رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الخامس 5 بقلم مريم غريب
الحلقة (5):
تصفح المجلة متنقلا بنظره بها ، حتي وقعت عيناه علي خبر جمد الدماء بعروقه ..
كان المحتوي كالآتي ، (عادت النجمة السينيمائية"كاميليا فهمي"مجددا و بعد فترة إنقطاع عن الأعمال الفنية ، إلي صدارة إهتمام وسائل الإعلام العربية ، إذ تعرضت لوعكة صحية خطيرة ، و تم نقلها إلي المركز الطبي العالمي ، حيث تعاني من نقص صفائح الدم البيضاء ، و قد تم حجزها في المشفي لتلقي العلاج اللازم حتي تتعافي بشكل كامل ، مع العلم بأن هذه ليست أول وعكة صحية تمر بها"كاميليا فهمي"حيث عانت طوال الفترة الماضية من أكثر من وعكة صحية ، بسبب العملية الجراحية التي خضعت لها منذ أكثر من خمسة عشر عاما ، حيث تم إستئصال الكلية اليسري لها مما أدي إلي تدهور صحتها تدريجيا خلال السنوات الماضية) ...
شحب وجه"عمر"حتي البياض عندما إنتهي من قراءة تلك السطور ، ثم رفع بصره ، و نظر إلي"ياسمين"التي رمقته بغضب شديد ، ساد الصمت دقائق قليلة ، حتي قطعته"ياسمين"قائلة بجمود:
-شفت القسوة بتاعتك عملت ايه ؟ امك في محنة كبيرة و كانت محتجالك تكون جنبها ، امك بتموت يا عمر !!
هتفت جملتها الأخيرة بإنفعال حانق ، ثم سألته مستنكرة:
-هتسيبها لوحدها ؟؟
قطب"عمر"حاجبيه ، و قد إكتسي وجهه بالآلم العميق ، كما دمعت عيناه أيضا ، فهو حقا يحب والدته كثيرا ، و في الوقت ذاته يمقتها بسبب أفعالها المخزية ، كان يعتقد كل تلك الفترة بأنه نجح في أن يكرهها للأبد كما فعل شقيقه منذ سنوات طويلة ، و لكن هذا الخبر الذي شاهده بأم عينه توا ، هوي عليه كما الصفعة ، فأفاق و تلاشت القسوة التي شعر بها تجاه أمه سريعا ... :
-رد عليا .. هتسيبها لوحدها ؟؟
عادت"ياسمين"تسأله مجددا ، فراح يحدق بها صامتا ...
****************************************************************
في الصباح التالي ..
أفاق"عدنان"باكرا جدا ، و شعرت"داليا"بإرتياح لعودتها إلي المنزل ، فنهضت من فراشها متكاسلة بعد أن إكتشفت ذهاب"عز الدين"إلي العمل ، ثم راحت تبدأ يومها و إنصرفت إلي القيام بمهماتها الإعتيادية ، و لكن عقلها و ذهنها كانا منصبين علي إبنها ، لذلك لم تهتم بشيء أخر أكثر منه ، و بعدما غسلته ، و أطعمته ، نزلت إلي بهو القصر ، ثم خرجت به إلي نزهة في الحديقة المحيطة بالمنزل ، حيث الأزهار المرطبة بالندي تملأ المكان ، و يفوح أريجها النفاذ بقوة ، لم يكن هناك وجود لأحد ، فراحت"داليا"تفكر بهدوء في أحداث الأيام الأربع الماضية و الإبتسامة تملأ وجهها ، فقد إستمتعت كثيرا ، و قد عوضها"عز الدين"بعض التقصير ، و عادت مليئة بالطاقة الإيجابية ، و الحيوية ، و السرور ..
و بينما كانت تسترسل في تخيلاتها ، أفاقت منتفضة علي صوت بكاء"عدنان" فصوبت إنتباهها كله عليه ، و راحت تهدهده ، و تتحدث إليه بلطف ، و لكن دون فائدة ، ظل يبكي ، و إزدادت حدة صراخه ، فقطبت"داليا"حاجبيها في قلق قائلة:
-ايه يا حبيبي ؟ مالك بس في ايه ؟؟
جرت الدموع غزيرة علي خديه الناعمين المملؤين ، فمدت"داليا"يدها و إزالت دموعه بكفها ، فإنتبهت بذعر إلي حرارته العالية ، و راحت تتلمسه ، و تتحسسه أكثر ، فتأكدت من إرتفاع درجة حرارته ، و فكرت في وجل ماذا تفعل ، فقفزت صورة"عز الدين"في الحال برأسها ...
فشددت ذراعيها حول"عدنان"و هرولت به إلي داخل المنزل مسرعة ، ثم إلي غرفتها حيث تركت هاتفهها ، أجرت الإتصال بمكتب زوجها ..
و بعد لحظات ، أتاها صوت أنثوي ناعم عرفته فورا:
-النصار جروب للنقل البحري الو !
باغتتها"داليا"في سرعة و هي تشعر بالتوتر و العصبية قائلة:
-وصليني بمديرك بسرعة لو سمحتي.
-عفوا بس ، حضرتك تبقي مين ؟؟
سألت الفتاة في إستنكار شوبه التهكم ، فأجابت"داليا"بجمود حانق:
-انا مراته.
تلعثمت الفتاة قليلا ، و قالت:
-اهلا بحضرتك يا مدام ، هو بس مستر عز الدين في اجتماع دلوقتي ، لو حابة تسيبيله اي رسالة انا ممكن ابلغهاله بعد الاجتماع علطول.
-بقولك وصليني بيه حالا انا هبلغه الرسالة بنفسي.
قالت"داليا"بعصبية ، فأجابت الفتاة بصوت مرتبك:
-يا مدام بقول لحضرتك مستر عز الدين في اجتماع مع اهم عميلة عندنا في الشركة.
-في اجتماع مع اهم عميلة ؟!
هتفت"داليا"مقطبة ، و ساورتها الشكوك ، فسألتها مترقبة:
-هي مين ؟ اسمها ايه ؟؟
-ميس جومانة خطاب.
تردد صدي الإسم بأذن"داليا"التي داهمتها الأفكار سريعا ، فأفاقت علي صوت الفتاة التي سألتها:
-تحبي حضرتك تسيبله اي رسالة ؟؟
-لأ شكرا.
أجابتها"داليا"بخفوت ، ثم أغلقت الهاتف في هدوء ، و عادت تهتم بإبنها ، و حاولت بشتي الطرق إخفاض حرارته ، و لكن دون جدوي ، فإرتدت ثيابها متعجلة ، ثم أخذته بين ذراعيه ، و ذهبت به إلي طبيبه الخاص ...
**************************************************************
-هو ده البيت ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك متسائلة ، و هي تشير نحو تلك الڤيلا الصغيرة ، بينما أجابها"عمر"الذي كان يجلس بسيارته إلي جانبها:
-ايوه هو.
إدارت رأسها إليه ، ثم قالت:
-طب يلا.
إذدرد"عمر"ريقه بتوتر ، ثم إنصاع لها ، و خرج من السيارة ، فترجلت"ياسمين"بدورها ، و تقدمته متوجهة نحو باب المنزل ..
طرقت الباب ، ثم ضغطت زر الجرس عدة مرات ، حتي فتحت لهما الوصيفة الشابة بوجه ذابل إكتسحه الحزن ، حتي إنها ما أن رأت رأس"عمر"الذي يطل من فوق كتف"ياسمين"هربت الدموع من عينيها و راحت تجهش بالبكاء ، ثم خاطبته بعتاب:
-كنت فين طول الفترة اللي فاتت يا عمر بيه ؟ معقول ماكنتش تعرف اللي حصل للست كاميليا ؟؟
إزدادت سرعة تنفسه ، فشعرت به"ياسمين"و قالت موجهة كلامها إلي الوصيفة:
-هي فين والدته لو سمحتي ؟ هنا في البيت و لا لسا في المستشفي ؟؟
أجابتها الفتاة و هي عاجزة السيطرة علي دموعها:
-لأ الهانم هنا في البيت ، رجعت من المستشفي اول امبارح.
أومأت"ياسمين"رأسها ، ثم طلبت منها أن ترشدهما إلي غرفة السيدة ، فتولي"عمر"تلك المهمة و قادها إلي غرفة أمه بخطي ثقيلة ، بينما ذهبت الوصيفة تعد لهما مشوربا ...
دخل"عمر"غرفة والدته ، تتبعه"ياسمين"فيما إتضح لهما أن السيدة لم تكن وحيدة تماما ، إذ كانت هناك فتاة عرفت"ياسمين"في الحال أنها ممرضة رافقت السيدة"كاميليا"إلي منزلها كي تعتني بها ، و بينما كانت"ياسمين"تستفسر منها عن حالة المريضة ، سحب"عمر"مقعدا ، و جلس إلي جوار أمه ، ثم إقترب من الفراش ، حيث كانت السيدة"كاميليا"ضئيلة للغاية ، شاحبة الوجه ، و تائهة بتأثير المخدر الذي أعطي لها منذ قليل ليساعدها علي النوم دون آلم ..
و كانت أهدابها الطويلة ترسم خطين داكنين فوق وجنتيها ، و شعرها الأسود الكثيف الناعم ، منتشر علي وسادتها البيضاء بفوضوية ، رغم أن معالم الإعياء ظاهرة بشكل كبير علي محياها ، إلا أنها لا زالت"كاميليا فهمي"تلك المرأة الفاتنة ، التي أدهشت الجميع بجمالها الأخاذ ، و روعة أدائها الفني ...
و بعد أن قضي"عمر"عدة دقائق في تأمل وجه أمه الذابل كالورد ، كان السكون في الغرفة شاملا ، إذ كفت"ياسمين"عن إستجواب الممرضة ، و حينئذ إلتفتت"عمر"إليها ، ثم راح يسألها و الحزن يملأ عينيه:
-مالها يا ياسمين ؟ عندها ايه بالظبط ؟ حالتها مستقرة ؟؟
توترت"ياسمين"و لم تعرف كيف تجيبه ، أو تشرح له الأمر ، بينما إندفعت الممرضة فجأة قائلة:
-من فضلكوا ممكن تسيبوا الاوضة شوية ؟ المدام نايمة دلوقتي تحت تأثير المخدر و مش هتصحي قبل 4 ساعات.
إغتنمت"ياسمين"الفرصة ، فوافقت و أمسكت بيد"عمر"و قادته إلي خارج الغرفة ، فضغط هو علي مرفقها و أوقفها بالردهة المؤدية إلي الدرج ، ثم عاد يسألها:
-الممرضة قالتلك ايه با ياسمين ؟ هي هتبقي كويسة صح ؟؟
قضمت"ياسمين"شفتها بقوة ، ثم صمتت قليلا ، و تحت نظراته الملحة ، أجابته بخفوت:
-امك .. هتموت يا عمر.
صدمته الكلمة ، و نظر إليها فاغرا فاهه ، فسارعت تشرح له:
-هي مريضة باللوكيميا ، سرطان النخاع العظمي .. بقالها 3 سنين و ماكنتش تعرف لانه مرض عضال محدش بيكتشفه الا بعد فوات الاوان.
هز رأسه رافضا ، ثم سألها:
-اكيد في علاج صح ؟ لو مش هنا يبقي برا آا ..
-لأ يا عمر.
قاطعته"ياسمين"بإشفاق ، ثم تابعت:
-سرطان النخاع العظمي مابيتعلجش لو فات عليه اكتر من سنة .. امك عندها فقر دم شديد و لما سألت الممرضة قالتلي الدكتور بتاعها متوقع انها ممكن تفضل عايشة لشهر او شهرين كحد اقصي.
توالت الصدمات علي عقل"عمر"فحطمت صموده ، و شعر بالدموع تتجمع بمآقيه ، و أدرك بذعر ما معني هذا الكلام ، ستفارقه أمه الحنونة ، التي أغدقت عليه وحده حنانها و عطفها من دون أشقائه ، إضطربت أنفاسه ، ثم هبطت دموعه غزيرة ، فتأثرت"ياسمين"و إقتربت منه ، ثم مدت يدها و ربتت علي كتفه بحنو ،و راحت تواسيه بلطف ...
*****************************************************************
كان"عز الدين"منهمك في مباشرة أعماله ، عندما دلف إليه"خالد"مقطبا ، عابس الوجه ، فرفع"عز الدين"بصره عن الأوراق ، و نظر إليه .. :
-خد .. دي شيكات للبنك عايزة تتمضي ، و ده ورق مستحقات العاملين اللي طلعوا معاش السنة دي ، عايز امضي بردو.
قال"خالد"ذلك و هو يناوله بعد المجلدات و الملفات ، بينما لاحظ"عز الدين"مزاجه السيء ، فصمت قليلا ، ثم دعاه للجلوس قائلا:
-اقعد يا خالد .. عايز اتكلم معاك شوية.
هز"خالد"رأسه عابسا ، و قال:
-مش فاضي يا عز ، ورايا شغل كتير.
-الشغل يستني .. اقعد.
قال"عز الدين"في هدوء حازم ، فحاول"خالد"الإعتراض مجددا ، فأخمد"عز الدين"إعتراضه بقوله:
-انا صاحب الشغل و بقولك اقعد.
جلس"خالد"علي مضض ، و لم ينظر إليه ، فسأله"عز الدين":
-ايه بقي ! مالك ؟؟
-مالي يعني ايه مش فاهم ؟؟
هز"عز الدين"كتفيه ، و أجابه:
-بقالك فترة مش مظبوط.
ثم إتبع إسلوبه الماكر ، و سأله:
-متضايق من حاجة ؟؟
تأفف"خالد"في ضيق ، و قال:
-انا مش متضايق من حاجة يا عز الدين ، قصر انت بس و قول عايز ايه عشان اروح اكمل شغلي.
-طب مالك منفعل كده ليه يا خالد ؟؟
سأله بهدوء ، فتضاعفت عصبية"خالد"الذي نجح في كبح جام غضبه بأعجوبة ، و قال:
-مش منفعل و لا حاجة.
إبتسم"عز الدين"بخفة ، ثم تنهد و قال:
-طيب ما تيجي تروح معايا و تقضي اليوم معانا في البيت ، بقالك كتير ماجيتش.
رفض"خالد"بجفاف قائلا:
-لأ.
أومأ"عز الدين"رأسه مرارا ، فيما كان يعاينه بتسلية ، ثم عاد يقول:
-طيب مش هتيجي تاخد عبير بقي ؟؟
أجابه"خالد"مقطبا:
-لما تطلب هي ترجع البيت ، هبقي اجي اخدها.
ثم هب واقفا ، و غادر المكتب مسرعا ، بينما إبتسم"عز الدين"ثم عاد إلي مباشرة أعماله مجددا ...
****************************************************************
-و انتي عاملة ايه في الدراسة بقي ؟؟
قالت"ريم"ذلك و هي تخاطب"عبير"هاتفيا ، فأجابتها"عبير"بنبرة مسرورة:
-الحمدلله تمام اوي لحد دلوقتي ، ادعيلي انتي بس.
-ان شاء الله يا حبيبتي ربنا هيوفقك و هتتخرجي علي خير و بإمتياز كمان.
-يا رب يا ريم.
قالت"عبير"باسمة ، فإنتظرت"ريم"ثوان ، ثم سألتها:
-لسا مارجعتيش بيتك بردو يا عبير ؟؟
زفرت"عبير"في إنزعاج ، و قالت:
-ريم انا مش شرحتلك الوضع قبل كده ؟؟
-اصل يا عبير آا ...
-خلاص بقي.
قاطعتها"عبير"بلطف حازم ، فتنهدت"ريم" ثم قالت:
-ماشي يا ستي .. براحتك.
ثم سألتها:
-المهم قوليلي ، الدفعة الجديدة في كلية و الناس اللي هناك كلهم بيتعاملوا معاكي ازاي ؟؟
-كلهم لطاف اوي و الله يا ريم.
-و الدكاترة ايه اخبارهم ؟ كويسين معاكي ؟؟
-اه كويسين ، و بشهادة دكتور امجد بقيت طالبة متفوقة.
قالت"عبير"ضاحكة ، فباغتتها"ريم"مسرعة:
-دكتور امجد صحيح فكرتيني .. ده كان واخد رقمك مني السنة اللي فاتت ايام الامتحانات.
-اخد رقمي منك ؟؟
هتفت"عبير"مقطبة ، ثم سألتها:
-ليه ؟؟
-اصل انا اللي بررت غيابك و اعتذارك عن الامتحانات ، يعني قلت انك تعبانة اوي و كده و مش هتقدري تمتحني ، فهو طلب مني رقمك عشان يتصل يسأل عليكي.
إنتهت"ريم"من سرد التفاصيل ، ثم سألتها:
-هو ماكلمكيش و لا ايه ؟؟
-لأ.
أجابتها"عبير"مقطبة ، و هي تفكر في إستغراب بفعل الدكتور"أمجد" ...
*****************************************************************
عادت"داليا"بإبنها إلي المنزل بعد أن إطمئنت عليه ، و جلبت له الأدوية اللازمة التي كتبها الطبيب الذي وضع له أيضا خطة علاج ، بعد أن قام بالكشف عليه ، و إتضح أنه يعاني إلتهابات الحلق التي أدت إلي إرتفاع درجة حرارته ...
وصلت"داليا"بالصبي إلي المنزل نحو غروب الشمس ، و قد تأخرت هكذا بسبب أزمة المرور في الذهاب إلي قلب المدينة ، و العودة منها مجددا ...
و عندما وصلت أمام غرفتها ، ما كادت تدير المقبض ، حتي إنفتح باب الغرفة بعنف ، و ظهر"عز الدين"من ورائه ، و بعصبية حرك يده في شعره ، و قال بلهجة عاصفة:
-كنتي فين ؟؟
تصفح المجلة متنقلا بنظره بها ، حتي وقعت عيناه علي خبر جمد الدماء بعروقه ..
كان المحتوي كالآتي ، (عادت النجمة السينيمائية"كاميليا فهمي"مجددا و بعد فترة إنقطاع عن الأعمال الفنية ، إلي صدارة إهتمام وسائل الإعلام العربية ، إذ تعرضت لوعكة صحية خطيرة ، و تم نقلها إلي المركز الطبي العالمي ، حيث تعاني من نقص صفائح الدم البيضاء ، و قد تم حجزها في المشفي لتلقي العلاج اللازم حتي تتعافي بشكل كامل ، مع العلم بأن هذه ليست أول وعكة صحية تمر بها"كاميليا فهمي"حيث عانت طوال الفترة الماضية من أكثر من وعكة صحية ، بسبب العملية الجراحية التي خضعت لها منذ أكثر من خمسة عشر عاما ، حيث تم إستئصال الكلية اليسري لها مما أدي إلي تدهور صحتها تدريجيا خلال السنوات الماضية) ...
شحب وجه"عمر"حتي البياض عندما إنتهي من قراءة تلك السطور ، ثم رفع بصره ، و نظر إلي"ياسمين"التي رمقته بغضب شديد ، ساد الصمت دقائق قليلة ، حتي قطعته"ياسمين"قائلة بجمود:
-شفت القسوة بتاعتك عملت ايه ؟ امك في محنة كبيرة و كانت محتجالك تكون جنبها ، امك بتموت يا عمر !!
هتفت جملتها الأخيرة بإنفعال حانق ، ثم سألته مستنكرة:
-هتسيبها لوحدها ؟؟
قطب"عمر"حاجبيه ، و قد إكتسي وجهه بالآلم العميق ، كما دمعت عيناه أيضا ، فهو حقا يحب والدته كثيرا ، و في الوقت ذاته يمقتها بسبب أفعالها المخزية ، كان يعتقد كل تلك الفترة بأنه نجح في أن يكرهها للأبد كما فعل شقيقه منذ سنوات طويلة ، و لكن هذا الخبر الذي شاهده بأم عينه توا ، هوي عليه كما الصفعة ، فأفاق و تلاشت القسوة التي شعر بها تجاه أمه سريعا ... :
-رد عليا .. هتسيبها لوحدها ؟؟
عادت"ياسمين"تسأله مجددا ، فراح يحدق بها صامتا ...
****************************************************************
في الصباح التالي ..
أفاق"عدنان"باكرا جدا ، و شعرت"داليا"بإرتياح لعودتها إلي المنزل ، فنهضت من فراشها متكاسلة بعد أن إكتشفت ذهاب"عز الدين"إلي العمل ، ثم راحت تبدأ يومها و إنصرفت إلي القيام بمهماتها الإعتيادية ، و لكن عقلها و ذهنها كانا منصبين علي إبنها ، لذلك لم تهتم بشيء أخر أكثر منه ، و بعدما غسلته ، و أطعمته ، نزلت إلي بهو القصر ، ثم خرجت به إلي نزهة في الحديقة المحيطة بالمنزل ، حيث الأزهار المرطبة بالندي تملأ المكان ، و يفوح أريجها النفاذ بقوة ، لم يكن هناك وجود لأحد ، فراحت"داليا"تفكر بهدوء في أحداث الأيام الأربع الماضية و الإبتسامة تملأ وجهها ، فقد إستمتعت كثيرا ، و قد عوضها"عز الدين"بعض التقصير ، و عادت مليئة بالطاقة الإيجابية ، و الحيوية ، و السرور ..
و بينما كانت تسترسل في تخيلاتها ، أفاقت منتفضة علي صوت بكاء"عدنان" فصوبت إنتباهها كله عليه ، و راحت تهدهده ، و تتحدث إليه بلطف ، و لكن دون فائدة ، ظل يبكي ، و إزدادت حدة صراخه ، فقطبت"داليا"حاجبيها في قلق قائلة:
-ايه يا حبيبي ؟ مالك بس في ايه ؟؟
جرت الدموع غزيرة علي خديه الناعمين المملؤين ، فمدت"داليا"يدها و إزالت دموعه بكفها ، فإنتبهت بذعر إلي حرارته العالية ، و راحت تتلمسه ، و تتحسسه أكثر ، فتأكدت من إرتفاع درجة حرارته ، و فكرت في وجل ماذا تفعل ، فقفزت صورة"عز الدين"في الحال برأسها ...
فشددت ذراعيها حول"عدنان"و هرولت به إلي داخل المنزل مسرعة ، ثم إلي غرفتها حيث تركت هاتفهها ، أجرت الإتصال بمكتب زوجها ..
و بعد لحظات ، أتاها صوت أنثوي ناعم عرفته فورا:
-النصار جروب للنقل البحري الو !
باغتتها"داليا"في سرعة و هي تشعر بالتوتر و العصبية قائلة:
-وصليني بمديرك بسرعة لو سمحتي.
-عفوا بس ، حضرتك تبقي مين ؟؟
سألت الفتاة في إستنكار شوبه التهكم ، فأجابت"داليا"بجمود حانق:
-انا مراته.
تلعثمت الفتاة قليلا ، و قالت:
-اهلا بحضرتك يا مدام ، هو بس مستر عز الدين في اجتماع دلوقتي ، لو حابة تسيبيله اي رسالة انا ممكن ابلغهاله بعد الاجتماع علطول.
-بقولك وصليني بيه حالا انا هبلغه الرسالة بنفسي.
قالت"داليا"بعصبية ، فأجابت الفتاة بصوت مرتبك:
-يا مدام بقول لحضرتك مستر عز الدين في اجتماع مع اهم عميلة عندنا في الشركة.
-في اجتماع مع اهم عميلة ؟!
هتفت"داليا"مقطبة ، و ساورتها الشكوك ، فسألتها مترقبة:
-هي مين ؟ اسمها ايه ؟؟
-ميس جومانة خطاب.
تردد صدي الإسم بأذن"داليا"التي داهمتها الأفكار سريعا ، فأفاقت علي صوت الفتاة التي سألتها:
-تحبي حضرتك تسيبله اي رسالة ؟؟
-لأ شكرا.
أجابتها"داليا"بخفوت ، ثم أغلقت الهاتف في هدوء ، و عادت تهتم بإبنها ، و حاولت بشتي الطرق إخفاض حرارته ، و لكن دون جدوي ، فإرتدت ثيابها متعجلة ، ثم أخذته بين ذراعيه ، و ذهبت به إلي طبيبه الخاص ...
**************************************************************
-هو ده البيت ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك متسائلة ، و هي تشير نحو تلك الڤيلا الصغيرة ، بينما أجابها"عمر"الذي كان يجلس بسيارته إلي جانبها:
-ايوه هو.
إدارت رأسها إليه ، ثم قالت:
-طب يلا.
إذدرد"عمر"ريقه بتوتر ، ثم إنصاع لها ، و خرج من السيارة ، فترجلت"ياسمين"بدورها ، و تقدمته متوجهة نحو باب المنزل ..
طرقت الباب ، ثم ضغطت زر الجرس عدة مرات ، حتي فتحت لهما الوصيفة الشابة بوجه ذابل إكتسحه الحزن ، حتي إنها ما أن رأت رأس"عمر"الذي يطل من فوق كتف"ياسمين"هربت الدموع من عينيها و راحت تجهش بالبكاء ، ثم خاطبته بعتاب:
-كنت فين طول الفترة اللي فاتت يا عمر بيه ؟ معقول ماكنتش تعرف اللي حصل للست كاميليا ؟؟
إزدادت سرعة تنفسه ، فشعرت به"ياسمين"و قالت موجهة كلامها إلي الوصيفة:
-هي فين والدته لو سمحتي ؟ هنا في البيت و لا لسا في المستشفي ؟؟
أجابتها الفتاة و هي عاجزة السيطرة علي دموعها:
-لأ الهانم هنا في البيت ، رجعت من المستشفي اول امبارح.
أومأت"ياسمين"رأسها ، ثم طلبت منها أن ترشدهما إلي غرفة السيدة ، فتولي"عمر"تلك المهمة و قادها إلي غرفة أمه بخطي ثقيلة ، بينما ذهبت الوصيفة تعد لهما مشوربا ...
دخل"عمر"غرفة والدته ، تتبعه"ياسمين"فيما إتضح لهما أن السيدة لم تكن وحيدة تماما ، إذ كانت هناك فتاة عرفت"ياسمين"في الحال أنها ممرضة رافقت السيدة"كاميليا"إلي منزلها كي تعتني بها ، و بينما كانت"ياسمين"تستفسر منها عن حالة المريضة ، سحب"عمر"مقعدا ، و جلس إلي جوار أمه ، ثم إقترب من الفراش ، حيث كانت السيدة"كاميليا"ضئيلة للغاية ، شاحبة الوجه ، و تائهة بتأثير المخدر الذي أعطي لها منذ قليل ليساعدها علي النوم دون آلم ..
و كانت أهدابها الطويلة ترسم خطين داكنين فوق وجنتيها ، و شعرها الأسود الكثيف الناعم ، منتشر علي وسادتها البيضاء بفوضوية ، رغم أن معالم الإعياء ظاهرة بشكل كبير علي محياها ، إلا أنها لا زالت"كاميليا فهمي"تلك المرأة الفاتنة ، التي أدهشت الجميع بجمالها الأخاذ ، و روعة أدائها الفني ...
و بعد أن قضي"عمر"عدة دقائق في تأمل وجه أمه الذابل كالورد ، كان السكون في الغرفة شاملا ، إذ كفت"ياسمين"عن إستجواب الممرضة ، و حينئذ إلتفتت"عمر"إليها ، ثم راح يسألها و الحزن يملأ عينيه:
-مالها يا ياسمين ؟ عندها ايه بالظبط ؟ حالتها مستقرة ؟؟
توترت"ياسمين"و لم تعرف كيف تجيبه ، أو تشرح له الأمر ، بينما إندفعت الممرضة فجأة قائلة:
-من فضلكوا ممكن تسيبوا الاوضة شوية ؟ المدام نايمة دلوقتي تحت تأثير المخدر و مش هتصحي قبل 4 ساعات.
إغتنمت"ياسمين"الفرصة ، فوافقت و أمسكت بيد"عمر"و قادته إلي خارج الغرفة ، فضغط هو علي مرفقها و أوقفها بالردهة المؤدية إلي الدرج ، ثم عاد يسألها:
-الممرضة قالتلك ايه با ياسمين ؟ هي هتبقي كويسة صح ؟؟
قضمت"ياسمين"شفتها بقوة ، ثم صمتت قليلا ، و تحت نظراته الملحة ، أجابته بخفوت:
-امك .. هتموت يا عمر.
صدمته الكلمة ، و نظر إليها فاغرا فاهه ، فسارعت تشرح له:
-هي مريضة باللوكيميا ، سرطان النخاع العظمي .. بقالها 3 سنين و ماكنتش تعرف لانه مرض عضال محدش بيكتشفه الا بعد فوات الاوان.
هز رأسه رافضا ، ثم سألها:
-اكيد في علاج صح ؟ لو مش هنا يبقي برا آا ..
-لأ يا عمر.
قاطعته"ياسمين"بإشفاق ، ثم تابعت:
-سرطان النخاع العظمي مابيتعلجش لو فات عليه اكتر من سنة .. امك عندها فقر دم شديد و لما سألت الممرضة قالتلي الدكتور بتاعها متوقع انها ممكن تفضل عايشة لشهر او شهرين كحد اقصي.
توالت الصدمات علي عقل"عمر"فحطمت صموده ، و شعر بالدموع تتجمع بمآقيه ، و أدرك بذعر ما معني هذا الكلام ، ستفارقه أمه الحنونة ، التي أغدقت عليه وحده حنانها و عطفها من دون أشقائه ، إضطربت أنفاسه ، ثم هبطت دموعه غزيرة ، فتأثرت"ياسمين"و إقتربت منه ، ثم مدت يدها و ربتت علي كتفه بحنو ،و راحت تواسيه بلطف ...
*****************************************************************
كان"عز الدين"منهمك في مباشرة أعماله ، عندما دلف إليه"خالد"مقطبا ، عابس الوجه ، فرفع"عز الدين"بصره عن الأوراق ، و نظر إليه .. :
-خد .. دي شيكات للبنك عايزة تتمضي ، و ده ورق مستحقات العاملين اللي طلعوا معاش السنة دي ، عايز امضي بردو.
قال"خالد"ذلك و هو يناوله بعد المجلدات و الملفات ، بينما لاحظ"عز الدين"مزاجه السيء ، فصمت قليلا ، ثم دعاه للجلوس قائلا:
-اقعد يا خالد .. عايز اتكلم معاك شوية.
هز"خالد"رأسه عابسا ، و قال:
-مش فاضي يا عز ، ورايا شغل كتير.
-الشغل يستني .. اقعد.
قال"عز الدين"في هدوء حازم ، فحاول"خالد"الإعتراض مجددا ، فأخمد"عز الدين"إعتراضه بقوله:
-انا صاحب الشغل و بقولك اقعد.
جلس"خالد"علي مضض ، و لم ينظر إليه ، فسأله"عز الدين":
-ايه بقي ! مالك ؟؟
-مالي يعني ايه مش فاهم ؟؟
هز"عز الدين"كتفيه ، و أجابه:
-بقالك فترة مش مظبوط.
ثم إتبع إسلوبه الماكر ، و سأله:
-متضايق من حاجة ؟؟
تأفف"خالد"في ضيق ، و قال:
-انا مش متضايق من حاجة يا عز الدين ، قصر انت بس و قول عايز ايه عشان اروح اكمل شغلي.
-طب مالك منفعل كده ليه يا خالد ؟؟
سأله بهدوء ، فتضاعفت عصبية"خالد"الذي نجح في كبح جام غضبه بأعجوبة ، و قال:
-مش منفعل و لا حاجة.
إبتسم"عز الدين"بخفة ، ثم تنهد و قال:
-طيب ما تيجي تروح معايا و تقضي اليوم معانا في البيت ، بقالك كتير ماجيتش.
رفض"خالد"بجفاف قائلا:
-لأ.
أومأ"عز الدين"رأسه مرارا ، فيما كان يعاينه بتسلية ، ثم عاد يقول:
-طيب مش هتيجي تاخد عبير بقي ؟؟
أجابه"خالد"مقطبا:
-لما تطلب هي ترجع البيت ، هبقي اجي اخدها.
ثم هب واقفا ، و غادر المكتب مسرعا ، بينما إبتسم"عز الدين"ثم عاد إلي مباشرة أعماله مجددا ...
****************************************************************
-و انتي عاملة ايه في الدراسة بقي ؟؟
قالت"ريم"ذلك و هي تخاطب"عبير"هاتفيا ، فأجابتها"عبير"بنبرة مسرورة:
-الحمدلله تمام اوي لحد دلوقتي ، ادعيلي انتي بس.
-ان شاء الله يا حبيبتي ربنا هيوفقك و هتتخرجي علي خير و بإمتياز كمان.
-يا رب يا ريم.
قالت"عبير"باسمة ، فإنتظرت"ريم"ثوان ، ثم سألتها:
-لسا مارجعتيش بيتك بردو يا عبير ؟؟
زفرت"عبير"في إنزعاج ، و قالت:
-ريم انا مش شرحتلك الوضع قبل كده ؟؟
-اصل يا عبير آا ...
-خلاص بقي.
قاطعتها"عبير"بلطف حازم ، فتنهدت"ريم" ثم قالت:
-ماشي يا ستي .. براحتك.
ثم سألتها:
-المهم قوليلي ، الدفعة الجديدة في كلية و الناس اللي هناك كلهم بيتعاملوا معاكي ازاي ؟؟
-كلهم لطاف اوي و الله يا ريم.
-و الدكاترة ايه اخبارهم ؟ كويسين معاكي ؟؟
-اه كويسين ، و بشهادة دكتور امجد بقيت طالبة متفوقة.
قالت"عبير"ضاحكة ، فباغتتها"ريم"مسرعة:
-دكتور امجد صحيح فكرتيني .. ده كان واخد رقمك مني السنة اللي فاتت ايام الامتحانات.
-اخد رقمي منك ؟؟
هتفت"عبير"مقطبة ، ثم سألتها:
-ليه ؟؟
-اصل انا اللي بررت غيابك و اعتذارك عن الامتحانات ، يعني قلت انك تعبانة اوي و كده و مش هتقدري تمتحني ، فهو طلب مني رقمك عشان يتصل يسأل عليكي.
إنتهت"ريم"من سرد التفاصيل ، ثم سألتها:
-هو ماكلمكيش و لا ايه ؟؟
-لأ.
أجابتها"عبير"مقطبة ، و هي تفكر في إستغراب بفعل الدكتور"أمجد" ...
*****************************************************************
عادت"داليا"بإبنها إلي المنزل بعد أن إطمئنت عليه ، و جلبت له الأدوية اللازمة التي كتبها الطبيب الذي وضع له أيضا خطة علاج ، بعد أن قام بالكشف عليه ، و إتضح أنه يعاني إلتهابات الحلق التي أدت إلي إرتفاع درجة حرارته ...
وصلت"داليا"بالصبي إلي المنزل نحو غروب الشمس ، و قد تأخرت هكذا بسبب أزمة المرور في الذهاب إلي قلب المدينة ، و العودة منها مجددا ...
و عندما وصلت أمام غرفتها ، ما كادت تدير المقبض ، حتي إنفتح باب الغرفة بعنف ، و ظهر"عز الدين"من ورائه ، و بعصبية حرك يده في شعره ، و قال بلهجة عاصفة:
-كنتي فين ؟؟
