📁 آخر الروايات

رواية حتي اقتل بسمة تمردك الفصل العشرين 20 بقلم مريم غريب

رواية حتي اقتل بسمة تمردك الفصل العشرين 20 بقلم مريم غريب


*حتي أقتل بسمة تمردك*

الحلقة (20):

دلف إليها مسرعا ، فشحب وجهه عندما وجدها منهارة إلي ذلك الحد ، بينما تطلعت إليه واهنة و دموعها تناسب بغزارة علي وجنتيها ، ثم أرخت أعصاب جسدها لتنكفأ علي وجهها ، فأخذت تبكي و تنتحب بمرارة ، لكنه لم يسمح لها بمزيدا من البكاء بقاعة الحمام الفسيح ، إذ أنه إقترب منها بخطوة واحدة ثم إنحني و أقتلعها من علي الأرض حاملا إياها علي ذراعيه ، ثم إتجه بها إلي الداخل ... :
-اوعي سيبني .. نزلني ..
قالت ذلك في رغبة يائسة لإبعاده عنها ، إلا أن دوار رأسها أرغمها علي قطع عبارتها التي خرجت مشوشة و بلا هدف ... :
-بس .. اهدي.
أمرها"عز الدين"بإقتضاب و قد بدا واضحا أن غضبه شديدا ، إستسلمت كليا للعذاب الرائع الذي إستشعرته و هو يحملها قريبا من قلبه ، فشددت من إلتفاف ذراعها حول عنقه ، و ألقت رأسها علي فجوة كتفه ، ثم أغرقت وجهها بصدره أكثر فأكثر كي تستطيع أن تستنشق رائحته ... فقفز فجأة إلي سمعها صوت"جومانة"و تذكرت أيضا ما فعله بها منذ قليل ، فإنتفضت باكية ثم توالت محاولاتها الركيكة في الخلاص منه ، حيث أخذت تتلوي بين ذراعيه هامسة بصوت ضعيف شوبه بكاء مرير:
-اوعي سيبني .. بقولك سيبني .. انا بكرهك .. بكرهك.
صم أذنيه عن صوتها الضعيف ، و تابع سيره حتي وصل بها إلي الفراش ، فمددها بهدوء و جلس علي الحافة إلي جانبها . ثم إنحني صوبها و وضع يديه قرب رأسها حيث حاصرها بين ذراعيه ، بينما هي لم تستطيع أن تكف عن البكاء لحظة واحدة ، فخنق صوت نشيجها مطبقا شفتيه علي شفتيها بقبلة عميقة ، رفعت يديها و أخذت تدفعه عنها و لكن دون جدوي ، فقد بدا غير آبه بمقاومتها الهشة و إعتراضها الكاذب ، بينما إتخذت قرارا في نفسها .. ستتركه ، و ليكن ذلك اللقاء وداعهما الأخير ..
هبطت دمعة حارة من عينها و هي تبادله القبلات بضعف و إستسلام ، هذه اللحظات لن تنساها أبدا ، حتي"جومانة"ستكون عاجزة عن تجريدها من حقها بالإحتفاظ لنفسها بهذه الذكري .. كان قد حل ربطة عنقه و أزرار قميصه في لحظات قصيرة ، فإبعد وجهه عنها قليلا و أمعن النظر فيها ، ظل يحدجها لبرهة ثم مال برأسه صوبها مرة أخري ملثما عنقها بقبلات محمومة ، لترتجف بين ذراعيه ، و لتحيلها تلك القبلات إلي إمرأة تطلب العفو دون صوت !
قضيا الوقت كله بمفردهما داخل الغرفة ، مرت ساعات طويلة عليهما و كأنها ثوان قصيرة ، كان نومها متقطع قلق و كذلك كان نومه ، فقد خيم عليهما جوا متوترا و عصيبا جعلهما مغيبان بفكرهما عن الواقع ، لا يشعران بمضي الوقت ..
إستيقظ"عز الدين"عند الساعة السادسة صباحا ، نظر إليها و هي نائمة إلي جواره كطفلة بريئة ، ثم تنهد بثقل و نهض متوجها صوب الحمام ، وقف تحت صنبور المياه و أطلق العنان لذاك الرذاذ الساخن لينساب علي جلده و يلهبه دون رحمة .. ثم أخذ يتساءل في نفسه .. ماذا حدث ؟ ما هذا التحول الجذري الذي أحدثته تلك الفتاة بحياة"عز الدين نصار" .. هل أصبحت في النهاية متشوقا للإقتراب من إحداهن ؟ .. لا مستحيل !
هز رأسه بعنف حتي تبعثرت قطرات الماء من علي رأسه يمنة و يسري .. :
-لأ ماحببتهاش .. انا ماعنديش قلب.
هتف بإعتراض يائس ، و مسح علي شعره إلي الوراء بكفاه ثم هز رأسه مزمجرا:
-ماحبيتهاش.
عاد إلي الغرفة بخطي مبتلة ، ثم وقف أمامها يمعن النظر فيها ، أغراه منظر شعرها الحريري المبعثر علي الوسادة ، فإقترب منها بحذر ثم إنحني و وضع قبلة طويلة علي جبهتها ، مسح بيده علي شعرها ثم تركها و إتجه نحو الخزانة ، فتحت عينيها ببطء لتعتريها دهشة عارمة ... :
-مستحيل !!
هتفت غير مصدقة !
ظلت متظاهرة بالنوم العميق حتي خرج من الغرفة ، بالتأكيد ذهب إلي عمله ، عند خروجه من الغرف مباشرة فتحت عينيها علي وسعهما ، ثم تنهدت بأسي و شردت في ليلة البارحة ، طوال الليل أوقعها الألم في شباك السهد ، ألم قلب يكويه العذاب و هواجس ذهن يحاصره اليأس ، كم يصعب عليها تصديق بأن حياتها القصيرة مع"عز الدين"قد إكتظت بذلك الكم الهائل من العذاب و الألم ، تقلبت كالمحمومة من جنب إلي جنب و هي تفكر بـ"عز الدين"الذي كان يرقد إلي جانبها طوال الليل و لم يتركها لحظة واحدة .. خاطبها صوت ضميرها .. "تحبينه ؟ و هل إنتِ أكيدة بأنك الوحيدة في حياته ؟؟ " .. لم تجد جوابا منصفا لقلبها ، فإنخرطت في نشيج جاف أحسته يخنق حلقها ، و تمنت لو تستطيع أن ترطب ألمها بذرف الدموع ، لكن عينيها أمستا كبئر جفت مياهه إلي أخر قطرة .. هي"داليا"تلك الفتاة البسيطة المتفوقة بدراستها ، و المجتهدة بعملها ، و التي نادرا ما أظهرت مشاعرها ، كما أنها لم تسمح لأعصابها مرة بأن تنهار بهذا الشكل من أجل رجل ، لقد أصبحت منذ أن إلتقت"عز الدين نصار"تعاني من كل أنواع التطرفات العاطفية .. فقد أوجد فيها إنسانة جديدة ، أنبض فيها عروقا كانت هاجعة ، كما عذبها أيضا و ألمها حتي جعلها تظهر ضعفها و دموعها و شقاءها و عواطفها الحارة و كأنها فتاة في سن المراهقة ، ألقي بها في أحضانه القاسية المتمردة و علمها ما لم تكن تعلمه عن الحب ، فجسدها خير شاهد علي ذلك و قلبها أيضا ، إنه ما أحب فيها إلا الجسد ، هكذا صرح لها عقلها حقيقة مشاعره تجاهها .. أقرت و الأسي يملأ قلبها بصدق تلك الحقيقة ، فهي لم تنس إعلانه صراحة أنه تزوجها لأنها أعجبته و ليس أكثر و لأنه لم يكن ليصل إليها سوي عن طريق الزواج ، هزت رأسها بمرارة ثم نفضت عن ذهنها تلك الأفكار المؤلمة ، و نهضت متدثرة بثوبها المُلقي أرضا إلي جانب الفراش ، جلست أمام المرآة ، إنتبهت إلي ذلك الإحمرار علي يمين رقبتها ، فإرتعش جسدها ، إذ تذكرت ملمس شفتيه القاسيتين و هي تلثمها بقوة ليحيلها إلي إمرأة مخدرة متجاوبة ، تحسستها بإطراف أصابعها لتكتشف منها المزيد علي بعد أنحاء متفرقة من جسدها .. هاهو كالعادة يترك أثرا لا يزول بسهولة ليذكرها به دائما ، تلك البقع الحمراء حتما ستزول من جسدها ، و لكن مستحيل أن يُمحي الأثر من قلبها و عقلها ... !

********************************************************************

أمضت"عبير"أسبوع حافل بمنزل زوجها ، فقد بذلت جهدا غير عاديا ، حيث تعلمت كافة الأشغال المنزلية من طهو و تنظيف و غير ذلك ، و رغم أن طعامها المحترق كاد يفقد"خالد"شهيته تجاه جميع أصناف المأكولات ، إلا أنه وجد لذة مختلفة فيه جعلته يلتهمه بشراهة غير آبه بطعمه ، بينما إمتنعت"عبير"بشدة عن تذوق لقمة واحدة من طعامها العجيب ، بل إكتفت بتناول الوجبات السريعة ، علي الجانب الأخر ، كانت تشعر بالكبت و الضيق في صدرها ، فهي تريد أشياء كثيرة من زوجها بدون أن تعرف طبيعة هذة الأشياء !
و قد تصرف"خالد"معها بأدب طيلة الوقت ، و كان لطيفا إلي أبعد الحدود ، فماذا تريد أكثر من ذلك ؟ .. إكتشفت أن ما يضايقها حقا هو جفائه الغير معتاد بالنسبة إليها ، فهي إعتادت علي"خالد"المحب الحنون الذي كان يتحرق لمجرد رؤيتها فقط ، و الذي كان يهب واقفا في حضرتها إحتراما و محبة ، و لكنه الأن تحول بصورة كبيرة غير مألوفة لها ، باتت تحس أنه أصبح غير شغوفا بها كما كان في السابق ، كما أنه لم يعد يقتنص الفرص كي يودها مثلما كان يفعل دائما ، حيث كان يلثم وجنتها بقبلة عابرة ، و أحيانا يحتضنها بحنان هامسا بأذنها كلمات العشق ... شعرت بالحزن الشديد لتحوله الكبير ، رغم أنها تعلم جيدا أن كل ذلك طبيعي و أنها تستحق أن تُعامل بشدة و قسوة حتي تكفر عن ذنبها ، و لكنها بشر علي أي حال و قد تعذبت نفسيا بما فيه الكفاية ، كما أنها في أمس الحاجة إلي العطف و الحنان بعد أن فقدت الإتصال بأخويها ..
عندما عاد من عمله ، كانت قد إنتهت لتوها من تنظيف المنزل ، و كم بدا عليها التعب و الأرق ، لكنها تحاملت علي نفسها و إتجهت إلي المطبخ لتسرع في إعداد وجبة العشاء ، بينما صعد إلي غرفته كي يبدل ملابسه ..
لدي عودته إلي المطبخ رأي أربع سمكات سلمونية مرقطة موضوعة علي طاولة رخامية ، أسرعت"عبير"فورا و إنهمكت في إخراج أحشائها و تنظيفها ، ثم رشتها بالطحين و الملح و مددتها في مقلاة كبيرة مدهونة بالزبد ثم وضعتها علي نار موقدة مباشرة ، قطب"خالد"حاجبيه ذاهلا و تساءل .. من أين تعلمت كل ذلك ؟ .. أصبحت ماهرة في إعداد الطعام ، غير أن الرائحة الزكية تصاعدت شهية ، لم تنتبه"عبير"لوجوده إلا عندما إستدارت لكي تحضر الأطباق ، تشابكت نظراتهما فإبتسمت ببساطة قائلة:
-غيرت بسرعة .. تعالي اقعد بقي الاكل خلاص قرب يخلص.
بعد أن غسلت يديها ، كان"خالد"قد سحب مقعد مرفق بطاولة صغيرة توسطت قاعة المطبخ ، بينما سكبت الأرز في طبقين و وضعت علي الطاولة أبريقا من العصير الطازج ، ثم إندفعت مسرعة نحو الموقد لتنقذ السمك من أزيز المقلاة الحارقة ، ثم وضعته محمرا شهيا علي طبق التقديم و جلست قبالة"خالد"قائلة:
-يلا دوق بقي .. انا متأكدة ان اكلي انهاردة هيعجبك.
أومأ رأسه دون كلام ، ثم بدأ في تناول الطعام ، إلتقم قطعة من لحم السمك فوجد الطعم لذيذا بحق ، فأخذ يأكل بشراهة بالغة ، فهو يعمل و بالتالي لدي عودته إلي المنزل يكون جائعا ، و ما أشهي الطعام حين يكون المرء جائع !
بينما إتسعت إبتسامة"عبير"عندما وجدته يلتهم الطعام بتلك الشهية ، فيما توقف عن إيصال ملعقة الأرز إلي فمه ، ليرفع حاجبيه بحيرة متسائلا:
-ايه .. مابتكليش ليه ؟؟
منحته إبتسامة مترددة ثم قالت:
-هاكل .. هاكل.
ثم أمسكت بملعقتها و بدأت تتناول الطعام بدورها .. ظلت تترقبه و هو يأكل ، إنتظرته حتي فرغ من تناول طعامه ، و قبل أن ينهض و يتركها كعادته سارعت إلي القول:
-خالد !
كاد ينهض لكنه سكن بموضعه ناظرا إليها في تساؤل ، فقالت في توتر:
-كنت .. كنت عايزاك في موضوع.
حدق فيها بتركيز بالغ ، ثم سألها بإصغاء:
-خير موضوع ايه ؟؟
إدردت ريقها بصعوبة ثم قالت بصوت مبحوح:
-عايزة اروح ازور عز الدين و عمر .. ينفع توديني اشوفهم ؟؟
ضغط علي شفتيه بقوة ثم صمت لبرهة و قال:
-اظن من الافضل بلاش تحتكي بيهم دلوقتي.
-بس دول اخواتي و وحشوني اوي.
هتفت واهنة و سرعان ما تجمعت بعيناها الدموع ، و رغم ذلك لم يتأثر"خالد"بل تنهد بعمق ثم قال ناهيا الحديث:
-لازم تعرفي اني اتجوزتك بالسرعة دي عشان ابعدك عنهم و بس .. لو كنتي رجعتي الله اعلم كان ممكن يحصلك ايه ! اخوكي مابيقدرش يتحكم في اعصابه و خصوصا ان غلطتك كبيرة و فكرته بذكريات قديمة طول عمره بيحاول ينساها.
آلمتها عبارته ، فإنقبض صدرها في حزن ، بينما تابع بلا إكتراث:
-لو عايزة ترجعي انا ماعنديش مانع .. بس نصيحتي ليكي بلاش .. علي الاقل دلوقتي ممكن تصبري شوية لحد ما الامور تهدا و بعدين ابقي ارجعي.
لقد تعمد"خالد"أن يظهر هزءه و إزدراءه لها ، إلا أنه لم يتصور أن وقع كلماته سيكون عميقا بنفسها إلي هذا الحد ، إذ أنها أطرقت رأسها بأسي و بدت مفاصل أصابعها شديدة البياض و هي تقبض بيدها علي الملعقة ، أدرك"خالد"أنه أصاب منها وترا حساس مما أراحه و أزعجه في آن معا ، فهو يريدها أن تتعذب و أن تتألم كما عاني هو الأمرين في الأيام السابقة ، و بنفس الوقت ضايقه أن يراها متألمة إلي هذا الحد ، لكنه ضرب بنداء قلبه و مشاعره عرض الحائط و هب واقفا ، ثم تركها و مضي في سبيله متجها إلي غرفته ، بينما كبتت نشيجها و إنتحبت بصمت .. حتي هو لم يعد يهمه أمرها .. خاطبت نفسها بمرارة .. حتي هو لم يعد يريد وجودها بحياته ، لم يعد يحبها و إنما تزوجها فقط كي يحميها من غضب أخيها ، شعرت "عبير"بالتعاسة و ودت لو ركضت خلفه و توسلت إليه أن يغفر لها و قالت له أن عواطفها المضطربة هي سبب كل ما حدث لها ، و لكن كيف السبيل إلي الحديث معه ؟ ربما لو تحدثت إليه لرمقها بقسوة و إزدراء كما فعل منذ قليل ، إستنشقت"عبير"نفسا عميقا و هدأت نفسها ، ثم نهضت و أمسكت بالأطباق بيدين مرتعشتين و إتجهت إلي الحوض عازمة علي تنظيف الصحون ، كان الألم مستحوذ علي سائر حواسها ،فلم تنتبه إلي خطاها ، فتعثرت قدمها ليسقط أحد الأطباق من يدها و لتدوس بقدمها علي حطامه المكسورة ، فإنغرزت بعضها في جلدها ، فأطلقت صرخة مدوية و سقطت علي الأرض و هي ممسكة بقدمها المجروحة ، راحت تتفحص ما أصابها ، فرأت الدم يتدفق من التمزقات التي شقت جلدها ، و إمتزجت آلام جروحها بشعور الكآبة الذي كانت تكابده ، فأطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها ، إستغرقتها هذه الحالة فغطت عينيها بذراعها ، فلم تلاحظه يتقدم نحوها مهرولا ، و عندما أحست بوجوده تطلعت ببصرها نحوه ثم مسحت بسرعة آثار دموعها عن خديها بظهر يدها كالأطفال ، بينما تطلع إليها في قلق خاول أن يخبئه دون جدوي فسألها:
-ايه اللي حصل ؟ سمعتك بتصرخي ؟!
هزت رأسها بإضطراب ثم قالت و شفتاها ترتجفان بشدة:
-مافيش .. مافيش حاجة.
نظر إليها بتشكك ، ثم جال بنظره في أرجاء المكان حتي وقعت عيناه علي بقع الدم فوق الأرض بجانبها ، فإتسعت عيناه في هلع ، ثم أسرع و جثي علي ركبتيه أمامها رافعا قدمها المجروحة و فخصها ، فقالت واهنة:
-قلتلك مافيش حاجة .. انا كويسة الطبق اتكسر بس و ...
-ششش اسكتي.
قاطعها بحزم آمر ، ثم تحرك و حملها علي ذراعيه ، توجه بها نحو غرفتها ، أصبحا أمام باب الغرفة ففنحه راكلا إياه بقدمه ، ثم دلف بها و سار نحو الفراش ليضعها فوقه ..
تركها للحظات ، ثم عاد حاملا صندوق الإسعافات الأولية ، جلس قبالتها ، ثم أولا أمسك بقدمها و راح يخرج منها قطع الزجاج بتمهل ، بينما أخذت تئن بصمت من الألم ، و لكن غمرتها فجأة موجة من الدفء الحالم ، و أحست بأنه لا زال يكن لها بعض المشاعر ، و بخاصة حين طفق يغسل قدمها برقة متناهية بدت متناقضة بشكل لا يصدق مع تصرفه السابق ، بعد ذلك طهر الجروح بسائل معقم ثم جفف قدمها علي مهل ، و لفها بضمادة نظيفة ، طوال الوقت كانت لمساته ناعمة كالمخمل .. حتي إنتهي من إسعافها ، فمددها علي فراشها و غطاها جيدا حتي ذقنها ، فبكت بوهن هامسة:
-شكرا .. و اسفة تعبتك.
حدق بوجوم إلي وجهها ، و إبتسم بسخرية ثم أومأ رأسه ، فلمست"عبير"في نظرته شيء من العذاب ، فيما أخذت تتوسل إليه و قد بح صوتها:
-عايزة اشوف اخواتي .. ارجوك.
تنهد بثقل ثم أغمض عينيه بقوة و هو يصارع مشاعره المتأججة في صدره ، ثم عاد ينظر إليها .. تأثر بدموعها هذه المرة ، فمد يده و ربت علي وجنتها بلطف قائلا:
-حاضر .. حاضر يا عبير.
إبتسمت حين سمعته يطمئنها فأغمضت عينيها لا شعوريا و إستغرقت في نوم هادئ و هي تشعر بشعور مريح و"خالد"يربت علي وجنتها ثم ينحني ليضع قبلة علي جبهتها ... !

*******************************************************************
في الصباح التالي ، إستيقظت"ياسمين"علي أصوات زقزقة العصافير و حفيف أوراق الشجر ، فتحت عينيها دون أن تحرك رأسها ، فتمتعت بمنظر آشعة الشمس الذهبية التي كانت تغطي سقف غرفتها الملونة ، شعرت أن الثلاثة أسابيع التي قضتها في قصر الـ"نصار"جعلتها تتعلق بهذه الغرفة و أثاثها الجميل ، و ستائرها التي حيكت باليد ، و بهذه المكتبة التي وفرها لها"عز الدين"من أجل دراستها ، كان لطيفا معها بحق ، حيث أنه نسي أنها أهانته بمنزلها ، تغاضي عن جميع المشكلات و قابلها بمنتهي الرحب و السعة حتي أشعرها بأنها في منزلها .. أنتزعها من تفكيرها فجأة صوت إرتطام الحصي بزجاج شرفتها ، فإبتسمت فورا لأنها علمت من الفاعل ، فدفعت الغطاء عنها و نهضت متجهة صوب الشرفة ، توقفت فجأة و أختبئت وراء حافة الشرفة لتختلس النظر إليه ، فسمعته يناديها عابسا ، فكبتت بكفها ضحكة مرحة ، فعاد يناديها مرة أخري يطالبها بإظهار نفسها فورا:
-ياسمين .. انا عارف انك فوق و سامعاني .. هتبصيلي و لا اطلعلك انا علي الشجرة دي ؟؟
عند ذلك إنفجرت ضاحكة ، ثم دفعت باب الشرفة الزجاجي و طلت إليه قائلة:
-عايز ايه يا عم انت ؟ كفاية بقي بقيت مزعج .. ايه ماوركش غيري ؟؟
منحها إبتسامة مرحة ثم قال و هو يرمش ليحمي عينيه من ضؤ الشمس:
-لو ماكنتيش بصيتي كنت هطلعلك علي الشجرة بجد.
ضحكت بخفة قائلة:
-ليه حضرتك روميو مثلا ؟ عموما انصحك ماتعملهاش لانك لو وقعت من علي الشجرة و رقبتك اتكسرت انا مش هتبرع و اعالجك زي ما عملت قبل كده.
قهقه بقوة ثم قال:
-لا ماتقلقيش انا محافظ علي صحتي كويس عشانك يا جميل.
-يسلام ! طب و انا ايه دخلي بصحتك ؟؟
-دخلك كبير طبعا .. مش سبق و قلتلك انك تخصيني ؟ تخيلي كده مثلا ان حد ضايقك مين اللي هيتصدرله غيري يا سو يا حبيبتي ؟؟
-ماشي يا سيدي شكرا .. رغم اني بعرف ادافع عن تفسي كويس بس المهم .. انت كنت عايز مني ايه علي الصبح كده ؟؟
-عايزك تنزلي تفطري معايا يلا تعالي.
-اشمعنا انهاردة يعني ؟ ايه السبب ؟؟
-منغير سبب يا ستي هتنزلي و لا لأ ؟؟
لفظ أخر كلماته مزمجرا فضحكت قائلة:
-ماشي نازلة.
إنفرج ثغره بإبتسامة واسعة ثم قال:
-مستنيكي .. بسرعة متتأخريش.

*******************************************************************

مر أسبوع أخر عليها بمنزله و هي لا تزال زوجته ، كلما بحثت عن فرصة مناسبة كي تتركه و ترحل عنه بلا رجعة تجد الأبواب مغلقة بوجهها ، فهو بات يغير مواعيد ذهابه و عودته إلي المنزل ، مما جعلها خائفة من إقتناص أي فرصة قد تضعها أمامه في مواجهة حادة ، و لكنها مازالت عند قرارها ، ستتركه رغم أنه أبدي تحولا بسيطا حيث أنه ما عاد يتعرض لها بالكلام القاس الجارح ، بالإضافة إلي أنه أصبح يتجنبها قليلا كي لا يحدث بينهما أي شجار قد يؤدي إلي عواقب لا تبقي و لا تذر ..
فكرت بشقيقتها ، يجب أن تبقي هي عندما تذهب أولا ثم تتصل بها من الخارج و تبلغها بمغادرة القصر هي أيضا ، كان هذا هو قرارها الحكيم فهي لا تريد إحداث بلبلة كي لا تلفت إنتباه أحد إلي مخططها الذي عزمت منذ أسبوع علي تنفذيه ..
فكرت به أيضا ، كم حدثت نفسها طوال ذلك الأسبوع بتجاهله و دفن ذكراه إلي الأبد خلال الأيام الفائتة ، لا يمكنها بناء أي مستقبل مع هذا الرجل ، بل ستجد نفسها بائسة ، تعاني الوحدة و الشقاء و الغيرة و العذاب ، لتطرد شبحهه مرة واحدة و إلي الأبد ، إنه رجلا لن يتواني أبدا عن تدميرها و سحق آمالها فهي و من دون أي شيء هشة قابلة للكسر ، يكفيها ما فعله بها إلي الأن ..
كانت تقف بالمطبخ تشرف علي الخادمات كعادتها في كل يوم ، فستللت فجأة إلي أنفها رائحة الطعام ، فشعرت بالغثيان يعاودها بقوة مجددا ، لكنها غالبته بكل قواها .. لم تشعر بـ"فاطمة"حين إقتربت منها و سألتها بنبرة قلقة:
-ست داليا .. انتي كويسة ؟؟
حولت"داليا"نظرها إليها ثم إبتسمت بشحوب قائلة:
-اه يا فاطمة .. كويسة .. روحي كملي شغلك.
أومأت الفتاة رأسها ثم إنسحبت في هدوء ، بينما أتاها دوار قضي علي تماسكها ، فترنحت بضعف ، ثم سقطت فاقدة للوعي ..
إستعادت"داليا"فيما بعد وعيها غير كامل ، حيث أنها كانت نصف واعية بما بدور حولها ، ميزت أصواتا لأشخاص تعرفهم و أصواتا أخري لأشخاص لا تعرفهم ، و كان من بينهم"عز الدين" .. بدا صوته في البداية قلقا متوترا ، ثم تحول بالتدريج إلي الإنفعال و التساؤل ، لم تستطع تمييز الحوار الذي دار من حولها ، جاهدت كي تستعيد كامل وعيها دون جدوي ، فأستسلمت للإغماءة تحتلها ..
بعد قليل فتحت"داليا"عينيها دفعة واحدة عندما سمعت صوت هاتفهها يصدر نغمته الصاخبة ، معلنا عن وصول رسالة جديدة ، إنتصبت نصف جالسة و هي تشعر بإعياء شديد ، و بطنين مزعج يدوي بأذنيها ، ثم مدت يدها و تناولت هاتفهها لتقرأ الرسالة التي وصلت لتوها ... إتسعت عينيها و هي تكتم فمها بيدها كي لا تطلق صرخة آلم مدوية بأركان المنزل ، و بدون أن تفكر قفزت من الفراش متجاهلة آلمها الجسدي متذكرة آلمها النفسي ، يكفي هذا ، يكفي حقا ، لقد تحملت منه حتي طفحت كأسها ، ما الذي تنتظره بعد ؟ أن يأتي لها بنسائه إلي المنزل ؟
فتحت الخزانة ، بدلت ملابسها بيدين مرتجفتين ، ثم خرجت من الغرفة ، هبطت الدرج بحذر دون أن تصدر أي صوت ، ثم إندفعت مهرولة بخفة إلي الخارج ، واصلت ركضها حتي وصلت إلي البوابة الكبيرة ، فأمرت الحارس قائلة:
-انت .. افتح الباب.
رمقها الحارس بدهشة ثم قال بإرتباك:
-حضرتك .. حضرتك هتخرجي لوحدك ؟؟
-و انت مالك ؟ افتح الباب بقولك.
صاحت غاضبة فتوتر الحارس قائلا:
-حاضر حاضر بس يعني الجو ليل و ..
صمت بقلة حيلة ثم قال:
-هو فين مصطفي طيب ؟ ياخد حضرتك بالعربية في المكان اللي انتي عايزاه هو لسا داخل لعز الدين بيه ا ...
-افتح الباااب.
قاطعته صارخة ، فإنتفض الحارس علي أثر صرختها ثم فتح لها اليوابة علي مصراعيها و هو مشتت لا يعلم أكانت فعلته صحيحة أم خاطئة ، و ياللهول إن كانت خاطئة ، فحتما سوف يلقي حتفه علي يد"عز الدين" ..
بينما خرجت"داليا"تاركة خلفها منزل يعج بذكرياتها الأليمة ...

يتبع 

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات