رواية صياد النايا ( آل حانا ) الفصل الخامس عشر 15 بقلم آية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل الخامس عشر من رواية
♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡
بقلم آية العربي
العالمُ يشهد بدخولهِ للمسجد ، ويغضون الطرف حينما يَظلِم
يُبرع في رسمِ دموع التماسيح ، و يفشل في رعاية بُرعم
يلقي بالضوء على المظاهرِ ، وضميره في جوفٍ أبكم
ألقاني في غابةٍ لسنوات، وحينما رأى توحشي استنكر
يحب أخذ جميع اللقطات ، ويكره صورتي حينما أضحك
يا له من أبٍ بائسٍ وفقيرٍ؛ يمتلك الكثير ، ولكنه دومًا للحب يتسول .
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
خلال هذان اليومان كانت تفكر في اتخاذ قرارها ، العمل في شركة جابر سيؤكد لمعتز ظنونه ، ولكنه لم يعِرها اهتمامًا كي تفكر به ، لم يحاول حتى أن يعطيها فرصة أخرى ، ظلمها ، واستحل مجهودها لسنوات ، فلتفكر في نفسها قليلًا ..
لذا قد اتخذت قرارها بقبول العرض ، أخبرت والدتها التي دعمتها في ذلك ، وأخبرت نوح الذي لم يجد سببًا للرفض ، حيث أنه تحرى عن جابر آل حانا ولم يسمع سوى المدح ، خاصةً أنه ابن الحاج عبد الوهاب .
توقفت بسيارتها أمام المبنى ، والتقطت نفسًا محفزًا ، ثم ترجلت ترفع رأسها للأعلى لترى الطابق الخاص بشركة جابر .
حدقت فيه لبرهة وعزمت على ألا يأخذها الحماس كما حدث مع معتز ، لتعمل على أنها مهندسة جيدة وليست كصاحبة شركة ، هي في نهاية المطاف تقدم خدمة مقابل أجر ، وهم في نهاية المطاف لا يقدرون شيئ ..
اتخدت خطواتها نحو الداخل ومنه إلى المصعد ، لتصل بعد ثوانٍ إلى الطابق المنشود ..
استقبلتها الوجوه بترحاب ، فهم لن ينسوا أنها من حلت أزمتهم قبل أيام ، ليهرول أحمد الذي رآها وتقدم منها، يبتسم ويرحب بحفاوة كأنه استشعر سبب مجيئها :
- أهلًا وسهلًا يا آنسة ريم ، نورتي الشركة .
ابتسمت مجاملة ونطقت :
- متشكرة جدًا ، مستر چابر موچود ؟
أومأ وأشار بيده نحو مكتبه يردف بحماس :
- موچود طبعًا ، اتفضلي .
تقدمها وتحرك نحو مكتبه ثم فتح الباب دون أخذ الإذن ودلف على جابر الذي كان منكبًا على عمله ، يصيح بعلو :
- آنسة ريم وصلت يا چابر .
برغم اندهاش جابر ، إلا أنه حدج أحمد بغيظ من طريقته في سياق الجملة ، ولكنه تجاوزه ونهض يخطو نحو الباب ليجدها واقفة أمامه ، تنتظر الإذن لتدخل ، بكامل أناقتها واحتشامها ، تقبض بكفيها على حقيبتها التي تتقدمها لتخفي توترها ..
ابتسم ، وتفشت السعادة على ملامحه ، والتمعت عيناه ، وبشعورٍ تلقائي نطق :
- وأني بجول النور زاد فچأة ليه ! يا أهلًا وسهلًا يا آنسة ريم ، اتفضلي .
بادلته ابتسامة هادئة، وخطت داخل مكتبه تردف بمهنية وثبات ظاهري برغم عراك نبضاتها :
- متشكرة جدًا .
تحركت نحو المقعد الأمامي لمكتبه تجلس عليه ، فتحرك أحمد قاصدًا الجلوس قبالتها ، ولكن جابر أوقفه ، يقبض على كتفه ويرنو منه هامسًا من بين أسنانه :
- اطلع برا دلوك .
نظر له أحمد بغيظ، فابتعد جابر وتحرك يخطو نحو مقعده قائلًا :
- اتفضل انت يا باشمهندس أحمد .
أومأ أحمد بحنق، ولكنه نظر إلى ريم وابتسم ينطق قبل أن يغادر :
- عن اذنك يا آنسة ريم .
أومأت بخفة فغادر ، والتفتت بعدها تنظر إلى جابر الذي نطق بحماس مطلق :
- جولي إنك چاية النهاردة تبلغيني بموافجتك ، ماحجبلش غير اكده .
نطقها يرفع سبابته في مزاح فابتسمت وأومأت تردف بتريث :
- فعلًا ، أنا چاية علشان ابلغك إني موافقة ، وابدأ في الشغل فورًا لو ماعندكش مانع طبعًا .
انفرجت أساريره برغم توقعه لقرارها ، ولكنه يشعر بنصرٍ عظيم ، خاصةً وأن المنافس هو معتز ، وأنها الأكفأ والأفضل بالنسبة له ،وأخيرًا حصل عليها وانتشلها منه .
نطق معبرًا عما يشعر في الحدود المسموح بها :
- ماتتخيليش سعادتي جد إيه دلوك ، لو إهنة شربات كنت وزعت ع الشركة كلياتها .
استرسل وهو يرفع سماعة هاتفه :
- ونروح بعيد ليه ، نطلب حالًا شربات للكل بمناسبة الخبر الزين ده .
تفاجأت به وهو يطلب من إحداهن أن تذهب وتبتاع مشروب الورد بالفعل ، ثم أغلق ونظر لها يتابع :
- أني مچهز المكتب بتاعك من يوم ما جدمتلك العرض ، نشرب بس الشربات ونجوم تشوفيه .
طالعته بترقبت ونطقت مستفهمة :
- هو انت كنت واثق أوي كدة إني چاية ولا إيه ؟
ارتدى قناع المكر وأسبل جفنيه ينطق بمدحٍ خبيث :
- لا مش مسألة ثجة ، أني خابر زين إنك إنسانة ذكية وراسك عالية مابتنحنيش لمين ما كان ، علشان إكده جولت أجهز كل حاچة لاجل ما تيچي تلاجي مكانك مستنيكي .
استشفت من كلماته أنه يقصد معتز ، لذا سألته مباشرةً :
- ممكن توضح ؟ إنت تقصد معتز ؟
أومأ لها مرارًا يتنهد بمسكنة ويوضح :
- معتز اتغير جوي ، ماكنش إكده واصل ، بس ربنا يكفينا شر حب الذات ، بيني وبينك يا آنسة ريم أني ماكنتش اتخيل إني احتاچه في خدمة ويتعامل معايا إكده ، إحنا كنا اصحاب جوي وياما ساعدنا بعض أيام الجامعة ، ومشاريع كتير جدمناها وشاركنا بعض فيها ، بس يالا الله يسهله في طريجه .
وجدها صامتة تطالعه بترقب ليبتسم ويسترسل :
- المهم خلينا في دلوك ، والحمد لله إني محتاچتلوش ، وحفضل مديون ليكي دين كبير جوي ع اللي عملتيه معايا ، ودلوك إنتِ صاحبة المكان واللي حتجولي عليه هو اللي حيتنفذ إهنه ، وكلمتك حتمشي ع الكل حتى أني..
غلفها بكلماته ، فهي شخصية ذكية، ولكنه ماكر بارع بنصب شباكه، لذا ابتسمت تجيبه بثبات برغم لمعة عينيها الواضحة له :
- إن شاء الله اكون قد الثقة دي ، ومتشكرة على كل حاچة .
حدق بها يبتسم ، لا ينكر أن بها طاقة تجذبه ، ذكاؤها ، ثباتها ، ثقلها ، لا تنجرف خلف مشاعرها ، وصعبة المراس .
هو يعلم مدى تأثيره على الجنس الناعم ، ورأى هذا خلال سنواته الجامعية ، وتعليمه في الخارج ، والتفاف النظرات من حوله، ولم يكن من الصعب عليه اصطياد إحداهن إن أراد ،خاصةً تلك التي لن ينساها، ولكنه لم يفعل .
يتحدث بأسلوبٍ لبق مبطن بالمجاملات ، ولكنه لم يحاول الدخول في علاقة حبٍ مع أيٍ منهن ، لأنه على قناعة تامةً بأن من تستحق جابر آل حانا هي من تنجح في جعل قلبه ينبض لها ، وإلى الآن لم يحدث هذا .
لذا فهو يخشى أن تحل ريم هذه المعادلة الصعبة ، وبدلًا من صيدها تنجح هي في اصطياده ، ولكن لا يهم هذا الآن ، ما يهم أنها هنا.. معه.. وواقعة في فخه متسببة بخسارة فادحة لمعتز النعماني في جولة تحدي أخيرة بينه وبين جابر ..
نهض يردف :
- واضح إكده الشربات حيتأخر ، إيه رأيك نروح نشوف مكتبك علشان لو احتچتي أي حاچة نچبهالك .
أومأت ونهضت معه يتحركان نحو الخارج ، يخطوان أمام أعين الجميع ، حيث المكاتب هنا يفصل بينهما فاصلًا مكونًا من الخشب والمعدن ، وظنت أنها ستشاركهم أحد المكاتب ، ولكنها تفاجأت حينما وقف أمام باب غرفة قريبة من مكتبه ، ومد يده يفتحه ويطالعها مردفًا :
- اتفضلي .
قطبت جبينها وخطت داخلها بثقل ، لتتفاجأ بمكتب لا يقل أناقة عن مكتبه ، ولكن مساحة الغرفة تختلف عن غرفته قليلًا .
ولكن هذا لم يؤثر في كونها مرتبة ، مريحة للنفس والعين ، بها كل ما تحتاجه حتى ماكينة القهوة .
وزعت نظراتها على التفاصيل جميعها ، وتحركت لا إراديًا نحو النافذة الزجاجية، ومدت يدها تزيح بكفيها أطراف الستار الأفقية ، لتنظر نحو الخارج حيث الواجهة الرائعة والمساحات الخضراء وعلى مد بصرها ترى النيل .
انتعشت وابتسمت تلتفت تطالعه بإعجاب شديد قائلة :
- المكتب ممتاز چدًا ، ماكنش فيه لزوم لكده خالص .
نطق وهو يتقدم منها مجبرًا بخطوات حذرة :
- مش كل يوم حنلاجي مهندسة عظيمة وچميلة زيك يا ريم ، دي حاچة بتحصل مرة واحدة بس في العمر ، يالا اتفضلي اجعدي ورا مكتبك .
نطقها يشير لها نحو المكتب لتبتسم وتتحرك لتضع الحقيبة على سطحه ، وتجلس خلفه حيث المقعد المريح، لذا تنفست بارتياح وشعرت أنها مستعدة لتقديم مستوى جيد من العمل هنا .
وقف يحدق بها لبرهة قبل أن تطرق المساعدة الباب لتقدم لهما كوبين من عصير الورد وتبتسم قائلة وهي تقترب من ريم :
- نورتي الشركة يا باشمهندسة .
- شكرًا .
نطقتها ريم ليطالعها جابر قائلًا :
- جدمي الشربات للشركة كلياتها يا علا بمناسبة تعيين آنسة ريم معانا إهنه .
أومأت تردف قبل أن تتحرك لتغادر :
- تمام يا مستر چابر .
غادرت وتركتهما يبدآن في مناقشة تفاصيل التعاقد والعمل ، ليطلب جابر بعدها محامي الشركة الذي انضم إليهما ليتم تعيينها بشكلٍ رسمي...
❈-❈-❈
وقف أمام حراس قصر آل حانا، يضع كفيه خلف ظهره ويتحدث إليهم بنظراتٍ مترقبة :
- جول لحد يبلغ اختي تنزلي .
نطق أحدهم وهو يشير له نحو الداخل :
- اتفضل يا أيوب بيه .
زفر بضيق ، فهو لم يكن يتوقع أن يخطو داخل هذا القصر ، ولكن صدق المثل القائل ( يا داخل بيت عدوك لك حبيب فيه )
أتى ليرى شقيقته ويقدم لها الدعم ويبث فيها العزيمة فلم تخفَ عليه نبرتها آنذاك ، وربما أحد أسبابه الخفية هو رؤية مروة .
لا يعلم السبب في ذلك، ولكنها شغلت تفكيره منذ أن رآها ، لذا تقدم داخل حديقة القصر ونطق للحارس الذي يجاوره :
- أني حجعد إهنه وجولهم يبلغوها تنزلي .
أومأ الحارس وتحرك نحو القصر ينادي بعلو :
- يا حسنـــــاء .
ثوانٍ حتى جاءته حسناء فنطق وهو يشير نحو أيوب الذي تسلطت عيناه نحوهما حيث ظن أنها من ستظهر :
- اطلعي جولي لفرحة هانم إن أخوها إهنه ورايد يشوفها ، وخليها تنزله .
أومأت ونظرت نحوه، ليحيد أنظاره عنهما بإحباط ، بينما هي تحركت للداخل لتناديها بالفعل .
كانت تجلس في غرفتها ترسم رسمتها العشرون ، والتي هي عبارة عن فتاة جميلة بعيونٍ ملونة ، سجينة داخل غرفة ، رسمة تشبه حالتها ، وبؤسها .
منذ أن غادر الغرفة ظنت أنها ستشعر بالراحة في بعده عنها ، ولكن شيئًا ما يؤرق راحتها ، وعقلها لا يهدأ بسبب كلماته ، ينهرها حينما تطرح أسئلة تحمل على متنها تصديقه ، ويحفزها حينما تكذبه وتنعته بأبشع الألفاظ .
ولكن في نهاية المطاف هي بين حالتين أبسطهما محرقة ، حتى وإن قتله دفاعًا عن النفس فسيظل قاتل أخاها ، ومؤمن لم يكن ليقتله دون ذنب ، شقيقها ليس ظالمًا أو متهورًا .
طرقات على الباب نبهتها فنطقت وهي تنظر نحوه :
- ادخل .
دلفت حسناء تطالعها، ثم نطقت وعيناها تجول على ما في يدها :
- أخوكي تحت يا ست فرحة ، چاعد في الچنينة وعايزك تنزليله .
تفاجأت بزيارته لها، فلم تصدق أن يأتي إلى هنا ، وتوغلها التوتر لسبب هذه الزيارة ، لذا أومأت لها لتغادر حسناء، وتشرد قليلًا قبل أن تنهض لتراه .
ترجلت ترتدي عباءتها وحجابها ، لتراها صابحة في طريقها،حيث حدجتها محذرة ، كأنها تستشعر ما سيقولانه عن ابنها .
خرجت فرحة ولم تعِرها اهتمام، تنظر نحو الركن الذي يجلس فيه ، رأته فابتسمت له وتحركت مسرعة تعانقه اشتياقًا واحتياجًا للدعم والحب ..
نهض يبادلها، ثم ابتعدا وجلسا سويًا يبرر قبل أن تسأل :
- كنت حكلمك في التلفون جولت لاء ، اچي اشوفك بنفسي واطمن عليكي .
ابتسمت بمقلتين حزينتين ، ونطقت تربت على كفه :
- خير ما عملت ، أني كمان اتوحشتك جوي .
نظر لملامحها لبرهة، ثم نطق يظهر غضبه برغم نبرته الحذرة :
- ماجدرش اجعد هناك وانتِ اهنه ويا الكلب ده ، كل يوم بيعدي دمي بيفور .
نظرت حولها بخشيةٍ من سماع أحدهم ، ثم عادت إليه وتملكتها الرهبة وهي تنطق بترقب :
- بجولك يا أيوب .
تأهب يميل وينطق بمقلتين محذرتين :
- خير ؟
تعلم أنه سيغضب ولكن عليها أن تخبره ، لذا نطقت بهمس وهي تميل عليه :
- هو بيجول إنه عمل إكده دفاع عن النفس ، وإن لو مكـــــــــــ
- ماتكمليش .
قاطعها يحدجها بنظرة حادة متجردًا من ثباته حيث نطق بقسوة :
- يظهر اللي كنت خايف منيه حُصل ، جدر يلعب على عجلك ؟ بتفكري في حديته يا فرحة ؟ كانك ماعرفهوش وعارفة مكره وغدره وكيف حط عينه على خطيبة اخوكي وجتله غدر ؟
نكست رأسها تستمع بصمت مؤنب فلكزها في ذراعها يسترسل :
- ماتخلنيش اندم إني ماخلصتش عليه ، إحنا متفجين إنك چاية اهنه لاجل ما تعملي اللي ماعرفناش نعمله من خمس سنين ، أي حديت تاني منك ماحسمعوش وحتصرف بنفسي واللي يحصل يحصل .
ارتعبت مما يقول ، وخشت أن يتهور ويحدث مالا يحمد عقباه، خاصة بعد إتمام الصلح ، فعائلة آل حانا لن ترحمه إن فعل ، لذا أسرعت تحتد عليه خوفًا :
- مالكش صالح بالحوار ده يا أيوب ، اللي اتفجنا عليه هو اللي حيحصُل ، بس اصبر عليا .
التفتت تنظر حولها وتستطرد بحيرة :
- بص الحرس جد إيه ، لو عملت إكده حطلع من إهنه كيف ؟
مال عليها وهمس بحقدٍ وغضبٍ أعمى حينما أحس أن شقيقته على وشك التراجع :
- الليلة يا فرحة ، حتلاجيني مستنيكي ناحية الأراضي من ورا ، خلصي عليه وهو نايم ، واطلعي من الباب الوراني ، وأني حاخدك ونخرچ برا الصعيد جبل ما الشمس تطلع .
لمح الخوف مرتسمًا في مقلتيها، ليزداد غضبه ويستطرد بضيق ضاغطًا على أحرفه، كأن أحدهم يقيده :
- الليلة يا فرحة ، ولو مانفذتيش واخدتي تار أخونا أني اللي حاخده بكرة ، بزيادة عليكي جاعدة إهنه ، لو بجيتي اهنه كمان اسبوع حلاجيكي نسيتي اخوكي من أساسه .
نهض يغادر مندفعًا ، نازعًا قلبه وضميره وذرات الرحمة التي يمتلكها ، فلن يقبل أن تتهاون شقيقته ثم يتحول التهاون إلى قناعة ثم إلى رضوخ ثم حب وحينها ستصبح في نظره خائنة ، ويستحل دمها كما تهاونت في دم شقيقها .
ظلت كما هي ، تنظر لأثره فقط ، لوقتٍ لا تعلمه ، تستعيد كلماته ، وكل ما يؤرقها كيف ستفعل ؟ وإن لم تفعل فماذا سيحدث في صباح الغد ؟
انتفضت حينما ناداها عبد الوهاب الذي ظهر أمامها ينطق بعلو ومراعاة :
- جاعدة لحالك ليه يا بتي ؟ جومي ادخلي جوة من الشمس .
طالعته قليلًا قبل أن تومئ له، وتنهض لتتحرك نحو الداخل بعقلٍ لا يتقن إيقاف نزاع أفكارها .
❈-❈-❈
عبرت سيارته من بوابة القصر ، فتوقف جانبًا وضغط رز الفتح يلتفت يطالعها وينطق :
- انزلي يا نهاد .
كانت غاضبة ، حيث حاولت طوال الطريق جعله ينعطف باتجاه المأذون ولكنه أوصد الأبواب، وأكمل طريقه إلى هنا .
التفتت تطالعه ، وحينما رأت نظراته تتفحصها كاد الضعف أن يحط عليها نحوه ، لذا أسرعت تلتفت عنه وتسخر من نفسها ، تقاوم وحش الحب الذي ابتلعها مسبقًا ولم يلفظها إلا بخبر زواجه .
لتردد على عقلها ، هذا الماثل أمامها لا يستحق ذرة مشاعر منها ، هذا الماثل كان منذ قليل يجلس بأريحية وتباهٍ في مكتبه مع الزوجة الذي اختارها لنفسه ، هذا الماثل وقف أمامها وقال أنها ليست اختياره ، عن أي ضعفٍ يا نهاد ؟ أفيقي وإلا ستكرهين نفسكِ .
فتحت باب السيارة وترجلت تخطو نحو الداخل ، ليترجل ويتبعها وهو يتمنى ألا يلتقي بوالده الآن ...
دلف القصر ومن حسن حظه أنه لم يرَه بالفعل ، حيث صعد خلفها نحو غرفتهما ، دلفت فتبعها وأوصد الباب وصاح ينطق ملتفتًا :
- اجعدي وفهميني دلوك طلاج إيه وخلع إيه اللي إنتِ رايداه ؟ مين جالك أني اتچوزت لاجل ما اطلجك ؟
تواليه ظهرها، لم تلتفت لتواجهه بعد ، إنها تحاول اكتساب طاقة كي لا تنهار أمامه ، كي لا تصرخ وتبدو نهاد القديمة البائسة ، تعهدت أن تريه شخصية شامخة لن يستطيع كسرها ، لذا التفتت تتكف كي تقوى ، وتزم شفتيها كي لا تسقط منها دمعة ، لبرهة تحدق به بنظراتٍ باردة قبل أن تنطق :
- وهو أني مستنية اعرف نوايا حضرتك من ورا چوازك ولا إيه ؟ إنت اخترت وأني كمان اخترت انفصل عنك .
غلفته حالة استنكار وعدم تقبل لما تقوله ، واستحق بأن يعتقد أن ما فعله ليس تهورًا، وإنما ما تفعله يعد تهورًا مبالغًا فيه، لذا تقدم منها والتقط كفها يسحبها خطوات ويجلسها على الأريكة ويجلس أمامها، ثم صمت يميل نحوها ويتطلع عليها ، ولكنها كانت تنظر للا شيء بجمود يسكن داخله قلبًا نازفًا ، فنطق بنبرة هادئة يحاول نزع الغبار عن محبتها له :
- بصيلي يا نهاد .
نفذت رغبته فتمنى لو لم تفعل ، نظرتها لا تضيء بأي هفوة مشاعر ، منطفئة ، ساكنة ، كمدينة حل عليها الخراب ، ليزدرد ريقه وينطق بكلماتٍ أحد من السيف :
- أني مارايدش اطلجك ، انتِ بنت عمي وام ابني وبينا عشرة بردك، وعمري مش حجصر معاكي ، چوازي ده رخصة من ربنا ليا واستخدمتها ، لا أني أول ولا آخر راچل يعمل اكده ، ماتخربيش البيت عشان غيرتك .
كل حرف نطقه ينسف به رصيد احترامه ومحبته لديها، إلا كلمته الأخيرة التي جعلتها تنفجر ضاحكة تحت نظراته المتعجبة، قبل أن تهدأ وتطالعه وتنطق مستنكرة :
- غيرتي ؟ الغيرة دي لما تجولي خلاص حطلجها ونرچع ، إنما أني دلوك لو جولتلي حچبلك نچوم السما جدامك حجولك بردك حتطلجني ، خلاص أني حرمت نفسي عليك .
نظرت أمامها نحو الفراش وتابعت وهي تشير بعينيها :
- وحرمت فرشتك كمان عليا .
نهضت ثم تحركت نحو غرفة الملابس، والتقطت منها كيسًا بلاستيكيًا كبيرًا، ثم عادت تلقي بيه أمامه واستطردت تتكتف، مشيرة برأسها نحو ملابس نومها المقطعة التي بداخله :
- ودول كمان حرمتهم على چتتي .
رفعت نظرها إليه وثبتتها عليه ونطقت بحسرة مقيدة :
- أني طلعتك من جلبي يا مهران ، علشان اكده صدجني الأحسن ليك ولراحتك تطلجني ، وتشوف حالك مع اللي جلبك اختارها .
تثبتت عينيه على ملابسها الممزقة ، لا يصدق أنها تفعل هذا ، وحينما أدرك أنه على وشك فقدها لم يحتمل ذلك، لذا نهض يتقدم منها وينطق بنبرة مغلفة بالقسوة والتحايل كآخر حيلة لديه :
- وبعد ما اطلجك ؟ حتعملي إيه ؟ حترچعي لابوكي واخواتك اللي شايلينك من حساباتهم ؟
لم تجبه ، لم تعد تطيق الحوار معه ، حتى أنها لم تعد تطيق سماعه ، لذا لفت وجهها عنه فتقدم منها حتى بات على مقربة تفضح مشاعره السجينة خلف مئة باب ، ونطق وهو يرنو من أذنها :
- مامطلجش يا نهاد .
مر يغادر وتركها تقف إلى أن أغلق الباب حتى أسرعت توصده وتسمح لنفسها بالانهيار ، جلست أرضًا تنظر أمامها ، تنهار دون بكاء ، أنفاسها مقيدة ، وصدرها ضيق لترفع رأسها عاليًا مستنجدة بربها سرًا كي يعينها على القادم ، وعلى الوقوف أمام ذلك الظالم ،وفي نهاية المطاف لم تستطع كبح هذه الغيوم الكثيفة التي تحولت لدموع غزيرة حينما استعادت كلماته وحركاته وكل ما صدر منه نحوها ..
❈-❈-❈
توقف أمام المحل الذي اشتراه مسعود
ترجل من السيارة وخطا نحوه ، وقف ينظر من خلف نظارته ، من المؤكد أن هذا المحل كلفه الكثير..
منطقة راقية ، تشطيبات فاخرة حديثة ، وأنواع نادرة من الفواكه .
جاءه شابًا يرتدي زيًا مناسبًا للعمل ويتساءل :
- اتفضل اجبلك إيه ؟
نظر له وتساءل :
- مسعود فين ؟
أشار الشاب نحو الداخل يردف :
- اتفضل المعلم مسعود چوة .
أومأ وتحرك نحو الداخل ليراه ، وجده يجلس بأريحية خلف مكتبه ، وحينما لمحه نهض يفتح ذراعيه وينطق بحفاوة فظة :
- أهلًا وسهلًا بابو نسب ، نورت المكان يا دكتور نوح ، اتفضل اتفضل .
جلس نوح ينظر حوله بينما استطرد مسعود وهو ينظر إلى أحد الشباب :
- روح هات طبج فواكه مشكل من اللي عليهم ختم المحل لاجل ما الدكتور يدوج منتچاتنا .
نطق نوح بهدوء :
- مافيش داعي يا مسعود ، أنا چاي اتكلم معاك كلمتين وامشي .
غمز مسعود إلى الشاب بعينه بألا يحضر شيئًا ، ثم نظر إلى نوح يتساءل :
- خير يا دكتور ، اتفضل..
نظف حلقه ونطق بهدوء :
- بقول نحدد الفرح ، يعني مش حنعمل حفلة كبيرة علشان خاطر الحاچ طاهر طبعًا الله يرحمه ، فشوف معاد يناسبك ونتوكل على الله .
فرك مسبحته ونظر له يردف بابتسامة صفراء :
- وماله يا دكتور ، نحدد طبعًا ، بس جبلها أني كنت رايد منك طلب إكده .
استشف نوح مراوغته فزفر يتساءل بثقل :
- خير ؟
هز رأسه مرارًا يجيب بمغزى خبيث :
- خير طبعًا ، أكيد إنت شايف الوضع الچديد ، والحمد لله اتكلمت في شجة زينة إهنه ، والحالة اتيسرت ع الآخر وكله بمجهودي وتعبي من سنين ، فبجول يعني آن الآوان اكمل نص ديني واتچوز..
أدرك مقصده، وغيم الغضب على ملامحه لذا نطق بتجهم يدعي عدم الفهم :
- وأنا دخلي إيه ؟
ابتسم مسعود ونطق بنظراتٍ متحدية :
- كيف ده يا دكتور ؟ دخلك إنك اخو اللي عليها العين ، آنسة ريم .
هب واقفًا وصاح بحدة ثاقبة :
- لاء كدة الكلام حيختلف يا مسعود ، انا چايلك دلوقتي علشان نحدد فرحي على مودة ، ماتفتحش في مواضيع تانية ، وطلّع أختي برا حساباتك .
غضب مسعود وتجهمت ملامحه وهو يجيبه :
- مهو الموضوعين مربوطين ببعض يا دكتور ، نطلب يد الآنسة ريم وتوافج، وساعتها نحدد الخطوبة والفرح في يوم واحد ، ده عين العجل ، ولا إيه ؟
طرق نوح على المكتب متتاليًا ثم نطق بتحذير :
- كده ولا كده مودة مراتي ، انا چيت علشان اخوها الكبير والصح انك تُقفلها وتفرحها ، انما لو حتربط الموضوعين ببعض يبقى حقولك طلبك مرفوض.
التفت يندفع نحو الخارج شاعرًا بالغليان لأول مرة في حياته ، هذا الأخ مستفز لأبعد الحدود ، عن أي طلب يد يتحدث ؟ هل هو مجنون ليعطيه أخته ؟
استقل سيارته وغادر ، وجلس مسعود يبتسم ويقضم من طبق الفواكه الذي أحضره الشاب ، لينطق بعد أن التهم القطعة :
- مش غمزتلك بعيني ماتچيبش حاچة يا واكل ناسك ؟ افرض كان لسة جاعد ؟
صُدم الشاب وتلعثم فأشار له بانزعاج بأن يصمت ويغادر ففعل الشاب وظل هو يلتهم حبات الفاكهة بنهم، ويتوعد بأن يحصل على ما يريد مهما كان،وضعها في رأسه وحسم الأمر ...
❈-❈-❈
تجوب المكتب ذهابًا وإيابًا وتهاتفه مرارًا وتكرارًا ولكنه لا يجيب ، ذهب معها منذ قرابة الساعتين ولم يعد بعد .
تتساءل هل طلقها ؟ أم أنه الآن معها ـــــــ.
اعتصرت ملامحها ونطقت بغيظ وغيرة :
- لاء أكيد ماحصلش ، أكيد هيطلقوا .
عبثت بهاتفها لتعاود الاتصال به ولكنها وجدته يهاتفها فأجابت على الفور بلهفة :
- انت فين يا مهران ؟
أجابها بنبرة هادئة :
- أني روحت البيت يا تيا ، حسيت أني مصدع شوي چيت على إهنه ، خلصي وتعالي .
تعجبت واستحوذت عليها رغبتها في معرفة ماذا حدث، لذا نطقت وهي تتحرك نحو الخارج :
- لاء اخلص إيه وانت في الحالة دي ، أنا جيالك حالًا يا حبيبي .
غادرت المكتب واتجهت لتستقل المصعد ولكن قابلها عمار يخطو من جوارها دون أي اكتراث، لتباغته بنظرة حادة متوعدة قبل أن يفتح باب المصعد وتختفي داخله .
❈-❈-❈
- يا اهل الدار ، العواف عليكم .
نطقتها نجوى وهي تخط قصر آل حامد وتحمل سلة السعف المعتادة فوق رأسها .
خرجت منصورة من غرفتها، تطالعه بابتسامة هادئة ، فالعلاقة بينهما باهتة منذ أمد ، حتى بعد الصلح لم تشعر منصورة بالألفة نحوها ، كذلك حينما أتت مع عبد الوهاب وصابحة في اليوم التالي من زواج نوارة لم تهتم بلقائها بشقيقتها ولم تبدِ أي اشتياق .
نطقت منصورة بترحاب خفيف وهي تتقدم منها :
- الله يعافيكي يا نچوى ، اتفضلي .
أنزلت السلة ووضعتها بالقرب منها، وجلست تبتسم وتنظر حولها، ثم استقرت عند منصورة وتساءلت بعيون ردارية تتفحص ملابس ومجوهرات وملامح شقيقتها المشرقة :
- عاملة إيه يا منصورة ؟
- الحمد لله يا نچوى زينة ، تاعبة حالك ليه ؟
قالتها منصورة وهي تشير نحو السلة فنطقت نجوى توضح :
- تعبك راحة يا ام يونس ، ده راضي ولدي جام من النوم جالي ياما اعمليلنا فطير ، جولتله من عيني ، بس أني عارفة إن نوارة بنت اخوي بتحبه من يدي جوي ، جولت اجي اشوفكم واطمن عليها واجبلها نايبها .
نطقت منصورة بهدوء :
- ومالو يا نچوى ربنا يفرح جلبك بيهم .
نادت بعدها على أسماء فأتت مهرولة فطلبت منها أن تذهب وتنادي نوارة لترى عمتها التي تجلس ورأسها تدور حول كل شيءٍ كرأس البومة .
بعد دقائق نزلت نوارة تبتسم لها وتتجه ترحب بها ، نهضت نجوى تبادلها وتشدد من عناقها ثم جلست و أجلستها جانبها تنطق بلهفة زائفة :
- وحشتيني يا جلب عمتك ، مامتعوداش على بعدك طول الوجت ده ، شوفي چبتلك إيه ؟
قالتها وهي تنحني تكشف عن السلة ليظهر الفطير الشهي أمام أعين نوارة ، لتتابع نجوى بترقب :
- لسة عملاه طازة ، أني عارفة إنك بتحبيه من يد عمتك ، مش إنتِ دوجتي اللي جبتهولك يوم الصباحية ؟
أجابتها بهدوءٍ باهت :
- مافكراش يا عمة ، أبوي كان چايب حاچات كتير ، كتر خيرك مكانلوش لزوم..
لاحظت حالتها وشعرت بالانتشاء لذا تساءلت بخبث :
- مالك يا حبيبتي دبلانة ليه اكده ؟ مابتتغذيش زين ولا إيه ؟
نظرت إلى منصورة التي تتابع حديثهما لتنطق موضحة :
- لا يا عمة باكل ، بس أني بجالي كام يوم تعبانة شوية .
- مالك يا نور عيني، سلامتك..
نظرت لها منصورة محذرة پألا تخبرها، ولكن نوارة لم تفهم عليها،فقد أرادت أن تسرد لعمتها لذا ثبتت أنظارها عليها ونطقت :
- عرفت ان معمول لي سحر يا عمة ، وكان معمول على خاتم في وسط الدهب اللي چالي هدايا ، وأني لبسته من غير ماعرف ومن وجتها وحالتي إكده .
استمعت إليها، لتصفع صدرها فجأة في ردة فعلٍ مبالغ فيها أمام عينيهما ونطقت توزع نظراتها عليهما :
- يا مري ، سحر ؟ ومين اللي يعمل إكده في بت الحاچ عبد الوهاب ؟ لتكوني بيتهيألك يابتي ، معجول اللي بتجوليه ده ؟
أومأت مرارًا بينما نطقت منصورة داعية بحزن :
- حسبي الله ونعم الوكيل في كل بني آدم بيأذي غيره ، مافيش في جلوبهم رحمة ولا ضمير لما يسحروا لصبية زي دي ، ربنا عليهم وحيجعدلهم في حياتهم واولادهم .
حدجتها بنظرة مغلولة تنطق عكسها وهي تقلب وجهها :
- صوح يا خيتي ، بس جولولي عملتوا إيه في الخاتم ده ؟
- يادي النور يا خالة نچوى .
نطقها يونس الذي دلف لتوه، فالتفتت تطالعه بتوترٍ تخفيه بابتسامة مرحبة وتنطق :
- ده نورك يا يونس ، عامل إيه يا ولدي..
جلس أمامها يتفحص نوارة باهتمام قبل أن يجيبها بثقب :
- الحمدلله فضل ونعمة ، اخبارك إنتِ إيه ؟
- زينة يا حبيبي..
توترت ولم ترد فتح موضوع الخاتم خشيةً من أن يكشفها ، لتحبطها نوارة وهي تنظر إلى يونس قائلة :
- عمتي بتسأل عملنا إيه في الخاتم يا يونس ، أني حكيتلها ع اللي حُصل .
ابتسم يومئ لها برغم انزعاجه من إخبارها بما يحدث معهما لأحد حتى لو كانت عمتها ، ولكنه نظر إلى نجوى وأجاب بتريث :
- كان لازمن أفسده لاجل ماغيرنا يلاجيه وينئذي ، دفنته تحت الأرض بعد ما دجيته وقريت عليه .
أومأت تبتسم بما ينافي غليانها فهذا الخاتم كلفها الكثير ، ولكنها أسرعت تتجاوز وتردف بتملق :
- صوح يا ولدي ربنا يزيدك من علمه .
التفتت بعدها تنهي هذا الحوار وتتساءل :
- أومال الحاج زيدان وأبو يونس فين ؟
نهضت منصورة تجيبها :
- زمانهم على وصول ، أني حروح أچهز الوكل علشان نتغدا سوا .
تحركت نحو المطبخ ولكن توقفت حينما دلف أيوب يسند جده المنحني ويصيح بنبرة باكية :
- جوم يا يونس اسند چدي .
انتفض يونس مذعورًا حينما لمح جده منحنيًا ، وشهقت منصورة تخطو نحوه ، بينما هو نطق مطمئنًا برغم تصلب صدره ووخزات قلبه :
- بعد يا وِلد منك ليه ، أني حمشي لحالي .
نفض يد أيوب وتحرك خطوتين ولكنه لم يستطع أن يكمل بل عاد ووضع كفه على صدره يئن من الألم فهرولا نحوه يسندانه ويتحركان به نحو مقعده .
أجلساه وأسرعت منصورة نحو المطبخ تحضر له كوب ماء، بينما جلس يونس على ركبتيه يدلك كفيه ، وأيوب يقف خلف ظهره يدلكه، ونوارة أسرعت تحضر مروحة، بينما وقفت نجوى تطالع مايحدث بتشفي باطني لتنطق :
- سلامة جلبك ياحاچ زيدان ، مالك كفا الله الشر ؟
لم يجِبها أحد، لذا تحركت نحو المطبخ تنظر لشقيقتها وتسترسل :
- أني حمشي يا منصورة وحبجى امر اطمن على الحاچ وجت تاني .
ودعتها وغادرت متأفأفة تتمنى لو تتناول نوارة الفطير فقد طفح الكيل لديها ،ولم تهتم لحالة الرچل،بل أنها ترحب بأي خرابٍ يحل على بيوت أخوتها ..
أما زيدان فنظر لحفيديه بارتياح ، لهفتهما عليه طيبت خاطره، لذا نطق وهو يربت على كتف يونس :
- جوم يا ولدي أني زين وصحتي احسن منيك انت والواد اللي ورايا ده .
جاءت نوارة تحمل المروحة وتضعها أمامه وتبدأ في تشغيلها ، وجاءت منصورة تناوله كأس الماء وتردف باكية :
- إيه اللي حُصل يا بوي ، إنت ماشي من إهنه زين ، أني ماحسيبكش تطلع برا الجصر تاني واصل ، من إهنه ورايح حسان ويونس وأيوب هما اللي حيباشروا العمال والأراضي .
ارتشف الماء وتحمحم ينظر لهم ، خاصةً أيوب الذي التفت وجلس عند ساقه يضع رأسه عليها وبدأ يبكي كطفلٍ صغير .
حاول التقاط نفسه ولكن تصلّب أيسره لم يزُل لذا تنفس من ثقب إبرة ونطق بوهن :
- ودوني اوضتي ارتاح بدام حتجلبوها نواح كاني مُت..
لم يتحملوا جملته ، فهم يستمدون قوتهم منه ، هو ليس كبيرهم فقط ، بل إنهم يرونه الحماية والقوة ووتد العائلة وخيمتها التي تظلل عليهم جميعًا .
حاول أن يستند وينهض فساعداه فلم يعترض، بل خطا معهما نحو غرفته ليستريح ولكي لا يظهر ضعفه لهم .
أراحاه على فراشه فنطق وهو ينسدل لينام :
- يالا اطلعوا دلوك .
نطقت منصورة ببكاءٍ وقلق :
- خليني جاعدة جارك يابوي .
- روحي يا منصورة حطي الوكل واتغدوا ، وبعدين ابجي تعالي وكليني ، بس لما تاكلو الاول .
نطقها آمرًا حينما لمحها على وشك التحرك لإحضار طعامه ، فرضخت مجبرة لتنطق نوارة بنبرة لينة :
- طب اجعد معاك أني يا جدي ؟ ماحعملش صوت واصل .
ابتسم لها ونطق يدللها :
- اطلعي برا يا بجلاوة ، هملوني لحالي بجى اني عايز انام..
أجبروا على التحرك، وآخرهم أيوب المنتحب ، لينطق زيدان قبل أن يغادر :
- ابجى صحيني اصلي المغرب يا أيوب .
نظر له أيوب بخوفٍ كبير ، ثم اومأ وغادر الغرفة ليوقفه يونس قائلًا بخفوت :
- روح هات دكتور يا أيوب ، لازمن كشف وجدك ماحيرضاش يروح يكشف واصل .
أومأ أيوب وتحرك ليغادر فنادته منصورة توقفه قائلة :
- استني يا ولدي لما تتغدى لاول .
- مش واكل حاچة .
نطقها بتخبط وغادر، لتقترب نوارة من يونس وتربت على كتفه داعمة فابتسم لها وحاوطها يقربها منه ويميل على رأسها فنطقت مطمئنة :
- ماتجلجش ، جدي زيدان جوي وحيبقى زين ، هو تلاجيه بس عمل مچهود كبير عليه .
أومأ مرارًا ونطق من بين حزنه يعبر عن فرحته بدعمها وعدم نفورها منه :
- صُح يا بجلاوة .
بادلته ابتسامة اشتاق إليها ولولا حزنه على جده لكان معبرًا لها عن اشتياقه هنا وفي الأعلى ..
❈-❈-❈
طرق باب غرفتها،لم يرِد أن يأتيها محملًا لها بالغضب والضيق من شقيقها،لذا انتظر إلى أن هدأ في شقته،وفكر جيدًا، ثم قرر التحدث إليها ..
فتحت له تطالعه مبتسمة فنطق بترقب :
- عايز اتكلم معاكي يا مودة ، ممكن ادخل ؟
افسحت له بتوتر :
- اتفضل..
دلف وأغلق الباب، واتجه معها نحو الأريكة يجلسان عليها ليردف بهدوء :
- دلوقتي يا مودة لو عملنا الفرح من غير اخوكي تبقى مشكلة بالنسبالك ؟
تفحصته تتساءل باستفهام :
- انت جابلته ؟ مارضيش ييجي صوح ؟
زفر بضيق حينما تذكر حديثه ليسرد لها موضحًا :
- لاء ، هو ليه طلب مقابل إنه يحدد فرحنا ويحضر ، عايز يتقدم لريم اختي .
هزت رأسها استنكارًا ونطقت بريبة :
- لاء ، اوعى تجبل يا نوح .
أمسك بكفيها ونطق مؤكدًا يطمئنها :
- أكيد مش حقبل ، اللي يعمل في اخته كدة مايتأمنش على بنات الناس ، علشان كدة بسألك لو نحدد الفرح ونتجوز ، أنا عارف كويس إن أكيد كان نفسك يحضر ويبقى معاكي في يوم زي ده ، بس صدقيني أنا على استعداد اقوم بدور الأب والأخ والصديق ليكي يا مودة ، المهم عندي إنك ماتحسيش بأي تقصير .
تفحصته لبرهة، تنطق بعيون لامعة على وشك البكاء :
- إنت عامل إكده أصلًا يا نوح ، ومش انت لوحدك ، أمي نچلاء وريم كمان بيعاملوني كاني واحدة منيهم ، أني شوفت إهنه حنان وراحة ماشوفتهاش في عمري كله ، ومين جالك إني نفسي يحضر ؟ أني بخاف منيه جوي ، هو ماسبش چوايا أي ذكرى حلوة ، حتى ورثي أني واثجة إنه هياكله ، بس أني ماريداش حاچة منه ، يبعد عني وحبجى زينة ، بس مش مسمحاه طول عمري على كسره لخاطري دايمًا .
لم يستطع إلا أن يعانقها ، يحتويها ويطيب خاطرها ويردد بتأكيد :
- مين بس اللي يقدر يكسر خاطرك وحبيبك نوح موجود؟ دانا اكسر رجليه الاتنين، انتِ من هنا ورايح ترميه ورا ظهرك وتفكري بس إزاي تنجحي وتقوي، وأي حاچة مديقاكي سبيني أنا افكر فيها مكانك، انتِ بس شاوري على اللي عايزاه حيكون عندك واللي مش عايزاه مش حيبقاله مكان في حياتك أبدًا ، وبعدين حقك حتاخديه لو مش برضاه يبقى بالقانون ، اوعي تتنازلي عن حاجة من حقك وبتاعتك،وانا في ظهرك مهما يكون.
شعرت أنها تتلحف بالنعيم، كلماته كانت كمطرٍ سقط على أرضٍ متعطشة فأنبتت براعمها، آسرها برجولته وحمدت ربها أنها حظيت به، حبها البريء له لم يكن عبثًا، كان يستحق كل نبضة قلب، لتتنفس وهي تهز رأسها رفضًا وتنطق بقلقٍ عليه :
- مارايداش منه لا حج ولا باطل يا نوح ، ماتدخلش وياه في مشاكل يا علشان خاطري ، بعد عنيه لإنه مؤذي .
تنفس بحرارة وأومأ يشدد من احتوائها ثم دنا يطبع قبلة على رأسها وينطق بنبرة قطنية تمتص توترها وقلقها :
- تمام ، حعملك اللي إنتِ عايزاه .
استكانت ولم تعد تمانع استقبال أفعاله، بل تشتهي هذا الاحتواء ، نعم تخجل ، وتتورد وتتسارع نبضاتها ، ولكنها حقًا بحاجة للأمان الذي تجده كلما عانقها ،خاصةً وأنه إن وعد نفذ ..
❈-❈-❈
في الثانية بعد منتصف الليل وعند قصر آل حانا .
حل السكون على النجع، وعلا نقيق الضفادع ، ضوء القمر يملأ المكان وتساعده بعض الأضواء الكهربائية ، والجميع نيام ، إلا من بعض الحراس ، وفرحة..
تقف في غرفتها تضع الخنجر بين راحتيها وتحدق به ، ازدردت ريقها بتيه ، هي على وشك تنفيذ ما خططت له وما تمنته منذ سنوات .
ملامحها محتقنة ، الخوف يلتهم قلبها ويلوكه بين فكيه فيجعل نبضاته متضاربة ، ولكن يجب أن تفعل،ليس أمامها خيارات وإلا ستفقد شقيقها الثاني .
اختنقت في بكاءٍ داخلي ، وغصة مريرة وهي ترى حياتها ذهبت مع شقيقها ولم تعد، وأصبحت كل الدروب تؤدي إلى تدميرها .
بنظرة ميتة قررت أن تخطو بحذرٍ خارج الغرفة بعدما قبضت بيمناها على الخنجر ، لتتجه نحو الغرفة الملتصقة بها والتي ينام بداخلها ، في هذا الوقت تحديدًا يغط في نومٍ عميق قبل أن يستيقظ لصلاة الفجر ، يجب أن تنهي ما ستفعله، وتهرب قبل أن يلاحظها أحد ، أو يلاحظونها لم يعد يهمها شيء ، فلتنهي هذا العذاب ولتنتهي بعدها وليرتاح الجميع .
فتحت الباب وتطلعت حولها لتجد السكون ولا شيء سواه ، ضوءًا خافتًا ترى الردهة بواسطته ..
تحركت بخطواتٍ صامتة، ثم فتحت باب غرفته ودلفت وأغلقت خلفها بحذر .
وقفت تتنفس بصعوبة بالغة ، وهي تراه أمامها ينام بعمق ، تقدمت خطوتين لترى وجهه الذي ينعكس عليه ضوء القمر الآتي من النافذة .
ملامحه واضحة لها،تفاصيل وجهه الرجولية ، هجمت على عقلها أفعاله ، مراعاته لها ، تنفيذ رغباتها ، لم يجبرها على شيء كما كانت تنتظر ، لم ترَ منه سوءًا منذ أن تزوجته ، دومًا يردد أنه لم يكن يرغب في قتل شقيقها ، فهل هناك ذرة شك بأنه بالفعل كان يدافع عن نفسه ؟
اعتصرت عينيها وهزت رأسها ترفض تصديق أي مبرر لبراءته،أو أي عذرٍ تلتمسه لكي لا تفعل،هي أتت لتفعل ..
رفعت قبضتها التي تعامدت على معدته، لتتعالى وتيرة أنفاسها وهي تحاول أن تفعل ، ولكن خانها جسدها وبدأت ترتعش ، حاولت أن تقاوم نفسها ، حتى أنها ظلت تستعيد ذكريات شقيقها كحافزٍ قويٍ لها ، وكادت أن تفعل ولكن قبضتها توقفت قبل أن تصل إليه بمسافة سنتيمترات قليلة،لتصل إلى ضغطٍ كاد أن يفجر قلبها وعقلها ، فألقت بالخنجر أرضًا وسقطت على ركبتيها تبكي وتشهق وتضم رأسها داخل ساقيها في حالة مزرية ..
انتفض مستيقظًا على صوتها، ليجدها في هذه الحالة، لذا أسرع يرنو منها متلهفًا ويحيط كتفيها قبل أن يرى الخنجر أرضًا لذا استشف ما كادت أن تفعله، ليتنفس بعمقٍ ويصمت مبعدًا يديه عنها، لا يعلم أيواسيها أم يعاقبها،أيحتويها أن يبتعد عنها ، ولكنه لم يستطع إلا أن يناديها بهدوء يعادي صخب قلبه،وهو يعاود لمس كتفيها :
- فرحة !
هزت رأسها وكتفيها ، تنفضه وتنطق باختناق :
- ماجدراش اعملها ، ماجدراش .
يحتاج أن يعانقها بشدة ، ويعلم أنها لن تتقبله مطلقًا ، لذا جلس أمامها يقيد نفسه عنها بصعوبة ، لترفع وجهها المحتقن الباكي تطالعه وتردف باستنكار :
- ماجدراش اجتلك ، ماعرفاش إنت عملت فيا إيه ؟ أني كانت امنية حياتي إني أغرز الخنجر ده في جلبك ، عملت فيا ليه إكده ؟ اتچوزتني ليه ؟ إحنا علاجتنا علاجة مسمومة عمرها ما حتنفع .
التوى قلبه برغم أنه استشف مشاعرها ، ولكنه ايضا استشف معاناتها وصراعتها الداخلية، لذا نطق بخفوت :
- اللي يريحك إيه دلوك يا فرحة ؟
- تطلجني .
حدق بها متألمًا ، القمر يجعل من عينيها نجومًا يفترض أن يهتدي بهما ولكنه فقد بوصلته فيهما. لينطق مهمومًا مسحورًا :
- بس أني بحبك يا فرحة .
أسرعت تخفي وجهها في ساقيها وتكمم أذنيها رافضة بشكلٍ تام ما يقوله، وناطقة بأوجاعٍ وجروحٍ لم تندمل بعد :
- اسكت ، ماتتكلمش ، ماتجولش إكده ، وأني بكرهك ، ماتجولش إكده ، ماينفعش .
لف وجه عنها يجفف دمعة قبل أن تخونه وتسقط ونهض يردف بصعوبة :
- تمام ، حعملك اللي إنتِ رايداه .
رفعت وجهها تناظره وتنهض تستفسر بحالة بائسة :
- حطلجني صوح ؟
حدق بها ، تمنى لو أنها تتراجع ، أن تعطيه فرصة ضئيلة ، أو شبه فرصة ، أو أن ترحم قلبه ، ولكنه وجدها متلهفة للخلاص منه لذا أومأ يردف :
- لو ده اللي حيريحك أني حعمله .
تحرك يغادر الغرفة على الفور ، يشعر أن الجدران تطبق على أنفاسه ، لم يعد يحتمل ، لذا غادر وتركها تقف تواري مشاعرها خلف أسوار عالية لا يمكن تسلقها .
انحنت تلتقط خنجرها، ثم تذكرت تهديد شقيقها ، لذا كفكفت دموعها بقسوة، وأسرعت تتحرك نحو غرفتها لتتحدث إليه وتترجاه ألا يفعل ، ليتخليا عن انتقامهما ، يكفي أن تنفصل عنه ..
دلفت غرفتها واتجهت تلتقط هاتفها وتتصل به، ليجيبها بعد وقتٍ حيث نطق منتحبًا :
- فرحة ! چدك تعبان جوي ، تعالي شوفيه .
أغلق وتركها في صدمتها ، كأنها بين الوعي والسُكر ، وحينما استوعبت ما قاله بكت وهرولت للأسفل و لأول مرة جعلتها صدمتها تناديه باستنجاد :
- عمــــــــار .
كان يقف عند باب القصر يستنشق الأوكسجين ويفكر حينما سمع نداءها فعاد للداخل ليجدها كادت أن تسقط من الدرج فأسرع يسندها ليجدها في انهيار تام مسترسلة بفزع من فكرة فقدان محبوب آخر لديها :
- چدي تعبان جوي ، وديني لچدي دلوك .
استيقظت صابحة مذعورة على ندائها فخرجت لتجدها تقف أمامه باكية وهو ينطق محاولًا تهدئتها باحتواء :
- اهدي يا فرحة حيبجى زين ، اطلعي غيري وتعالي حوديكي .
- فيه إيه يا ولدي ؟
صعدت بتخبط نحو الأعلى وهي تجهش في بكاءٍ كثيف ، بينما نطق عمار يجيب والدته :
- الحاچ زيدان باينه تعبان جوي ، ادخلي نامي إنتِ ياما وأني حودي فرحة واطمن عليه وارچع .
نطقت باستنكار :
- لاء ماتحروحش معاها لحالك، استني لما اصحي ابوك ونيچي معاك .
نظر لها مستنكرًا واتجه يقف أمامها وينطق مطمئنًا :
- مش إكدة يا حاچة صابحة، أني راچل كبير مانيش عيل، وبعدين حتصحي أبويا ليه دلوك؟ ادخلي كملي نومك وأني حروح اشوف فيه إيه واكلمك، لو الموضوع لا سمح الله كبير يبجى أبويا يروح، ادعيله بس .
زفرت مطولًا باستسلام وأومأت تنطق :
- لا حول ولا جوة إلا بالله العلي العظيم ، ماشي يا ولدي ربنا يشفيه،وحستنى مكالمتك ليا يا عمار،ماتجلجنيش .
- حاضر .
عادت إلى غرفتها تدعو ربها بأن يحفظه ويشفي الجد ، بينما تحرك هو نحو الأعلى ليجدها ارتدت عباءتها السوداء وحجابها بإهمال، تستعجله بوجهٍ شاحب :
- يالا .
أومأ ونطق بهدوء :
- ححط العباية عليا واجي .
بعد دقائق يقود السيارة، وتجاوره بصمتٍ يشبه صمت البلدة، وهي تفكر ماذا إن فقدت جدها أيضًا، كيف ستكمل حياتها دون أحبة؟ برغم أنه ظلمها بهذا الزواج، إلا أنها لم تستطع تخيل الحياة بدونه مطلقًا ..
لم يمر الكثير حتى وصلا، وعبرا من بوابة القصر ....
توقف فأسرعت تترجل وتركض نحو الداخل وتبعها هو بتمهل .
دلفت فوجدت عمها حسان يخرج من غرفة والده والحزن يرسم لوحته على تقاسيم وجهه، فتحركت نحوها ودلفت تنطق بلهفة :
- چدي..
كانت منصورة تقف عند رأسه، وأيوب على الجهة الأخرى، وهو يتحدث إليهم ويطمئنهم، ولكن الطبيب أخبرهم بوجوب نقله إلى المشفى في أسرع وقت ، وهو يرفض بشدة برغم محاولاتهم، لذا فالحزن يخيم عليهم بعدما شعروا أنهم على وشك فقدانه .
انحنت عليه تعانقه وتقبل يده فابتسم ونطق بترحاب :
- فرحت الحوامدة چت أهي، اطلعوا كلياتكم بجى وهملونا أني وهي لحالنا .
تحركت منصورة بطاعة نحو الخارج، فلمحت عمار يدخل فابتسمت له ابتسامة منكسرة، وبادلته حينما اقترب منها يعانقها ثم ابتعد وتساءل باهتمام :
- ماله چدي يا عمة؟
نظرت له بيأس ونطقت :
- ادعيله يا عمار، أتاري جلبه تعبان من زمان وهو ماكنش بيشتكي ولا بيبن وچعه لحد.
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حدخل اشوفه .
لم ترد أن يلتقي بأيوب ولكنها لم تستطع منعه حينما تحرك صوب الغرفة ودلف .
وجد فرحة تنحني عليه وتحتضن كفه، فتقدم حتى وقف بجاورها، ليتفاجأ به أيوب الذي رفع نظره إليه لبرهة ثم صاح بغضبٍ عاصف وهو يكاد يتحرك نحوه :
- إنت إيه اللي چابك اهنة، اطلع برا..
- أيـــــــــــوب..
نطقها الجد بوهن فتوقف أيوب مكانه، ونهضت فرحة تلتفت إلى عمار وتردف بنظرات ثاقبة :
- ماينفعش تبجى إهنة، ارچع ع الجصر، أني حجعد مع چدي .
حدق فيها لبرهة، ثم رفع نظره يباغت أيوب بنظرة حادة قبل أن يقلب عينيه عنه احترامًا للوضع، وينطق وهو ينظر إلى زيدان :
- ألف سلامة عليك يا چدي .
- الله يسلمك يا ولدي.
قالها زيدان بخفوت، فتحرك بعدها يغادر القصر ويعود من حيث أتى، وهو يتمنى أن يحدث أمرًا يصلح كل شيء، ويعيدها إليه .
أما أيوب فوقف يتلظى بنيران غضبه، فناداه الجد بأنفاسٍ ثقيلة مجهدة :
- تعالى اجعد جاري إهنة يا أيوب، عندي حديت ليك انت واختك لازمن تسمعوه .
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا
مالت عليه لتوقظه قائلة بهدوء :
- مهران ؟ مش كفاية نوم كدة ؟ قوم يالا علشان نروح الشركة .
استيقظ يشعر بآلام عضلية تجهده ، ولكنه حاول أن ينهض فطالعته تتساءل باهتمام :
- انت كويس ؟ لو حاسس إنك لسة تعبان ممكن ماتروحش .
هو بالفعل يشعر بعدم رغبته في النهوض ، ولكن لا يجب أن يستسلم لهذه الحالة ، يجب أن يصلب طوله ليثبت للجميع أنه بخير .
حطت على عقله مشاهد نقاشه مع نهاد بالأمس ، ستتخلى عن طلبها ، ستهدأ وتفكر بشكلٍ منطقي بعيدًا عن المشاعر ، هناك صغير بينهما يجب أن تفكر به ...
رن هاتفه فالتقطته تيا تنظر إليه ، ثم ناولته إياه تردف برهبة :
- مهران ده باباك .
تعجب من اتصال والده به ، ولكن ربما يريده ليتحدث معه ويشارك في حل الخلاف القائم بينه وبين زوجته ، من المؤكد أنه لن يقبل بتطليقها ولن يعيدها لوالدها مهما حدث ، هذه المرة ستتوافق رؤيته مع رؤية والده لذا فتح الخط يجيب بنبرة مترقبة :
- نعم يا ابوي ؟
نطق عبد الوهاب بنبرة مهمومة :
- مستنيك بعد ساعة في الجصر يا مهران .
أغلق معه ، وشيئًا من النشاط أتاه فجعله ينهض وينظر إلى تيا قائلًا بتروٍ :
- انا حروح ع الجصر يا تيا وانتِ روحي الشركة وحخلص واچيلك .
أومأت له ولكنها تساءلت بفضول :
- مقالكش هو عايزك في إيه ؟
هز رأسه بلا ونطق وهو يتحرك نحو الحمام :
- لاء ، اچهزي انتِ يالا .
دخل وتركها تقضم شفتيها حتى كادت أن تدميهما ، ماذا إن أصلح والده بينهما ؟
دبت قدميها في الأرض وزفرت بغضب ثم تحركت لتبدل ثيابها ولترى ماذا سيحدث ..
❈-❈-❈
بعد ساعة
دلف مهران القصر يترقب رؤية والده ، وبالفعل وجده يطل أمامه للتو حيث خرج من المندرة ، يطالعه بملامح حزينة قائلًا :
- تعالى يا مهران .
تقدم منه وتساءل محدقًا فيه :
- خير يابوي ؟
أشار له نحو الداخل فخطّ ليجد نهاد تجلس مرتدية زيًا رسميًا وتنظر أرضًا بصمت ، كاد أن يتحدث ولكنه تفاجأ بوجود مأذون وشاهدين من رجال عبد الوهاب يجلسان على رأس المندرة في انتظاره .
تجمد مكانه ثم التفت ينظر إلى والده ويتساءل بعدما حل الضيق على صدره :
- مين دول ؟
هو يعلم ، ولكن لا يقبل ، لذا زفر عبد الوهاب وربت على ظهره يردف :
- اجعد يا مهران واعملها اللي هي رايداه .
ابتسم ساخرًا بتهكم ولأول مرة يواجهه وينطق بنبرة صلدة :
- حتچبرني تاني ولا إيه ؟ أني ماحطلجش إلا بمزاچي يابوي .
تعجب المأذون مما يراه لذا نطق يوضح :
- يا حاچ عبد الوهاب لو هو ماريدش يبجى حرام علينا ، خليهم يجعدوا ويتفاهموا سوا .
نظر عبد الوهاب إلى نهاد علها تتراجع، ولكنها هزت رأسها مرارًا بألا يتهاون ، وبأن ينفذ وعده لها ، تترجاه ألا يخذلها ، لذا زفر والتفت إلى المأذون وكاد أن يتحدث ولكنه سمع صوت شقيقه يأتي من الخارج قائلًا بغلظة :
- سلام عليكم .
التفت ليجده يدخل المندرة ويجاوره ابنه سيد ، ينظر لوجوه الجميع بتجهم وغضب حتى تسلطت عيناه على ابنته ليصيح بقسوة :
- يبجى اللي سمعته صُوح ؟ رايدة تطلجي يا فـ***** .
- احفظ لسانك يا حسنين.
نطقها عبد الوهاب بغضب ، وباغته مهران بعداء ، وجلست نهاد تطالعه بخيبة أملٍ لم تعد تحصي عددها ، لينطق شقيقها مؤيدًا :
- أبوي معاه حج يا عمي ، يعني إيه عايزة تطلج ؟ وانت ازاي توافجها على حاچة زي دي ؟ ومن ورانا كمان ؟ ده لولا أولاد الحلال ماكناش عرفنا حاچة .
استطرد حسنين يلقي بالتهم على شقيقه بعدما شحنت الأجواء من حولهم :
- لما إنت ماعيزهاش جيت طلبتها لابنك ليه يا عبد الوهاب ؟ عايز تطلجها وترميهالي ؟ ماحيحصلش الحديت ده واصل .
نطق عبد الوهاب متأهبًا بصلابة :
- ارميهالك كيف ؟ نهاد لحمي وام حفيدي، وحتفضل اهنه في الجصر طول عمرها تحت حمايتي ، وحعملها اللي هي رايداه .
جن جنون حسنين فتقدم منها ينوي ضربها ليسرع عبد الوهاب ومهران يقفان يواجهانه بينما هو رفع سبابته يهددها من بينهما :
- مافيش طلاج وإلا مالكيش عندي ديه وحتبرى منيكي كاني مخلفتكيش يا خلفة العار ، من ميتا واحنا عندينا حريم بتطلج ؟ ده إيه الدلع الماسخ ده ؟
نطقت بقهرٍ وجسدها بات يرتعش وهي تواري نفسها خلف عمها لتحتمي به من بطشهما :
- اتچوز عليا يابوي .
لم تهتز له شعره بل استرسل بقسوة بالغة تنزع الروح من الجسد :
- وإيه يعني إن شالله يتچوز عشرة ، شرع ربنا وعمله ، حتعاجبيه ولا إيه ؟
ليصيح شقيقها بقسوة مماثلة :
- أومال لو بيصبحك بعلجة وبيمسيكي بعلجة ، جال طلاج جال ، بينك إكده شوفتي حالك ، وشديتي نفسك ع الآخر يا فـ*** .
صفعه عبد الوهاب يخرسه بكفه الذي نزل على صدغه وجانب فمه ، فلم يعد يتحمل المزيد منهما ، وصاح يردف بوعيد دون اكتراث :
- اجف معووچ واتحدت عدل ياض انت ، ماحدش فيكم يساوي خصلة من شعرها عندي ، چرا إيه يا عيلة آل حانا ؟ هو خلاص الظلم بجى يمشي في عروجكم بدل الدم ؟ اخص ع اللي اعتبركم رچالة .
صدم سيد يضع كفه على صدغه ويلتزم الصمت المخيف جاحظًا عينيه أمام الجميع ، بينما التفت عبد الوهاب ينظر إلى ابنه ويستطرد بغضب سيطر عليه :
- وانت لو ماطلجتهاش دلوك هروح معاها بنفسي للمحامية ونرفع جضية خلع ، وشوف بجى سيرتك اللي حتبجى على كل لسان .
تصنم يطالع والده بحسرة ، ولم يعد يسمع أو يعقل شيئًا من حوله ..
لينطق حسنين محذرًا :
- إنت إكده بتغلط غلط واعر جوي يا عبد الوهاب ، اللي بيحصل ده ماعمروش حصل ولا حيحصل في نچعنا ، البت دي لو اطلجت دلوك لهي بتي ولا اعرفها .
وقف بشموخٍ يوازي غضبه ونطق :
- وهي من ميتا بتك يا حسنين ؟ خد ابنك واتكل على الله من اهنه وانساها .
حدجها من خلفه بنظرة كرهٍ صريحة كأنها إثمٌ عظيمٌ ، ولم يبالِ بقطراتها المنهمرة ولا بارتعاشة جسدها ولا بانهيارها ، بل نظر لابنه ونطق :
- مد يا سيد .
تحرك يغادر ويتبعه ابنه ليكمل عبد الوهاب عليه بعدما استيقظت وحوشه نسبةً للظلم البين الذي يراه :
- وجف يا حسنين نسيت اجولك على خبر كمان..
التفت يحدجه بغضب فتابع عبد الوهاب وهو يمد يده لنهاد كي تنهض ففعلت بجسدٍ على وشك الانهيار ، تقبض على كفه وتحتمي به حينما نطق أمامهم :
- نهاد حتترشح للانتخابات .
نظرات صادمة من الجميع قبل أن يتبادلا نظرات التحدي والكره والحقد والوعيد ، ليندفع بعدها حسنين هو وابنه مغادران القصر برمته ، ويتحرك مهران نحو المأذون يناوله بطاقته بصمتٍ كصمت القبور ، وفي باطنها ضجيج الحسابات المؤجلة ...
وتم الطلاق بعد دقائق ، ونهض ليغادر المكان بكسرة نفسٍ لا توازي مثيلتها، ولكن والده نهض وتبعه حتى وصل إلى الحديقة ، وناداه قبل أن يستقل سيارته فتوقف..
تقدم منه وهو يعلم إن ابنه لا يريد النظر إليه ، وربما هذه المرة الغضب مختلف ، ومن المؤكد أنه خذله وآلمه ، لذا نطق بنبرة مبطنة بالاعتذار :
- أني ماعملتش اكده لاجل ماكسرك ، أني عملت إكده لإن هي اللي كانت حتتكسر ، وأني خايف عليك من المظالم ، وعارف إني غلطت في حجك ، وماعرفش حتسامحني ولا لاء ، بس لازمًا افكرك أنك ابني الكبير ، وحاكم النجع من بعدي انت واخواتك ، وانك الكتف اللي بتسند عليه وممسكه أموال العيلة وشركتنا وأني مطمن لإني خابر زين إنك لا مغفل ولا عبيط ، وبتمنى ربنا يخيب ظني واطلع أني اللي غلطان وتبجى انت اللي اخترت لنفسك الإنسانة اللي تجدرك وتعرف جيمتك وتحبك بعيوبك وماتستغلش وضعك .
لم يجبه، ولم يلتفت له لذا زفر بقوة واستطرد وهو يربت على كتفه :
- مع السلامة يا مهران.
يتبع....
السادس عشر من هنا
