اخر الروايات

رواية طوفان الجارحي الفصل الثاني عشر 12 بقلم نون

رواية طوفان الجارحي الفصل الثاني عشر 12 بقلم نون


نامت شمس دون أن تشعر ورأسها مسنود على حافة السرير ويدها ما زالت متشابكة مع يد زين

الإرهاق قد سرق جسدها رغماً عنها والنوم أخذها لعالم بعيد عن الخوف والهروب والدماء.

استيقظت على صوت زقزقة العصافير وضوء الشمس يتسلل
من النافذة الصغيرة

فتحت عينيها ببطء شديد وشعرت بتيبس في رقبتها من وضعية نومها الغريبة.

نظرت لزين كان ما زال نائماً لكن وجهه بدا أفضل بكثير من الليلة الماضية الشحوب خف قليلاً وتنفسه أصبح منتظماً وهادئاً.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تتأمله هو الرجل الذي أرعبها يبدو
الآن هادئاً كطفل

ملامحه الحادة ارتخت في النوم وبدا أصغر سناً وأكثر إنسانية.

نهضت بهدوء شديد حتى لا توقظه وذهبت للمطبخ الصغير

فتحت الدولاب لتجد بعض علب الفول وأكياس الشاي وسكر ليس كثيراً لكنه يكفي

أشعلت الغاز وبدأت تحضر إفطاراً بسيطاً وضعت الصينية الصغيرة على طاولة خشبية بجوار السرير.

فتح زين عينيه على رائحة الشاي أول شيء رآه كان وجه شمس المبتسم وهي تجلس بجواره

قالت بصوت دافئ
صباح الخير.. حاسس نفسك إزاي دلوقت؟

حاول زين الجلوس فساعدته برفق ووضعت وسادة خلف ظهره تأوه قليلاً من ألم كتفه لكنه ابتسم.

قال بصوت أجش من النوم
أحسن بكتير

نظر للصينية بجواره ثم نظر لها باستغراب
عملتي فطار؟

ضحكت شمس
أيوه.. فول وشاي.. مش فطار فندق خمس نجوم بس هيمشي الحال

ابتسم زين ابتسامة حقيقية وصلت لعينيه وقال

ده أحلى فطار في حياتي.. عشان أنتي اللي عملتيه

احمر وجه شمس قليلاً وقالت وهي تناوله الاكل

كُل الأول وبعدين نتكلم.. جسمك محتاج أكل

أكلا معاً في صمت مريح صمت العاشقين الذين لا يحتاجون كلاماً ليفهموا بعضهم.

كان زين يأكل ببطء وعيناه لا تفارقان وجهها وكأنه يخاف أن تختفي لو أشاح بنظره عنها.

بعد الإفطار نهضت شمس وفتحت النافذة الصغيرة دخل هواء البحر المنعش وملأ الغرفة

قالت وهي تنظر للبحر
المكان ده جميل.. هادي ومفيهوش حد.. زي جزيرة منعزلة

رد زين وهو يراقبها
فعلاً.. رشدي اختار مكان مميز بعيد عن الانظار

التفتت إليه وقالت بجدية
زين.. لازم نتكلم عن اللي جاي مينفعش نفضل مستخبيين

أومأ زين برأسه ببطء
عارف.. بس قبل ما نتكلم عايز أقولك حاجة

جلست بجواره على حافة السرير ونظرت له باهتمام
قول

أمسك يدها بين يديه ونظر لها بعمق

شمس.. أنا طول عمري كنت لوحدي.. حتى وأنا وسط الناس كنت لوحدي

مكنتش بثق في حد.. ومكنتش بسمح لحد يقرب مني

بس أنتي.. أنتي دخلتي حياتي

جيتي تهدديني وتتحديني.. وبدل ما أدمرك زي ما كنت ناوي.. لقيتك بتدمري كل الحيطان اللي بنيتها حوالين قلبي

ابتلعت شمس ريقها بصعوبة وعيناها تلمعان
زين..

أكمل وهو يضغط على يدها
أنا مش بعرف أتكلم كلام حلو ومش بعرف أعبر عن مشاعري

بس اللي عارفه إني من ساعة ما بقيتى أنتي جنبي.. بقيت حاسس إن في أمل

وإن الدنيا مش كلها سواد و إن
في حد ممكن يشوف الإنسان
اللي جوايا مش الوحش اللي بره

نزلت دموع على خد شمس وهي تبتسم

وأنا كمان يا زين.. أنا كنت فاكرة حياتي انتهت لما بابا مات.. كنت فاكرة إني هعيش باقي عمري بدور على انتقام

بس لما شوفتك على حقيقتك.. لما شوفت الألم اللي في عينيك

عرفت إننا متشابهين و إن احنا الاتنين ضحايا لنفس اللعبة القذرة

رفع يدها لشفتيه وقبلها برفق
عشان كده يا شمس.. أنا قررت حاجة

سألته بقلق
إيه؟

قال بجدية
أنا مش هخليكي تفضلي معايا
أنتي حرة يا شمس.. من اللحظة دي

صدمت شمس ونظرت له بعدم تصديق
إيه اللي بتقوله ده؟

قال بهدوء
بقولك إنك حرة.. ولازم تبعدي عن الجحيم ده.. روحي لأمك وعيشي حياة طبيعية بعيد عني..

أنا هساعدك.. هديكي فلوس ومكان آمن وكل حاجة تحتاجيها

نهضت شمس فجأة وابتعدت عنه خطوتين وجهها يحمل مزيجاً من الصدمة والغضب

قالت بحدة
وأنت فاكر إني هسيبك؟ دلوقتي؟ بعد كل اللي عدينا بيه؟ بعد اللي قولتهولك امبارح ؟

نظر لها بعيون حزينة
أنا عارف إنك قولتي إنك بتحبيني بس أنا خايف عليكي يا شمس افهمى البارون مش هيسيبني

وأنا مش مستعد أخاطر بحياتك عشان خاطر حبي ليكي..
لو حصلك حاجة.. مش هعرف أعيش

اقتربت منه مرة أخرى وجلست بجواره وضعت يدها على خده ونظرت في عينيه

اسمعني كويس يا زين الجارحي
أنا مش بنت صغيرة محتاجة حماية

أنا بنت سالم المنشاوي.. البنت اللي اتعلمت فى الفترة اللى فاتت ازاى تحارب.

وأنا اخترت إني أكون جنبك
عشان بحبك.. ووضح انك نسيت حاجه مهمة

نسيت ان حربك هى حربي
فمتحاولش تبعدني تاني.. عشان مش هيحصل

ابتسم زين رغماً عنه ابتسامة فيها إعجاب وحب
أنتي عنيدة أوي يا شمس

ردت بابتسامة
اتعلمت منك يا طوفانى العزيز

مد يده ولمس شعرها برفق
طيب.. لو مصممة تفضلي معايا يبقى لازم نحط خطة محكمة

البارون مش غبي.. وأكيد قالب الدنيا علينا

قالت بجدية
إيه الخطة؟

نظر للنافذة ثم عاد ينظر لها

الملف اللي في الخزنة.. هو سلاحنا الوحيد.. فيه كل الأدلة اللي تقدر تحبس البارون وتنهي
إمبراطوريته.

بس الخزنة دي في مكان صعب الوصول ليه.. في البيت القديم بتاع أبويا في الصعيد

سألته
وإزاي هنوصله والبارون بيراقب كل حاجة؟

قال بتفكير
لازم ننتظر رشدي يرجع.. هو الوحيد اللي يقدر يساعدنا نتحرك بأمان.. ومحتاجين نخطط كل خطوة بدقة

في تلك اللحظة سمعوا صوت سيارة تقترب من الشاليه انتفضت شمس برعب ونظرت من النافذة

تنفست الصعداء حين رأت سيارة رشدي
رشدي.. الحمد لله

نزل رشدي من السيارة يحمل أكياساً فيها طعام ومستلزمات طرق الباب ففتحت له شمس

دخل رشدي ونظر لزين الذي يجلس على السرير
الحمد لله على السلامة.. شكلك أحسن من امبارح بكتير

رد زين بامتنان
بفضل ربنا وبفضلك يا رشدي.. أنت أنقذتنا

وضع رشدي الأكياس على الطاولة وجلس على الكرسي

جبتلكوا أكل وميه ومستلزمات تكفيكوا كام يوم.. والدكتور فاروق هييجي بعد الضهر يكشف عليك تاني.

شكرته شمس بحرارة وبدأت ترتب الأغراض

نظر رشدي لزين بجدية وقال
في حاجة لازم تعرفها يا زين امبارح وأنا راجع البيت.. لقيت رسالة غريبة على تليفوني

تجمد زين في مكانه
رسالة من مين؟

أخرج رشدي هاتفه وأراه الرسالة
رقم مجهول.. بيقول إنهم عارفين مكانك

اتسعت عينا شمس برعب
يعني البارون عرف مكانا؟

هز رشدي رأسه بالنفي

أنا أول ما شوفت الرسالة دي عملت حاجة.. غيرت شريحة التليفون

ورحت للمكان اللي بيستخدمه البارون للمراقبة نظام تحكم

أنا عندي مصدر جواه.. واحد من رجالته بيسربلي معلومات

سأله زين بتوتر
وإيه اللي عرفته؟

قال رشدي
الرسالة دي كانت بلاف.. محاولة للضغط النفسي.. البارون لسه مش عارف مكانكوا الحقيقي

بس بيحاول يخليكوا تخافوا وتغلطوا

بيبعت رسايل لكل الناس بشكل عشوائي عشان يشوف مين هيتحرك

تنفس زين الصعداء
يعني لسه في وقت

أومأ رشدي
أيوه.. بس مش وقت كتير.. البارون بيضيق الدايرة

ولو فضلتوا هنا أكتر من أسبوع هيلاقيكوا.

نظر زين لشمس ثم لرشدي وقال بتصميم

يبقى لازم نتحرك بسرعة.. الملف في الصعيد.. ولازم نجيبه قبل ما الوقت يخلص

سأل رشدي
الصعيد؟
إزاي هتوصلوا والبارون له عيون فى كل مكان

ابتسم زين ابتسامة ماكرة
مين قال إننا هنستخدم الاماكن دى

نظرت له شمس باستفهام
يعني إيه؟

قال زين
أنا عندي صاحب قديم.. اسمه عزت.. بيشتغل في نقل البضايع فى النيل

مراكب صغيرة بتمشي بالليل بعيد عن العيون

لو قدرنا نوصله.. هيوصلنا للصعيد في أمان

سأله رشدي
وتثق فيه؟

رد زين بجدية
عزت من الناس القليلة اللي أثق فيها.. هو كان صاحب أبويا.. ومديون ليه بحياته.. مش هيبعنى أبداً

نهضت شمس ووقفت أمام زين
طيب.. امتى نتحرك؟

نظر لها زين بحنان
أول ما أقدر أمشي كويس.. يومين كمان للراحة.. وبعدين نبدأ الرحلة

أمسكت يده وقالت بتصميم
يومين.. وبعدين نجيب حقنا ونخلص من الكابوس ده للأبد

ابتسم لها وقال
إن شاء الله يا شمس.. إن شاء الله.

وبينما الثلاثة يخططون للمرحلة القادمة كان البحر يهدر في الخارج بأمواجه الهادرة

وكأنه يحذرهم من عاصفة قادمة لا محالة.

لكن هذه المرة زين لم يعد وحده شمس بجواره

ورشدي حليف غير متوقع والأمل بدأ يشرق في الأفق رغم كل الظلام

مرت الأيام الثلاثة ببطء شديد في الشاليه الصغير كانت أياماً هادئة رغم التوتر الذي يسكن في أعماقهم.

زين بدأ يتعافى تدريجياً جرحه التأم بشكل جيد

بفضل زيارات الدكتور فاروق المنتظمة ورعاية شمس التي لم تفارقه لحظة

كان يستيقظ كل صباح على صوتها وهي تحضر الشاي وينام كل ليلة وهي تجلس بجواره تتأمل البحر من النافذة

في صباح اليوم الرابع استيقظ زين ليجد شمس واقفة عند النافذة المفتوحة

الهواء يداعب شعرها الذهبي وأشعة الشمس تضي وجهها.

راقبها بصمت للحظات و قلبه ينبض بشعور غريب لم يعتد عليه شعور بالسلام والحب.

قال
بتفكري في إيه؟

التفتت إليه بابتسامة دافئة
في البحر.. شكله حر ومفيش حاجة بتقيده.. كنت بتمنى نفضل هنا للأبد.. بعيد عن كل حاجة.

نهض زين ببطء ومشى نحوها حتى وقف خلفها لف ذراعه حول خصرها برفق
وأسند ذقنه على كتفها.

همس في أذنها
فى يوم من الأيام يا شمس لما كل ده يخلص

هجيبلك بيت على البحر.. ونعيش فيه إحنا الاتنين بس.. بعيد عن كل الوجع.

أغمضت عينيها وأسندت ظهرها على صدره
وعد؟

قبّل شعرها برفق وقال
وعد ياشمسي

قُطعت اللحظة الهادئة صوت سيارة رشدي تقترب نظرا من النافذة ليراه ينزل بسرعة ووجهه يحمل ملامح جدية.

دخل رشدي الشاليه ونظر لهما
عزت مستنيكوا الليلة عند مرسى قديم على النيل ساعتين بالعربية من هنا.. لازم نتحرك قبل المغرب

تبادل زين وشمس نظرة طويلة نظرة فيها خوف وتصميم وحب.

قال زين بصوت هادئ
يبقى نجهز.. الرحلة هتبدأ الليلة

**يتبع



الثالث عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close