رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل التاسع 9 بقلم مريم غريب
الحلقة (9):
كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة ، كما كان وجهه مغمورا بهالة رائعة تتفجر منه القسوة ، فيما إرتسمت علي شفتيه معالم الإزدراء ، و الغطرسة ، ثم هتف بصوت صارم أجش:
-داليا !!
إنتفضت"داليا"علي أثر صوته الغاضب ، فيما كانت الغرفة تسبح في دوامة من الحقد ، و العداء ، و الخوف ، و الترقب ,,,
شعرت"داليا"أن قلبها يكاد يقفز من صدرها و قد رأت"كاميليا"في وضع يائس ، وهي تحدق بإبنها بقوة ، وعزم ..
كانت جميع الأنظار مشدودة إلي"عز الدين"الذي بدا و كأنه سينفجر تحت تأثير مرارته العميقة ، بينما إستجمعت"عبير"شجاعتها دفعة واحدة ، حيث تقدمت خطوة إلي الأمام ، ثم إزدردت ريقها ، وقالت بثبات مرتبك بعض الشيء:
-ارجوك يا عز الدين ، مهما كان شعورك و حجم غضبك ، حاول تتصرف بلطف.
و لكنه لم يلتفت لها ، بل ظل جامدا ، و وجهه صارم للغاية كما هو ، فأدركت"داليا"أن الغضب قد أعماه ، و جعله يصم أذنيه لكل التوسلات ,,
و لأول مرة منذ أن دخل"عز الدين"إلي منزل ، فتحت"كاميليا"فمها ، و قالت موجهة الحديث إلي إبنها:
-انا عارفة انك متضايق من وجودي ، لكن انا صممت اجي بس عشان اشوفك.
ثم تابعت في حزن:
-ايه يا عز الدين ؟ مش هتسلم علي امك ؟؟
أجابها"عز الدين"بصوت كحد السكين:
-اسف حضرتك ، انا ماعرفكيش.
كاد"عمر"يتكلم ، فقاطعته أمه بضمة قوية من يدها ، ثم تركته و خطت في إتجاه"عز الدين"حتي وقفت أمامه ، ثم قالت و قد إرتسمت معالم المرارة علي وجهها:
-انت ابني ، ومهما حصل في الماضي ، انا هفضل امك.
حدجها"عز الدين"في أزدراء متهكم ، ثم قال:
-انا امي ماتت من زمان ، اعذريني يا مدام .. انا ماعرفكيش.
هزت"كاميليا"رأسها في آلم ، ثم رفعت يديها ، و أمسكت بتلابيب قميصه بقبضتيها الضعيفتين ، و إندفعت قائلة بنبرة مرتفعة:
-انت ايه اللي جرالك ؟ انا سيبتك و انت كبير ، انا ماربيتكش علي كده ، جبت القسوة دي منين
؟؟
-ابعدي عني.
صاح غاضبا ، و أزال يديها عنه بقوة ، كان العنف يتدفق من عينيه ، بينما لم يحتمل"عمر"أكثر ، فإندفع نحوهما و تصدر لأخيه في عصبية ، قائلا:
-عز الدين ! كفاية بقي ، انا مش هسمحلك تتمادي اكتر من كده ، دي امي و امك و مش عشان البيت مكتوب باسمك زي باقي الاملاك فهتقدر بالطريقة دي انك تتحكم فينا و في كل حاجة ، انا اللي جبت ماما هنا و آا ...
-بس يا عمر كفاية.
قاطعته"كاميليا"بصوت يائس ، ثم إبتسمت في مرارة قائلة:
-من شابه اباه فما ظلم ، كأني شايفة فريد نصار واقف قدامي دلوقتي.
و ساد سكون رهيب لفترة من الزمن ، قطعته قهقهة صادرة من أعماق"عز الدين"و هو يقول:
-لو كان فريد نصار موجود لحد اللحظة دي ، ماكنتيش قدرتي تخطي خطوة واحدة جوا البيت ده.
أغمضت"كاميليا"عينيها بشدة ، فطاحت دموعها علي خديها غزيرة ، ثم رددت بصوت باكي يفتت الأكباد:
-كنت هتجنن عليك ، كان نفسي اشوفك بأي طريقة.
جاءها صوته عنيفا ساخرا:
-و الله ! طب اديكي شوفتيني ، ياتري كنت استحق كل ده ؟؟
-ايوه.
تمتمت بخفوت و هي ترمقه بنظرة دامعة ، فيما كان الجو شبيها بكابوس مزعج ، و كان يجب وضع حد له ، فإمتثلت"كاميليا"دون إرادة إلي دوار إجتاحها فجأة ، حيث تلاشت الرؤية أمام عينيها بصورة سريعة ، و إنكفأت أرضا علي وجهها ,,,
تسمر"عز الدين"بمكانه ، بينما إلتف الجميع في حلقة حول"كاميليا"و هم يتفحصوها في هلع ..
فيما حاولت"ياسمين"أن تعيدها إلي وعيها دون فائدة ، فأخرج"عمر"هاتفهه و أجري إتصالا بطبيب والدته الخاص ..
***************************************************************************************
لم يذكر كيف أنسل من بينهم فجأة ، لم يذكر كيف خرج من القصر بأكمله حتي ,,
كل ما كان يذكره ، أنه شعر ببركانا هائجا من الغضب كاد ينفجر بداخله في أي لحظة ..
لذا إستقل سيارته ، و إنطلق بها بعيدا وسط ظلمات الليل ، لم يحدد وجهته ، بل مضي بعشوائية علي غير هدي ، ثم فجأة قبض بقوة علي عجلة القيادة ، إذ ومضت بمخيلته الذكريات ، و أخذته إلي اليوم الذي أحدث تغيرا جذريا بحياته ,,
**************************************************************************************
في صباح يوما ما ..
إستيقظ ذلك الفتي ، ذا الثامنة عشر عاما من نومه ، ثم جاب أرجاء المنزل بحثا عن أمه ، حتي وجدها بغرفتها تقف أمام المرآة ، تتبرج ببراعة كعادتها ، تفحصها في دقة بعينيه الماسيتين ، كانت في أزهي حالاتها ، مما أدهشه أن تكون كذلك في وضح النهار ، فدفع باب الحجرة الموارب ، و دلف بخطي بطيئة ,,
فإنتبهت إليه ، حيث شاهدته متقدما نحوها بصورته المنعكسة بالمرآة ، فإبتسمت بعذوبة قائلة:
-اهلا يا استاذ ، لسا صاحي دلوقتي ؟ كويس انك صحيت لوحدك و الا كنت هاجيلك انا اصحيك بنفسي.
بينما تجاهل كلامها ، و سألها في إهتمام:
-انتي لابسة كده علي الصبح و رايحة فين يا ماما ؟؟
تلعثمت قليلا ، ثم عادت تبتسم و هي تقول بثبات:
-رايحة مشوار يا عز الدين ، مش هتأخر يا حبيبي.
-المشوار ده فين يعني ؟؟
-و بعدين معاك.
قالت بحدة مصطنعة ، ثم أرتدت قرطيها ، و إلتفتت إليه متابعة في لطف:
-انت لازم تعرف كل حاجة كده زي ابوك ؟ قلتلك رايحة مشوار صغير و مش هتأخر.
-طب هاجي معاكي.
هتف مقطبا ، فتنهدت أمه بثقل ، و إقتربت منه ، ثم قالت و هي تلامس وجهه الصارم بيدها الناعمة:
-حبيبي ، مامتك مش طفلة ، مش هتخطف يعني.
ثم تابعت باسمة:
-حاسة اني اتجوزتك انت و ابوك و الله ، مش عارفة اخد نفسي منكوا انتوا الاتنين.
ثم قهقهت بغنج و هي تضمه بين ذراعيها بعاطفة أمومية ، و بعدها ذهبت و لم تعد ...
*************************************************************************************
أفاق من شروده و هو يصر علي أسنانه بغضب ، ثم قال في نفسه .. إنها حقا تجيد التمثيل ،تستحق اللقب ، فقد أثبتت براعتها ، عرفت كيف تؤدي دور الكذب ، و الخداع بجدارة ,,
لا زال يؤمن بأنها ما أحبته أو إهتمت لأمره يوما ، عندما قررت أن تتوقف عن مشاطرة الحياة مع والده ،كان عليها أن تفكر به ، و بأخوته أولا ، و لكن عوضا علي ذلك ، فضلت الرحيل دون أدني إهتمام بأبنائها ,,
هي إمرأة أنانية ، و تعيسة في الوقت ذاته ، و لكنه لن يستطيع أن يغفر لها حتي و إن كانت علي بعد خطوة واحدة من الموت ، حقا أنه يجد صعوبة في ذلك ...
***********************************************************************************
علي الطرف الأخر ، بقصر الـ"نصار ، في قاعة الجلوس ، إلتف الجميع حول تلك الأريكة الصوفية التي رقدت عليها"كاميليا"فاقدة للوعي ,,
و بعد أن فحصها الطبيب ، هب واقفا بوجه مكفهر ، ثم قال بنبرة مختلجة:
-مدام كاميليا دخلت في Coma cancerous.
تطلع إليه الجميع في تساؤل ، فسارعت"ياسمين"شارحة:
-غيبوبة كانسر يا جماعة.
فإندفع"عمر"متسائلا و القلق يجتاحه:
-طب ايه العمل دلوقتي يا دكتور ؟؟
-لازم تتنقل المستشفي حالا طبعا ، الاصابة مش مؤقتة ، هي عندها ارتفاع عالي في ضغط الدم ، مع تراكم السموم الناتجة عن اللوكيميا لو الدم وصل لخلايا مخها هيدمر نظام التنشيط الشبكي و ده ممكن يسبب ساكتة دماغية هتعرضها للوفاة في الحال.
-وفاة !!
ردد"عمر"بهلع وقد جف حلقه ، وشحب لونه ، ثم عاد يقول:
-لا لا يا دكتور اعمل اي حاجة ، المهم ماما تبقي كويسة.
-يا استاذ عمر والدتك كده كده في عداد الاموات ، احنا مجرد بنكسب شوية وقت مش اكتر.
إشتعلت عينا"عمر"بغضب كجمرتي نار ، فجذب الطبيب من ثيابه صائحا:
-لأ مش هتموت ، هتبقي كويسة ، سامع ، هتبقي كويسة ، و لو جرالها اي حاجة انت اللي هتبقي المسؤول قدامي ، هوديك في داهية.
حاول الجميع تهدئة"عمر"بينما نزع الطبيب يديه عنه بجهد ، ثم قال بلهجة حانقة:
-الاعمار بيد الله يا استاذ عمر ، كل حاجة بأيد ربنا ، و انا بعمل اللي عليا.
ثم تابع بجمود:
-انا هتصل بالمستشفي دلوقتي ، و هستدعي عربية اسعاف عشان تنقل والدتك.
****************************************************************************************
أصرت"ياسمين"علي مرافقة"عمر"إلي المشفي ، كما أصرت أيضا علي المكوث معه لحين يطمئنا علي حالة والدته ,,
بينما إجتمع فريق من الأطباء المختصين بغرفة العناية لترقب حالة"كاميليا" ..
لم يمر وقت كثير و خرج الأطباء جميعهم ، فنهض"عمر"واقفا و علامات القلق تغزو وجهه ، بينما أقبل عليه الطبيب ، ثم مد يده و ربت علي كتفه قائلا بآسف:
-البقاء لله .
كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة ، كما كان وجهه مغمورا بهالة رائعة تتفجر منه القسوة ، فيما إرتسمت علي شفتيه معالم الإزدراء ، و الغطرسة ، ثم هتف بصوت صارم أجش:
-داليا !!
إنتفضت"داليا"علي أثر صوته الغاضب ، فيما كانت الغرفة تسبح في دوامة من الحقد ، و العداء ، و الخوف ، و الترقب ,,,
شعرت"داليا"أن قلبها يكاد يقفز من صدرها و قد رأت"كاميليا"في وضع يائس ، وهي تحدق بإبنها بقوة ، وعزم ..
كانت جميع الأنظار مشدودة إلي"عز الدين"الذي بدا و كأنه سينفجر تحت تأثير مرارته العميقة ، بينما إستجمعت"عبير"شجاعتها دفعة واحدة ، حيث تقدمت خطوة إلي الأمام ، ثم إزدردت ريقها ، وقالت بثبات مرتبك بعض الشيء:
-ارجوك يا عز الدين ، مهما كان شعورك و حجم غضبك ، حاول تتصرف بلطف.
و لكنه لم يلتفت لها ، بل ظل جامدا ، و وجهه صارم للغاية كما هو ، فأدركت"داليا"أن الغضب قد أعماه ، و جعله يصم أذنيه لكل التوسلات ,,
و لأول مرة منذ أن دخل"عز الدين"إلي منزل ، فتحت"كاميليا"فمها ، و قالت موجهة الحديث إلي إبنها:
-انا عارفة انك متضايق من وجودي ، لكن انا صممت اجي بس عشان اشوفك.
ثم تابعت في حزن:
-ايه يا عز الدين ؟ مش هتسلم علي امك ؟؟
أجابها"عز الدين"بصوت كحد السكين:
-اسف حضرتك ، انا ماعرفكيش.
كاد"عمر"يتكلم ، فقاطعته أمه بضمة قوية من يدها ، ثم تركته و خطت في إتجاه"عز الدين"حتي وقفت أمامه ، ثم قالت و قد إرتسمت معالم المرارة علي وجهها:
-انت ابني ، ومهما حصل في الماضي ، انا هفضل امك.
حدجها"عز الدين"في أزدراء متهكم ، ثم قال:
-انا امي ماتت من زمان ، اعذريني يا مدام .. انا ماعرفكيش.
هزت"كاميليا"رأسها في آلم ، ثم رفعت يديها ، و أمسكت بتلابيب قميصه بقبضتيها الضعيفتين ، و إندفعت قائلة بنبرة مرتفعة:
-انت ايه اللي جرالك ؟ انا سيبتك و انت كبير ، انا ماربيتكش علي كده ، جبت القسوة دي منين
؟؟
-ابعدي عني.
صاح غاضبا ، و أزال يديها عنه بقوة ، كان العنف يتدفق من عينيه ، بينما لم يحتمل"عمر"أكثر ، فإندفع نحوهما و تصدر لأخيه في عصبية ، قائلا:
-عز الدين ! كفاية بقي ، انا مش هسمحلك تتمادي اكتر من كده ، دي امي و امك و مش عشان البيت مكتوب باسمك زي باقي الاملاك فهتقدر بالطريقة دي انك تتحكم فينا و في كل حاجة ، انا اللي جبت ماما هنا و آا ...
-بس يا عمر كفاية.
قاطعته"كاميليا"بصوت يائس ، ثم إبتسمت في مرارة قائلة:
-من شابه اباه فما ظلم ، كأني شايفة فريد نصار واقف قدامي دلوقتي.
و ساد سكون رهيب لفترة من الزمن ، قطعته قهقهة صادرة من أعماق"عز الدين"و هو يقول:
-لو كان فريد نصار موجود لحد اللحظة دي ، ماكنتيش قدرتي تخطي خطوة واحدة جوا البيت ده.
أغمضت"كاميليا"عينيها بشدة ، فطاحت دموعها علي خديها غزيرة ، ثم رددت بصوت باكي يفتت الأكباد:
-كنت هتجنن عليك ، كان نفسي اشوفك بأي طريقة.
جاءها صوته عنيفا ساخرا:
-و الله ! طب اديكي شوفتيني ، ياتري كنت استحق كل ده ؟؟
-ايوه.
تمتمت بخفوت و هي ترمقه بنظرة دامعة ، فيما كان الجو شبيها بكابوس مزعج ، و كان يجب وضع حد له ، فإمتثلت"كاميليا"دون إرادة إلي دوار إجتاحها فجأة ، حيث تلاشت الرؤية أمام عينيها بصورة سريعة ، و إنكفأت أرضا علي وجهها ,,,
تسمر"عز الدين"بمكانه ، بينما إلتف الجميع في حلقة حول"كاميليا"و هم يتفحصوها في هلع ..
فيما حاولت"ياسمين"أن تعيدها إلي وعيها دون فائدة ، فأخرج"عمر"هاتفهه و أجري إتصالا بطبيب والدته الخاص ..
***************************************************************************************
لم يذكر كيف أنسل من بينهم فجأة ، لم يذكر كيف خرج من القصر بأكمله حتي ,,
كل ما كان يذكره ، أنه شعر ببركانا هائجا من الغضب كاد ينفجر بداخله في أي لحظة ..
لذا إستقل سيارته ، و إنطلق بها بعيدا وسط ظلمات الليل ، لم يحدد وجهته ، بل مضي بعشوائية علي غير هدي ، ثم فجأة قبض بقوة علي عجلة القيادة ، إذ ومضت بمخيلته الذكريات ، و أخذته إلي اليوم الذي أحدث تغيرا جذريا بحياته ,,
**************************************************************************************
في صباح يوما ما ..
إستيقظ ذلك الفتي ، ذا الثامنة عشر عاما من نومه ، ثم جاب أرجاء المنزل بحثا عن أمه ، حتي وجدها بغرفتها تقف أمام المرآة ، تتبرج ببراعة كعادتها ، تفحصها في دقة بعينيه الماسيتين ، كانت في أزهي حالاتها ، مما أدهشه أن تكون كذلك في وضح النهار ، فدفع باب الحجرة الموارب ، و دلف بخطي بطيئة ,,
فإنتبهت إليه ، حيث شاهدته متقدما نحوها بصورته المنعكسة بالمرآة ، فإبتسمت بعذوبة قائلة:
-اهلا يا استاذ ، لسا صاحي دلوقتي ؟ كويس انك صحيت لوحدك و الا كنت هاجيلك انا اصحيك بنفسي.
بينما تجاهل كلامها ، و سألها في إهتمام:
-انتي لابسة كده علي الصبح و رايحة فين يا ماما ؟؟
تلعثمت قليلا ، ثم عادت تبتسم و هي تقول بثبات:
-رايحة مشوار يا عز الدين ، مش هتأخر يا حبيبي.
-المشوار ده فين يعني ؟؟
-و بعدين معاك.
قالت بحدة مصطنعة ، ثم أرتدت قرطيها ، و إلتفتت إليه متابعة في لطف:
-انت لازم تعرف كل حاجة كده زي ابوك ؟ قلتلك رايحة مشوار صغير و مش هتأخر.
-طب هاجي معاكي.
هتف مقطبا ، فتنهدت أمه بثقل ، و إقتربت منه ، ثم قالت و هي تلامس وجهه الصارم بيدها الناعمة:
-حبيبي ، مامتك مش طفلة ، مش هتخطف يعني.
ثم تابعت باسمة:
-حاسة اني اتجوزتك انت و ابوك و الله ، مش عارفة اخد نفسي منكوا انتوا الاتنين.
ثم قهقهت بغنج و هي تضمه بين ذراعيها بعاطفة أمومية ، و بعدها ذهبت و لم تعد ...
*************************************************************************************
أفاق من شروده و هو يصر علي أسنانه بغضب ، ثم قال في نفسه .. إنها حقا تجيد التمثيل ،تستحق اللقب ، فقد أثبتت براعتها ، عرفت كيف تؤدي دور الكذب ، و الخداع بجدارة ,,
لا زال يؤمن بأنها ما أحبته أو إهتمت لأمره يوما ، عندما قررت أن تتوقف عن مشاطرة الحياة مع والده ،كان عليها أن تفكر به ، و بأخوته أولا ، و لكن عوضا علي ذلك ، فضلت الرحيل دون أدني إهتمام بأبنائها ,,
هي إمرأة أنانية ، و تعيسة في الوقت ذاته ، و لكنه لن يستطيع أن يغفر لها حتي و إن كانت علي بعد خطوة واحدة من الموت ، حقا أنه يجد صعوبة في ذلك ...
***********************************************************************************
علي الطرف الأخر ، بقصر الـ"نصار ، في قاعة الجلوس ، إلتف الجميع حول تلك الأريكة الصوفية التي رقدت عليها"كاميليا"فاقدة للوعي ,,
و بعد أن فحصها الطبيب ، هب واقفا بوجه مكفهر ، ثم قال بنبرة مختلجة:
-مدام كاميليا دخلت في Coma cancerous.
تطلع إليه الجميع في تساؤل ، فسارعت"ياسمين"شارحة:
-غيبوبة كانسر يا جماعة.
فإندفع"عمر"متسائلا و القلق يجتاحه:
-طب ايه العمل دلوقتي يا دكتور ؟؟
-لازم تتنقل المستشفي حالا طبعا ، الاصابة مش مؤقتة ، هي عندها ارتفاع عالي في ضغط الدم ، مع تراكم السموم الناتجة عن اللوكيميا لو الدم وصل لخلايا مخها هيدمر نظام التنشيط الشبكي و ده ممكن يسبب ساكتة دماغية هتعرضها للوفاة في الحال.
-وفاة !!
ردد"عمر"بهلع وقد جف حلقه ، وشحب لونه ، ثم عاد يقول:
-لا لا يا دكتور اعمل اي حاجة ، المهم ماما تبقي كويسة.
-يا استاذ عمر والدتك كده كده في عداد الاموات ، احنا مجرد بنكسب شوية وقت مش اكتر.
إشتعلت عينا"عمر"بغضب كجمرتي نار ، فجذب الطبيب من ثيابه صائحا:
-لأ مش هتموت ، هتبقي كويسة ، سامع ، هتبقي كويسة ، و لو جرالها اي حاجة انت اللي هتبقي المسؤول قدامي ، هوديك في داهية.
حاول الجميع تهدئة"عمر"بينما نزع الطبيب يديه عنه بجهد ، ثم قال بلهجة حانقة:
-الاعمار بيد الله يا استاذ عمر ، كل حاجة بأيد ربنا ، و انا بعمل اللي عليا.
ثم تابع بجمود:
-انا هتصل بالمستشفي دلوقتي ، و هستدعي عربية اسعاف عشان تنقل والدتك.
****************************************************************************************
أصرت"ياسمين"علي مرافقة"عمر"إلي المشفي ، كما أصرت أيضا علي المكوث معه لحين يطمئنا علي حالة والدته ,,
بينما إجتمع فريق من الأطباء المختصين بغرفة العناية لترقب حالة"كاميليا" ..
لم يمر وقت كثير و خرج الأطباء جميعهم ، فنهض"عمر"واقفا و علامات القلق تغزو وجهه ، بينما أقبل عليه الطبيب ، ثم مد يده و ربت علي كتفه قائلا بآسف:
-البقاء لله .
