريب من الفرحة التي داهمتها وكأن البهجة أخبرتها بكل ما تتمنى وأنها ستحصل على القليل منها وترتشف منه رحيقها، سارت جواره حتى وصلا للمكان المخصص لهما بالمطعم، فنظرت له بحب وهمست ببعض الخجل:
_ أنا مش عارفة اوصف ليك شعوري عامل ازي يا زياد.
ابتسم لها، ثم ردد والمكر عاد يحاوط ليان ليزيد من تورد وجنتيها:
_ أممم لما نروح نشوف الموضوع دا، وأنا هعرف اخليكي توصفي شعورك عملي!!
قطبت جبينها ببدأ الأمر ولكن سرعان ما تحول وجهها للون الأحمر، تمتلئ عيناها بخجل شديد ورددت بتوتر واضح:
_ زياد هقولك على حاجة بس متزعلش ماشي.
رفع حاجبه وعلى ثغره ابتسامة ماكرة يعلم ماذا ستخبره، لتغمغم ليان بخجل ممزوج بغيظ:
_ انت قليل الأدب خالص، هو أنت دخلت كلية شرطة قسم آداب!!
صدعت ضحكته بالمكان لتهتز بعدها قلب ليان وهي ترى ابتسامتها التي اخرجتها، لتتحرك شفتيها ترسم ابتسامة رقيقة، فأذبت الخجل واحتلت السعادة مكانها، تمتمت ببسمة صافية نابعة من قلبها:
_ عارف لما بكون السبب في خروج أي ضحكة ليك بحس بفرحة غريبة جوايا مش عارفة ليه بس دا احساسي كل مرة بتضحك فيها.
تناغمت ألحن العشق حولهم، فكلاً منهم أخرج ما كان يكنَّه بصدره، وثورة مشاعره التي أغرقت قلوبهم عسل العشق، فأصبحت هي مالكة قلبه، وأصبح هو عاشقها الوحيد.
بقرب منهما،،،،،
ينظر لهما بأعين ماكرة وقد تعلقت عيناه بتلك القلادة التي يرتديها زياد، فهي القلادة التي أخذها "عليّ" منهم، وأخذتها تلك الفتاة التي يجلس معهم، امسك هذا الغامض هاتفه وهتف لسيده ببسمة خبيثة:
_ القلادة الآن مع الشاب... حسناً سأنهي تلك المهمة سريعاً!!!!
************
مر يوميان تحسنت فيه عافية سهام بعدما وصلت للمشفى وقام جاسر بكافة التحاليل اللزمة والتي توضح نقص غذائها، بينما اعدت ليان نفسها جيداً لرحلتها وهي العودة لأرض الوطن.
**********
وصلت سيارة زياد للمطار، وترجلت منها ليان من السيارة، تترجى أن تمر الساعات بسرعة لتخطو قدميها على مصر الحبيب، الأرض العظيم، فمن يدخلها لا يستطيع أن يتخيل جمالها المكنون بداخلها، وآثارها الجميلة التي تركها الفراعنة، تخليد لذكراهم، خرج زياد من السيارة ووقف بالقرب من ليان بجوار السيارة، فنظرت ليان إلى زوجها ومن أصبح قرة عينيها، مرددة ببسمة غريبة:
_ عارف عندي احساس غريب، حاسه إن في حاجة هتحصل!!
قطب جبينه بتعجب مما تتفوه به، بينما على بُعد منهما يقف هذا القناص ويرفع سلاحه بإتجاه ليان وزياد يستعد لإطلاق النيران، وما أن حصل على الإشارة من السيارة التي تنتظر بالأسفل حتى أنطلاقت رصاصة اخترقت صدر!!!
يُتبع!!
إلى اللقاء بالجزء الثاني بعنوان "ليُطفِئ ظلامك بسمتي" من سلسلة عواصف الغموض والحب
بقلم سلمى خالد إبراهيم"
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات