رواية قطة في وادي الذئاب الفصل التاسع عشر 19 والاخير بقلم اسراء عبدالقادر
خاتمة الجزء الأول من (رواية قطة فى وادي الذئاب)
_ دي فلوس سهم الشركة اللي سددتها زينة امبارح يا سفيان بيه
قالها عمار و هو ينظر إلى كلتا الحقيبتين أمامه موجها حديثه إلى هذا الرجل الثلاثيني المدير ظهره إليه ينظر عبر النافذة الزجاجية الكبيرة ، استدار ما ان انتهى عمار من الكلام و ابتسامة هادئة يغلفها الانتصار مرتسمة على وجهه حيث يضع يده بجيب بنطاله الأسود و هو يقترب بخطى ثابتة من عمار و ميرا اللذان يقفا عند المكتب باحترام يحدِّقان فيه ، ما أن صار مقابلهم حتى أكملت ميرا تقول:
_ و زينة كمان أخدت حقها بكل ذكاء ، هي حاليا في الصعيد و هترجع كمان أسبوعين
نطق يقول بشئ من الامتنان:
_ شكرا ليكم يا شباب لولاكم و لولا مجهودكم معاها ماكانتش وصلت للي وصلت له
ثم التفت إلى الواقف على الجهة الأخرى يزيد عنه في العمر بسنوات يرتدي ملابس رسمية مماثلة ، قال آمرا:
_ مراد
كلمة أبرك من جريدة ، حيث فهم من نطق الاسم مع نظرته ما يرمي إليه فورا ، فأمسك بحقيبتين سوداوتين ثم مدهما إليهما قائلا:
_ اتفضلوا ، عشرة مليون جنيه بعد ما نفذتوا صح
عبست ميرا بين حاجبيها بحزن و هي تقول:
_ بس يا أستاذ مراد أنا عملت اللي عليا و أكتر عشانها بعد ما أخويا غلط معاها و سبِّب بكل اللي حصل ده ، و لولا تعبي فترة حادثتها ماكنتش سمحت انها تقع بين إيدين أكمل و رزان!
اقترب منها سفيان أكثر حتى صار أمامها ثم أكمل ببساطة:
_ ماتحمليش نفسك ذنب اللي حصل يا آنسة ميرا ، إنتي حاولتي و راقبتيها ، و ماقدرش الومك وقت الغيبوبة اللي حصلت معاكي ربنا يشفيكي ، و اعتبري المبلغ ده هدية جوازكم مش اتفاق يا ستي
هدأت تقلصات ملامحها قليلا بعدما سرت عينيها بكلا الاتجاهين بتوتر بينما يردف عمار بنبرة جدية تخفي حنقا و ضيقا:
_ إنما انا عايز أسألك يا أستاذ سفيان ، ليه ماظهرتش إنت قدامها يوم المستشفى
التفت إليه سفيان برأسه دون حركة و قد تجهمت ملامحه بينما أكمل عمار:
_ ليه ماقلتلهاش إن انت اللي أنقذتها من الدياب وقتها و خليتني أنا قلت كدة؟ ، ليه ما عرفتهاش إن سهم الشركة اللي اشترته ده يخصك إنت مش أنا؟ ، ليه ماتكلمتش انت معاها عن الانتقام بدل ما بعتنا احنا؟
أكملت ميرا عنه و هي تقول باستفهام:
_ خاصة و أنا كنت ناوية ارجعها لأهلها و اقنعهم انها بريئة ، لولا إنت كلمتني وقتها و قلت لي اقنعها تنتقم و أدخلها ف عالم رجال الأعمال!
أغمض سفيان عينيه بتعب بينما حدق فيه مراد بقلق و قد وجده حائرا لا يدري كيف يجيب و سيكون كلامه بمثابة كشف للمستور؟! ، بعد برهة أجاب سفيان بثبات يعكس صخبا يضج بفؤاده:
_ هيحصل ، بس كل حاجة بأوان
هب عن مجلسه واقفا و كأنما لدغته حية بعدما سمع من قولها اللاذع حيث يرمقها بنظرات شرسة و هو يزمجر غاضبا:
_ بتجولي اي يا بت؟ ، مصر اي اللي اروحها دي؟ ، مفكراني مرة هسيبك ترجعي ولا اسيب بلدي و اجي اجعد ف بيتك هناك؟ ، إنتي اتجنيتي؟!
لم تهتز لها شعرة او يرمش لها جفن بعدما اكتسبت من مناعة تواكب خشونة ما حولها ، بينما ترقب نجاة المشهد عن بعد و قد دبَّ الخوف بقلبها بينما تردف زينة بهدوء:
_ أني بجول الصوح يابوي ، أخويا انجتل و احنا مش هنستنى لحد ما تنجتل ، الطار ولع نار و هتحرجنا كلنا لازم نسيب البلد
صرخ بها و هو يلوح بسبابته أمام وجهها ساخطا:
_ مش هروح أي حتة يا بت ، ولا انتي كمان هتروحي حتة ، كفاية بُعدك كل المدة دي ، كمان عايزة تتسرمحي رايح جاي من مصر للبلد! ، يجولوا عليا إيه؟ ، مش عارف اصرف عليكي!
_ يعني ده آخر كلام عندك؟
قالتها بوجوم متسائلة بينما أجابها قاسم بحدة:
_ و ماعنديش جول تاني
أجابت بجمود و هي ترمقه بعينين جافتين:
_ حاضر يابوي ، زي ماتحب مش هرفض أمرك
خرجت ميرا عبر بوابة الشركة الرئيسية تبعها عمار الذي يحمل حقيبتي الأموال بيده ، قبل ان تفتح باب السيارة اوقفها عمار حينما قبض على يدها بقوة جعلتها تجفل ثم تلتفت إليه بدهشة ، بينما يواجهها بنظراته المحتدة و هو يقول متهما إياها بغضب:
_ إنتي فهمتي سفيان اننا هنتجوز؟!
ظلت مثبتة بصرها عليه و لم تفهم بعد ما يريد بينما أكمل هو بزجر:
_ اوعي تكوني كدبتي الكدبة و صدقتيها يا آنسة ، إنتي بس خطيبتي أدام ابويا عشان ما يتعبش لكن غير كدة إنتي بالنسبة لي nothing (لا شئ)
نفضت يده عنها بغضب و قد انقلبت نظراتها نحوه الازدراء و الاستحقار حيث تجيبه بخشونة:
_ ماقلتش لحد حاجة يا بيه و ان كنت مضطرة امثل الدور ده فهو عشان عمي مش أكتر
ثم تشدقت متهكمة:
_ يمكن سفيان أفتكر أننا هنتجوز عشان عرفته سيادتك بخطوبتنا و ده طبعا عشان تاخد قرشين بعد ما باباك اتخانق معاك و سيبت له الشركة و البيت و صرفت فلوسك عالكاباريه ، خلي سما تنفعك
قالت الأخيرة بشئ من السخرية ليهدر بها محذرا:
_ اتلمي يا ميرا و ماتتكلميش في اللي مايخصكيش
صرخت بطريقة مماثلة:
_ يبقى انت كمان ماتفتكرش اني مدلوقة عليك و اوعى تتكلم معايا كدة تاني ، عشان الصبر ليه حدود
ثم فتحت باب السيارة و ولجت و قبل أن تغلق الباب اوقفه بقدمه لترفع رأسها ثم ترمقه بعينين ثائرتين بينما يقول هو:
_ خدي فلوسك الأول
أمسكت بالحقيبة من يده ثم ادخلتها بجانبها ثم أغلقت الباب و قبل أن تضغط المكابح قالت بتعال:
_ بالتوفيق يا أستاذ عمار ، اقابلك لما عمو وجدي يكون رجع من السفر
ثم انطلقت بالسيارة و هي تضغط على المكابح بغضب عارم ، حيث لا يجدد جراحها و يفاقم آلامها إلا رؤيتها لهذا البغيض! ، عمار ابن عمها الذي عدته لفترة من الفترات فارس أحلامها و المعشوق الذي شيَّدت على اسمه قصور أحلامها ، إلى حين عرفت بكونها مصابة بالسكر فكان هو ملاذها الوحيد الذي ظنت كونه سيحتضنها ، و لكن عوضا عن ذلك فضل حياة اللهو عنها بل اتضح أنه لم يكن يلتفت إليها من الأساس ، و هنا بدأت رحلة معاناتها و ازدياد مرضها تبعا لفؤادها اليائس المحطم ، و حينما بحثت عن طريق الرثاء لحبها باغتها قرار عمها المفاجئ حينما كان مريضا بطلبه يدها لابنه ، و بالطبع كان موافقا كي لا يتضاعف مرضه و كذلك فعلت هي مجبرة!
أخذ يقتطع من الخبز أمامه ثم يخلط به بعضا من الجبن و يقربه من فمها قائلا بحنو:
_ آخر حتة
تقلصت معالمها بتقزز و هي تردف نافية:
_ مش قادرة با باسل ، كفاية كدة أرجووك
لم يبعد يده او يمتثل لها و إنما قال محذرا:
_ لازم تاكلي يا دارين و إلا هتتعبي من تاني و الدكتور شدد على الأكل
تنهدت دارين بضجر ثم انصاعت إلى سؤاله و أكملت مضغ طعامها دون شهية تستدعي ذلك ، و اسنانها بالكاد تتحرك و قد نال منها الألم ما نال ، على مضضٍ أنهت طعامها بعد رجاء باسل كي تكمل ثم تتناول دواءها المخصص لما بعد العشاء ليقف باسل و هو يحمل صينية الطعام مبتسما:
_ برافو يا داري ، نامي دلوقتي عشان انتي أكيد تعبانة
اماءت برأسها موافقة لينحني بجذعه ثم يلثم مقبلة رأسها ثم يبتعد عنها حتى يصل إلى باب الغرفة تحت انظارها المرتضية ، ثم يغلق المصباح و يخرج كي يضع الصينية بالمطبخ و يعيد ضبط الأشياء به ، حينما خرج تذكر محادثته الأخيرة مع محمد بعد عودته من هذا الاختطاف الغريب الذي تم بتخطيط امرأة! ، تذكر حينما أعطاه محمد المشاركة لتدمير أكمل كما أشرف ، فهو الذي يعشق زينة و يمكنه تقبيل ثرى قدميها مقابل نظرة من عينيها ، و لكنها جافته و عاملته بقسوة ، و بالتأكيد لها كل الحق بما تقوم به ، سيثأر لأجلها بعدما علم من نوايا خبيثة اضمرها كل من أشرف و أكمل لها ، كما هو حاله حيث يضمر الانتقام لكليهما ، فلا يمكنه نسيان أخته سيرينا و ذهاب روحها سدى ، و كل ذلك فقط حينما فكرت في العودة إلى الثراء من جديد بعد الإفلاس الذي قضى على مجدهم ، تزوجت أكمل عرفيا و حملت منه و حينما طالبت بحقوقها في الاعتراف بجنينه و إعلان زواجهما أبى و قتلها بكل دم بارد و حينما عرف باسل كان الأوان قد فات ، و كذلك أشرف الذي وافق على العمل عنده بطلب من محمد و ذلك لقاء مبالغ من المال حتى يعلن أشرف إفلاسه ، لأنه في أمس الحاجة إلى المال لرعاية أخته الصغيرة صاحبة مرض الكبد الذي يكاد يفتك بجسدها النحيل ، جلس باسل على الأريكة ثم مسح وجهه بارهاق قبل ان يتحدث في نفسه ببعض الألم:
_ أيوة هبهدلكم انتو الاتنين ، ماحدش أغلى عندي من اخواتي ، هدمرك يا أكمل و انتقم لسيرينا ، و ادمرك يا أشرف و أنقذ دارين
كان سفيان يجلس بغرفته الشاسعة الاتساع أرضا غير عابئ بحلته ذات السعر الغالي التي تلامس أرضية الغرفة السيراميكية ، يمسك بعنق زجاجة الكحول أمامه ثم يميله كي يسكب منه القليل داخل الكوب ، ثم يتجرعه بلحظة واحدة ، لا مذاق لها حلوا بل مذاقها حامضا معتقا و لكن لها ميزة إذهاب العقل و السفر به إلى أرض النسيان ، على خلاف حاله حيث يتجرع منها بقدر ما يتجرع إلا أنها لا تنسيه ذرة من آلامه المعتملة بصدره برعونة! ، يشرب و يشرب حد الثمالة و لكن لا تختفي أوجاعه إلا مع رؤيته لصورة الصغيرة ذات الثمان سنوات التي لا تفارقه أينما ذهب ، أخرج محفظته ثم فتحها و التقط منها الصورة ثم ألقى المحفظة جانبا كي يتمتع برؤية صغيرته ذات الجدائل السوداء القصيرة ، و ابتسامتها البريئة منقوصة سنتين من الأمام ، ابتسم رغم ما يسكن بفؤاده من هموم حينما تذكر مشهد ما قبل التقاط هذه الصورة حينما كانت حزينة لأن أسنانها ليست جميلة ، و لكنه استطاع كعادته اقناعها بكونها لا زالت جميلة ، كان و لا يزال يعشق كل تفصيلة فيها فلم تغيره ألمانيا او القاهرة عن رغبته بها و ضمِّها إلى مملكته و عش حبهم الصغير الذي هاجمته الظروف و لم تترك به قشة جيدة!
دخل مراد الغرفة ليجدها مظلمة كعادتها و يجد سفيان الجالس هناك يتجرع من كأسه بينما عيناه الصامدتان مثبتتان على صورة زينة كما يفعل كل ليلة! ، حاول تلطيف الأجواء الليلة حيث هي من المفترض ليلة سعيدة بالنسبة لصاحبه و لكنه دوما لا ينسى الاختلاء بنفسه عدد ساعتين كي يجدِّد من جراحه دون رحمة ، قال مراد و هو يقترب منه مداعبا:
_ الله يرحم أيام ما كنت ترفض أي نوع خمور و تحلف مية (100) يمين ما تشربها يا فارس!
استدار برأسه نحو مصدر الصوت ليرمقه بابتسامة واثقة اتبعها بقوله:
_ و انت الله يرحم ما كنت تحلف بالطلاق عالبِدَل و دلوقتي ماشاء الله فاهم ف كل ماركاتها يا سليم!
عض سليم على شفتيه بحزن و قد تذكر بالفعل كونه سليم لا مراد! ، جلس على الأرض بجانب صاحبه ثم تنهد بحرارة قبل ان يردف بحزن بلغ قسماته قبل صوته:
_ الدنيا دي غريبة أوى يا صاحبي ، يعني الواحد لو نافق و عمل فيها بيحب الكل كل الناس تحبه ، و اللي يفكر ف مشاكل الناس و يحلها يتكره هو فى الآخر! ، صبلي كاس
ناوله كأسا كما طلب ثم نظر إليه متأملا حيث يتناول كأسه جرعة واحدة ثم يكمل بشئ من الحسرة:
_ الطار كان بيقضي على الكبير و الصغير ، و موِّت شباب بعدد شعر الراس ، و لما جه الدور عليا قلت أسلم كفني عشان اوقف نزف الدم اللي حصل ده! ، اتهموني اني جبان بخاف من الموت و البلد كلها كرهتني و أهلي طردوني و مراتي كرهتني و طلبت الطلاق و حرمتني من بناتي لحد ما وصلت لحالة الانتحار لولا ما لحقتني يا فارس!
قالها و هو يرمق فارس ممتنا بينما يتحدث الأخير بخمول:
_ وجعك صعب يابن عمي ، بس زيك انا كمان موجوع ، عارف يعني اي بعد ما اكون متفوق و اخد منحة على ألمانيا و ادرس هناك ، و بسبب شهامتي السفارة ترجعني مصر تاني و تجيب جثة و تطلعلها شهادة وفاة! ، و ابقى انا دلوقتي سفيان نوح مالك الشركات إللي معاه ثانوية! ، آه عالقهر!!
ثم التفت إلى صورة زينة بيسراه ليوجه حديثه إليها قائلا:
_ لولا صورة زينة بنت عمي اللي مهونة عليا المرار!
قطب سليم حاجبيه متعجبا قبل ان يتساءل:
_ يا ترى لسة فاكراك و ماسكة صورتك؟
أجابه بثقة:
_ أكيد لسة فاكراني و بتشكيلي همومها كمان
ما أن تأكدت من ذهاب الصغير في سبات عميق حتى وضعته على السرير الصغير الخاص به و دثرته بالغطاء جيدا خشية البرد ، رمقته بابتسامة هادئة تخالف الوجوم الكامن بمقلتيها حيث تعبت و آيست الكثير دون رحمة بل كان عليها ان تصير مثلهم حتى تنتزع حقها قسرا كما سلبوه خداعا! ، استقلت على السرير ثم أخرجت صورة فارس التي استطاعت استعادتها من جديد الآن بعد رجوعها إلى الصعيد ، عادت أخيرا إلى النظر إليه من جديد و قد افتقدت قسماته الوسيمة و عيناه السوداوتين الآسرتين ، حمقاء حينما فكرت ان تبطل تعويذة عشقه ، فحبها له لم و لن يزول مهما طال أبد الدهور! ، حدقت بكل تفصيلة بوجهه و كأنها تحفظها بينما تُحدِّث بصوت مكتوم صورته و كأنها كائن حي أمامها:
_ انظر إلى ما آلت إليه أمور صغيرتك يا فارسي المغوار ، أنظر إلى ما بقيتُ عليه يا ربيع قلبي و جنَّتي ، انظر إلى ما اضطررت للقيام به يا حبيبي ، قطة صغيرة سارت تائهة حتى اصطدمت بوادي الذئاب ، رأوها و حاولوا الفتك بلحمها ثم إلقاء عظامها بأقرب مكب للنفايات! ، فما سكنت الرحمة بأفئدتهم و ما عرفت المهرب إلا بعد فوات الأوان! ، و لكن لكل بداية نهاية و للظالم دوما حساب ، لقد حصلت قطتك على قسوة دفعت انيابها و أظافرها للإنبات ، ردت كيدهم في نحورهم و حصلت على حقها بعد عذاب ، فما تنتظر من قطة ظنت الملجأ في وادي الذئاب؟!
تمت بحمد الله
و بكدة يكون الجزء الأول خلص قرائى الأعزاء ، شكرا لكل شخصية جميلة اخدت من وقتها عشان تقرا من روايتي المتواضعة ، أتمنى تكون عجبتكم بقدر ما انتو كنتوا متوقعين ، و دي كدة البداية لحياة القطة و لسة ما شفناش هيحصل اى في حياتها الرومانسية بجد ، و ازاى ممكن ترجع الحب لقلبها مرة تانى؟ ، اتمنى تقرؤوا الجزء الثانى ابتداء من بكرة في نفس المعاد
أحبكم فى الله
_ دي فلوس سهم الشركة اللي سددتها زينة امبارح يا سفيان بيه
قالها عمار و هو ينظر إلى كلتا الحقيبتين أمامه موجها حديثه إلى هذا الرجل الثلاثيني المدير ظهره إليه ينظر عبر النافذة الزجاجية الكبيرة ، استدار ما ان انتهى عمار من الكلام و ابتسامة هادئة يغلفها الانتصار مرتسمة على وجهه حيث يضع يده بجيب بنطاله الأسود و هو يقترب بخطى ثابتة من عمار و ميرا اللذان يقفا عند المكتب باحترام يحدِّقان فيه ، ما أن صار مقابلهم حتى أكملت ميرا تقول:
_ و زينة كمان أخدت حقها بكل ذكاء ، هي حاليا في الصعيد و هترجع كمان أسبوعين
نطق يقول بشئ من الامتنان:
_ شكرا ليكم يا شباب لولاكم و لولا مجهودكم معاها ماكانتش وصلت للي وصلت له
ثم التفت إلى الواقف على الجهة الأخرى يزيد عنه في العمر بسنوات يرتدي ملابس رسمية مماثلة ، قال آمرا:
_ مراد
كلمة أبرك من جريدة ، حيث فهم من نطق الاسم مع نظرته ما يرمي إليه فورا ، فأمسك بحقيبتين سوداوتين ثم مدهما إليهما قائلا:
_ اتفضلوا ، عشرة مليون جنيه بعد ما نفذتوا صح
عبست ميرا بين حاجبيها بحزن و هي تقول:
_ بس يا أستاذ مراد أنا عملت اللي عليا و أكتر عشانها بعد ما أخويا غلط معاها و سبِّب بكل اللي حصل ده ، و لولا تعبي فترة حادثتها ماكنتش سمحت انها تقع بين إيدين أكمل و رزان!
اقترب منها سفيان أكثر حتى صار أمامها ثم أكمل ببساطة:
_ ماتحمليش نفسك ذنب اللي حصل يا آنسة ميرا ، إنتي حاولتي و راقبتيها ، و ماقدرش الومك وقت الغيبوبة اللي حصلت معاكي ربنا يشفيكي ، و اعتبري المبلغ ده هدية جوازكم مش اتفاق يا ستي
هدأت تقلصات ملامحها قليلا بعدما سرت عينيها بكلا الاتجاهين بتوتر بينما يردف عمار بنبرة جدية تخفي حنقا و ضيقا:
_ إنما انا عايز أسألك يا أستاذ سفيان ، ليه ماظهرتش إنت قدامها يوم المستشفى
التفت إليه سفيان برأسه دون حركة و قد تجهمت ملامحه بينما أكمل عمار:
_ ليه ماقلتلهاش إن انت اللي أنقذتها من الدياب وقتها و خليتني أنا قلت كدة؟ ، ليه ما عرفتهاش إن سهم الشركة اللي اشترته ده يخصك إنت مش أنا؟ ، ليه ماتكلمتش انت معاها عن الانتقام بدل ما بعتنا احنا؟
أكملت ميرا عنه و هي تقول باستفهام:
_ خاصة و أنا كنت ناوية ارجعها لأهلها و اقنعهم انها بريئة ، لولا إنت كلمتني وقتها و قلت لي اقنعها تنتقم و أدخلها ف عالم رجال الأعمال!
أغمض سفيان عينيه بتعب بينما حدق فيه مراد بقلق و قد وجده حائرا لا يدري كيف يجيب و سيكون كلامه بمثابة كشف للمستور؟! ، بعد برهة أجاب سفيان بثبات يعكس صخبا يضج بفؤاده:
_ هيحصل ، بس كل حاجة بأوان
هب عن مجلسه واقفا و كأنما لدغته حية بعدما سمع من قولها اللاذع حيث يرمقها بنظرات شرسة و هو يزمجر غاضبا:
_ بتجولي اي يا بت؟ ، مصر اي اللي اروحها دي؟ ، مفكراني مرة هسيبك ترجعي ولا اسيب بلدي و اجي اجعد ف بيتك هناك؟ ، إنتي اتجنيتي؟!
لم تهتز لها شعرة او يرمش لها جفن بعدما اكتسبت من مناعة تواكب خشونة ما حولها ، بينما ترقب نجاة المشهد عن بعد و قد دبَّ الخوف بقلبها بينما تردف زينة بهدوء:
_ أني بجول الصوح يابوي ، أخويا انجتل و احنا مش هنستنى لحد ما تنجتل ، الطار ولع نار و هتحرجنا كلنا لازم نسيب البلد
صرخ بها و هو يلوح بسبابته أمام وجهها ساخطا:
_ مش هروح أي حتة يا بت ، ولا انتي كمان هتروحي حتة ، كفاية بُعدك كل المدة دي ، كمان عايزة تتسرمحي رايح جاي من مصر للبلد! ، يجولوا عليا إيه؟ ، مش عارف اصرف عليكي!
_ يعني ده آخر كلام عندك؟
قالتها بوجوم متسائلة بينما أجابها قاسم بحدة:
_ و ماعنديش جول تاني
أجابت بجمود و هي ترمقه بعينين جافتين:
_ حاضر يابوي ، زي ماتحب مش هرفض أمرك
خرجت ميرا عبر بوابة الشركة الرئيسية تبعها عمار الذي يحمل حقيبتي الأموال بيده ، قبل ان تفتح باب السيارة اوقفها عمار حينما قبض على يدها بقوة جعلتها تجفل ثم تلتفت إليه بدهشة ، بينما يواجهها بنظراته المحتدة و هو يقول متهما إياها بغضب:
_ إنتي فهمتي سفيان اننا هنتجوز؟!
ظلت مثبتة بصرها عليه و لم تفهم بعد ما يريد بينما أكمل هو بزجر:
_ اوعي تكوني كدبتي الكدبة و صدقتيها يا آنسة ، إنتي بس خطيبتي أدام ابويا عشان ما يتعبش لكن غير كدة إنتي بالنسبة لي nothing (لا شئ)
نفضت يده عنها بغضب و قد انقلبت نظراتها نحوه الازدراء و الاستحقار حيث تجيبه بخشونة:
_ ماقلتش لحد حاجة يا بيه و ان كنت مضطرة امثل الدور ده فهو عشان عمي مش أكتر
ثم تشدقت متهكمة:
_ يمكن سفيان أفتكر أننا هنتجوز عشان عرفته سيادتك بخطوبتنا و ده طبعا عشان تاخد قرشين بعد ما باباك اتخانق معاك و سيبت له الشركة و البيت و صرفت فلوسك عالكاباريه ، خلي سما تنفعك
قالت الأخيرة بشئ من السخرية ليهدر بها محذرا:
_ اتلمي يا ميرا و ماتتكلميش في اللي مايخصكيش
صرخت بطريقة مماثلة:
_ يبقى انت كمان ماتفتكرش اني مدلوقة عليك و اوعى تتكلم معايا كدة تاني ، عشان الصبر ليه حدود
ثم فتحت باب السيارة و ولجت و قبل أن تغلق الباب اوقفه بقدمه لترفع رأسها ثم ترمقه بعينين ثائرتين بينما يقول هو:
_ خدي فلوسك الأول
أمسكت بالحقيبة من يده ثم ادخلتها بجانبها ثم أغلقت الباب و قبل أن تضغط المكابح قالت بتعال:
_ بالتوفيق يا أستاذ عمار ، اقابلك لما عمو وجدي يكون رجع من السفر
ثم انطلقت بالسيارة و هي تضغط على المكابح بغضب عارم ، حيث لا يجدد جراحها و يفاقم آلامها إلا رؤيتها لهذا البغيض! ، عمار ابن عمها الذي عدته لفترة من الفترات فارس أحلامها و المعشوق الذي شيَّدت على اسمه قصور أحلامها ، إلى حين عرفت بكونها مصابة بالسكر فكان هو ملاذها الوحيد الذي ظنت كونه سيحتضنها ، و لكن عوضا عن ذلك فضل حياة اللهو عنها بل اتضح أنه لم يكن يلتفت إليها من الأساس ، و هنا بدأت رحلة معاناتها و ازدياد مرضها تبعا لفؤادها اليائس المحطم ، و حينما بحثت عن طريق الرثاء لحبها باغتها قرار عمها المفاجئ حينما كان مريضا بطلبه يدها لابنه ، و بالطبع كان موافقا كي لا يتضاعف مرضه و كذلك فعلت هي مجبرة!
أخذ يقتطع من الخبز أمامه ثم يخلط به بعضا من الجبن و يقربه من فمها قائلا بحنو:
_ آخر حتة
تقلصت معالمها بتقزز و هي تردف نافية:
_ مش قادرة با باسل ، كفاية كدة أرجووك
لم يبعد يده او يمتثل لها و إنما قال محذرا:
_ لازم تاكلي يا دارين و إلا هتتعبي من تاني و الدكتور شدد على الأكل
تنهدت دارين بضجر ثم انصاعت إلى سؤاله و أكملت مضغ طعامها دون شهية تستدعي ذلك ، و اسنانها بالكاد تتحرك و قد نال منها الألم ما نال ، على مضضٍ أنهت طعامها بعد رجاء باسل كي تكمل ثم تتناول دواءها المخصص لما بعد العشاء ليقف باسل و هو يحمل صينية الطعام مبتسما:
_ برافو يا داري ، نامي دلوقتي عشان انتي أكيد تعبانة
اماءت برأسها موافقة لينحني بجذعه ثم يلثم مقبلة رأسها ثم يبتعد عنها حتى يصل إلى باب الغرفة تحت انظارها المرتضية ، ثم يغلق المصباح و يخرج كي يضع الصينية بالمطبخ و يعيد ضبط الأشياء به ، حينما خرج تذكر محادثته الأخيرة مع محمد بعد عودته من هذا الاختطاف الغريب الذي تم بتخطيط امرأة! ، تذكر حينما أعطاه محمد المشاركة لتدمير أكمل كما أشرف ، فهو الذي يعشق زينة و يمكنه تقبيل ثرى قدميها مقابل نظرة من عينيها ، و لكنها جافته و عاملته بقسوة ، و بالتأكيد لها كل الحق بما تقوم به ، سيثأر لأجلها بعدما علم من نوايا خبيثة اضمرها كل من أشرف و أكمل لها ، كما هو حاله حيث يضمر الانتقام لكليهما ، فلا يمكنه نسيان أخته سيرينا و ذهاب روحها سدى ، و كل ذلك فقط حينما فكرت في العودة إلى الثراء من جديد بعد الإفلاس الذي قضى على مجدهم ، تزوجت أكمل عرفيا و حملت منه و حينما طالبت بحقوقها في الاعتراف بجنينه و إعلان زواجهما أبى و قتلها بكل دم بارد و حينما عرف باسل كان الأوان قد فات ، و كذلك أشرف الذي وافق على العمل عنده بطلب من محمد و ذلك لقاء مبالغ من المال حتى يعلن أشرف إفلاسه ، لأنه في أمس الحاجة إلى المال لرعاية أخته الصغيرة صاحبة مرض الكبد الذي يكاد يفتك بجسدها النحيل ، جلس باسل على الأريكة ثم مسح وجهه بارهاق قبل ان يتحدث في نفسه ببعض الألم:
_ أيوة هبهدلكم انتو الاتنين ، ماحدش أغلى عندي من اخواتي ، هدمرك يا أكمل و انتقم لسيرينا ، و ادمرك يا أشرف و أنقذ دارين
كان سفيان يجلس بغرفته الشاسعة الاتساع أرضا غير عابئ بحلته ذات السعر الغالي التي تلامس أرضية الغرفة السيراميكية ، يمسك بعنق زجاجة الكحول أمامه ثم يميله كي يسكب منه القليل داخل الكوب ، ثم يتجرعه بلحظة واحدة ، لا مذاق لها حلوا بل مذاقها حامضا معتقا و لكن لها ميزة إذهاب العقل و السفر به إلى أرض النسيان ، على خلاف حاله حيث يتجرع منها بقدر ما يتجرع إلا أنها لا تنسيه ذرة من آلامه المعتملة بصدره برعونة! ، يشرب و يشرب حد الثمالة و لكن لا تختفي أوجاعه إلا مع رؤيته لصورة الصغيرة ذات الثمان سنوات التي لا تفارقه أينما ذهب ، أخرج محفظته ثم فتحها و التقط منها الصورة ثم ألقى المحفظة جانبا كي يتمتع برؤية صغيرته ذات الجدائل السوداء القصيرة ، و ابتسامتها البريئة منقوصة سنتين من الأمام ، ابتسم رغم ما يسكن بفؤاده من هموم حينما تذكر مشهد ما قبل التقاط هذه الصورة حينما كانت حزينة لأن أسنانها ليست جميلة ، و لكنه استطاع كعادته اقناعها بكونها لا زالت جميلة ، كان و لا يزال يعشق كل تفصيلة فيها فلم تغيره ألمانيا او القاهرة عن رغبته بها و ضمِّها إلى مملكته و عش حبهم الصغير الذي هاجمته الظروف و لم تترك به قشة جيدة!
دخل مراد الغرفة ليجدها مظلمة كعادتها و يجد سفيان الجالس هناك يتجرع من كأسه بينما عيناه الصامدتان مثبتتان على صورة زينة كما يفعل كل ليلة! ، حاول تلطيف الأجواء الليلة حيث هي من المفترض ليلة سعيدة بالنسبة لصاحبه و لكنه دوما لا ينسى الاختلاء بنفسه عدد ساعتين كي يجدِّد من جراحه دون رحمة ، قال مراد و هو يقترب منه مداعبا:
_ الله يرحم أيام ما كنت ترفض أي نوع خمور و تحلف مية (100) يمين ما تشربها يا فارس!
استدار برأسه نحو مصدر الصوت ليرمقه بابتسامة واثقة اتبعها بقوله:
_ و انت الله يرحم ما كنت تحلف بالطلاق عالبِدَل و دلوقتي ماشاء الله فاهم ف كل ماركاتها يا سليم!
عض سليم على شفتيه بحزن و قد تذكر بالفعل كونه سليم لا مراد! ، جلس على الأرض بجانب صاحبه ثم تنهد بحرارة قبل ان يردف بحزن بلغ قسماته قبل صوته:
_ الدنيا دي غريبة أوى يا صاحبي ، يعني الواحد لو نافق و عمل فيها بيحب الكل كل الناس تحبه ، و اللي يفكر ف مشاكل الناس و يحلها يتكره هو فى الآخر! ، صبلي كاس
ناوله كأسا كما طلب ثم نظر إليه متأملا حيث يتناول كأسه جرعة واحدة ثم يكمل بشئ من الحسرة:
_ الطار كان بيقضي على الكبير و الصغير ، و موِّت شباب بعدد شعر الراس ، و لما جه الدور عليا قلت أسلم كفني عشان اوقف نزف الدم اللي حصل ده! ، اتهموني اني جبان بخاف من الموت و البلد كلها كرهتني و أهلي طردوني و مراتي كرهتني و طلبت الطلاق و حرمتني من بناتي لحد ما وصلت لحالة الانتحار لولا ما لحقتني يا فارس!
قالها و هو يرمق فارس ممتنا بينما يتحدث الأخير بخمول:
_ وجعك صعب يابن عمي ، بس زيك انا كمان موجوع ، عارف يعني اي بعد ما اكون متفوق و اخد منحة على ألمانيا و ادرس هناك ، و بسبب شهامتي السفارة ترجعني مصر تاني و تجيب جثة و تطلعلها شهادة وفاة! ، و ابقى انا دلوقتي سفيان نوح مالك الشركات إللي معاه ثانوية! ، آه عالقهر!!
ثم التفت إلى صورة زينة بيسراه ليوجه حديثه إليها قائلا:
_ لولا صورة زينة بنت عمي اللي مهونة عليا المرار!
قطب سليم حاجبيه متعجبا قبل ان يتساءل:
_ يا ترى لسة فاكراك و ماسكة صورتك؟
أجابه بثقة:
_ أكيد لسة فاكراني و بتشكيلي همومها كمان
ما أن تأكدت من ذهاب الصغير في سبات عميق حتى وضعته على السرير الصغير الخاص به و دثرته بالغطاء جيدا خشية البرد ، رمقته بابتسامة هادئة تخالف الوجوم الكامن بمقلتيها حيث تعبت و آيست الكثير دون رحمة بل كان عليها ان تصير مثلهم حتى تنتزع حقها قسرا كما سلبوه خداعا! ، استقلت على السرير ثم أخرجت صورة فارس التي استطاعت استعادتها من جديد الآن بعد رجوعها إلى الصعيد ، عادت أخيرا إلى النظر إليه من جديد و قد افتقدت قسماته الوسيمة و عيناه السوداوتين الآسرتين ، حمقاء حينما فكرت ان تبطل تعويذة عشقه ، فحبها له لم و لن يزول مهما طال أبد الدهور! ، حدقت بكل تفصيلة بوجهه و كأنها تحفظها بينما تُحدِّث بصوت مكتوم صورته و كأنها كائن حي أمامها:
_ انظر إلى ما آلت إليه أمور صغيرتك يا فارسي المغوار ، أنظر إلى ما بقيتُ عليه يا ربيع قلبي و جنَّتي ، انظر إلى ما اضطررت للقيام به يا حبيبي ، قطة صغيرة سارت تائهة حتى اصطدمت بوادي الذئاب ، رأوها و حاولوا الفتك بلحمها ثم إلقاء عظامها بأقرب مكب للنفايات! ، فما سكنت الرحمة بأفئدتهم و ما عرفت المهرب إلا بعد فوات الأوان! ، و لكن لكل بداية نهاية و للظالم دوما حساب ، لقد حصلت قطتك على قسوة دفعت انيابها و أظافرها للإنبات ، ردت كيدهم في نحورهم و حصلت على حقها بعد عذاب ، فما تنتظر من قطة ظنت الملجأ في وادي الذئاب؟!
تمت بحمد الله
و بكدة يكون الجزء الأول خلص قرائى الأعزاء ، شكرا لكل شخصية جميلة اخدت من وقتها عشان تقرا من روايتي المتواضعة ، أتمنى تكون عجبتكم بقدر ما انتو كنتوا متوقعين ، و دي كدة البداية لحياة القطة و لسة ما شفناش هيحصل اى في حياتها الرومانسية بجد ، و ازاى ممكن ترجع الحب لقلبها مرة تانى؟ ، اتمنى تقرؤوا الجزء الثانى ابتداء من بكرة في نفس المعاد
أحبكم فى الله
